سيرته و أدبه

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

سيرته و أدبه
قد ذكر ان له مع أمراء وقته مواقف خطيرة يقدرها التاريخ، وقال الراغب في المحاضرات: كان من أكمل الرجال رأياً وعقلاً وكان شيعياً، سريع الجواب، ثقة في الحديث([1])
وروي أنه كان لأبي الأسود صديق من بني تميم يقال له: مالك أبن الأصرم، وكانت بينه وبين ابن عم له خصومة في دار له، وانّهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكّماه بينهما، فقال له خصم صديق أبي الأسود: إنّي قد عرفت الذي بينك وبين هذا، وأرجو أن لا يحملك ذلك على أن تحيف عليّ بشيء ــ وكان الرجل محقّا ًــ فقضى له أبو الأسود على صديقه، فقال صديقه: والله ما بورك لي في عملك وفقهك حين تقضي عليّ، فقال أبو الأسود في ذلك:
إذا كنتَ مظلوماً فلا تلفِ راضيا
عن القومِ حتى تأخذَ النصفَ وأغضبِ
فان كنتَ أنتَ الظالمَ القومِ فاطّرحْ
مقالتَهم واشغبْ بهم كلَّ مشغبِ
أي : إن كنت أنت ظالم القوم فاترك مقالتهم
وكان عادلاً يحكم بالعدل والإنصاف، وشديد التوكّل على الله، وروي أنّه أراد الشخوص إلى فارس في قبيل الشتاء، وذلك مع خروج ابن الزبير، فقال له بعض إخوانه: لا تشخص يومك هذا فانّك شات، وقد ترى أمر الناس وفساد سبيلهم، فأقم حتى ترى من رأيك ويبلغك عن الطريق صلاح، وينصرم الشتاء فأني أخشى عليك خصالاً غير واحدة.
وعن ابن عائشة قال: أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس فقالت له ابنته انك قد كبرت وهذا صميم شتاء فانتظر حتى ينصرم، وتسلك الطريق أمنا فأني أخشى عليك.
 فقال أبو الأسود:
إذا كنتَ معنيًاً بأمرٍ تريدُه
فما للمضا والتوكلِ مِن مثل
توكّلْ وحّملْ أمرَك اللهَ إنّما
يُراد له اتيك أنتَ له مُخلِ
ولا تحسبنَّ السيرَ أقربَ للردى
من الخفضِ في دارِ المقامةِ والثملِ
ولا تحسبي يا بنتي عز مذهبي
بظنّك ان الظّن يكذب ذا العقل
وانيّ ملاقٍ ما قضى الله فأصبري
ولا تجعلي العلمَ المحققَ كالجهلِ
وانك لا تدرينَ هل ما أخافُه
ابعدي يأتي في رحيلِ أو قبلِ
وكم قد رأيت حاذراً متحفظاً
أصيب وألفته المنية في الأهل([2])
وقال أيضا:
وإذا طلبت من الحوائج حاجةً
فادع الإله وأحسن الأعمالاِ
فليعطينك ما أراد بقدره
فهو اللطيف لما أراد فعالا
انّ العبادَ وشأنَهم وامورَهم
بيدِ الإلهِ يقلّبُ الأحوالا
فدع العباد ولا تكن بطلابهم
لهجا تضعضع للعباد سؤل([3])
و قال أيضاً:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك أذا فعلت عظيم
وأبدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإن أنتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي
بالقول منك وينفع التعليم([4])
 وقال أبو عمرو بن مطر حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: ما ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟
فأنشأ يقول:
وغيرُ تقيٍ يأمرُ الناسَ بالتقى
طبيبٌ يداوي الناسَ وهو مريض
قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.
وقال أبن حجر في الإصابة، وذكر المبرد أن علي أبن أبي طالب(ع) استعمل النعمان على البحرين فجعل يعطي كل من جاء من بني زريق فقال فيه الشاعر وهو أبو الأسود:
الا فتنةٌ قد ألهت الناسَ عنكم
فندلاً زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ
فان ابن عجلانَ الذي قد علمتمُ
يبددُ مالَ اللهِ فعلَ المناهبِ([5])
وله شعر في علي بن الحسين(ع):
وان غلاماً بين كسرى و هاشم
لأكرم من قامت عليه المآتم([6])
وفي معارف ابن قتيبة قال الواقدي: انّه كان من دبا، فمنعوا الصدقة أبا بكر، فوجّه إليهم عكرمة فسبى ذراريهم، وبعث بهم إلى أبي بكر، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ، فأعتقه عمر([7])
وقال الجاحظ: أبو الأسود مقدّم في طبقات الناس، كان معدوداً في الفقهاء والشعراء والمحدثين والحاضري الجواب ومن الشيعة والبخلاء والضلع الأشراف([8]).
 وكان زياد بن أبيه ولّى نعيم بن مسعود النهشلي والحصين بن الحر العنبري عملا من أعمال فارس، فكتب أبو الأسود إليهما كتاباً يلتمس منهماالرفد، فأماّ نعيم فقرأ كتابه ووصله وأجابه، وأمّا الحصين فألقى كتابه ولم يقرأه، فكتب له أبو الأسود:
حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضاً
لسيبك لم يذهب رجائي هنالِكا
وخبّرني من كنت أرسلت انما
أخذت كتابي معرضاً بشمالِكا
نظرت إلى عنوانه ونبذته
كنبذِكَ نعلاً أُخلقت من نعالِكا
نعيمُ بنِ مسعودٍ أحقّ بما أتى
وأنتَ بما تأتي حقيقُ بذلِكا
يصيب وما يدري ويخطي ومادرى
وكيف يكون الجهلَُ إلاّ كذلِكا
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­
  وله أشعار أخرى نذكر منها:
من مبلغ عني خليلي مالكا
رسولاً إليه حيث كان من الأرض
فمالك مسهوماً إذا ما لَقيتَني
تقطع عني طرفَ عينك كالمغضي
فسل بي ولا تستحي مني فأنّه
كذلك بعض الناس يسأل عن بعض
    

سيرته و أدبه

قد ذكر ان له مع أمراء وقته مواقف خطيرة يقدرها التاريخ، وقال الراغب في المحاضرات: كان من أكمل الرجال رأياً وعقلاً وكان شيعياً، سريع الجواب، ثقة في الحديث([1])

وروي أنه كان لأبي الأسود صديق من بني تميم يقال له: مالك أبن الأصرم، وكانت بينه وبين ابن عم له خصومة في دار له، وانّهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكّماه بينهما، فقال له خصم صديق أبي الأسود: إنّي قد عرفت الذي بينك وبين هذا، وأرجو أن لا يحملك ذلك على أن تحيف عليّ بشيء ــ وكان الرجل محقّا ًــ فقضى له أبو الأسود على صديقه، فقال صديقه: والله ما بورك لي في عملك وفقهك حين تقضي عليّ، فقال أبو الأسود في ذلك:

إذا كنتَ مظلوماً فلا تلفِ راضيا

    

 
    

عن القومِ حتى تأخذَ النصفَ وأغضبِ

فان كنتَ أنتَ الظالمَ القومِ فاطّرحْ

    

 
    

مقالتَهم واشغبْ بهم كلَّ مشغبِ

                  

أي : إن كنت أنت ظالم القوم فاترك مقالتهم

وكان عادلاً يحكم بالعدل والإنصاف، وشديد التوكّل على الله، وروي أنّه أراد الشخوص إلى فارس في قبيل الشتاء، وذلك مع خروج ابن الزبير، فقال له بعض إخوانه: لا تشخص يومك هذا فانّك شات، وقد ترى أمر الناس وفساد سبيلهم، فأقم حتى ترى من رأيك ويبلغك عن الطريق صلاح، وينصرم الشتاء فأني أخشى عليك خصالاً غير واحدة.

وعن ابن عائشة قال: أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس فقالت له ابنته انك قد كبرت وهذا صميم شتاء فانتظر حتى ينصرم، وتسلك الطريق أمنا فأني أخشى عليك.

 فقال أبو الأسود:

إذا كنتَ معنيًاً بأمرٍ تريدُه

    

 
    

فما للمضا والتوكلِ مِن مثل

توكّلْ وحّملْ أمرَك اللهَ إنّما

    

 
    

يُراد له اتيك أنتَ له مُخلِ

ولا تحسبنَّ السيرَ أقربَ للردى

    

 
    

من الخفضِ في دارِ المقامةِ والثملِ

ولا تحسبي يا بنتي عز مذهبي

    

 
    

بظنّك ان الظّن يكذب ذا العقل

وانيّ ملاقٍ ما قضى الله فأصبري

    

 
    

ولا تجعلي العلمَ المحققَ كالجهلِ

وانك لا تدرينَ هل ما أخافُه

    

 
    

ابعدي يأتي في رحيلِ أو قبلِ

وكم قد رأيت حاذراً متحفظاً

    

 
    

أصيب وألفته المنية في الأهل([2])

                                                

وقال أيضا:

وإذا طلبت من الحوائج حاجةً

    

 
    

فادع الإله وأحسن الأعمالاِ

فليعطينك ما أراد بقدره

    

 
    

فهو اللطيف لما أراد فعالا

انّ العبادَ وشأنَهم وامورَهم

    

 
    

بيدِ الإلهِ يقلّبُ الأحوالا

فدع العباد ولا تكن بطلابهم

    

 
    

لهجا تضعضع للعباد سؤل([3])

                  

و قال أيضاً:

لاتنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك أذا فعلت عظيم

وأبدأ بنفسك فانهها عن غيها

    

 
    

فإن أنتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي

    

 
    

بالقول منك وينفع التعليم([4])

                              

وقال أبو عمرو بن مطر حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: ما ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟

فأنشأ يقول:

وغيرُ تقيٍ يأمرُ الناسَ بالتقى

    

 
    

طبيبٌ يداوي الناسَ وهو مريض

            

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.

وقال أبن حجر في الإصابة، وذكر المبرد أن علي أبن أبي طالب(ع) استعمل النعمان على البحرين فجعل يعطي كل من جاء من بني زريق فقال فيه الشاعر وهو أبو الأسود:

الا فتنةٌ قد ألهت الناسَ عنكم

    

 
    

فندلاً زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ

فان ابن عجلانَ الذي قد علمتمُ

    

 
    

يبددُ مالَ اللهِ فعلَ المناهبِ([5])

                  

وله شعر في علي بن الحسين(ع):

وان غلاماً بين كسرى و هاشم

    

 
    

لأكرم من قامت عليه المآتم([6])

            

وفي معارف ابن قتيبة قال الواقدي: انّه كان من دبا، فمنعوا الصدقة أبا بكر، فوجّه إليهم عكرمة فسبى ذراريهم، وبعث بهم إلى أبي بكر، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ، فأعتقه عمر([7])

وقال الجاحظ: أبو الأسود مقدّم في طبقات الناس، كان معدوداً في الفقهاء والشعراء والمحدثين والحاضري الجواب ومن الشيعة والبخلاء والضلع الأشراف([8]).

 وكان زياد بن أبيه ولّى نعيم بن مسعود النهشلي والحصين بن الحر العنبري عملا من أعمال فارس، فكتب أبو الأسود إليهما كتاباً يلتمس منهماالرفد، فأماّ نعيم فقرأ كتابه ووصله وأجابه، وأمّا الحصين فألقى كتابه ولم يقرأه، فكتب له أبو الأسود:

حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضاً

    

 
    

لسيبك لم يذهب رجائي هنالِكا

وخبّرني من كنت أرسلت انما

    

 
    

أخذت كتابي معرضاً بشمالِكا

نظرت إلى عنوانه ونبذته

    

 
    

كنبذِكَ نعلاً أُخلقت من نعالِكا

نعيمُ بنِ مسعودٍ أحقّ بما أتى

    

 
    

وأنتَ بما تأتي حقيقُ بذلِكا

يصيب وما يدري ويخطي ومادرى

    

 
    

وكيف يكون الجهلَُ إلاّ كذلِكا
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­
                  

وله أشعار أخرى نذكر منها:

من مبلغ عني خليلي مالكا

    

 
    

رسولاً إليه حيث كان من الأرض

            

فمالك مسهوماً إذا ما لَقيتَني

    

 
    

تقطع عني طرفَ عينك كالمغضي

فسل بي ولا تستحي مني فأنّه

    

 
    

كذلك بعض الناس يسأل عن بعض

            

ومنها:

أعود على المولى وان زل حلمه

    

 
    

بحلمي وكان العود أبقى وأحمدا

وكنت إذا المولى بدا لي غِشُّه

    

 
    

تجاوزتُ عنه وانتظرتُ به غدا

لتحكمه الأيامُ أو لتردَّه

    

 
    

عليّ ولم أبسط لساناً ولا يدا

            

ومنها:

أبى القلب الا أم عمرو وحبها

    

 
    

عجوزا ومن يحبب عجوزا يفندِ

كثوب اليماني قد تقادم عهدُه

    

 
    

ورقعته ماشئتُ في العينِ واليدِ

                  

ومنها أيضا:

 
    

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

    

 
    

فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

    

 
    

كضرائر الحسناءِ قلنَ لوجهها

    

 
    

حسداً وبغياً إنّه لدميمُ

    

 
                              

 
    

والوجه يشرقُ في الظلامِ كأنّه

    

 
    

بدرٌ منيرٌ والسماءُ نجومُ

    

 
    

وكذاك من عظمت عليه نعمة

    

 
    

حسّادُه سيفٌ عليهِ صرومُ

    

 
    

فاترك مجاراةَ السفيهِ فانّها

    

 
    

ندمٌ وغبُّ بعدَ ذاك وخيمُ

    

 
    

وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى

    

 
    

فكلاكما في جريه مذمومُ

    

 
    

وإذا عتبتَ على السفيه ولمتَه

    

 
    

في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ

    

 
    

يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه

    

 
    

هلا لنفسك كان ذا التعليمُ

    

 
    

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك إذا فعلت عظيم

    

 
    

أبدا بنفسك وانهها عن غيّها

    

 
    

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    

 
    

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدي

    

 
    

بالرأي منك وينفع التعليم

    

 
    

تصف الدواءَ وأنتَ أولى بالدوا

    

 
    

وتعالجُ المرضى وأنت سقيمُ

    

 
    

وكذاك تلقح بالرشادِ عقولَنا

    

 
    

أبدا وأنت من الرشادِ عقيمُ

    

 
                              

 
    

ويل الشجي من الخلي فأنّه

    

 
    

نصب الغواة بشجوة مغمومُ

    

 
    

وترى الخلي قريرَ عينٍ لاهيا

    

 
    

وعلى الشجي كآبةٌ وهمومُ

    

 
    

ويقول مالَكَ لا تقولُ مقالتي

    

 
    

ولسان ذا طلق وذا مكظومُ

    

 
    

لا تظلمنْ عِرضَ ابنِ عمَّكَ ظالماً

    

 
    

فإذا فعلتَ فعرضُك المكلومُ

    

 
    

وحريمه أيضاً حريمُك فأحمِه

    

 
    

كيلا يباحَ لديكَ منه حريمُ

    

 
    

وإذا اقتضضت من أبن عمك كلمة

    

 
    

فكلامه لك ان فعلت كلوم

 
    

فاذا طلبت الى كريم حاجة
ج
    

 
    

فلقاؤه يكفيك والتسليم

    

 
    

فاذا راك مسلما ذكر الذي

    

 
    

حملته فكانه محتوم

    

 
    

فارج الكريمَ وان رايتَ جفاءَهُ

    

 
    

فالعتبُ منه والفعالُ كريمُ

    

 
    

وعجبت للدنيا ورغبة اهلها

    

 
    

والرزق فيما بينهم مقسومُ

    

 
    

والأحمق المرزوق احمق من ارى

    

 
    

من أهلها والعاقل المحرومُ
­ج
    

 
                                    

 
    

ثم أنقضى عجبي لعلمي أنه

    

 
    

قدر موافٍ وقتَه معلومُ([9])

    

 
                        

وكان أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي قد لزم منزل أبيه بالبصرة لا ينتجع أرضاً ولا يطلب الرزق في تجارة ولا غيرها فعاتبه أبوه على ذلك.

فقال أبو حرب: إن كان لي رزق فسيأتيني.

فقال له:

وما طلبُ المعيشةِ بالتمني

    

 
    

ولكن ألقِ دلوَكَ في الدلاءِ

يجيء بمثلها طَوراً وطَوراً

    

 
    

يجيء بحمأة وقليلِ ماءِ

ولا تقعد على كسلٍ تمنى

    

 
    

تحيل على المقادرِ والرجاءِ

فانّ مقادرَ الرحمنِ تجري

    

 
    

بأرزاقِ العبادِ من السماءِ

بقبض أو ببسط أو بقدر

    

 
    

وعجزُ المرءِ أسبابُ البلاءِ

                  

وله أيضاً:

لا يكن برقك برقاً خلباً

    

 
    

ان خير البرق ما الغيث معه([10])

            

وكان خطيباً عالماً جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف([11]).

