الفصل الخامس _ المعاملات البنكية

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

والبحث عن هذه المعاملات بهدف ربط بعض مسائلها بموضوع بحثنا، وهي المعاملات التي يرد عليها الربا.

اذن لابدّ من: ان نشرح المعاملات البنكية لكي نعلم أي معاملة تكون ربوية وأيّها لا تكون كذلك.
لا يخفى بأنّ المصارف والبنوك توضع فيها ودائع وهي على أقسام أربعة الثابتة والمؤقتة والمتعارفة وودائع التوفير.
امّا الأوّل: وهو أن يودع الانسان مبلغاً ويتفاوض مع أصحاب البنوك، وتكون هذه الوديعة الى مدة معينة، ويدفع البنك طبق التفاوض إليه مقداراً من المال، وبهذا التفاوض لا يمكن للمودع أن يطالب بماله متى أراد، بل لا بدّ من انتهاء مدة العقد.
والثاني: المؤقتة وهي أن يودع ماله، لكن الى مدة قليلة، ويحصل أيضاً على فائدة حسب القرار.
وأمّا الثالث: المتعارفة وهي أن يضع نقوده في البنك لأجل الحفظ والصيانة من السرقة، وله متى أراد أن يطالب بالمال، وليس هناك أي تفاوض بينه وبين البنك، ولكن إذا بقي فالبنك يدفع إليه مبلغاً من المال.
وأمّا القسم الرابع: وهو أن يودع ماله بقصد التوفير وينشئ حساباً خاصاً ويُدفع له دفتراً وهو دائماً يودع ويسحب، وله أن يسحب ماله كله أو قسماً منه متى أراد، وليس هناك أي تفاوض، بل البنك يعطي بنفسه له شيئاً من المال ولو فرض أن قصد المودع أخذ الزيادة ولكن ليس هناك شرط، ويكون أخذ الزيادة ـ في صورة عدم الشرط ودفع البنك بنفسه وهو الذي يقرر المبلغ ـ ليس من الربا، فما يدفعه المصرف بعد ايداع الشخص ماله في الصندوق واعطاء البنك شيئاً من المال كـ m4%n أو m5%n أو أقل أو أكثر؛ لأجل تشويق الأشخاص وترغيبهم في عدم سحب أموالهم أو يدفع جوائز لمن وقعت القرعة باسمه، فالظاهر أنّه كسابقه؛ لأنّه ليس هناك التزام من الطرفين، بل إلزام من طرف واحد وهذا الاعطاء والزيادة أمر راجح، فاذا دفع الشخص أمواله الى البنك بعنوان القرض أو الحفظ وأعطى البنك بعد ردّ المال شيئاً زائداً على أصل المال أو شيئاً في كلّ شهر فهذا يكون مباحاً. كما ورد في صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله(ع) إذا أقرضت الدراهم ثمّ جاءك بخير منها فلا بأس اذا لم يكن بينكما شرط.
وفي خبر آخر: عن حفص بن غياث، عن أبي عبدالله(ع) الربا رباآن: أحدهما: ربا حلال والآخر حرام، فأمّا الحلال فهو أن يقرض الرجل قرضاً طمعاً أن يزيده ويعوّضه بأكثر ممّا أخذه بلا شرط بينهما، فان أعطاه أكثر ممّا أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح، وليس له عندالله ثواب فيما أقرضه وهو قوله عزوجل: (فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ)، وأمّا الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضاً ويشترط أن يردّ أكثر ممّا أخذه وهذا هو الحرام وقد تقدم.
وعن أبي الربيع قال: سُئل أبو عبدالله(ع) عن رجل أقرض رجلاً دراهم فردّ عليه أجود منها بطيبة نفسه وقد علم المستقرض والقارض أنّه إنّما أقرضه ليعطيه أجود منهما، قال: لا بأس إذا طابت نفس المستقرض. وغيرها من الروايات.
وأمّا بناء على الاشتراط فهل يمكن ألاّ تدخل المعاوضة في المسألة الربوية أم لا؟
فقد أراد البعض ادخال هذا العمل في المضاربة، ولكن شروط المضاربة غير متوفّرة هنا؛ لأنّ تعريف المضاربة هو: أن يضع شخص ماله عند شخص آخر لكي يتّجر به ويكون الربح بينهما حسب التفاوض والنسبة المتفق عليها، أمّا إذا لم يكن هناك ربح فلصاحب المال رأس ماله، وليس للعامل شيء، وإذا وردت الخسارة فيتحمّلها صاحب المال من ماله، وأمّا العامل فلا، وهذه هي المضاربة المطلقة، وقد تكون مقيدة، والفرق بينهما أن المطلقة غير مختصة بزمان ولا مكان ولا عمل خاصّ، والمقيّدة هي التي تتقيّد بوقت أو مكان خاص أو نوع من عمل خاص.
