الفصل الثاني: في أقسام الوضع

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الفصل الثاني: في أقسام الوضع


ممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الوجوه المتصوّرة للوضع عقلاً أربعة. ويقع الكلام: تارةً في إمكان هذه الصور، واُخرى في وقوعها. وهذه الوجوه الأربعة هي:
1) الوضع العامّ والموضوع له العامّ.
2) الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ.
3) الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.
4) الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ.
والممكن من هذه الصور الأربعة ثلاث فقط.
وقبل الشروع في بيان كلّ واحدةٍ من هذه الصور وبيان الممكن وما وقع في الخارج منها، نقول:
بما أنّ الوضع نوع من الجعل، فيكون ـ لا محالة ـ من أفعال الواضع، وتوصيفه بهذه الأقسام توصيف مسامحيّ، وإلّا، فإنّ المتّصف بها ـ في الواقع ـ هو الملحوظ للواضع عند الوضع. فمثلاً: إنّ معنى الوضع العامّ: أنّه الوضع الذي لاحظه الواضع عامّاً.
ثمّ لا يخفى: أنّ الوضع بما أنّه من الاُمور الإنشائيّة فيكون متقوّماً بالتصوّر واللّحاظ، وبما أنّه من الاُمور النسبيّة فيكون أيضاً متقوّماً باللّفظ والمعنى. ممّا يعني: أنّ على الواضع حين الوضع أن يلاحظ كلّاً منهما.
وإذا عرفت هذا، فاعلم: أنّ المعنى المتصوّر:
تارةً:
يكون عامّاً ويوضع اللّفظ بإزاء ذلك المعنى العامّ، فيسمّى الوضع في هذه الصورة ﺑـ«الوضع العامّ والموضوع له العامّ».
واُخرى:
يتمّ وضع اللّفظ بإزاء مصاديق ذلك العامّ، لكفاية تصوّر المصاديق إجمالاً في ضمن المعنى الكلّيّ الجامع لها، ليصير اللّفظ بذلك كالمشترك اللّفظيّ، من جهة: أنّ هناك لفظاً واحداً موضوعاً للمعاني المتعدّدة، بلا فرقٍ بين أن يكون ذلك بوضعٍ واحدٍ بعد جمعها في لحاظٍ واحدٍ، أو بأوضاعٍ متعدّدة، وهذا ما يسمّى ﺑـ«الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ».
وقد صوّر المحقّق العراقيّ، وتبعه الاُستاذ الأعظم()، الإشكال في الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ بما حاصله:
أنّ هذا القسم غير معقول، بتقريب: أنّ أيّ مفهومٍ في مرحلة المفهوميّة، جزئيّاً كان أو كلّيّاً، لا يحكي إلّا عن نفسه، فيستحيل أن يحكي مفهوم عن مفهوم آخر، فكما لا يعقل أن يحكي المفهوم الخاصّ بما هو خاصّ عن مفهوم عامّ أو خاصّ آخر، فكذلك لا يعقل أن يحكي المفهوم العامّ بما هو، عن مفهوم خاصّ أو عامّ آخر، بداهة أنّ لحاظ كلّ مفهوم وتصوّره هو عين إراءة شخصه، لا إراءة شي‏ء آخر به، فكيف يكون معرفة لغيره بوجهٍ؟ وعليه: فلا يمكن الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.
وفيه ـ كما ذكرنا ـ: أنّ تصوّر العامّ تصوّر للخاصّ بالإجمال؛ إذ العامّ يمكن أن يكون عنواناً للخاصّ وحاكياً عنه، ولا يضرّ في الوضع التصوّر غير التفصيليّ.
وقد يستشكل: بأنّه لا بدّ في الوضع من لحاظ الموضوع له، والمفروض أنّ الذي وضع له اللّفظ هو الخاصّ، فهذا الخاصّ هل هو ملحوظ للواضع أم لا؟!
فإن قيل: الواضع لم يلحظ الخاصّ الموضوع له، فنقول: فكيف إذاً قام بوضع اللّفظ له.
وإن قيل: بل لاحظه، قلنا: فيلزم ـ حينئذٍ ـ أن يكون الوضع خاصّاً، للحاظ الخاصّ نفسه، وهو خلف الفرض.
ولكن الحقّ: أنّه لا يعتبر في الوضع اللّحاظ التفصيليّ، بل يكفي اللّحاظ الإجماليّ، ويمكن الحكم عليه بواسطة عنوان العامّ المشير إليه، ولو من دون الالتفات أصلاً إلى نفس المعنون، إمّا للجهل بجميع خصوصيّاته الموجودة لجزئيّته، أو لعدم إمكان الالتفات إليه، كما لو كان الحكم على مضادّ حكم العامّ وكان غير محدودٍ عرفاً، بحيث لا يمكن الالتفات إليه بخصوصيّاته جميعاً.