وفي كتاب البخلاء قال أبو الأسود: ((ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم، ومن أخرج ماله من يديه افتقر، ومن افتقر فلا بد له أن يضرع، والضرع: لؤم، وان كان الجود شقيق الكرم، والأنفة أولى بالكرم))([12]).

قال أبو الأسود لأبنته ليلة البناء: إنّ أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل، لا تكثري مباشرة زوجك فيملكّ، ولا تباعدي فيجفوك ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمكّ:

خذ العفو منّي تستديمي مودّتي

    

 
    

ولا تنطقي في سَورتي حين أغضبُ([13])

            

وفي الأغاني قال: شيخ العلم وفقيه الناس أخذ الفقه والنحو من علي(ع) وروى الحديث عنه وعن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن العباس، وأبي ذر الغفاري وغيرهم([14])، وصاحب علي(ع) وخليفة ابن عباس على البصرة.

وقال ابن خلكان: كان من سادات التابعين وأعيانهم، وكان أكمل الرجال رأياً، وأسدّهم عقلاً([15]).

وقال الآمدي: كان حليماً، وشيخاً حازماً، وشاعراً متقناً للمعاني([16]).

وقال الشعبي: ما كان أعفّ أطرافه وأحضر جوابه([17]).

وقال ابن سلام: كان رجل أهل البصرة([18]).

وقال ابن الأعرابي: الفصحاء في الإسلام أربعة، وعدّ أبا الأسود منهم([19]).

وقال ابن سعد: كان ثقة في حديثه([20])، وقد روي أن أبا الأسود ولى القضاء في البصرة ولا عجب بعد أن كان يحسب في عداد المتقدمين من الفقهاء.

وقال: بعض المؤرخين بأن عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان قد استعملا أبا الأسود([21]).

 وعن بعض المؤرخين أن عليا(ع) قد ولى أبا الأسود البصرة([22]) وروي ان عليا(ع) عندما أضطر إلى التحكيم همَّ أن يقدم أبا الأسود فأبى الناس، وحين قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة.

قال له معاوية : بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين، فما كنت تحكم به ؟

قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين وأبناء المهاجرين ، وألفا من الأنصار وأبناء الأنصار .

 ثم ناشدتهم الله: المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء ؟([23])

كان له على باب داره دكان يجلس عليه مرتفع عن الأرض الى قدر صدر الرجل فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان فإذا مر به مار فدعاه الى الأكل لم يجد موضعا يجلس فيه فمر به ذات يوم فتى فدعاه الى الغذاء فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له يا أبا الأسود ان عزمت على الغذاء فأنزل وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظا، حتى أتى على الطعام.

فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟

فقال: لقمان الحكيم.

قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك([24]).

 وكان عبد الله ابن عامر مكرماً لأبي الأسود ملطفا، ثم دخلته جفوه فجفاه لتشيعه. فقال أبو الأسود في ذلك:

ألم تر ما بيني وبينَ أبن عامرٍ

    

 
    

من الودِّ قد بالتْ عليه الثعالبُ

واصبح باقي الود بيني وبينه

    

 
    

كأن لم يكنْ والدهرُ فيه العجائبُ

            

اذا المرءُ لم يحببْك الاتكرّها

    

 
    

بدا لك من أخلاقه ما يغالبُ

فللنأي خيراً من دنوٍ على الأذى

    

 
    

ولا خيرَ فيما يستقلّ المعاتبُ([25])

                  

 

نوادر من سيرته

كان رجل من بني سليم بن منصور يقال له: نسيب ابن حميد يغشى أبا الأسود في منزله ويتحدث إليه في المسجد اذا جلس، فكان نسيب يقول لأبي الأسود كثيرا ما أجد من قومي ولا من غيرهم بآثر عندي منك.

 وربما طلب الحاجة فيركب معه أبو الأسود فيها فاصاب النسيب مستقة أصبهانية مخملة فذكرها لأبي الأسود، وقال قد حدثت نفسي ببيعها.

 فقال له أبو الأسود: أرسل بها إلي، أنظر إليها.

 فأرسل بها نسيب إليه فأعجبت أبا الأسود، فقال: بعنيها بقيمتها، قال: لا بل أكسوكها فأبى أبو الأسود ان يقبلها، فأراها فقيل له ثمن مئتي درهم، فأبى وجعل يماكسه البيع حتى بذلها له بمئتي درهم وخمسين درهما. فقال أبو الأسود: ما أظن بها غلاء وإنها لمن حاجتي فابى وقال خذها.

 فقال أبوالأسود في ذلك:

بعني نسيب ولا ته لي انني

    

 
    

 
    

 
    

لا استثيبُ ولا أُثيبُ الواهبا

 
    

ان العطيةَ خيرُ ما وجهتها

    

 
    

 
    

وحسبتها حمدا وأجرا واجبا

 
    

ومن العطيةِ ما يعودُ غرامةً

    

 
    

 
    

وملامةً تبقي ومنّاً كاذبا

                              

وبلوت أخلاقَ الرجالِ وفعلَهم

    

 
    

 
    

 
    

فشبعتُ عِلما منهمُ وتجارِبا

فأخذتُ منها ما رضيتُ بأخذِه

    

 
    

 
    

 
    

وتركتُ أكثرَ ما هنالِكَ جانبا

فاذا وعدتُ الوعدَ كنتُ كغارمٍ

    

 
    

 
    

 
    

ديناً أُقر بهِ وأُحضِرُ كاتبا

حتى انفذه كما وجهتُه

    

 
    

 
    

 
    

وكفى علي له بنفسي طالبا

واذا فعلتُ فعلتُ غيرَ محاسب

    

 
    

 
    

 
    

وكفى بربِّك جازيا ومحاسِبا

واذا منعتُ منعتُ منعا بينا

    

 
    

 
    

 
    

وارحتُ من طولِ العناءِ الراغبا

لا أشتري الحمدَ القليلَ بقاؤه

    

 
    

 
    

 
    

يوماً بذمِ الدهرِ أجمع واصبا([26])

                                    

وكان المنذر بن الجارود يعجبه حديث أبي الأسود، وكان كل واحد منهما يغشى صاحبه، وكانت لأبي الأسود مقطعة من برود اليمن يكثر لبسها فقال المنذر: لقد ادمنت لبس هذه المقطعة يا ابا الأسود أما تملها؟

فقال أبو الأسود رب ملول لا يستطاع فراقه.

فأرسلها مثلا، فعلم المنذر قد احتاج الى كسوة فأهدى إليه ثيابا.

فقال أبو الأسود في ذلك:

كساني ولم استكسهِ فحمدتُه

    

 
    

أخٌ لكَ يعطيكَ الجزيلَ وناصرُ

وان احقَ الناسِ إن كنتَ حامداً

    

 
    

بحمدكَ مَن أعطاكَ والوجهُ وافرُ([27])

            

وحضر مع علي(ع) حرب صفين، وقدم بعد الجمل.

 وقال لعلي(ع): أما والله لو شهدتك ما قاتلك أزدي.

وقال المدائني: كان لأبي الأسود صديق يقال له الحارث بن خليد وكان في شرف العطاء لأبي الأسود قال: ما يمنعك من طلب الديون فانّ فيه غنىً وخيراً؟ فقال له أبو الأسود: أغناني الله عنه بالقناعة والتحمّل.

فقال: كلاّ ولكنّك تتركه اقامةً على محبّة ابن أبي طالب وبغض هؤلاء القوم.

أنه سمع رجلا يقول من يعشي الجائع ودعاه وعشاه فلما ذهب السائل ليخرج، قال له: هيهات إنما أطعمتك على ألا تؤذي المسلمين الليلة ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح([28]).

 وهاجر إلى البصرة في عهد عمر ابن الخطاب وسكن بها وبنى مسجدا باسمه ومنها انه كان له دار بالبصرة وله جار يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له بعت دارك.

فقال: بل بعت جاري.

ومنها انه كان يخرج إلى السوق ويجر رجليه لإصابة الفالج، وكان موسراً ذا عبيد وأبناء فقيل له قد أغناك الله تعالى في السعي في حاجتك فأجلس في بيتك.

فقال: لو جلست في البيت لبالت علي الشاة([29]).

ونسب إلى السيد علي خان في أنوار الربيع في ذكر أمثال الحكمة منها قول أبي الأسود لأبنه بعد أن قال له:

 (يا بني اذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستثقلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فابسط وإذا مسك عليك فأمسك، ولا تجاود الله فان الله أجود منك، واعلم انه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والحكماء حكام الملوك) ثم انشأ يقول:

العيش لا عيش إلا ما اقتصدتَ فإن

    

 
    

تصرفْ وتبذرْ لقيتَ الضُرَّ والعَطَبا

والعلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبِه

    

 
    

فاطلبْ هُدِيتَ فنونَ العلمِ والأدبا

لا خير في من له أصلٌ بلا أدبٍ

    

 
    

حتى يكونَ على ما زانَه حَدِبا

كم من حسيبٍ اخي عينٍ وطمطمةٍ

    

 
    

فدُمْ لدى القومِ معروقاً اذا انتسبا

                  

 
    

في بيتِ مكرُمَةٍ اباؤه نُجُبٌ

    

 
    

 
    

كانوا رؤوساً فامسى بعدَهم ذنبا

 
    

و خاملٍ مُقرفِ الآباءِ ذي أدبٍ

    

 
    

 
    

نال المعالي بلادأب والرتبا

اضحى عزيزاً عظيمَ الشانِ مشتهراً

    

 
    

 
    

في خدِّه صعر قد ظلّ محتجبا

    

العلمُ كنزٌ و ذخرُ لا نفادَ له

    

 
    

 
    

نِعمَ القرينُ اذا ما صاحبٌ صَحِبا

    

قد يجمعُ المالَ ثم يُسلَبُه
ج
    

 
    

 
    

عما قليل فيلقي الذلَّ والحَربَا

    

وجامعُ العلمِ مغبوطٌ بهِ أبداً

    

 
    

 
    

ولا يحاذرُ منه الفوتَ والسَلَبا

    

يا جامعَ العلمِ نعمَ الذخرُ تجمعُه

    

 
    

 
    

لا تعدِلنَّ به دُرّاً ولا ذهبا([30])

    

 
                                                

ومنها انه قال له رجل: أنك ظرف علم، ووعاء حلم، غير انك بخيل.

 قال: لاخير في ظرف لا يمسك ما فيه، وقال أبو الأسود: امساكك ما في يدك، خير من طلبك ما بيدي غيرك وانشد يقول:

يلومنني في البخلِ جهلاً وضلةً

    

 
    

ولَلبخلُ خيرُ من سؤالِ بخيلِ([31])

            

ومنها انه قيل له: هل شهد معاوية بدراً.

فقال : نعم ولكن من ذاك الجانب.

ومنها أنه اشترى حصانا بتسعة دنانير، واجتاز به على رجل أعور،  فقال: بكم اشتريته؟

قال: قيمته اربعة دنانير ونصف

فقال: معذور انت لأنك نظرت بعين واحدة،فقومته بنصف قيمته ولو نظرته بالعين الأخرى لو كانت صحيحة لقومته ببقية القيمة ومضى الى داره.

وروي انه دخل أبو الأسود على معاوية فقال له: أصبحت جميلا يا أباالأسود، و علقت تميمة تدفع عنك العين.

فقال: أبو الأسود وعرف أنه يهزأ به:

أفنى الشبابَ الذي فارقتُ بهجتَه

    

 
    

كرُّ الجديدينِ مِن آتٍ ومنطلقِ

لم يتركا ليَ في طولِ أختلافهما

    

 
    

شيئاً أخافُ عليه لذعةَ الحَدَقِ

قد كنتُ أرتاعُ للبيضاءِ أنظرُها

    

 
    

في شَعرِ رأسي وقد أيقنتُ بالبَلَقِ

    

والآنَ حينَ خضبتُ الرأسَ فارقني

    

 
    

ما كنت ألتذّ من عَيشي ومن خلقي([32])

    

 
                              

وقال أيام حرب الجمل يخاطب عثمان أبن حنيف:

يابن حنيف قد أتيت فأنفرِ

    

 
    

وطاعنِ القومَ وجالدْ واصبرِ

                       وابرزْ لها مستلئما وشمرِ([33])

    

 
                  

ومن أشعاره في الحكم :

المرءُ يسعى ثم يُدرِكُ مجدَه

    

 
    

حتى يزينَ بالذي لم يَفعَلِ

وترى الشقيَّ اذا تكاملَ غيُّه

    

 
    

يُرمى ويُقذفُ بالذي لم يَعمَلِ([34])

            

وخلّف أبو الأسود من الأولاد: عطا وحرب أو أبا حرب وابنتين، وقال لولده وأهل بيته:

لا يصلح الناس فوضى لا سُراةَ لهم

    

 
    

ولا سُراة اذا جهّالُهم سادوا

والبيتُ لا يبتنى إلا له عَمَدٌ

    

 
    

ولا عمادَ اذا لم تدس أوتادُ

فان تجمع أوتاد وأعمدة

    

 
    

لمعشر بلغوا الامر الذي كادوا

            

وكان لأحد أولاده صديق من باهله، فكان أبو حرب بن أبي الأسود يكثر زيارته وغشيانه، فقال له أبو الأسود في ذلك:

احبب اذا أحببتَ حبّاً مقارباً

    

 
    

فانك لا تدري متى أنتَ نازعُ

وأبغض اذا أبغضت بغضاً مقارباً

    

 
    

فانّك لا تدري متى أنتَ راجعُ

وكن معدناً للحكم واصفحْ عن الأذى

    

 
    

فانّك راءٍ ما علمتَ وسامعُ([35])

            

ومنها اشترى أبو الأسود أمة للخدمة، فجعلت تتعرض منه للنكاح وتتطيب، وتشتمل ثوبها فدعاها أبو الأسود فقال لها: اشتريتك للعمل والخدمة ولم اشترك للنكاح فقال فيها:

اصلاحُ إني لا أريدُكِ للصِبا

    

 
    

فدعي التشمّلَ حولَنا وتبذّلي

إني أريدُكِ للعجينِ وللرَّحا

    

 
    

ولحملِ قربتِنا وغلي المرجلِ

واذا تروّح ضيفُ اهلِكِ أو غدا

    

 
    

فخذي لآخرَ أهبةَ المستقبلِ([36])