إذن تعريف المضاربة لا يشمل المورد.
وقد أدخل المسألة ـ في مسألة مجهول المالك ـ اُستاذنا الأعظم بقوله: mلا يجوز التصرف في المال المقبوض منه بدون إذن الحاكم الشرعي أو وكيلهn وقد ذكر الاقتراض من البنك والايداع فيه في ضمن مسألتين: الاُولى: وهي المسألة الرابعة عنده بقوله: mلا يجوز الاقتراض منه بشرط الزيادة؛ لأنّه ربا بلا فرق بين كون الاقراض مع الرهن أو بدونه، نعم يجوز قبض المال منه بعنوان مجهول المالك، لا القرض باذن الحاكم الشرعي أو وكيله، ولا يضره العلم بأنّ البنك يستوفي الزيادة منه قهراً، فلو طالبه البنك جاز له دفعها حيث لا يسعه التخلفn. والمسألة الثانية: أي الخامسة عنده بقوله: mلا يجوز ايداع المال فيه بعنوان التوفير بشرط الحصول على الربح والفائدة؛ لأنّه ربا. ويمكن التخلّص منه بايداع المال بدون شرط الزيادة، بمعنى أنّه يبني في نفسه على انّ البنك لو لم يدفع له الفائدة لم يطالبها منه، فلو دفع البنك له فائدة جاز له أخذها بعنوان مجهول المالك باذن الحاكم الشرعي أو وكيله ... الخ.
لا يخفى بأنّ حكم مجهول المالك مختص بما اذا كانت الحكومه غير مالكه.
أمّا ما ذكره في المسألة الخامسة: mبأنّه لا يجوز ايداع المال بعنوان التوفير... الخn فالظاهر أنّه لا يحتاج الأخذ منه بعنوان مجهول المالك بعد مالم يشترط، ولا يحتاج الى البناء القلبي؛ لأنّ الالزام إنّما هو من طرف واحد، وهو البنك، حيث ألزم نفسه بدفع المبلغ المذكور، كما تقدم في الرواية: بأنّه لو كان من قصده الزيادة فلا مانع.
اذن لو التزم المقترض اعطاء الفائدة فهو ليس من الربا إلاّ أن يقال: بأنّ معاملة البنوك ليست من هذا القبيل بل بما أنه مما تبانى عليه الطرفان ومنظور أساسي لهما فتكون شرطاً ضمنياً وتبطل المعاملة. نعم لو لم يكن من نية المقرض اخذ الزيادة بل وضعه المال لأجل الحفظ ـ مثلاً ـ ولو التزم المقترض على نفسه اعطاء الزيادة تكون المعاملة صحيحة وليست ربوية.
ومن المعاملات المصرفية: الكمبيالات
لا يخفى انّ الشيء تارة يكون له مالية واعتبار حقيقي ـ كما إذا كان فيه منافع ومتوقّف عليه معائش العباد كالمأكولات والملبوسات ـ وتارة اُخرى تحصل على الماليّة من جهة اعتبار المعتبر ـ كما جعلوا للاوراق النقدية والطوابع اعتباراً ـ وهل الكمبيالات كالأوراق النقدية لها اعتبار مالي أم لا؟
الظاهر أنّها ليست كالأوراق النقدية، حيث يجوز للدائن أن يبيع دينه بأقل ممّا يطلب نقداً، كما إذا كان يطلب مائة فيبيع الأوراق نقداً بتسعين، لأنّها ليست بمكيل ولا موزون. أمّا الكمبيالات فليست كذلك، ولا يمكن للبنك حينما يأخذ الكمبيالة إلاّ دفع قيمتها تماماً ولا يجوز أخذ الفائدة؛ لأنّها ربا.
وبعبارة اُخرى: أنّ الكمبيالة مجرد وثيقة وسند للأجل، وأنّ المبلغ المذكور فيها دين في ذمة من وقّع الكمبيالة أو كتبت باسمه، لا أنّها كالنقود حتى تكون بمنزلة الثمن، ولذا لو ضاعت الكمبيالة أو تلفت ليس بمعنى أنّه تلف مال الدائن وفرغت ذمة المدين، كما اذا باع شيئاً ودفع المشتري إليه كمبيالة وضاعت الكمبيالة فالبائع يطلب المشتري ولم تفرغ ذمته، أمّا اذا دفع المشتري إليه من الأوراق النقدية فتفرغ ذمته وان ضاعت الأوراق.