وبالجملة: فلا إشكال في إمكان الوضع للأفراد بلا التفاتٍ إليها تفصيلاً، بل تتصوّر بواسطة عنوان العامّ المشير إليها، أي: أنّ العامّ يجعل طريقاً إلى أفراده، ويوضع اللّفظ للفرد بتوسّطه؛ لأنّ العامّ وجه للأفراد، فتصوّره يكون تصوّراً للأفراد، وهذا المقدار كافٍ في صحّة الوضع لها بلا لحاظها بخصوصيّاتها.
ومن هنا ظهر: ما ذكره بعض المحقّقين المعاصرين من أنّ تحقّق الوضع لا يتوقّف على لحاظ الموضوع له حتّى إجمالاً، بل يمكن الوضع لمعنىً مع عدم لحاظه بالمرّة أصلاً().
وثالثةً:
يكون المعنى الملحوظ والمتصوّر خاصّاً، ويوضع اللّفظ بإزاء هذا الجزئيّ والخاصّ، وفي هذه الحالة، يكون الوضع والموضوع له ـ كلاهما ـ خاصّين، ويسمّى ﺑ: «الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ».
ورابعةً:
يكون المعنى الملحوظ والمتصوّر خاصّاً أيضاً، ولكن يوضع اللّفظ بإزاء كلّيّه الجامع بين ذلك المعنى الملحوظ وبين غيره من الجزئيّات المشاركة له في ذلك الكلّيّ، ويسمّى هذا القسم: ﺑـ«الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ».
وإذا اتّضحت هذه الأقسام، فنقول:
المشهور على أنّ الأخير من هذه الأقسام غير ممكن، وعليه: فالصور في مرحلتي الإمكان والوقوع ثلاثة فقط.
وقال صاحب البدائع: هي في مقام التصوّر والإمكان أربعة، وفي مرحلة الوقوع ثلاثة().
وفي الكفاية: أنّها في مقام التصوّر أربعة، وفي مقام الإمكان ثلاثة، وفي مقام الوقوع اثنان().
وكيف كان، فلا يخفى: أنّ القسم الرابع غير واقعٍ في الخارج أصلاً، فهل هو ممكن أم لا؟
قيل: بإمكانه؛ لأنّ الخاصّ ـ لاشتماله على الكلّيّ، وهو العامّ ـ فحين تصوّره يتصور معه الكلّيّ أيضاً؛ لاندراج الكلّيّ فيه.
وهذا المقدار من التصوّر يكفي في وضع اللّفظ بإزاء الكلّيّ. فبعد أن كان المتصوّر التفصيليّ هو الخاصّ، وكان تصوّر الخاصّ تفصيلاً تصوّراً للعامّ إجمالاً، فإنّ هذا المقدار من التصوّر كافٍ في وضع اللّفظ له، ولو فرض أنّ المتصوّر التفصيلي وأوّلاً وبالذات هو الخاصّ لا العامّ.
والتحقيق: أنّ هذا القسم غير معقولٍ البتّة؛ وذلك لما ذكرناه سابقاً من أنّ الواضع لا بدّ له في مقام الوضع من أن يتصوّر المعنى واللّفظ معاً، فإذا فرض أنّه لم يتصوّر حين الوضع إلّا المعنى الخاصّ، فكيف يعقل أن يضع اللّفظ بإزاء المعنى العامّ الشامل للخاصّ المتصوّر وللأفراد المماثلة له غير المتصوّرة؟!
إنّ لازم ذلك: هو تحقّق الوضع لمعنىً لم يتصوّره الواضع حين الوضع أصلاً.
وبعبارة اُخرى: فإنّ الخاصّ، بما هو خاصّ، مباين للعامّ ولبقية أفراده، وكيف يمكن أن يكون المباين وجهاً وعنواناً للمباين الآخر؟!
وعليه: فبما أنّ الخاصّ بما هو خاصّ لا يصلح لأن يكون وجهاً للعامّ وعنواناً له، فلا يكون تصوّره تصوّراً للعامّ أبداً، ولو بنحو الإجمال.
إن قلت: يكفي لكي يكون تصوّر الخاصّ علّةً لتصوّر العامّ لحاظ علقة التضادّ بينهما، فإنّ الذهن كثيراً ينتقل إلى أحد الضدّين بعد تصوّره للضدّ الآخر.
قلت: ولكنّ هذا ليس من التصوّر بالوجه والعنوان لكي يكون مرجعه إلى إمكان حمله على ذي الوجه والعنوان، كما في الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، فإنّ العامّ هناك وجه للخاصّ ومحمول عليه، دون العكس، أي: فلا يكون الخاصّ وجهاً للعامّ.