(1) نقله عنه في تأسيس الشيعة: ص44.
(2) الأغاني: ج12، ص308.
(3) الأغاني: ج12، ص301.
(4) تفسير القرطبي: ج1، ص367.
(5) معجم رجال الحديث: ج20، السيد الخوئي: ص183.
(6) الإمام زين العابدين /للمقرم: ص428.
(7) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص171.
(8) سير أعلام النبلاء: ص84.
(9) أعيان الشيعة: ج7، ص404.
(10) أعيان الشيعة: ج7، ص403، الأغاني ج12 ص330.
(11) أعيان الشيعة: ج7، ص403.
(12) نقله عنه في أعيان الشيعة: ج7، ص407.
(13) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص174.
(14) معجم الأدباء.
(15) وفيات الأعيان: ج2، ص216.
(16) المؤتلف والمختلف: ص151.
(17) نور القبس: ص8.
(18) طبقات فحول الشعراء: ص12.
(19) نور القبس: ص8.
(20) الطبقات: ج7، ص70.
(21) خزانة الأدب: ج1، ص136.
(22) الأغاني: ج12، ص297.
(23) العقد الفريد لابن عبد ربه : ج4، ص349.
(24) الغدير: ج2، ص146، تاريخ ابن عساكر: ج7، ص104-106.
(25) ديوان أبو الأسود: ص275.                                        
(26) ديوان أبو الأسود: ص250.
(27) ديوان أبو الأسود: ص59.
(28) جمع الجواهر: ص206.
(29) الكنى والألقاب: ص9.
(30) ديوان أبو الأسود: ص384.
(31) العقد الفريد: ج6، ص296.
(32) نور القبس: ص10.
(33) تاريخ الطبري: ج4، ص463.
(34) حياة الحيوان للجاحظ: ص50.
(35) الأغاني: ج12، ص318.
(36) الأغاني: ج12، ص331.
سيرته و أدبه
قد ذكر ان له مع أمراء وقته مواقف خطيرة يقدرها التاريخ، وقال الراغب في المحاضرات: كان من أكمل الرجال رأياً وعقلاً وكان شيعياً، سريع الجواب، ثقة في الحديث([1])
وروي أنه كان لأبي الأسود صديق من بني تميم يقال له: مالك أبن الأصرم، وكانت بينه وبين ابن عم له خصومة في دار له، وانّهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكّماه بينهما، فقال له خصم صديق أبي الأسود: إنّي قد عرفت الذي بينك وبين هذا، وأرجو أن لا يحملك ذلك على أن تحيف عليّ بشيء ــ وكان الرجل محقّا ًــ فقضى له أبو الأسود على صديقه، فقال صديقه: والله ما بورك لي في عملك وفقهك حين تقضي عليّ، فقال أبو الأسود في ذلك:
إذا كنتَ مظلوماً فلا تلفِ راضيا
عن القومِ حتى تأخذَ النصفَ وأغضبِ
فان كنتَ أنتَ الظالمَ القومِ فاطّرحْ
مقالتَهم واشغبْ بهم كلَّ مشغبِ
أي : إن كنت أنت ظالم القوم فاترك مقالتهم
وكان عادلاً يحكم بالعدل والإنصاف، وشديد التوكّل على الله، وروي أنّه أراد الشخوص إلى فارس في قبيل الشتاء، وذلك مع خروج ابن الزبير، فقال له بعض إخوانه: لا تشخص يومك هذا فانّك شات، وقد ترى أمر الناس وفساد سبيلهم، فأقم حتى ترى من رأيك ويبلغك عن الطريق صلاح، وينصرم الشتاء فأني أخشى عليك خصالاً غير واحدة.
وعن ابن عائشة قال: أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس فقالت له ابنته انك قد كبرت وهذا صميم شتاء فانتظر حتى ينصرم، وتسلك الطريق أمنا فأني أخشى عليك.
 فقال أبو الأسود:
إذا كنتَ معنيًاً بأمرٍ تريدُه
فما للمضا والتوكلِ مِن مثل
توكّلْ وحّملْ أمرَك اللهَ إنّما
یراد له اتيك أنتَ له مُخلِ
ولا تحسبنَّ السيرَ أقربَ للردى
من الخفضِ في دارِ المقامةِ والثملِ
ولا تحسبي يا بنتي عز مذهبي
بظنّك ان الظّن يكذب ذا العقل
وانيّ ملاقٍ ما قضى الله فأصبري
ولا تجعلي العلمَ المحققَ كالجهلِ
وانك لا تدرينَ هل ما أخافُه
ابعدي يأتي في رحيلِ أو قبلِ
وكم قد رأيت حاذراً متحفظاً
أصيب وألفته المنية في الأهل([2])
وقال أيضا:
وإذا طلبت من الحوائج حاجةً
فادع الإله وأحسن الأعمالاِ
فليعطينك ما أراد بقدره
فهو اللطيف لما أراد فعالا
انّ العبادَ وشأنَهم وامورَهم
بيدِ الإلهِ يقلّبُ الأحوالا
فدع العباد ولا تكن بطلابهم
لهجا تضعضع للعباد سؤل([3])
و قال أيضاً:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك أذا فعلت عظيم
وأبدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإن أنتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي
بالقول منك وينفع التعليم([4])
                  

سيرته و أدبه

قد ذكر ان له مع أمراء وقته مواقف خطيرة يقدرها التاريخ، وقال الراغب في المحاضرات: كان من أكمل الرجال رأياً وعقلاً وكان شيعياً، سريع الجواب، ثقة في الحديث([1])

وروي أنه كان لأبي الأسود صديق من بني تميم يقال له: مالك أبن الأصرم، وكانت بينه وبين ابن عم له خصومة في دار له، وانّهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكّماه بينهما، فقال له خصم صديق أبي الأسود: إنّي قد عرفت الذي بينك وبين هذا، وأرجو أن لا يحملك ذلك على أن تحيف عليّ بشيء ــ وكان الرجل محقّا ًــ فقضى له أبو الأسود على صديقه، فقال صديقه: والله ما بورك لي في عملك وفقهك حين تقضي عليّ، فقال أبو الأسود في ذلك:

إذا كنتَ مظلوماً فلا تلفِ راضيا

    

 
    

عن القومِ حتى تأخذَ النصفَ وأغضبِ

فان كنتَ أنتَ الظالمَ القومِ فاطّرحْ

    

 
    

مقالتَهم واشغبْ بهم كلَّ مشغبِ

                  

أي : إن كنت أنت ظالم القوم فاترك مقالتهم

وكان عادلاً يحكم بالعدل والإنصاف، وشديد التوكّل على الله، وروي أنّه أراد الشخوص إلى فارس في قبيل الشتاء، وذلك مع خروج ابن الزبير، فقال له بعض إخوانه: لا تشخص يومك هذا فانّك شات، وقد ترى أمر الناس وفساد سبيلهم، فأقم حتى ترى من رأيك ويبلغك عن الطريق صلاح، وينصرم الشتاء فأني أخشى عليك خصالاً غير واحدة.

وعن ابن عائشة قال: أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس فقالت له ابنته انك قد كبرت وهذا صميم شتاء فانتظر حتى ينصرم، وتسلك الطريق أمنا فأني أخشى عليك.

 فقال أبو الأسود:

إذا كنتَ معنيًاً بأمرٍ تريدُه

    

 
    

فما للمضا والتوكلِ مِن مثل

توكّلْ وحّملْ أمرَك اللهَ إنّما

    

 
    

يُراد له اتيك أنتَ له مُخلِ

ولا تحسبنَّ السيرَ أقربَ للردى

    

 
    

من الخفضِ في دارِ المقامةِ والثملِ

ولا تحسبي يا بنتي عز مذهبي

    

 
    

بظنّك ان الظّن يكذب ذا العقل

وانيّ ملاقٍ ما قضى الله فأصبري

    

 
    

ولا تجعلي العلمَ المحققَ كالجهلِ

وانك لا تدرينَ هل ما أخافُه

    

 
    

ابعدي يأتي في رحيلِ أو قبلِ

وكم قد رأيت حاذراً متحفظاً

    

 
    

أصيب وألفته المنية في الأهل([2])

                                                

وقال أيضا:

وإذا طلبت من الحوائج حاجةً

    

 
    

فادع الإله وأحسن الأعمالاِ

فليعطينك ما أراد بقدره

    

 
    

فهو اللطيف لما أراد فعالا

انّ العبادَ وشأنَهم وامورَهم

    

 
    

بيدِ الإلهِ يقلّبُ الأحوالا

فدع العباد ولا تكن بطلابهم

    

 
    

لهجا تضعضع للعباد سؤل([3])

                  

و قال أيضاً:

لاتنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك أذا فعلت عظيم

وأبدأ بنفسك فانهها عن غيها

    

 
    

فإن أنتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي

    

 
    

بالقول منك وينفع التعليم([4])

                              

وقال أبو عمرو بن مطر حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: ما ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟

فأنشأ يقول:

وغيرُ تقيٍ يأمرُ الناسَ بالتقى

    

 
    

طبيبٌ يداوي الناسَ وهو مريض

            

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.

وقال أبن حجر في الإصابة، وذكر المبرد أن علي أبن أبي طالب(ع) استعمل النعمان على البحرين فجعل يعطي كل من جاء من بني زريق فقال فيه الشاعر وهو أبو الأسود:

الا فتنةٌ قد ألهت الناسَ عنكم

    

 
    

فندلاً زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ

فان ابن عجلانَ الذي قد علمتمُ

    

 
    

يبددُ مالَ اللهِ فعلَ المناهبِ([5])

                  

وله شعر في علي بن الحسين(ع):

وان غلاماً بين كسرى و هاشم

    

 
    

لأكرم من قامت عليه المآتم([6])

            

وفي معارف ابن قتيبة قال الواقدي: انّه كان من دبا، فمنعوا الصدقة أبا بكر، فوجّه إليهم عكرمة فسبى ذراريهم، وبعث بهم إلى أبي بكر، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ، فأعتقه عمر([7])

وقال الجاحظ: أبو الأسود مقدّم في طبقات الناس، كان معدوداً في الفقهاء والشعراء والمحدثين والحاضري الجواب ومن الشيعة والبخلاء والضلع الأشراف([8]).

 وكان زياد بن أبيه ولّى نعيم بن مسعود النهشلي والحصين بن الحر العنبري عملا من أعمال فارس، فكتب أبو الأسود إليهما كتاباً يلتمس منهماالرفد، فأماّ نعيم فقرأ كتابه ووصله وأجابه، وأمّا الحصين فألقى كتابه ولم يقرأه، فكتب له أبو الأسود:

حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضاً

    

 
    

لسيبك لم يذهب رجائي هنالِكا

وخبّرني من كنت أرسلت انما

    

 
    

أخذت كتابي معرضاً بشمالِكا

نظرت إلى عنوانه ونبذته

    

 
    

كنبذِكَ نعلاً أُخلقت من نعالِكا

نعيمُ بنِ مسعودٍ أحقّ بما أتى

    

 
    

وأنتَ بما تأتي حقيقُ بذلِكا

يصيب وما يدري ويخطي ومادرى

    

 
    

وكيف يكون الجهلَُ إلاّ كذلِكا
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­
                  

وله أشعار أخرى نذكر منها:

من مبلغ عني خليلي مالكا

    

 
    

رسولاً إليه حيث كان من الأرض

            

فمالك مسهوماً إذا ما لَقيتَني

    

 
    

تقطع عني طرفَ عينك كالمغضي

فسل بي ولا تستحي مني فأنّه

    

 
    

كذلك بعض الناس يسأل عن بعض

            

ومنها:

أعود على المولى وان زل حلمه

    

 
    

بحلمي وكان العود أبقى وأحمدا

وكنت إذا المولى بدا لي غِشُّه

    

 
    

تجاوزتُ عنه وانتظرتُ به غدا

لتحكمه الأيامُ أو لتردَّه

    

 
    

عليّ ولم أبسط لساناً ولا يدا

            

ومنها:

أبى القلب الا أم عمرو وحبها

    

 
    

عجوزا ومن يحبب عجوزا يفندِ

كثوب اليماني قد تقادم عهدُه

    

 
    

ورقعته ماشئتُ في العينِ واليدِ

                  

ومنها أيضا:

 
    

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

    

 
    

فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

    

 
    

كضرائر الحسناءِ قلنَ لوجهها

    

 
    

حسداً وبغياً إنّه لدميمُ

    

 
                              

 
    

والوجه يشرقُ في الظلامِ كأنّه

    

 
    

بدرٌ منيرٌ والسماءُ نجومُ

    

 
    

وكذاك من عظمت عليه نعمة

    

 
    

حسّادُه سيفٌ عليهِ صرومُ

    

 
    

فاترك مجاراةَ السفيهِ فانّها

    

 
    

ندمٌ وغبُّ بعدَ ذاك وخيمُ

    

 
    

وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى

    

 
    

فكلاكما في جريه مذمومُ

    

 
    

وإذا عتبتَ على السفيه ولمتَه

    

 
    

في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ

    

 
    

يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه

    

 
    

هلا لنفسك كان ذا التعليمُ

    

 
    

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك إذا فعلت عظيم

    

 
    

أبدا بنفسك وانهها عن غيّها

    

 
    

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    

 
    

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدي

    

 
    

بالرأي منك وينفع التعليم

    

 
    

تصف الدواءَ وأنتَ أولى بالدوا

    

 
    

وتعالجُ المرضى وأنت سقيمُ

    

 
    

وكذاك تلقح بالرشادِ عقولَنا

    

 
    

أبدا وأنت من الرشادِ عقيمُ

    

 
                              

 
    

ويل الشجي من الخلي فأنّه

    

 
    

نصب الغواة بشجوة مغمومُ

    

 
    

وترى الخلي قريرَ عينٍ لاهيا

    

 
    

وعلى الشجي كآبةٌ وهمومُ

    

 
    

ويقول مالَكَ لا تقولُ مقالتي

    

 
    

ولسان ذا طلق وذا مكظومُ

    

 
    

لا تظلمنْ عِرضَ ابنِ عمَّكَ ظالماً

    

 
    

فإذا فعلتَ فعرضُك المكلومُ

    

 
    

وحريمه أيضاً حريمُك فأحمِه

    

 
    

كيلا يباحَ لديكَ منه حريمُ

    

 
    

وإذا اقتضضت من أبن عمك كلمة

    

 
    

فكلامه لك ان فعلت كلوم

 
    

فاذا طلبت الى كريم حاجة
ج
    

 
    

فلقاؤه يكفيك والتسليم

    

 
    

فاذا راك مسلما ذكر الذي

    

 
    

حملته فكانه محتوم

    

 
    

فارج الكريمَ وان رايتَ جفاءَهُ

    

 
    

فالعتبُ منه والفعالُ كريمُ

    

 
    

وعجبت للدنيا ورغبة اهلها

    

 
    

والرزق فيما بينهم مقسومُ

    

 
    

والأحمق المرزوق احمق من ارى

    

 
    

من أهلها والعاقل المحرومُ
­ج
    

 
                                    

 
    

ثم أنقضى عجبي لعلمي أنه

    

 
    

قدر موافٍ وقتَه معلومُ([9])

    

 
                        

وكان أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي قد لزم منزل أبيه بالبصرة لا ينتجع أرضاً ولا يطلب الرزق في تجارة ولا غيرها فعاتبه أبوه على ذلك.

فقال أبو حرب: إن كان لي رزق فسيأتيني.

فقال له:

وما طلبُ المعيشةِ بالتمني

    

 
    

ولكن ألقِ دلوَكَ في الدلاءِ

يجيء بمثلها طَوراً وطَوراً

    

 
    

يجيء بحمأة وقليلِ ماءِ

ولا تقعد على كسلٍ تمنى

    

 
    

تحيل على المقادرِ والرجاءِ

فانّ مقادرَ الرحمنِ تجري

    

 
    

بأرزاقِ العبادِ من السماءِ

بقبض أو ببسط أو بقدر

    

 
    

وعجزُ المرءِ أسبابُ البلاءِ

                  

وله أيضاً:

لا يكن برقك برقاً خلباً

    

 
    

ان خير البرق ما الغيث معه([10])

            

وكان خطيباً عالماً جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف([11]).

وفي كتاب البخلاء قال أبو الأسود: ((ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم، ومن أخرج ماله من يديه افتقر، ومن افتقر فلا بد له أن يضرع، والضرع: لؤم، وان كان الجود شقيق الكرم، والأنفة أولى بالكرم))([12]).

قال أبو الأسود لأبنته ليلة البناء: إنّ أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل، لا تكثري مباشرة زوجك فيملكّ، ولا تباعدي فيجفوك ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمكّ:

خذ العفو منّي تستديمي مودّتي

    

 
    

ولا تنطقي في سَورتي حين أغضبُ([13])

            

وفي الأغاني قال: شيخ العلم وفقيه الناس أخذ الفقه والنحو من علي(ع) وروى الحديث عنه وعن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن العباس، وأبي ذر الغفاري وغيرهم([14])، وصاحب علي(ع) وخليفة ابن عباس على البصرة.

وقال ابن خلكان: كان من سادات التابعين وأعيانهم، وكان أكمل الرجال رأياً، وأسدّهم عقلاً([15]).

وقال الآمدي: كان حليماً، وشيخاً حازماً، وشاعراً متقناً للمعاني([16]).

وقال الشعبي: ما كان أعفّ أطرافه وأحضر جوابه([17]).

وقال ابن سلام: كان رجل أهل البصرة([18]).

وقال ابن الأعرابي: الفصحاء في الإسلام أربعة، وعدّ أبا الأسود منهم([19]).

وقال ابن سعد: كان ثقة في حديثه([20])، وقد روي أن أبا الأسود ولى القضاء في البصرة ولا عجب بعد أن كان يحسب في عداد المتقدمين من الفقهاء.

وقال: بعض المؤرخين بأن عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان قد استعملا أبا الأسود([21]).

 وعن بعض المؤرخين أن عليا(ع) قد ولى أبا الأسود البصرة([22]) وروي ان عليا(ع) عندما أضطر إلى التحكيم همَّ أن يقدم أبا الأسود فأبى الناس، وحين قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة.

قال له معاوية : بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين، فما كنت تحكم به ؟

قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين وأبناء المهاجرين ، وألفا من الأنصار وأبناء الأنصار .

 ثم ناشدتهم الله: المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء ؟([23])

كان له على باب داره دكان يجلس عليه مرتفع عن الأرض الى قدر صدر الرجل فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان فإذا مر به مار فدعاه الى الأكل لم يجد موضعا يجلس فيه فمر به ذات يوم فتى فدعاه الى الغذاء فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له يا أبا الأسود ان عزمت على الغذاء فأنزل وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظا، حتى أتى على الطعام.

فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟

فقال: لقمان الحكيم.

قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك([24]).

 وكان عبد الله ابن عامر مكرماً لأبي الأسود ملطفا، ثم دخلته جفوه فجفاه لتشيعه. فقال أبو الأسود في ذلك:

ألم تر ما بيني وبينَ أبن عامرٍ

    

 
    

من الودِّ قد بالتْ عليه الثعالبُ

واصبح باقي الود بيني وبينه

    

 
    

كأن لم يكنْ والدهرُ فيه العجائبُ

            

اذا المرءُ لم يحببْك الاتكرّها

    

 
    

بدا لك من أخلاقه ما يغالبُ

فللنأي خيراً من دنوٍ على الأذى

    

 
    

ولا خيرَ فيما يستقلّ المعاتبُ([25])

                  

 

نوادر من سيرته

كان رجل من بني سليم بن منصور يقال له: نسيب ابن حميد يغشى أبا الأسود في منزله ويتحدث إليه في المسجد اذا جلس، فكان نسيب يقول لأبي الأسود كثيرا ما أجد من قومي ولا من غيرهم بآثر عندي منك.