ثمّ لا يخفى انّ الكمبيالات على نوعين: احداها: عن قرض واقعي، والاُخرى: عن قرض صوري.
ففي الصورة الاُولى: وهي أن يكون الموقّع والدافع للكمبيالة مديناً واقعاً للآخذ، فلو نزلها عند شخص ثالث ـ أي باعها بأقل من الدين الذي قد وقع عليه الكمبيالة نقداً، كما اذا دفعها الى المصرف وبعد ذلك يقوم المصرف بمطالبة الموقّع ـ جاز. أمّا بيعه مؤجّلاً فلا يجوز، كما إذا اقترض من ثالث مالاً ثمّ دفع الكمبيالة التي يستحقها بعد ستة أشهر إليه؛ لأنّه يدخل في بيع الدين بالدين.
وأمّا الكمبيالة الصورية: وهي التي لا تكون ديناً واقعاً للمُوقّع له في ذمة الموقّع.
فاذن لا بيع هناك واقعاً، ولم تكن ذمة الموقّع مشغولة للموقّع له. نعم لو وقّع الحوالة فهي في الواقع اقراض من البنك للموقّع له، ويحوّل الموقّع البنك الذي هو دائن على موقّع الكمبيالة، وهذا يكون في الحقيقة من الحوالة على البريء، فلا يجوز حينئذٍ للبنك أخذ الشيء من قيمة الكمبيالة واقتطاعه تجاه المدة؛ لأنّه رباً محرم.
ومن أعمال البنك إعطاء الحوالات، وهي على قسمين:
الأوّل: افتتاح الحساب والاعتمادات للواردات، مثلاً انّ تاجراً من التجار يشتري من تاجر خارجي بضاعة، وبعد تمامية الشراء يطلب من البنك فتح اعتماد له، ويدفع التاجر الى البنك قيمة البضاعة تماماً أو بعضها ويقوم البنك بتسديد المبلغ وهو يقوم بتسليم البضاعة، وحينما تصل الى بلد التاجر المستورد يخبر البنك مالكها ويكتب له سنداً يجيزه باستلام البضاعة ويأخذ من التاجر ما بقي من قيمة البضاعة.
الثاني: افتتاح الحساب والاعتمادات للصادرات، مثلاً: أحد التجار في الداخل يطلب من تاجر خارجي ارسال بضاعة، فلو لم يكن للتاجر الخارجي وكيلاً لكي يستلم المبلغ فان التاجر الداخلي يفتح حساباًَ في البنك ويرسل الى التاجر الخارجي المبلغ بواسطة البنك، وبعد ارسال البضاعة وتسليمها لأحد الموانئ يستلم قيمة البضاعة من البنك.
مسألة: لو دفع مالاً لآخر واشترط أن يسلّمه في أرض اُخرى فهل هذا من الربا المحرم أم لا؟
لا يخفى انّ المال تارة يكون من المكيل والموزون، واُخرى يكون من المعدود، ونتكلّم في هذه المسألة حسب القاعدة تارة، واُخرى حسب الدليل الوارد. أمّا حسب القاعدة فيمكن أن يقال: بالجواز؛ لأنّه ـ أي البنك ـ يأخذ حق العمل ويمارس عملية لها قيمة، كما قال السيد الشهيد الصدر(قدس سره) في البنك اللاربوي.
ولكن لو فرضنا أنّه كان معدوداً لا مكيلاً ولا موزوناً ففي صورة أنّه جر النفع للمقرض فيكون من الربا، ويجري الربا في المعدود نسيئة، ولكن حسب الروايات الواردة تجوّز هذه المعاملة:
منها: عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبدالله(ع) قال: قلت: يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إياه بأرض اُخرى ويشترط ذلك، قال: لا بأس.
وخبر السكوني، عن أبي عبدالله(ع) قال: قال أمير المؤمنين(ع): لا بأس بأن يأخذ الرجل الدراهم بمكة ويكتب لهم سفاتج أن يعطوها بالكوفة.  
وحسنة عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن الرجل يسلف الرجل الدراهم ينقدها إياه بارض اُخرى والدراهم عدداً، قال: لا بأس. وقد مرّت.
ثمّ لو قلنا: بورود الروايات فانّها مخصصة للآيات، فلا معنى للبحث بأنّ هذا هل هو جر النفع أو عدم الخسارة؟ ففي الصورة الاُولى: هو محرم دون الثانية حتى يقال: بأنّ هذا في الواقع عدم الخسارة، إذ حمل البضاعة من هذا البلد الى بلد آخر يحتاج الى الاُجرة، مضافاً الى المخاطر، وعدم الخسارة ليس بمحرم، إنّما المحرم جر النفع.