وبعبارةٍ أوضح: فإنّ الطبيعة اللّابشرط، لسعتها وعدم تقييدها بأيّ قيدٍ، فهي تجتمع مع ألف شرط، وأمّا المقيّد بقيدٍ فهو لا يمكنه أن يتّحد وينطبق على تلك الطبيعة الوسيعة المطلقة المجرّدة عن كلّ قيد حتى قيد اللّابشرطيّة.
أو فقل: إنّ الخصوصيّة المقوّمة للخاصّ تناقض العموم وتنافيه، ولا يمكن انطباقه على العامّ إلّا بإلغاء الخصوصيّة، ومع الإلغاء، فإنّ الخاصّ يخرج عن كونه خاصّاً، فكيف يمكن ـ حينئذٍ ـ أن يكون الشيء مرآةً وعنواناً لنقيضه؟!
وقد عرفت أنّ الوضع من الأفعال الاختياريّة، وهو لا يحصل إلّا بتصوّر اللّفظ والمعنى، فإذا امتنع أحد التصوّرين امتنع أصل الوضع، كما هو أوضح من أن يخفى.
و من هنا ظهر: فساد ما ذكروه من إمكان هذا القسم، ببيان: أنّ الخاصّ ولو لم يكن وجهاً وعنواناً للعامّ، إلّا أنّ تصوّره يمكن أن يكون تصوّراً للعامّ، فإذا تصوّر الإنسان موجوداً خاصّاً فإنّه ـ لا محالة ـ يتصوّر أنّ هذا الموجود فرد لطبيعيٍّ ينطبق عليه وعلى أمثاله من أفراد هذه الطبيعة المعيّنة، فإذا أراد أن يضع اسماً خاصّاً لهذا الطبيعيّ أمكنه ذلك، وهذا التصوّر الإجماليّ كافٍ في الوضع، والمفروض: أنّ التصوّر التفصيليّ والتحليليّ للخاصّ لازمه التصوّر الإجماليّ للعامّ، ولو فرض أنّ هذا التصوّر التفصيليّ له لا يكون تصوّراً تفصيليّاً للعامّ.
وعلى هذا المبنى يندفع الإشكال: بأنّ تصوّر الخاصّ لا يكون تصوّراً للعامّ لا تفصيلاً ولا إجمالاً.
وقد اُجيب عن هذا البيان: بأنّ تصوّر العامّ، حتّى ولو فرض إمكانه عند تصوّر الخاصّ وبواسطته، إلّا أنّه لا يظهر من هذه الملازمة كون الخاصّ عنواناً ووجهاً للعامّ، كما مرّ.
وفي المقام إشكال آخر نقضيّ، حاصله:
أنّ الخاصّ بما هو خاصّ، وإن لم يكن وجهاً وعنواناً ومرآةً للعامّ، بحيث يكون تصوّره تصوّراً للعامّ بنحو إجماليّ، إلّا أنّ هذا الإشكال ـ بعينه ـ متحقّق في عكسه أيضاً، فإنّ العامّ بما هو عامّ لا يمكن ـ هو أيضاً ـ أن يكون وجهاً للخاصّ بما هو خاصّ.
وفيه: أنّ العامّ لا يكون عنواناً للخاصّ إلّا مع إلغاء الخصوصيّة، أي: الطبيعة اللّابشرطيّة، وعدم تقييده بأيّ قيدٍ، حتّى قيد (الإطلاق)، وحينئذ فقط يكون العامّ عنواناً ومرآةً للخاصّ ويجتمع معه، لأنّه إذ ذاك يجتمع مع ألف شرطٍ.
فتحصّل: أنّ الأقسام الممكنة تنحصر في ثلاثة. ومن هذه الثلاثة قسمان واقعان بالاتّفاق، وهما:
الأوّل: الوضع العامّ والموضوع له العامّ، كأسماء الأجناس.
والثاني: الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ، كما في الأعلام الشخصيّة.
وأمّا القسم الثالث ـ و هو الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ ـ:
فقد اختلف فى وقوعه في الخارج أو عدم وقوعه.
والمشهور على أنّ وضع الحروف والهيئات من هذا الباب، ولكنّ صاحب الفصول اختار أنّ كلّاً من الوضع والموضوع له فيها عامّ، وإنّما يكون المستعمل فيه خاصّاً().
ولا يخلو من تأمّل؛ إذ بناءً على هذا القول يكون لزاماً على اللّفظ أن لا يستعمل في معناه الموضوع له أصلاً، وقبحه ظاهر. مضافاً إلى أنّه يوجب بطلان حكمة الوضع، ويكون الوضع لغواً من هذه الجهة.
وفي الكفاية: القول بعموميّة الثلاثة فيها: الوضع والموضوع له والمستعمل فيه().
وحيث إنّ تحقيق المسألة متوقّف على معرفة معاني الحروف وبيان ما هو الموضوع فيها، فلابدّ أن ننقل الكلام إلى بيان المعنى الحرفيّ وتمحيص الأقوال الواردة فيه