 وربما طلب الحاجة فيركب معه أبو الأسود فيها فاصاب النسيب مستقة أصبهانية مخملة فذكرها لأبي الأسود، وقال قد حدثت نفسي ببيعها.

 فقال له أبو الأسود: أرسل بها إلي، أنظر إليها.

 فأرسل بها نسيب إليه فأعجبت أبا الأسود، فقال: بعنيها بقيمتها، قال: لا بل أكسوكها فأبى أبو الأسود ان يقبلها، فأراها فقيل له ثمن مئتي درهم، فأبى وجعل يماكسه البيع حتى بذلها له بمئتي درهم وخمسين درهما. فقال أبو الأسود: ما أظن بها غلاء وإنها لمن حاجتي فابى وقال خذها.

 فقال أبوالأسود في ذلك:

بعني نسيب ولا ته لي انني

    

 
    

 
    

 
    

لا استثيبُ ولا أُثيبُ الواهبا

 
    

ان العطيةَ خيرُ ما وجهتها

    

 
    

 
    

وحسبتها حمدا وأجرا واجبا

 
    

ومن العطيةِ ما يعودُ غرامةً

    

 
    

 
    

وملامةً تبقي ومنّاً كاذبا

                              

وبلوت أخلاقَ الرجالِ وفعلَهم

    

 
    

 
    

 
    

فشبعتُ عِلما منهمُ وتجارِبا

فأخذتُ منها ما رضيتُ بأخذِه

    

 
    

 
    

 
    

وتركتُ أكثرَ ما هنالِكَ جانبا

فاذا وعدتُ الوعدَ كنتُ كغارمٍ

    

 
    

 
    

 
    

ديناً أُقر بهِ وأُحضِرُ كاتبا

حتى انفذه كما وجهتُه

    

 
    

 
    

 
    

وكفى علي له بنفسي طالبا

واذا فعلتُ فعلتُ غيرَ محاسب

    

 
    

 
    

 
    

وكفى بربِّك جازيا ومحاسِبا

واذا منعتُ منعتُ منعا بينا

    

 
    

 
    

 
    

وارحتُ من طولِ العناءِ الراغبا

لا أشتري الحمدَ القليلَ بقاؤه

    

 
    

 
    

 
    

يوماً بذمِ الدهرِ أجمع واصبا([26])

                                    

وكان المنذر بن الجارود يعجبه حديث أبي الأسود، وكان كل واحد منهما يغشى صاحبه، وكانت لأبي الأسود مقطعة من برود اليمن يكثر لبسها فقال المنذر: لقد ادمنت لبس هذه المقطعة يا ابا الأسود أما تملها؟

فقال أبو الأسود رب ملول لا يستطاع فراقه.

فأرسلها مثلا، فعلم المنذر قد احتاج الى كسوة فأهدى إليه ثيابا.

فقال أبو الأسود في ذلك:

كساني ولم استكسهِ فحمدتُه

    

 
    

أخٌ لكَ يعطيكَ الجزيلَ وناصرُ

وان احقَ الناسِ إن كنتَ حامداً

    

 
    

بحمدكَ مَن أعطاكَ والوجهُ وافرُ([27])

            

وحضر مع علي(ع) حرب صفين، وقدم بعد الجمل.

 وقال لعلي(ع): أما والله لو شهدتك ما قاتلك أزدي.

وقال المدائني: كان لأبي الأسود صديق يقال له الحارث بن خليد وكان في شرف العطاء لأبي الأسود قال: ما يمنعك من طلب الديون فانّ فيه غنىً وخيراً؟ فقال له أبو الأسود: أغناني الله عنه بالقناعة والتحمّل.

فقال: كلاّ ولكنّك تتركه اقامةً على محبّة ابن أبي طالب وبغض هؤلاء القوم.

أنه سمع رجلا يقول من يعشي الجائع ودعاه وعشاه فلما ذهب السائل ليخرج، قال له: هيهات إنما أطعمتك على ألا تؤذي المسلمين الليلة ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح([28]).

 وهاجر إلى البصرة في عهد عمر ابن الخطاب وسكن بها وبنى مسجدا باسمه ومنها انه كان له دار بالبصرة وله جار يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له بعت دارك.

فقال: بل بعت جاري.

ومنها انه كان يخرج إلى السوق ويجر رجليه لإصابة الفالج، وكان موسراً ذا عبيد وأبناء فقيل له قد أغناك الله تعالى في السعي في حاجتك فأجلس في بيتك.

فقال: لو جلست في البيت لبالت علي الشاة([29]).

ونسب إلى السيد علي خان في أنوار الربيع في ذكر أمثال الحكمة منها قول أبي الأسود لأبنه بعد أن قال له:

 (يا بني اذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستثقلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فابسط وإذا مسك عليك فأمسك، ولا تجاود الله فان الله أجود منك، واعلم انه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والحكماء حكام الملوك) ثم انشأ يقول:

العيش لا عيش إلا ما اقتصدتَ فإن

    

 
    

تصرفْ وتبذرْ لقيتَ الضُرَّ والعَطَبا

والعلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبِه

    

 
    

فاطلبْ هُدِيتَ فنونَ العلمِ والأدبا

لا خير في من له أصلٌ بلا أدبٍ

    

 
    

حتى يكونَ على ما زانَه حَدِبا

كم من حسيبٍ اخي عينٍ وطمطمةٍ

    

 
    

فدُمْ لدى القومِ معروقاً اذا انتسبا

                  

 
    

في بيتِ مكرُمَةٍ اباؤه نُجُبٌ

    

 
    

 
    

كانوا رؤوساً فامسى بعدَهم ذنبا

 
    

و خاملٍ مُقرفِ الآباءِ ذي أدبٍ

    

 
    

 
    

نال المعالي بلادأب والرتبا

اضحى عزيزاً عظيمَ الشانِ مشتهراً

    

 
    

 
    

في خدِّه صعر قد ظلّ محتجبا

    

العلمُ كنزٌ و ذخرُ لا نفادَ له

    

 
    

 
    

نِعمَ القرينُ اذا ما صاحبٌ صَحِبا

    

قد يجمعُ المالَ ثم يُسلَبُه
ج
    

 
    

 
    

عما قليل فيلقي الذلَّ والحَربَا

    

وجامعُ العلمِ مغبوطٌ بهِ أبداً

    

 
    

 
    

ولا يحاذرُ منه الفوتَ والسَلَبا

    

يا جامعَ العلمِ نعمَ الذخرُ تجمعُه

    

 
    

 
    

لا تعدِلنَّ به دُرّاً ولا ذهبا([30])

    

 
                                                

ومنها انه قال له رجل: أنك ظرف علم، ووعاء حلم، غير انك بخيل.

 قال: لاخير في ظرف لا يمسك ما فيه، وقال أبو الأسود: امساكك ما في يدك، خير من طلبك ما بيدي غيرك وانشد يقول:

يلومنني في البخلِ جهلاً وضلةً

    

 
    

ولَلبخلُ خيرُ من سؤالِ بخيلِ([31])

            

ومنها انه قيل له: هل شهد معاوية بدراً.

فقال : نعم ولكن من ذاك الجانب.

ومنها أنه اشترى حصانا بتسعة دنانير، واجتاز به على رجل أعور،  فقال: بكم اشتريته؟

قال: قيمته اربعة دنانير ونصف

فقال: معذور انت لأنك نظرت بعين واحدة،فقومته بنصف قيمته ولو نظرته بالعين الأخرى لو كانت صحيحة لقومته ببقية القيمة ومضى الى داره.

وروي انه دخل أبو الأسود على معاوية فقال له: أصبحت جميلا يا أباالأسود، و علقت تميمة تدفع عنك العين.

فقال: أبو الأسود وعرف أنه يهزأ به:

أفنى الشبابَ الذي فارقتُ بهجتَه

    

 
    

كرُّ الجديدينِ مِن آتٍ ومنطلقِ

لم يتركا ليَ في طولِ أختلافهما

    

 
    

شيئاً أخافُ عليه لذعةَ الحَدَقِ

قد كنتُ أرتاعُ للبيضاءِ أنظرُها

    

 
    

في شَعرِ رأسي وقد أيقنتُ بالبَلَقِ

    

والآنَ حينَ خضبتُ الرأسَ فارقني

    

 
    

ما كنت ألتذّ من عَيشي ومن خلقي([32])

    

 
                              

وقال أيام حرب الجمل يخاطب عثمان أبن حنيف:

يابن حنيف قد أتيت فأنفرِ

    

 
    

وطاعنِ القومَ وجالدْ واصبرِ

                       وابرزْ لها مستلئما وشمرِ([33])

    

 
                  

ومن أشعاره في الحكم :

المرءُ يسعى ثم يُدرِكُ مجدَه

    

 
    

حتى يزينَ بالذي لم يَفعَلِ

وترى الشقيَّ اذا تكاملَ غيُّه

    

 
    

يُرمى ويُقذفُ بالذي لم يَعمَلِ([34])

            

وخلّف أبو الأسود من الأولاد: عطا وحرب أو أبا حرب وابنتين، وقال لولده وأهل بيته:

لا يصلح الناس فوضى لا سُراةَ لهم

    

 
    

ولا سُراة اذا جهّالُهم سادوا

والبيتُ لا يبتنى إلا له عَمَدٌ

    

 
    

ولا عمادَ اذا لم تدس أوتادُ

فان تجمع أوتاد وأعمدة

    

 
    

لمعشر بلغوا الامر الذي كادوا

            

وكان لأحد أولاده صديق من باهله، فكان أبو حرب بن أبي الأسود يكثر زيارته وغشيانه، فقال له أبو الأسود في ذلك:

احبب اذا أحببتَ حبّاً مقارباً

    

 
    

فانك لا تدري متى أنتَ نازعُ

وأبغض اذا أبغضت بغضاً مقارباً

    

 
    

فانّك لا تدري متى أنتَ راجعُ

وكن معدناً للحكم واصفحْ عن الأذى

    


سيرته و أدبه

قد ذكر ان له مع أمراء وقته مواقف خطيرة يقدرها التاريخ، وقال الراغب في المحاضرات: كان من أكمل الرجال رأياً وعقلاً وكان شيعياً، سريع الجواب، ثقة في الحديث([1])

وروي أنه كان لأبي الأسود صديق من بني تميم يقال له: مالك أبن الأصرم، وكانت بينه وبين ابن عم له خصومة في دار له، وانّهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكّماه بينهما، فقال له خصم صديق أبي الأسود: إنّي قد عرفت الذي بينك وبين هذا، وأرجو أن لا يحملك ذلك على أن تحيف عليّ بشيء ــ وكان الرجل محقّا ًــ فقضى له أبو الأسود على صديقه، فقال صديقه: والله ما بورك لي في عملك وفقهك حين تقضي عليّ، فقال أبو الأسود في ذلك:

إذا كنتَ مظلوماً فلا تلفِ راضيا

    

 
    

عن القومِ حتى تأخذَ النصفَ وأغضبِ

فان كنتَ أنتَ الظالمَ القومِ فاطّرحْ

    

 
    

مقالتَهم واشغبْ بهم كلَّ مشغبِ

                  

أي : إن كنت أنت ظالم القوم فاترك مقالتهم

وكان عادلاً يحكم بالعدل والإنصاف، وشديد التوكّل على الله، وروي أنّه أراد الشخوص إلى فارس في قبيل الشتاء، وذلك مع خروج ابن الزبير، فقال له بعض إخوانه: لا تشخص يومك هذا فانّك شات، وقد ترى أمر الناس وفساد سبيلهم، فأقم حتى ترى من رأيك ويبلغك عن الطريق صلاح، وينصرم الشتاء فأني أخشى عليك خصالاً غير واحدة.

وعن ابن عائشة قال: أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس فقالت له ابنته انك قد كبرت وهذا صميم شتاء فانتظر حتى ينصرم، وتسلك الطريق أمنا فأني أخشى عليك.

 فقال أبو الأسود:

إذا كنتَ معنيًاً بأمرٍ تريدُه

    

 
    

فما للمضا والتوكلِ مِن مثل

توكّلْ وحّملْ أمرَك اللهَ إنّما

    

 
    

يُراد له اتيك أنتَ له مُخلِ

ولا تحسبنَّ السيرَ أقربَ للردى

    

 
    

من الخفضِ في دارِ المقامةِ والثملِ

ولا تحسبي يا بنتي عز مذهبي

    

 
    

بظنّك ان الظّن يكذب ذا العقل

وانيّ ملاقٍ ما قضى الله فأصبري

    

 
    

ولا تجعلي العلمَ المحققَ كالجهلِ

وانك لا تدرينَ هل ما أخافُه

    

 
    

ابعدي يأتي في رحيلِ أو قبلِ

وكم قد رأيت حاذراً متحفظاً

    

 
    

أصيب وألفته المنية في الأهل([2])

                                                

وقال أيضا:

وإذا طلبت من الحوائج حاجةً

    

 
    

فادع الإله وأحسن الأعمالاِ

فليعطينك ما أراد بقدره

    

 
    

فهو اللطيف لما أراد فعالا

انّ العبادَ وشأنَهم وامورَهم

    

 
    

بيدِ الإلهِ يقلّبُ الأحوالا

فدع العباد ولا تكن بطلابهم

    

 
    

لهجا تضعضع للعباد سؤل([3])

                  

و قال أيضاً:

لاتنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك أذا فعلت عظيم

وأبدأ بنفسك فانهها عن غيها

    

 
    

فإن أنتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي

    

 
    

بالقول منك وينفع التعليم([4])

                              

وقال أبو عمرو بن مطر حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: ما ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟

فأنشأ يقول:

وغيرُ تقيٍ يأمرُ الناسَ بالتقى

    

 
    

طبيبٌ يداوي الناسَ وهو مريض

            

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.

وقال أبن حجر في الإصابة، وذكر المبرد أن علي أبن أبي طالب(ع) استعمل النعمان على البحرين فجعل يعطي كل من جاء من بني زريق فقال فيه الشاعر وهو أبو الأسود:

الا فتنةٌ قد ألهت الناسَ عنكم

    

 
    

فندلاً زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ

فان ابن عجلانَ الذي قد علمتمُ

    

 
    

يبددُ مالَ اللهِ فعلَ المناهبِ([5])

                  

وله شعر في علي بن الحسين(ع):

وان غلاماً بين كسرى و هاشم

    

 
    

لأكرم من قامت عليه المآتم([6])

            

وفي معارف ابن قتيبة قال الواقدي: انّه كان من دبا، فمنعوا الصدقة أبا بكر، فوجّه إليهم عكرمة فسبى ذراريهم، وبعث بهم إلى أبي بكر، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ، فأعتقه عمر([7])

وقال الجاحظ: أبو الأسود مقدّم في طبقات الناس، كان معدوداً في الفقهاء والشعراء والمحدثين والحاضري الجواب ومن الشيعة والبخلاء والضلع الأشراف([8]).

 وكان زياد بن أبيه ولّى نعيم بن مسعود النهشلي والحصين بن الحر العنبري عملا من أعمال فارس، فكتب أبو الأسود إليهما كتاباً يلتمس منهماالرفد، فأماّ نعيم فقرأ كتابه ووصله وأجابه، وأمّا الحصين فألقى كتابه ولم يقرأه، فكتب له أبو الأسود:

حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضاً

    

 
    

لسيبك لم يذهب رجائي هنالِكا

وخبّرني من كنت أرسلت انما

    

 
    

أخذت كتابي معرضاً بشمالِكا

نظرت إلى عنوانه ونبذته

    

 
    

كنبذِكَ نعلاً أُخلقت من نعالِكا

نعيمُ بنِ مسعودٍ أحقّ بما أتى

    

 
    

وأنتَ بما تأتي حقيقُ بذلِكا

يصيب وما يدري ويخطي ومادرى

    

 
    

وكيف يكون الجهلَُ إلاّ كذلِكا
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­
                  

وله أشعار أخرى نذكر منها:

من مبلغ عني خليلي مالكا

    

 
    

رسولاً إليه حيث كان من الأرض

            

فمالك مسهوماً إذا ما لَقيتَني

    

 
    

تقطع عني طرفَ عينك كالمغضي

فسل بي ولا تستحي مني فأنّه

    

 
    

كذلك بعض الناس يسأل عن بعض

            

ومنها:

أعود على المولى وان زل حلمه

    

 
    

بحلمي وكان العود أبقى وأحمدا

وكنت إذا المولى بدا لي غِشُّه

    

 
    

تجاوزتُ عنه وانتظرتُ به غدا

لتحكمه الأيامُ أو لتردَّه

    

 
    

عليّ ولم أبسط لساناً ولا يدا

            

ومنها:

أبى القلب الا أم عمرو وحبها

    

 
    

عجوزا ومن يحبب عجوزا يفندِ

كثوب اليماني قد تقادم عهدُه

    

 
    

ورقعته ماشئتُ في العينِ واليدِ

                  

ومنها أيضا:

 
    

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

    

 
    

فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

    

 
    

كضرائر الحسناءِ قلنَ لوجهها

    

 
    

حسداً وبغياً إنّه لدميمُ

    

 
                              

 
    

والوجه يشرقُ في الظلامِ كأنّه

    

 
    

بدرٌ منيرٌ والسماءُ نجومُ

    

 
    

وكذاك من عظمت عليه نعمة

    

 
    

حسّادُه سيفٌ عليهِ صرومُ

    

 
    

فاترك مجاراةَ السفيهِ فانّها

    

 
    

ندمٌ وغبُّ بعدَ ذاك وخيمُ

    

 
    

وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى

    

 
    

فكلاكما في جريه مذمومُ

    

 
    

وإذا عتبتَ على السفيه ولمتَه

    

 
    

في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ

    

 
    

يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه

    

 
    

هلا لنفسك كان ذا التعليمُ

    

 
    

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك إذا فعلت عظيم

    

 
    

أبدا بنفسك وانهها عن غيّها

    

 
    

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    

 
    

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدي

    

 
    

بالرأي منك وينفع التعليم

    

 
    

تصف الدواءَ وأنتَ أولى بالدوا

    

 
    

وتعالجُ المرضى وأنت سقيمُ

    

 
    

وكذاك تلقح بالرشادِ عقولَنا

    

 
    

أبدا وأنت من الرشادِ عقيمُ

    

 
                              

 
    

ويل الشجي من الخلي فأنّه

    

 
    

نصب الغواة بشجوة مغمومُ

    

 
    

وترى الخلي قريرَ عينٍ لاهيا

    

 
    

وعلى الشجي كآبةٌ وهمومُ

    

 
    

ويقول مالَكَ لا تقولُ مقالتي

    

 
    

ولسان ذا طلق وذا مكظومُ

    

 
    

لا تظلمنْ عِرضَ ابنِ عمَّكَ ظالماً

    

 
    

فإذا فعلتَ فعرضُك المكلومُ

    

 
    

وحريمه أيضاً حريمُك فأحمِه

    

 
    

كيلا يباحَ لديكَ منه حريمُ

    

 
    

وإذا اقتضضت من أبن عمك كلمة

    

 
    

فكلامه لك ان فعلت كلوم

 
    

فاذا طلبت الى كريم حاجة
ج
    

 
    

فلقاؤه يكفيك والتسليم

    

 
    

فاذا راك مسلما ذكر الذي

    

 
    

حملته فكانه محتوم

    

 
    

فارج الكريمَ وان رايتَ جفاءَهُ

    

 
    

فالعتبُ منه والفعالُ كريمُ

    

 
    

وعجبت للدنيا ورغبة اهلها

    

 
    

والرزق فيما بينهم مقسومُ

    

 
    

والأحمق المرزوق احمق من ارى

    

 
    

من أهلها والعاقل المحرومُ
­ج
    

 
                                    

 
    

ثم أنقضى عجبي لعلمي أنه

    

 
    

قدر موافٍ وقتَه معلومُ([9])

    

 
                        

وكان أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي قد لزم منزل أبيه بالبصرة لا ينتجع أرضاً ولا يطلب الرزق في تجارة ولا غيرها فعاتبه أبوه على ذلك.

فقال أبو حرب: إن كان لي رزق فسيأتيني.

فقال له:

وما طلبُ المعيشةِ بالتمني

    

 
    

ولكن ألقِ دلوَكَ في الدلاءِ

يجيء بمثلها طَوراً وطَوراً

    

 
    

يجيء بحمأة وقليلِ ماءِ

ولا تقعد على كسلٍ تمنى

    

 
    

تحيل على المقادرِ والرجاءِ

فانّ مقادرَ الرحمنِ تجري

    

 
    

بأرزاقِ العبادِ من السماءِ

بقبض أو ببسط أو بقدر

    

 
    

وعجزُ المرءِ أسبابُ البلاءِ

                  

وله أيضاً:

لا يكن برقك برقاً خلباً

    

 
    

ان خير البرق ما الغيث معه([10])

            

وكان خطيباً عالماً جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف([11]).

وفي كتاب البخلاء قال أبو الأسود: ((ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم، ومن أخرج ماله من يديه افتقر، ومن افتقر فلا بد له أن يضرع، والضرع: لؤم، وان كان الجود شقيق الكرم، والأنفة أولى بالكرم))([12]).

قال أبو الأسود لأبنته ليلة البناء: إنّ أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل، لا تكثري مباشرة زوجك فيملكّ، ولا تباعدي فيجفوك ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمكّ:

خذ العفو منّي تستديمي مودّتي

    

 
    

ولا تنطقي في سَورتي حين أغضبُ([13])

            

وفي الأغاني قال: شيخ العلم وفقيه الناس أخذ الفقه والنحو من علي(ع) وروى الحديث عنه وعن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن العباس، وأبي ذر الغفاري وغيرهم([14])، وصاحب علي(ع) وخليفة ابن عباس على البصرة.

وقال ابن خلكان: كان من سادات التابعين وأعيانهم، وكان أكمل الرجال رأياً، وأسدّهم عقلاً([15]).

وقال الآمدي: كان حليماً، وشيخاً حازماً، وشاعراً متقناً للمعاني([16]).

وقال الشعبي: ما كان أعفّ أطرافه وأحضر جوابه([17]).

وقال ابن سلام: كان رجل أهل البصرة([18]).

وقال ابن الأعرابي: الفصحاء في الإسلام أربعة، وعدّ أبا الأسود منهم([19]).

وقال ابن سعد: كان ثقة في حديثه([20])، وقد روي أن أبا الأسود ولى القضاء في البصرة ولا عجب بعد أن كان يحسب في عداد المتقدمين من الفقهاء.

وقال: بعض المؤرخين بأن عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان قد استعملا أبا الأسود([21]).

 وعن بعض المؤرخين أن عليا(ع) قد ولى أبا الأسود البصرة([22]) وروي ان عليا(ع) عندما أضطر إلى التحكيم همَّ أن يقدم أبا الأسود فأبى الناس، وحين قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة.

قال له معاوية : بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين، فما كنت تحكم به ؟

قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين وأبناء المهاجرين ، وألفا من الأنصار وأبناء الأنصار .

 ثم ناشدتهم الله: المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء ؟([23])

كان له على باب داره دكان يجلس عليه مرتفع عن الأرض الى قدر صدر الرجل فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان فإذا مر به مار فدعاه الى الأكل لم يجد موضعا يجلس فيه فمر به ذات يوم فتى فدعاه الى الغذاء فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له يا أبا الأسود ان عزمت على الغذاء فأنزل وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظا، حتى أتى على الطعام.

فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟

فقال: لقمان الحكيم.

قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك([24]).

 وكان عبد الله ابن عامر مكرماً لأبي الأسود ملطفا، ثم دخلته جفوه فجفاه لتشيعه. فقال أبو الأسود في ذلك:

ألم تر ما بيني وبينَ أبن عامرٍ

    

 
    

من الودِّ قد بالتْ عليه الثعالبُ

واصبح باقي الود بيني وبينه

    

 
    

كأن لم يكنْ والدهرُ فيه العجائبُ

            

اذا المرءُ لم يحببْك الاتكرّها

    

 
    

بدا لك من أخلاقه ما يغالبُ

فللنأي خيراً من دنوٍ على الأذى

    

 
    

ولا خيرَ فيما يستقلّ المعاتبُ([25])

                  

 

نوادر من سيرته

كان رجل من بني سليم بن منصور يقال له: نسيب ابن حميد يغشى أبا الأسود في منزله ويتحدث إليه في المسجد اذا جلس، فكان نسيب يقول لأبي الأسود كثيرا ما أجد من قومي ولا من غيرهم بآثر عندي منك.

 وربما طلب الحاجة فيركب معه أبو الأسود فيها فاصاب النسيب مستقة أصبهانية مخملة فذكرها لأبي الأسود، وقال قد حدثت نفسي ببيعها.

 فقال له أبو الأسود: أرسل بها إلي، أنظر إليها.

 فأرسل بها نسيب إليه فأعجبت أبا الأسود، فقال: بعنيها بقيمتها، قال: لا بل أكسوكها فأبى أبو الأسود ان يقبلها، فأراها فقيل له ثمن مئتي درهم، فأبى وجعل يماكسه البيع حتى بذلها له بمئتي درهم وخمسين درهما. فقال أبو الأسود: ما أظن بها غلاء وإنها لمن حاجتي فابى وقال خذها.

 فقال أبوالأسود في ذلك:

بعني نسيب ولا ته لي انني

    

 
    

 
    

 
    

لا استثيبُ ولا أُثيبُ الواهبا

 
    

ان العطيةَ خيرُ ما وجهتها

    

 
    

 
    

وحسبتها حمدا وأجرا واجبا

 
    

ومن العطيةِ ما يعودُ غرامةً

    

 
    

 
    

وملامةً تبقي ومنّاً كاذبا

                              

وبلوت أخلاقَ الرجالِ وفعلَهم

    

 
    

 
    

 
    

فشبعتُ عِلما منهمُ وتجارِبا

فأخذتُ منها ما رضيتُ بأخذِه

    

 
    

 
    

 
    

وتركتُ أكثرَ ما هنالِكَ جانبا

فاذا وعدتُ الوعدَ كنتُ كغارمٍ

    

 
    

 
    

 
    

ديناً أُقر بهِ وأُحضِرُ كاتبا

حتى انفذه كما وجهتُه

    

 
    

 
    

 
    

وكفى علي له بنفسي طالبا

واذا فعلتُ فعلتُ غيرَ محاسب

    

 
    

 
    

 
    

وكفى بربِّك جازيا ومحاسِبا

واذا منعتُ منعتُ منعا بينا

    

 
    

 
    

 
    

وارحتُ من طولِ العناءِ الراغبا

لا أشتري الحمدَ القليلَ بقاؤه

    

 
    

 
    

 
    

يوماً بذمِ الدهرِ أجمع واصبا([26])

                                    

وكان المنذر بن الجارود يعجبه حديث أبي الأسود، وكان كل واحد منهما يغشى صاحبه، وكانت لأبي الأسود مقطعة من برود اليمن يكثر لبسها فقال المنذر: لقد ادمنت لبس هذه المقطعة يا ابا الأسود أما تملها؟

فقال أبو الأسود رب ملول لا يستطاع فراقه.

فأرسلها مثلا، فعلم المنذر قد احتاج الى كسوة فأهدى إليه ثيابا.

فقال أبو الأسود في ذلك:

كساني ولم استكسهِ فحمدتُه

    

 
    

أخٌ لكَ يعطيكَ الجزيلَ وناصرُ

وان احقَ الناسِ إن كنتَ حامداً

    

 
    

بحمدكَ مَن أعطاكَ والوجهُ وافرُ([27])

            

وحضر مع علي(ع) حرب صفين، وقدم بعد الجمل.

 وقال لعلي(ع): أما والله لو شهدتك ما قاتلك أزدي.

وقال المدائني: كان لأبي الأسود صديق يقال له الحارث بن خليد وكان في شرف العطاء لأبي الأسود قال: ما يمنعك من طلب الديون فانّ فيه غنىً وخيراً؟ فقال له أبو الأسود: أغناني الله عنه بالقناعة والتحمّل.

فقال: كلاّ ولكنّك تتركه اقامةً على محبّة ابن أبي طالب وبغض هؤلاء القوم.

أنه سمع رجلا يقول من يعشي الجائع ودعاه وعشاه فلما ذهب السائل ليخرج، قال له: هيهات إنما أطعمتك على ألا تؤذي المسلمين الليلة ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح([28]).

 وهاجر إلى البصرة في عهد عمر ابن الخطاب وسكن بها وبنى مسجدا باسمه ومنها انه كان له دار بالبصرة وله جار يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له بعت دارك.

فقال: بل بعت جاري.

ومنها انه كان يخرج إلى السوق ويجر رجليه لإصابة الفالج، وكان موسراً ذا عبيد وأبناء فقيل له قد أغناك الله تعالى في السعي في حاجتك فأجلس في بيتك.

فقال: لو جلست في البيت لبالت علي الشاة([29]).

ونسب إلى السيد علي خان في أنوار الربيع في ذكر أمثال الحكمة منها قول أبي الأسود لأبنه بعد أن قال له:

 (يا بني اذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستثقلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فابسط وإذا مسك عليك فأمسك، ولا تجاود الله فان الله أجود منك، واعلم انه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والحكماء حكام الملوك) ثم انشأ يقول:

العيش لا عيش إلا ما اقتصدتَ فإن

    

 
    

تصرفْ وتبذرْ لقيتَ الضُرَّ والعَطَبا

والعلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبِه

    

 
    

فاطلبْ هُدِيتَ فنونَ العلمِ والأدبا

لا خير في من له أصلٌ بلا أدبٍ

    

 
    

حتى يكونَ على ما زانَه حَدِبا

كم من حسيبٍ اخي عينٍ وطمطمةٍ

    

 
    

فدُمْ لدى القومِ معروقاً اذا انتسبا

                  

 
    

في بيتِ مكرُمَةٍ اباؤه نُجُبٌ

    

 
    

 
    

كانوا رؤوساً فامسى بعدَهم ذنبا

 
    

و خاملٍ مُقرفِ الآباءِ ذي أدبٍ

    

 
    

 
    

نال المعالي بلادأب والرتبا

اضحى عزيزاً عظيمَ الشانِ مشتهراً

    

 
    

 
    

في خدِّه صعر قد ظلّ محتجبا

    

العلمُ كنزٌ و ذخرُ لا نفادَ له

    

 
    

 
    

نِعمَ القرينُ اذا ما صاحبٌ صَحِبا

    

قد يجمعُ المالَ ثم يُسلَبُه
ج
    

 
    

 
    

عما قليل فيلقي الذلَّ والحَربَا

    

وجامعُ العلمِ مغبوطٌ بهِ أبداً

    

 
    

 
    

ولا يحاذرُ منه الفوتَ والسَلَبا

    

يا جامعَ العلمِ نعمَ الذخرُ تجمعُه

    

 
    

 
    

لا تعدِلنَّ به دُرّاً ولا ذهبا([30])

    

 
                                                

ومنها انه قال له رجل: أنك ظرف علم، ووعاء حلم، غير انك بخيل.

 قال: لاخير في ظرف لا يمسك ما فيه، وقال أبو الأسود: امساكك ما في يدك، خير من طلبك ما بيدي غيرك وانشد يقول:

يلومنني في البخلِ جهلاً وضلةً

    

 
    

ولَلبخلُ خيرُ من سؤالِ بخيلِ([31])

            

ومنها انه قيل له: هل شهد معاوية بدراً.

فقال : نعم ولكن من ذاك الجانب.

ومنها أنه اشترى حصانا بتسعة دنانير، واجتاز به على رجل أعور،  فقال: بكم اشتريته؟

قال: قيمته اربعة دنانير ونصف

فقال: معذور انت لأنك نظرت بعين واحدة،فقومته بنصف قيمته ولو نظرته بالعين الأخرى لو كانت صحيحة لقومته ببقية القيمة ومضى الى داره.

وروي انه دخل أبو الأسود على معاوية فقال له: أصبحت جميلا يا أباالأسود، و علقت تميمة تدفع عنك العين.

فقال: أبو الأسود وعرف أنه يهزأ به:

أفنى الشبابَ الذي فارقتُ بهجتَه

    

 
    

كرُّ الجديدينِ مِن آتٍ ومنطلقِ

لم يتركا ليَ في طولِ أختلافهما

    

 
    

شيئاً أخافُ عليه لذعةَ الحَدَقِ

قد كنتُ أرتاعُ للبيضاءِ أنظرُها

    

 
    

في شَعرِ رأسي وقد أيقنتُ بالبَلَقِ

    

والآنَ حينَ خضبتُ الرأسَ فارقني

    

 
    

ما كنت ألتذّ من عَيشي ومن خلقي([32])

    

 
                              

وقال أيام حرب الجمل يخاطب عثمان أبن حنيف:

يابن حنيف قد أتيت فأنفرِ

    

 
    

وطاعنِ القومَ وجالدْ واصبرِ

                       وابرزْ لها مستلئما وشمرِ([33])

    

 
                  

ومن أشعاره في الحكم :

المرءُ يسعى ثم يُدرِكُ مجدَه

    

 
    

حتى يزينَ بالذي لم يَفعَلِ

وترى الشقيَّ اذا تكاملَ غيُّه

    

 
    

يُرمى ويُقذفُ بالذي لم يَعمَلِ([34])

            

وخلّف أبو الأسود من الأولاد: عطا وحرب أو أبا حرب وابنتين، وقال لولده وأهل بيته:

لا يصلح الناس فوضى لا سُراةَ لهم

    

 
    

ولا سُراة اذا جهّالُهم سادوا

والبيتُ لا يبتنى إلا له عَمَدٌ

    

 
    

ولا عمادَ اذا لم تدس أوتادُ

فان تجمع أوتاد وأعمدة

    

 
    

لمعشر بلغوا الامر الذي كادوا

            

وكان لأحد أولاده صديق من باهله، فكان أبو حرب بن أبي الأسود يكثر زيارته وغشيانه، فقال له أبو الأسود في ذلك:

احبب اذا أحببتَ حبّاً مقارباً

    

 
    

فانك لا تدري متى أنتَ نازعُ

وأبغض اذا أبغضت بغضاً مقارباً

    

 
    

فانّك لا تدري متى أنتَ راجعُ

وكن معدناً للحكم واصفحْ عن الأذى

    

 
    

فانّك راءٍ ما علمتَ وسامعُ([35])

            

ومنها اشترى أبو الأسود أمة للخدمة، فجعلت تتعرض منه للنكاح وتتطيب، وتشتمل ثوبها فدعاها أبو الأسود فقال لها: اشتريتك للعمل والخدمة ولم اشترك للنكاح فقال فيها:

اصلاحُ إني لا أريدُكِ للصِبا

    

 
    

فدعي التشمّلَ حولَنا وتبذّلي

إني أريدُكِ للعجينِ وللرَّحا

    

 
    

ولحملِ قربتِنا وغلي المرجلِ

واذا تروّح ضيفُ اهلِكِ أو غدا

    

 
    

فخذي لآخرَ أهبةَ المستقبلِ([36])


(1) نقله عنه في تأسيس الشيعة: ص44.

(2) الأغاني: ج12، ص308.

(3) الأغاني: ج12، ص301.

(4) تفسير القرطبي: ج1، ص367.

(5) معجم رجال الحديث: ج20، السيد الخوئي: ص183.

(6) الإمام زين العابدين /للمقرم: ص428.

(7) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص171.

(8) سير أعلام النبلاء: ص84.

(9) أعيان الشيعة: ج7، ص404.

(10) أعيان الشيعة: ج7، ص403، الأغاني ج12 ص330.

(11) أعيان الشيعة: ج7، ص403.

(12) نقله عنه في أعيان الشيعة: ج7، ص407.

(13) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص174.

(14) معجم الأدباء.

(15) وفيات الأعيان: ج2، ص216.

(16) المؤتلف والمختلف: ص151.

(17) نور القبس: ص8.

(18) طبقات فحول الشعراء: ص12.

(19) نور القبس: ص8.

(20) الطبقات: ج7، ص70.

(21) خزانة الأدب: ج1، ص136.

(22) الأغاني: ج12، ص297.

(23) العقد الفريد لابن عبد ربه : ج4، ص349.

(24) الغدير: ج2، ص146، تاريخ ابن عساكر: ج7، ص104-106.

(25) ديوان أبو الأسود: ص275.                                        

(26) ديوان أبو الأسود: ص250.

(27) ديوان أبو الأسود: ص59.

(28) جمع الجواهر: ص206.

(29) الكنى والألقاب: ص9.

(30) ديوان أبو الأسود: ص384.

(31) العقد الفريد: ج6، ص296.

(32) نور القبس: ص10.

(33) تاريخ الطبري: ج4، ص463.

(34) حياة الحيوان للجاحظ: ص50.

(35) الأغاني: ج12، ص318.

(36) الأغاني: ج12، ص331.

 
    

فانّك راءٍ ما علمتَ وسامعُ([35])

            

ومنها اشترى أبو الأسود أمة للخدمة، فجعلت تتعرض منه للنكاح وتتطيب، وتشتمل ثوبها فدعاها أبو الأسود فقال لها: اشتريتك للعمل والخدمة ولم اشترك للنكاح فقال فيها:

اصلاحُ إني لا أريدُكِ للصِبا

    

 
    

فدعي التشمّلَ حولَنا وتبذّلي

إني أريدُكِ للعجينِ وللرَّحا

    

 
    

ولحملِ قربتِنا وغلي المرجلِ

واذا تروّح ضيفُ اهلِكِ أو غدا

    

 
    

فخذي لآخرَ أهبةَ المستقبلِ([36])


(1) نقله عنه في تأسيس الشيعة: ص44.

(2) الأغاني: ج12، ص308.

(3) الأغاني: ج12، ص301.

(4) تفسير القرطبي: ج1، ص367.

(5) معجم رجال الحديث: ج20، السيد الخوئي: ص183.

(6) الإمام زين العابدين /للمقرم: ص428.

(7) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص171.

(8) سير أعلام النبلاء: ص84.

(9) أعيان الشيعة: ج7، ص404.

(10) أعيان الشيعة: ج7، ص403، الأغاني ج12 ص330.

(11) أعيان الشيعة: ج7، ص403.

(12) نقله عنه في أعيان الشيعة: ج7، ص407.

(13) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص174.

(14) معجم الأدباء.

(15) وفيات الأعيان: ج2، ص216.

(16) المؤتلف والمختلف: ص151.

(17) نور القبس: ص8.

(18) طبقات فحول الشعراء: ص12.

(19) نور القبس: ص8.

(20) الطبقات: ج7، ص70.

(21) خزانة الأدب: ج1، ص136.

(22) الأغاني: ج12، ص297.

(23) العقد الفريد لابن عبد ربه : ج4، ص349.

(24) الغدير: ج2، ص146، تاريخ ابن عساكر: ج7، ص104-106.

(25) ديوان أبو الأسود: ص275.                                        

(26) ديوان أبو الأسود: ص250.

(27) ديوان أبو الأسود: ص59.

(28) جمع الجواهر: ص206.

(29) الكنى والألقاب: ص9.

(30) ديوان أبو الأسود: ص384.

(31) العقد الفريد: ج6، ص296.

(32) نور القبس: ص10.

(33) تاريخ الطبري: ج4، ص463.

(34) حياة الحيوان للجاحظ: ص50.

(35) الأغاني: ج12، ص318.

(36) الأغاني: ج12، ص331.


فأنشأ يقول:

وغيرُ تقيٍ يأمرُ الناسَ بالتقى

    

 
    

طبيبٌ يداوي الناسَ وهو مريض

            

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.

وقال أبن حجر في الإصابة، وذكر المبرد أن علي أبن أبي طالب(ع) استعمل النعمان على البحرين فجعل يعطي كل من جاء من بني زريق فقال فيه الشاعر وهو أبو الأسود:

الا فتنةٌ قد ألهت الناسَ عنكم

    

 
    

فندلاً زريقُ المالَ ندلَ الثعالبِ

فان ابن عجلانَ الذي قد علمتمُ

    

 
    

يبددُ مالَ اللهِ فعلَ المناهبِ([5])

                  

وله شعر في علي بن الحسين(ع):

وان غلاماً بين كسرى و هاشم

    

 
    

لأكرم من قامت عليه المآتم([6])

            

وفي معارف ابن قتيبة قال الواقدي: انّه كان من دبا، فمنعوا الصدقة أبا بكر، فوجّه إليهم عكرمة فسبى ذراريهم، وبعث بهم إلى أبي بكر، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ، فأعتقه عمر([7])

وقال الجاحظ: أبو الأسود مقدّم في طبقات الناس، كان معدوداً في الفقهاء والشعراء والمحدثين والحاضري الجواب ومن الشيعة والبخلاء والضلع الأشراف([8]).

 وكان زياد بن أبيه ولّى نعيم بن مسعود النهشلي والحصين بن الحر العنبري عملا من أعمال فارس، فكتب أبو الأسود إليهما كتاباً يلتمس منهماالرفد، فأماّ نعيم فقرأ كتابه ووصله وأجابه، وأمّا الحصين فألقى كتابه ولم يقرأه، فكتب له أبو الأسود:

حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضاً

    

 
    

لسيبك لم يذهب رجائي هنالِكا

وخبّرني من كنت أرسلت انما

    

 
    

أخذت كتابي معرضاً بشمالِكا

نظرت إلى عنوانه ونبذته

    

 
    

كنبذِكَ نعلاً أُخلقت من نعالِكا

نعيمُ بنِ مسعودٍ أحقّ بما أتى

    

 
    

وأنتَ بما تأتي حقيقُ بذلِكا

يصيب وما يدري ويخطي ومادرى

    

 
    

وكيف يكون الجهلَُ إلاّ كذلِكا
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­
                  

وله أشعار أخرى نذكر منها:

من مبلغ عني خليلي مالكا

    

 
    

رسولاً إليه حيث كان من الأرض

            

فمالك مسهوماً إذا ما لَقيتَني

    

 
    

تقطع عني طرفَ عينك كالمغضي

فسل بي ولا تستحي مني فأنّه

    

 
    

كذلك بعض الناس يسأل عن بعض

            

ومنها:

أعود على المولى وان زل حلمه

    

 
    

بحلمي وكان العود أبقى وأحمدا

وكنت إذا المولى بدا لي غِشُّه

    

 
    

تجاوزتُ عنه وانتظرتُ به غدا

لتحكمه الأيامُ أو لتردَّه

    

 
    

عليّ ولم أبسط لساناً ولا يدا

            

ومنها:

أبى القلب الا أم عمرو وحبها

    

 
    

عجوزا ومن يحبب عجوزا يفندِ

كثوب اليماني قد تقادم عهدُه

    

 
    

ورقعته ماشئتُ في العينِ واليدِ

                  

ومنها أيضا:

 
    

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

    

 
    

فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

    

 
    

كضرائر الحسناءِ قلنَ لوجهها

    

 
    

حسداً وبغياً إنّه لدميمُ

    

 
                              

 
    

والوجه يشرقُ في الظلامِ كأنّه

    

 
    

بدرٌ منيرٌ والسماءُ نجومُ

    

 
    

وكذاك من عظمت عليه نعمة

    

 
    

حسّادُه سيفٌ عليهِ صرومُ

    

 
    

فاترك مجاراةَ السفيهِ فانّها

    

 
    

ندمٌ وغبُّ بعدَ ذاك وخيمُ

    

 
    

وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى

    

 
    

فكلاكما في جريه مذمومُ

    

 
    

وإذا عتبتَ على السفيه ولمتَه

    

 
    

في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ

    

 
    

يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه

    

 
    

هلا لنفسك كان ذا التعليمُ

    

 
    

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك إذا فعلت عظيم

    

 
    

أبدا بنفسك وانهها عن غيّها

    

 
    

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    

 
    

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدي

    

 
    

بالرأي منك وينفع التعليم

    

 
    

تصف الدواءَ وأنتَ أولى بالدوا

    

 
    

وتعالجُ المرضى وأنت سقيمُ

    

 
    

وكذاك تلقح بالرشادِ عقولَنا

    

 
    

أبدا وأنت من الرشادِ عقيمُ

    

 
                              

 
    

ويل الشجي من الخلي فأنّه

    

 
    

نصب الغواة بشجوة مغمومُ

    

 
    

وترى الخلي قريرَ عينٍ لاهيا

    

 
    

وعلى الشجي كآبةٌ وهمومُ

    

 
    

ويقول مالَكَ لا تقولُ مقالتي

    

 
    

ولسان ذا طلق وذا مكظومُ

    

 
    

لا تظلمنْ عِرضَ ابنِ عمَّكَ ظالماً

    

 
    

فإذا فعلتَ فعرضُك المكلومُ

    

 
    

وحريمه أيضاً حريمُك فأحمِه

    

 
    

كيلا يباحَ لديكَ منه حريمُ

    

 
    

وإذا اقتضضت من أبن عمك كلمة

    

 
    

فكلامه لك ان فعلت كلوم

 
    

فاذا طلبت الى كريم حاجة
ج
    

 
    

فلقاؤه يكفيك والتسليم

    

 
    

فاذا راك مسلما ذكر الذي

    

 
    

حملته فكانه محتوم

    

 
    

فارج الكريمَ وان رايتَ جفاءَهُ

    

 
    

فالعتبُ منه والفعالُ كريمُ

    

 
    

وعجبت للدنيا ورغبة اهلها

    

 
    

والرزق فيما بينهم مقسومُ

    

 
    

والأحمق المرزوق احمق من ارى

    

 
    

من أهلها والعاقل المحرومُ
­ج
    

 
                                    

 
    

ثم أنقضى عجبي لعلمي أنه

    

 
    

قدر موافٍ وقتَه معلومُ([9])

    

 
                        

وكان أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي قد لزم منزل أبيه بالبصرة لا ينتجع أرضاً ولا يطلب الرزق في تجارة ولا غيرها فعاتبه أبوه على ذلك.

فقال أبو حرب: إن كان لي رزق فسيأتيني.

فقال له:

وما طلبُ المعيشةِ بالتمني

    

 
    

ولكن ألقِ دلوَكَ في الدلاءِ

يجيء بمثلها طَوراً وطَوراً

    

 
    

يجيء بحمأة وقليلِ ماءِ

ولا تقعد على كسلٍ تمنى

    

 
    

تحيل على المقادرِ والرجاءِ

فانّ مقادرَ الرحمنِ تجري

    

 
    

بأرزاقِ العبادِ من السماءِ

بقبض أو ببسط أو بقدر

    

 
    

وعجزُ المرءِ أسبابُ البلاءِ

                  

وله أيضاً:

لا يكن برقك برقاً خلباً

    

 
    

ان خير البرق ما الغيث معه([10])

            

وكان خطيباً عالماً جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف([11]).

وفي كتاب البخلاء قال أبو الأسود: ((ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم، ومن أخرج ماله من يديه افتقر، ومن افتقر فلا بد له أن يضرع، والضرع: لؤم، وان كان الجود شقيق الكرم، والأنفة أولى بالكرم))([12]).

قال أبو الأسود لأبنته ليلة البناء: إنّ أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل، لا تكثري مباشرة زوجك فيملكّ، ولا تباعدي فيجفوك ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمكّ:

خذ العفو منّي تستديمي مودّتي

    

 
    

ولا تنطقي في سَورتي حين أغضبُ([13])

            

وفي الأغاني قال: شيخ العلم وفقيه الناس أخذ الفقه والنحو من علي(ع) وروى الحديث عنه وعن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن العباس، وأبي ذر الغفاري وغيرهم([14])، وصاحب علي(ع) وخليفة ابن عباس على البصرة.

وقال ابن خلكان: كان من سادات التابعين وأعيانهم، وكان أكمل الرجال رأياً، وأسدّهم عقلاً([15]).

وقال الآمدي: كان حليماً، وشيخاً حازماً، وشاعراً متقناً للمعاني([16]).

وقال الشعبي: ما كان أعفّ أطرافه وأحضر جوابه([17]).

وقال ابن سلام: كان رجل أهل البصرة([18]).

وقال ابن الأعرابي: الفصحاء في الإسلام أربعة، وعدّ أبا الأسود منهم([19]).

وقال ابن سعد: كان ثقة في حديثه([20])، وقد روي أن أبا الأسود ولى القضاء في البصرة ولا عجب بعد أن كان يحسب في عداد المتقدمين من الفقهاء.

وقال: بعض المؤرخين بأن عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان قد استعملا أبا الأسود([21]).

 وعن بعض المؤرخين أن عليا(ع) قد ولى أبا الأسود البصرة([22]) وروي ان عليا(ع) عندما أضطر إلى التحكيم همَّ أن يقدم أبا الأسود فأبى الناس، وحين قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة.

قال له معاوية : بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين، فما كنت تحكم به ؟

قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين وأبناء المهاجرين ، وألفا من الأنصار وأبناء الأنصار .

 ثم ناشدتهم الله: المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء ؟([23])

كان له على باب داره دكان يجلس عليه مرتفع عن الأرض الى قدر صدر الرجل فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان فإذا مر به مار فدعاه الى الأكل لم يجد موضعا يجلس فيه فمر به ذات يوم فتى فدعاه الى الغذاء فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له يا أبا الأسود ان عزمت على الغذاء فأنزل وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظا، حتى أتى على الطعام.

فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟

فقال: لقمان الحكيم.

قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك([24]).

 وكان عبد الله ابن عامر مكرماً لأبي الأسود ملطفا، ثم دخلته جفوه فجفاه لتشيعه. فقال أبو الأسود في ذلك:

ألم تر ما بيني وبينَ أبن عامرٍ

    

 
    

من الودِّ قد بالتْ عليه الثعالبُ

واصبح باقي الود بيني وبينه

    

 
    

كأن لم يكنْ والدهرُ فيه العجائبُ

            

اذا المرءُ لم يحببْك الاتكرّها

    

 
    

بدا لك من أخلاقه ما يغالبُ

فللنأي خيراً من دنوٍ على الأذى

    

 
    

ولا خيرَ فيما يستقلّ المعاتبُ([25])

                  

 

نوادر من سيرته

كان رجل من بني سليم بن منصور يقال له: نسيب ابن حميد يغشى أبا الأسود في منزله ويتحدث إليه في المسجد اذا جلس، فكان نسيب يقول لأبي الأسود كثيرا ما أجد من قومي ولا من غيرهم بآثر عندي منك.

 وربما طلب الحاجة فيركب معه أبو الأسود فيها فاصاب النسيب مستقة أصبهانية مخملة فذكرها لأبي الأسود، وقال قد حدثت نفسي ببيعها.

 فقال له أبو الأسود: أرسل بها إلي، أنظر إليها.

 فأرسل بها نسيب إليه فأعجبت أبا الأسود، فقال: بعنيها بقيمتها، قال: لا بل أكسوكها فأبى أبو الأسود ان يقبلها، فأراها فقيل له ثمن مئتي درهم، فأبى وجعل يماكسه البيع حتى بذلها له بمئتي درهم وخمسين درهما. فقال أبو الأسود: ما أظن بها غلاء وإنها لمن حاجتي فابى وقال خذها.

 فقال أبوالأسود في ذلك:

بعني نسيب ولا ته لي انني

    

 
    

 
    

 
    

لا استثيبُ ولا أُثيبُ الواهبا

 
    

ان العطيةَ خيرُ ما وجهتها

    

 
    

 
    

وحسبتها حمدا وأجرا واجبا

 
    

ومن العطيةِ ما يعودُ غرامةً

    

 
    

 
    

وملامةً تبقي ومنّاً كاذبا

                              

وبلوت أخلاقَ الرجالِ وفعلَهم

    

 
    

 
    

 
    

فشبعتُ عِلما منهمُ وتجارِبا

فأخذتُ منها ما رضيتُ بأخذِه

    

 
    

 
    

 
    

وتركتُ أكثرَ ما هنالِكَ جانبا

فاذا وعدتُ الوعدَ كنتُ كغارمٍ

    

 
    

 
    

 
    

ديناً أُقر بهِ وأُحضِرُ كاتبا

حتى انفذه كما وجهتُه

    

 
    

 
    

 
    

وكفى علي له بنفسي طالبا

واذا فعلتُ فعلتُ غيرَ محاسب

    

 
    

 
    

 
    

وكفى بربِّك جازيا ومحاسِبا

واذا منعتُ منعتُ منعا بينا

    

 
    

 
    

 
    

وارحتُ من طولِ العناءِ الراغبا

لا أشتري الحمدَ القليلَ بقاؤه

    

 
    

 
    

 
    

يوماً بذمِ الدهرِ أجمع واصبا([26])

                                    

وكان المنذر بن الجارود يعجبه حديث أبي الأسود، وكان كل واحد منهما يغشى صاحبه، وكانت لأبي الأسود مقطعة من برود اليمن يكثر لبسها فقال المنذر: لقد ادمنت لبس هذه المقطعة يا ابا الأسود أما تملها؟

فقال أبو الأسود رب ملول لا يستطاع فراقه.

فأرسلها مثلا، فعلم المنذر قد احتاج الى كسوة فأهدى إليه ثيابا.

فقال أبو الأسود في ذلك:

كساني ولم استكسهِ فحمدتُه

    

 
    

أخٌ لكَ يعطيكَ الجزيلَ وناصرُ

وان احقَ الناسِ إن كنتَ حامداً

    

 
    

بحمدكَ مَن أعطاكَ والوجهُ وافرُ([27])

            

وحضر مع علي(ع) حرب صفين، وقدم بعد الجمل.

 وقال لعلي(ع): أما والله لو شهدتك ما قاتلك أزدي.

وقال المدائني: كان لأبي الأسود صديق يقال له الحارث بن خليد وكان في شرف العطاء لأبي الأسود قال: ما يمنعك من طلب الديون فانّ فيه غنىً وخيراً؟ فقال له أبو الأسود: أغناني الله عنه بالقناعة والتحمّل.

فقال: كلاّ ولكنّك تتركه اقامةً على محبّة ابن أبي طالب وبغض هؤلاء القوم.

أنه سمع رجلا يقول من يعشي الجائع ودعاه وعشاه فلما ذهب السائل ليخرج، قال له: هيهات إنما أطعمتك على ألا تؤذي المسلمين الليلة ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح([28]).

 وهاجر إلى البصرة في عهد عمر ابن الخطاب وسكن بها وبنى مسجدا باسمه ومنها انه كان له دار بالبصرة وله جار يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له بعت دارك.

فقال: بل بعت جاري.

ومنها انه كان يخرج إلى السوق ويجر رجليه لإصابة الفالج، وكان موسراً ذا عبيد وأبناء فقيل له قد أغناك الله تعالى في السعي في حاجتك فأجلس في بيتك.

فقال: لو جلست في البيت لبالت علي الشاة([29]).

ونسب إلى السيد علي خان في أنوار الربيع في ذكر أمثال الحكمة منها قول أبي الأسود لأبنه بعد أن قال له:

 (يا بني اذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستثقلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فابسط وإذا مسك عليك فأمسك، ولا تجاود الله فان الله أجود منك، واعلم انه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والحكماء حكام الملوك) ثم انشأ يقول:

العيش لا عيش إلا ما اقتصدتَ فإن

    

 
    

تصرفْ وتبذرْ لقيتَ الضُرَّ والعَطَبا

والعلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبِه

    

 
    

فاطلبْ هُدِيتَ فنونَ العلمِ والأدبا

لا خير في من له أصلٌ بلا أدبٍ

    

 
    

حتى يكونَ على ما زانَه حَدِبا

كم من حسيبٍ اخي عينٍ وطمطمةٍ

    

 
    

فدُمْ لدى القومِ معروقاً اذا انتسبا

                  

 
    

في بيتِ مكرُمَةٍ اباؤه نُجُبٌ

    

 
    

 
    

كانوا رؤوساً فامسى بعدَهم ذنبا

 
    

و خاملٍ مُقرفِ الآباءِ ذي أدبٍ

    

 
    

 
    

نال المعالي بلادأب والرتبا

اضحى عزيزاً عظيمَ الشانِ مشتهراً

    

 
    

 
    

في خدِّه صعر قد ظلّ محتجبا

    

العلمُ كنزٌ و ذخرُ لا نفادَ له

    

 
    

 
    

نِعمَ القرينُ اذا ما صاحبٌ صَحِبا

    

قد يجمعُ المالَ ثم يُسلَبُه
ج
    

 
    

 
    

عما قليل فيلقي الذلَّ والحَربَا

    

وجامعُ العلمِ مغبوطٌ بهِ أبداً

    

 
    

 
    

ولا يحاذرُ منه الفوتَ والسَلَبا

    

يا جامعَ العلمِ نعمَ الذخرُ تجمعُه

    

 
    

 
    

لا تعدِلنَّ به دُرّاً ولا ذهبا([30])

    

 
                                                

ومنها انه قال له رجل: أنك ظرف علم، ووعاء حلم، غير انك بخيل.

 قال: لاخير في ظرف لا يمسك ما فيه، وقال أبو الأسود: امساكك ما في يدك، خير من طلبك ما بيدي غيرك وانشد يقول:

يلومنني في البخلِ جهلاً وضلةً

    

 
    

ولَلبخلُ خيرُ من سؤالِ بخيلِ([31])

            

ومنها انه قيل له: هل شهد معاوية بدراً.

فقال : نعم ولكن من ذاك الجانب.

ومنها أنه اشترى حصانا بتسعة دنانير، واجتاز به على رجل أعور،  فقال: بكم اشتريته؟

قال: قيمته اربعة دنانير ونصف

فقال: معذور انت لأنك نظرت بعين واحدة،فقومته بنصف قيمته ولو نظرته بالعين الأخرى لو كانت صحيحة لقومته ببقية القيمة ومضى الى داره.

وروي انه دخل أبو الأسود على معاوية فقال له: أصبحت جميلا يا أباالأسود، و علقت تميمة تدفع عنك العين.

فقال: أبو الأسود وعرف أنه يهزأ به:

أفنى الشبابَ الذي فارقتُ بهجتَه

    

 
    

كرُّ الجديدينِ مِن آتٍ ومنطلقِ

لم يتركا ليَ في طولِ أختلافهما

    

 
    

شيئاً أخافُ عليه لذعةَ الحَدَقِ

قد كنتُ أرتاعُ للبيضاءِ أنظرُها

    

 
    

في شَعرِ رأسي وقد أيقنتُ بالبَلَقِ

    

والآنَ حينَ خضبتُ الرأسَ فارقني

    

 
    

ما كنت ألتذّ من عَيشي ومن خلقي([32])

    

 
                              

وقال أيام حرب الجمل يخاطب عثمان أبن حنيف:

يابن حنيف قد أتيت فأنفرِ

    

 
    

وطاعنِ القومَ وجالدْ واصبرِ

                       وابرزْ لها مستلئما وشمرِ([33])

    

 
                  

ومن أشعاره في الحكم :

المرءُ يسعى ثم يُدرِكُ مجدَه

    

 
    

حتى يزينَ بالذي لم يَفعَلِ

وترى الشقيَّ اذا تكاملَ غيُّه

    

 
    

يُرمى ويُقذفُ بالذي لم يَعمَلِ([34])

            

وخلّف أبو الأسود من الأولاد: عطا وحرب أو أبا حرب وابنتين، وقال لولده وأهل بيته:

لا يصلح الناس فوضى لا سُراةَ لهم

    

 
    

ولا سُراة اذا جهّالُهم سادوا

والبيتُ لا يبتنى إلا له عَمَدٌ

    

 
    

ولا عمادَ اذا لم تدس أوتادُ

فان تجمع أوتاد وأعمدة

    

 
    

لمعشر بلغوا الامر الذي كادوا

            

وكان لأحد أولاده صديق من باهله، فكان أبو حرب بن أبي الأسود يكثر زيارته وغشيانه، فقال له أبو الأسود في ذلك:

احبب اذا أحببتَ حبّاً مقارباً

    

 
    

فانك لا تدري متى أنتَ نازعُ

وأبغض اذا أبغضت بغضاً مقارباً

    

 
    

فانّك لا تدري متى أنتَ راجعُ

وكن معدناً للحكم واصفحْ عن الأذى

    

 
    

فانّك راءٍ ما علمتَ وسامعُ([35])

            

ومنها اشترى أبو الأسود أمة للخدمة، فجعلت تتعرض منه للنكاح وتتطيب، وتشتمل ثوبها فدعاها أبو الأسود فقال لها: اشتريتك للعمل والخدمة ولم اشترك للنكاح فقال فيها:

اصلاحُ إني لا أريدُكِ للصِبا

    

 
    

فدعي التشمّلَ حولَنا وتبذّلي

إني أريدُكِ للعجينِ وللرَّحا

    

 
    

ولحملِ قربتِنا وغلي المرجلِ

واذا تروّح ضيفُ اهلِكِ أو غدا

    

 
    

فخذي لآخرَ أهبةَ المستقبلِ([36])


(1) نقله عنه في تأسيس الشيعة: ص44.

(2) الأغاني: ج12، ص308.

(3) الأغاني: ج12، ص301.

(4) تفسير القرطبي: ج1، ص367.

(5) معجم رجال الحديث: ج20، السيد الخوئي: ص183.

(6) الإمام زين العابدين /للمقرم: ص428.

(7) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص171.

(8) سير أعلام النبلاء: ص84.

(9) أعيان الشيعة: ج7، ص404.

(10) أعيان الشيعة: ج7، ص403، الأغاني ج12 ص330.

(11) أعيان الشيعة: ج7، ص403.

(12) نقله عنه في أعيان الشيعة: ج7، ص407.

(13) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص174.

(14) معجم الأدباء.

(15) وفيات الأعيان: ج2، ص216.

(16) المؤتلف والمختلف: ص151.

(17) نور القبس: ص8.

(18) طبقات فحول الشعراء: ص12.

(19) نور القبس: ص8.

(20) الطبقات: ج7، ص70.

(21) خزانة الأدب: ج1، ص136.

(22) الأغاني: ج12، ص297.

(23) العقد الفريد لابن عبد ربه : ج4، ص349.

(24) الغدير: ج2، ص146، تاريخ ابن عساكر: ج7، ص104-106.

(25) ديوان أبو الأسود: ص275.                                        

(26) ديوان أبو الأسود: ص250.

(27) ديوان أبو الأسود: ص59.

(28) جمع الجواهر: ص206.

(29) الكنى والألقاب: ص9.

(30) ديوان أبو الأسود: ص384.

(31) العقد الفريد: ج6، ص296.

(32) نور القبس: ص10.

(33) تاريخ الطبري: ج4، ص463.

(34) حياة الحيوان للجاحظ: ص50.

(35) الأغاني: ج12، ص318.

(36) الأغاني: ج12، ص331.

أعود على المولى وان زل حلمه

    

 
    

بحلمي وكان العود أبقى وأحمدا

وكنت إذا المولى بدا لي غِشُّه

    

 
    

تجاوزتُ عنه وانتظرتُ به غدا

لتحكمه الأيامُ أو لتردَّه

    

 
    

عليّ ولم أبسط لساناً ولا يدا

            

ومنها:

أبى القلب الا أم عمرو وحبها

    

 
    

عجوزا ومن يحبب عجوزا يفندِ

كثوب اليماني قد تقادم عهدُه

    

 
    

ورقعته ماشئتُ في العينِ واليدِ

                  

ومنها أيضا:

 
    

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

    

 
    

فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

    

 
    

كضرائر الحسناءِ قلنَ لوجهها

    

 
    

حسداً وبغياً إنّه لدميمُ

    

 
                              

 
    

والوجه يشرقُ في الظلامِ كأنّه

    

 
    

بدرٌ منيرٌ والسماءُ نجومُ

    

 
    

وكذاك من عظمت عليه نعمة

    

 
    

حسّادُه سيفٌ عليهِ صرومُ

    

 
    

فاترك مجاراةَ السفيهِ فانّها

    

 
    

ندمٌ وغبُّ بعدَ ذاك وخيمُ

    

 
    

وإذا جريتَ مع السفيه كما جرى

    

 
    

فكلاكما في جريه مذمومُ

    

 
    

وإذا عتبتَ على السفيه ولمتَه

    

 
    

في مثل ما يأتي فأنتَ ظلومُ

    

 
    

يا أيها الرجلُ المعلمُ غيرَه

    

 
    

هلا لنفسك كان ذا التعليمُ

    

 
    

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

    

 
    

عار عليك إذا فعلت عظيم

    

 
    

أبدا بنفسك وانهها عن غيّها

    

 
    

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

    

 
    

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدي

    

 
    

بالرأي منك وينفع التعليم

    

 
    

تصف الدواءَ وأنتَ أولى بالدوا

    

 
    

وتعالجُ المرضى وأنت سقيمُ

    

 
    

وكذاك تلقح بالرشادِ عقولَنا
أبدا وأنت من الرشادِ عقيمُ
ويل الشجي من الخلي فأنّه
نصب الغواة بشجوة مغمومُ
وترى الخلي قريرَ عينٍ لاهيا
وعلى الشجي كآبةٌ وهمومُ
ويقول مالَكَ لا تقولُ مقالتي
ولسان ذا طلق وذا مكظومُ
لا تظلمنْ عِرضَ ابنِ عمَّكَ ظالماً
فإذا فعلتَ فعرضُك المكلومُ
وحريمه أيضاً حريمُك فأحمِه
كيلا يباحَ لديكَ منه حريمُ
وإذا اقتضضت من أبن عمك كلمة
فكلامه لك ان فعلت كلوم
فاذا طلبت الى كريم حاجة
ج
فلقاؤه يكفيك والتسليم
فاذا راك مسلما ذكر الذي
حملته فكانه محتوم
فارج الكريمَ وان رايتَ جفاءَهُ
فالعتبُ منه والفعالُ كريمُ
وعجبت للدنيا ورغبة اهلها
والرزق فيما بينهم مقسومُ
والأحمق المرزوق احمق من ارى
من أهلها والعاقل المحرومُ
­ج
ثم أنقضى عجبي لعلمي أنه
قدر موافٍ وقتَه معلومُ([9])
وكان أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي قد لزم منزل أبيه بالبصرة لا ينتجع أرضاً ولا يطلب الرزق في تجارة ولا غيرها فعاتبه أبوه على ذلك.
فقال أبو حرب: إن كان لي رزق فسيأتيني.
فقال له:
وما طلبُ المعيشةِ بالتمني
ولكن ألقِ دلوَكَ في الدلاءِ
يجيء بمثلها طَوراً وطَوراً
يجيء بحمأة وقليلِ ماءِ
ولا تقعد على كسلٍ تمنى
تحيل على المقادرِ والرجاءِ
فانّ مقادرَ الرحمنِ تجري
بأرزاقِ العبادِ من السماءِ
بقبض أو ببسط أو بقدر
وعجزُ المرءِ أسبابُ البلاءِ
وله أيضاً:
لا يكن برقك برقاً خلباً
ان خير البرق ما الغيث معه([10])
وكان خطيباً عالماً جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف([11]).
وفي كتاب البخلاء قال أبو الأسود: ((ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم، ومن أخرج ماله من يديه افتقر، ومن افتقر فلا بد له أن يضرع، والضرع: لؤم، وان كان الجود شقيق الكرم، والأنفة أولى بالكرم))([12]).
قال أبو الأسود لأبنته ليلة البناء: إنّ أطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الدهن، وأحلى الحلاوة الكحل، لا تكثري مباشرة زوجك فيملكّ، ولا تباعدي فيجفوك ويعتل عليك، وكوني كما قلت لأمكّ:
خذ العفو منّي تستديمي مودّتي
ولا تنطقي في سَورتي حين أغضبُ([13])
وفي الأغاني قال: شيخ العلم وفقيه الناس أخذ الفقه والنحو من علي(ع) وروى الحديث عنه وعن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن العباس، وأبي ذر الغفاري وغيرهم([14])، وصاحب علي(ع) وخليفة ابن عباس على البصرة.
وقال ابن خلكان: كان من سادات التابعين وأعيانهم، وكان أكمل الرجال رأياً، وأسدّهم عقلاً([15]).
وقال الآمدي: كان حليماً، وشيخاً حازماً، وشاعراً متقناً للمعاني([16]).
وقال الشعبي: ما كان أعفّ أطرافه وأحضر جوابه([17]).
وقال ابن سلام: كان رجل أهل البصرة([18]).
وقال ابن الأعرابي: الفصحاء في الإسلام أربعة، وعدّ أبا الأسود منهم([19]).
وقال ابن سعد: كان ثقة في حديثه([20])، وقد روي أن أبا الأسود ولى القضاء في البصرة ولا عجب بعد أن كان يحسب في عداد المتقدمين من الفقهاء.
وقال: بعض المؤرخين بأن عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان قد استعملا أبا الأسود([21]).
 ون بعض المؤرخين أن عليا(ع) قد ولى أبا الأسود البصرة([22]) وروي ان عليا(ع) عندما أضطر إلى التحكيم همَّ أن يقدم أبا الأسود فأبى الناس، وحين قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة.
قال له معاوية : بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين، فما كنت تحكم به ؟
قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين وأبناء المهاجرين ، وألفا من الأنصار وأبناء الأنصار .
 ثم ناشدتهم الله: المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء ؟([23])
كان له على باب داره دكان يجلس عليه مرتفع عن الأرض الى قدر صدر الرجل فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان فإذا مر به مار فدعاه الى الأكل لم يجد موضعا يجلس فيه فمر به ذات يوم فتى فدعاه الى الغذاء فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له يا أبا الأسود ان عزمت على الغذاء فأنزل وجعل يأكل وأبو الأسود ينظر إليه مغتاظا، حتى أتى على الطعام.
فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟
فقال: لقمان الحكيم.
قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك([24]).
 وكان عبد الله ابن عامر مكرماً لأبي الأسود ملطفا، ثم دخلته جفوه فجفاه لتشيعه. فقال أبو الأسود في ذلك:
 ألم تر ما بيني وبينَ أبن عامرٍ
من الودِّ قد بالتْ عليه الثعالبُ
واصبح باقي الود بيني وبينه
كأن لم يكنْ والدهرُ فيه العجائبُ
اذا المرءُ لم يحببْك الاتكرّها
بدا لك من أخلاقه ما يغالبُ
فللنأي خيراً من دنوٍ على الأذى
ولا خيرَ فيما يستقلّ المعاتبُ([25])
نوادر من سيرته
كان رجل من بني سليم بن منصور يقال له: نسيب ابن حميد يغشى أبا الأسود في منزله ويتحدث إليه في المسجد اذا جلس، فكان نسيب يقول لأبي الأسود كثيرا ما أجد من قومي ولا من غيرهم بآثر عندي منك.
 وربما طلب الحاجة فيركب معه أبو الأسود فيها فاصاب النسيب مستقة أصبهانية مخملة فذكرها لأبي الأسود، وقال قد حدثت نفسي ببيعها.
 فقال له أبو الأسود: أرسل بها إلي، أنظر إليها.
 فأرسل بها نسيب إليه فأعجبت أبا الأسود، فقال: بعنيها بقيمتها، قال: لا بل أكسوكها فأبى أبو الأسود ان يقبلها، فأراها فقيل له ثمن مئتي درهم، فأبى وجعل يماكسه البيع حتى بذلها له بمئتي درهم وخمسين درهما. فقال أبو الأسود: ما أظن بها غلاء وإنها لمن حاجتي فابى وقال خذها.
 فقال أبوالأسود في ذلك:
بعني نسيب ولا ته لي انني
لا استثيبُ ولا أُثيبُ الواهبا
ان العطيةَ خيرُ ما وجهتها
وحسبتها حمدا وأجرا واجبا
ومن العطيةِ ما يعودُ غرامةً
وملامةً تبقي ومنّاً كاذبا
وبلوت أخلاقَ الرجالِ وفعلَهم
فشبعتُ عِلما منهمُ وتجارِبا
فأخذتُ منها ما رضيتُ بأخذِه
وتركتُ أكثرَ ما هنالِكَ جانبا
فاذا وعدتُ الوعدَ كنتُ كغارمٍ
ديناً أُقر بهِ وأُحضِرُ كاتبا
حتى انفذه كما وجهتُه
وكفى علي له بنفسي طالبا
واذا فعلتُ فعلتُ غيرَ محاسب
وكفى بربِّك جازيا ومحاسِبا
واذا منعتُ منعتُ منعا بينا
وارحتُ من طولِ العناءِ الراغبا
لا أشتري الحمدَ القليلَ بقاؤه
 يوماً بذمِ الدهرِ أجمع واصبا([26])                        
وكان المنذر بن الجارود يعجبه حديث أبي الأسود، وكان كل واحد منهما يغشى صاحبه، وكانت لأبي الأسود مقطعة من برود اليمن يكثر لبسها فقال المنذر: لقد ادمنت لبس هذه المقطعة يا ابا الأسود أما تملها؟
فقال أبو الأسود رب ملول لا يستطاع فراقه.
فأرسلها مثلا، فعلم المنذر قد احتاج الى كسوة فأهدى إليه ثيابا.
فقال أبو الأسود في ذلك:
كساني ولم استكسهِ فحمدتُه
أخٌ لكَ يعطيكَ الجزيلَ وناصرُ
وان احقَ الناسِ إن كنتَ حامداً
بحمدكَ مَن أعطاكَ والوجهُ وافرُ([27])
وحضر مع علي(ع) حرب صفين، وقدم بعد الجمل.
 وقال لعلي(ع): أما والله لو شهدتك ما قاتلك أزدي.
وقال المدائني: كان لأبي الأسود صديق يقال له الحارث بن خليد وكان في شرف العطاء لأبي الأسود قال: ما يمنعك من طلب الديون فانّ فيه غنىً وخيراً؟ فقال له أبو الأسود: أغناني الله عنه بالقناعة والتحمّل.
فقال: كلاّ ولكنّك تتركه اقامةً على محبّة ابن أبي طالب وبغض هؤلاء القوم.
أنه سمع رجلا يقول من يعشي الجائع ودعاه وعشاه فلما ذهب السائل ليخرج، قال له: هيهات إنما أطعمتك على ألا تؤذي المسلمين الليلة ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح([28]).
 وهاجر إلى البصرة في عهد عمر ابن الخطاب وسكن بها وبنى مسجدا باسمه ومنها انه كان له دار بالبصرة وله جار يتأذى منه في كل وقت، فباع الدار فقيل له بعت دارك.
فقال: بل بعت جاري.
ومنها انه كان يخرج إلى السوق ويجر رجليه لإصابة الفالج، وكان موسراً ذا عبيد وأبناء فقيل له قد أغناك الله تعالى في السعي في حاجتك فأجلس في بيتك.
فقال: لو جلست في البيت لبالت علي الشاة([29]).
ونسب إلى السيد علي خان في أنوار الربيع في ذكر أمثال الحكمة منها قول أبي الأسود لأبنه بعد أن قال له:
 (يا بني اذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستثقلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فابسط وإذا مسك عليك فأمسك، ولا تجاود الله فان الله أجود منك، واعلم انه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والحكماء حكام الملوك) ثم انشأ يقول:
العيش لا عيش إلا ما اقتصدتَ فإن
تصرفْ وتبذرْ لقيتَ الضُرَّ والعَطَبا
والعلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبِه
فاطلبْ هُدِيتَ فنونَ العلمِ والأدبا
لا خير في من له أصلٌ بلا أدبٍ
حتى يكونَ على ما زانَه حَدِبا
فدُمْ لدى القومِ معروقاً اذا انتسبا      
في بيتِ مكرُمَةٍ اباؤه نُجُبٌ
كانوا رؤوساً فامسى بعدَهم ذنبا
و خاملٍ مُقرفِ الآباءِ ذي أدبٍ
نال المعالي بلادأب والرتبا
اضحى عزيزاً عظيمَ الشانِ مشتهراً
في خدِّه صعر قد ظلّ محتجبا
العلمُ كنزٌ و ذخرُ لا نفادَ له
نِعمَ القرينُ اذا ما صاحبٌ صَحِبا
قد يجمعُ المالَ ثم يُسلَبُه
ج
عما قليل فيلقي الذلَّ والحَربَا
وجامعُ العلمِ مغبوطٌ بهِ أبداً
ولا يحاذرُ منه الفوتَ والسَلَبا
يا جامعَ العلمِ نعمَ الذخرُ تجمعُه
لا تعدِلنَّ به دُرّاً ولا ذهبا([30])
ومنها انه قال له رجل: أنك ظرف علم، ووعاء حلم، غير انك بخيل.
 قال: لاخير في ظرف لا يمسك ما فيه، وقال أبو الأسود: امساكك ما في يدك، خير من طلبك ما بيدي غيرك وانشد يقول:
يلومنني في البخلِ جهلاً وضلةً
ولَلبخلُ خيرُ من سؤالِ بخيلِ([31])
ومنها انه قيل له: هل شهد معاوية بدراً.
فقال : نعم ولكن من ذاك الجانب.
ومنها أنه اشترى حصانا بتسعة دنانير، واجتاز به على رجل أعور،  فقال: بكم اشتريته؟
قال: قيمته اربعة دنانير ونصف
فقال: معذور انت لأنك نظرت بعين واحدة،فقومته بنصف قيمته ولو نظرته بالعين الأخرى لو كانت صحيحة لقومته ببقية القيمة ومضى الى داره.
وروي انه دخل أبو الأسود على معاوية فقال له: أصبحت جميلا يا أباالأسود، و علقت تميمة تدفع عنك العين.
فقال: أبو الأسود وعرف أنه يهزأ به:
أفنى الشبابَ الذي فارقتُ بهجتَه
كرُّ الجديدينِ مِن آتٍ ومنطلقِ
لم يتركا ليَ في طولِ أختلافهما
شيئاً أخافُ عليه لذعةَ الحَدَقِ
قد كنتُ أرتاعُ للبيضاءِ أنظرُها
في شَعرِ رأسي وقد أيقنتُ بالبَلَقِ
والآنَ حينَ خضبتُ الرأسَ فارقني
ما كنت ألتذّ من عَيشي ومن خلقي([32])
وقال أيام حرب الجمل يخاطب عثمان أبن حنيف:
يابن حنيف قد أتيت فأنفرِ
وطاعنِ القومَ وجالدْ واصبرِ
 وابرزْ لها مستلئما وشمرِ([33])
ومن أشعاره في الحكم :
المرءُ يسعى ثم يُدرِكُ مجدَه
حتى يزينَ بالذي لم يَفعَلِ
وترى الشقيَّ اذا تكاملَ غيُّه
يُرمى ويُقذفُ بالذي لم يَعمَلِ([34])
وخلّف أبو الأسود من الأولاد: عطا وحرب أو أبا حرب وابنتين، وقال لولده وأهل بيته:
لا يصلح الناس فوضى لا سُراةَ لهم
ولا سُراة اذا جهّالُهم سادوا
والبيتُ لا يبتنى إلا له عَمَدٌ
ولا عمادَ اذا لم تدس أوتادُ
فان تجمع أوتاد وأعمدة
لمعشر بلغوا الامر الذي كادوا
وكان لأحد أولاده صديق من باهله، فكان أبو حرب بن أبي الأسود يكثر زيارته وغشيانه، فقال له أبو الأسود في ذلك:
احبب اذا أحببتَ حبّاً مقارباً
فانك لا تدري متى أنتَ نازعُ
وأبغض اذا أبغضت بغضاً مقارباً
فانّك لا تدري متى أنتَ راجعُ
وكن معدناً للحكم واصفحْ عن الأذى
فانّك راءٍ ما علمتَ وسامعُ([35])
ومنها اشترى أبو الأسود أمة للخدمة، فجعلت تتعرض منه للنكاح وتتطيب، وتشتمل ثوبها فدعاها أبو الأسود فقال لها: اشتريتك للعمل والخدمة ولم اشترك للنكاح فقال فيها:
اصلاحُ إني لا أريدُكِ للصِبا
فدعي التشمّلَ حولَنا وتبذّلي
إني أريدُكِ للعجينِ وللرَّحا
ولحملِ قربتِنا وغلي المرجلِ
واذا تروّح ضيفُ اهلِكِ أو غدا
فخذي لآخرَ أهبةَ المستقبلِ([36])
(1) نقله عنه في تأسيس الشيعة: ص44.
(2) الأغاني: ج12، ص308.
(3) الأغاني: ج12، ص301.
(4) تفسير القرطبي: ج1، ص367.
(5) معجم رجال الحديث: ج20، السيد الخوئي: ص183.
(6) الإمام زين العابدين /للمقرم: ص428.
(7) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص171.
(8) سير أعلام النبلاء: ص84.
(9) أعيان الشيعة: ج7، ص404.
(10) أعيان الشيعة: ج7، ص403، الأغاني ج12 ص330.
(11) أعيان الشيعة: ج7، ص403.
(12) نقله عنه في أعيان الشيعة: ج7، ص407.
(13) نقله عنه في قاموس الرجال: ج5، ص174.
(14) معجم الأدباء.
(15) وفيات الأعيان: ج2، ص216.
(16) المؤتلف والمختلف: ص151.
(17) نور القبس: ص8.
(18) طبقات فحول الشعراء: ص12.
(19) نور القبس: ص8.
(20) الطبقات: ج7، ص70.
(21) خزانة الأدب: ج1، ص136.
(22) الأغاني: ج12، ص297.
(23) العقد الفريد لابن عبد ربه : ج4، ص349.
(24) الغدير: ج2، ص146، تاريخ ابن عساكر: ج7، ص104-106.
(25) ديوان أبو الأسود: ص275.                                        
(26) ديوان أبو الأسود: ص250.
(27) ديوان أبو الأسود: ص59.
28) جمع الجواهر: ص206.
(29) الكنى والألقاب: ص9.
(30) ديوان أبو الأسود: ص384.
(31) العقد الفريد: ج6، ص296.
(32) نور القبس: ص10.
(33) تاريخ الطبري: ج4، ص463.
(34) حياة الحيوان للجاحظ: ص50.
(35) الأغاني: ج12، ص318.
(36) الأغاني: ج12، ص331.

دروس البحث الخارج (الأصول)

دروس البحث الخارج (الفقه)

الإستفاءات

مكارم الاخلاق

س)جاء في بعض الروايات ان صلاة الليل (تبيض الوجه) ، و عند الأخذ بظاهر...


المزید...

صحة بعض الكتب والاحاديث

س)كيفية ثبوت صحة وصول ما ورد إلينا من كتب ومصنفات حيث أنه بعد الأسانيد...


المزید...

عصمة النبي وأهل بيته صلوات الله عليه وعلى آله

س)ما هي البراهين العقلية المحضة غير النقلية على النبوة الخاصة بخاتم المرسلين محمد صلى...


المزید...

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

س)شاب زنى بأخته بعد ان دفع لها مبلغ من المال وقام احد الاشخاص بتصويرهم...


المزید...

السحر ونحوه

س)ما رأي سماحتكم في اللجوء الى المشعوذين ومن يذّعون كشف المستور بالقران الكريم؟ وما...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية,...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية, و...


المزید...

العمل في الدوائر الرسمية

نحن مجموعة من المهندسين ومن الموظفين الحكوميين ، تقع على عاتقنا إدارة أوتنفيذ أوالاشراف...


المزید...

شبهات وردود

هل الاستعانة من الامام المعصوم (ع) جائز, مثلا يقال يا علي (ع) انصرني...


المزید...
0123456789
© 2017 www.wadhy.com

Please publish modules in offcanvas position.