الفصل الرابع: استعمال اللّفظ في المعنى المجازيّ

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الفصل الرابع: استعمال اللّفظ
في المعنى المجازيّ


والكلام يقع فيه في اُمور:

الأمر الأوّل: في تعريف المجاز
قالوا: المراد من المجاز استعمال اللّفظ في غير ما وضع له، فالدلالة على المعنى المجازيّ هي دلالة اللّفظ على معنىً لم يكن مدلوله بحسب المعنى اللّغويّ، ولا بدّ معه من قرينة تكشف عن عدم إرادة المعنى الحقيقيّ.
وقال السكّاكيّ: المجاز هو استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقيّ الذي يكون فرداً من أفراد الحقيقيّ ادّعاءً، وإنّ المفهوم الذي لم يوضع له اللّفظ ـ «المعنى المجازيّ» ـ هو نفس المفهوم الذي وضع له اللّفظ بالحمل الأوّليّ، أي: أنّ مفهوم (الرجل الشجاع) هو نفس مفهوم (الحيوان المفترس)، فيستعمل لفظ (الأسد) في كليهما على أساس هذه العينيّة المدّعاة، أو أنّ غير ما وضع له مصداق لما هو موضوع له، على نحو أنّه يحمل عليه المعنى الموضوع له بالحمل الشائع الصناعيّ عليه، فيستعمل اللّفظ في المعنى الموضوع له، ولكنّه يطبّق على فرد ادّعائيّ.

الأمر الثاني: في منشأ دلالة اللّفظ على المعنى المجازيّ
ويقع البحث هنا في أنّه بناءً على قول المشهور فمن أين نشأت دلالة اللّفظ على المعنى المجازيّ، مع أنّه ليس هناك وضع يجمع بينهما؟!
قد يقال: نشأت هذه الدلالة من القرينة على المجاز.
ولكنّ هذا غير تامّ؛ فإنّ القرينة لا يؤتى بها لإخطار المعنى المجازيّ، بل إنّما جيء بها للصرف عن المعنى الحقيقيّ، ففي قولنا: (رأيت أسداً يرمي)، ليس في كلمة (يرمي) دلالة، ولو التزاماً، على معنى (الرجل الشجاع)، بل هي إنّما تدلّ على عدم كون المراد من لفظ (الأسد) الحيوان المفترس، وأمّا أنّه اُريد به الرجل الشجاع، فلا دلالة لها عليه.
وإذا ما قلنا بذلك، فلابدّ أن نقول بأنّ دلالة اللّفظ في كلّ منهما دلالة وضعيّة، ولا يكون هناك وضع نوعيّ وطوليّ في المعنى المجازيّ، بأن يقال: إنّ لفظ (الأسد) موضوع لما يشبه معناه الحقيقي، أو يقال: إنّ الوضع في المعنى المجازيّ مقيّد بفرض وجود القرينة على المعنى المجازيّ، بأخذها قيداً في الوضع للمعنى أو في اللّفظ الموضوع.

الأمر الثالث: ملاك صحّة الاستعمال المجازيّ
لا يخفى: أنّه قد يحسن استعمال اللّفظ في غير معناه الموضوع له، وهذا الاستعمال قد يكون لمناسبة ما، إمّا بين المعنيين: الحقيقيّ والمجازيّ، وإمّا بين اللّفظ وبين المعنى المستعمل فيه. كما إذا وضع لفظ (الأسد) للحيوان المفترس، واستعمله المتكلّم في الرجل الشجاع لعلاقة بينهما، فيكون استعمله في معنىً مناسب للمعنى الموضوع له.
فإذا عرفت هذا: فهل صحّة الاستعمال حينئذ تكون بالوضع أو بالطبع؟ أي: فهل يحتاج استعمال اللّفظ في المعنى المناسب للموضوع له إلى وضع نوعيّ بالنسبة إلى أنواع العلائق المعروفة، أو إلى ترخيص من الواضع في استعمال اللّفظ في معنىً بشرط أن يكون بين هذا المعنى وبين المعنى الموضوع له إحدى العلائق المعروفة؟!
أم أنّه لا حاجة إلى ذلك، بل لا تتوقّف صحّة الاستعمال على الإذن، وإنّما المعتبر في صحّة الاستعمال في المعنى المجازيّ هو المناسبة التي يقبلها طبع أهل الاستعمال وجبلّتهم الغريزيّة وسليقتهم وطبعهم السليم؟
ذهب صاحب الكفاية إلى الثاني، فقال:
«صحّة استعمال اللّفظ فيما يناسب ما وضع له، هل هو بالوضع أو بالطبع؟ وجهان، بل قولان. أظهرهما: أنّه بالطبع، بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه ولو مع ترخيصه، ولا معنى لصحّته إلّا حسنه»().
وحاصله: أنّ الوجدان شاهد بحسن الاستعمال في ما يناسب المعنى الذي وضع له، ولو مع منع الواضع عن هذا الاستعمال، فيكون قبول الطبع السليم هو الملاك في صحّة الاستعمال، لأنّ حسنه مع المنع من الواضع دليل على عدم توقّف صحّة الاستعمال المجازيّ على وضع الواضع، فإطلاق لفظ (القمر) على حسن الوجه، واستعماله فيه صحيح وإن لم يقبله الواضع.
وبالعكس، فإنّ الاستعمال في ما لا يناسب ما وضع له مستهجن، ولو مع ترخيص الواضع به.
وعلى القول بالوضع، فهل للمعنى المجازيّ وضع جديد، أم أنّه من لوازم المعنى الحقيقيّ؟ وليس هناك حاجة إلى وضع جديد، بل تكون محاولة تحصيل هذه الدلالة بالوضع الجديد من قبيل تحصيل الحاصل، أي أنّ اللّفظ يكتسب بسبب وضعه للمعنى الحقيقيّ صلاحيّة الدلالة على كلّ معنى مقترن بالمعنى الحقيقيّ، وبما أنّ اللّفظ يقترن بالقرينة الصارفة عن المعنى الحقيقيّ، فإنّ هذه الصلاحيّة التي له تصبح فعليّةً، ويكون اللّفظ دالاً فعليّاً على المعنى المجازيّ، وهذه الدلالة بما أنّها تتبع الدلالة الوضعيّة فإنّها تكون في طولها.
وهذا على خلاف ما هو المشهور من أنّ اللّفظ موضوع للمعنى المجازيّ بالوضع النوعيّ؛ فإنّ ظاهره هو الوضع الجديد، والوضع المجازيّ النوعيّ عندهم مقيّد بفرض وجود القرينة على المعنى المجازيّ، فتكون القرينة مأخوذةً قيداً للوضع أو في اللّفظ الموضوع، وإذا لم يكن هناك قرينة فلابدّ حينئذ من الحمل على المعنى الحقيقيّ.
والمشهور على الأوّل، وأنّ ملاك صحّة الاستعمال في المعنى المجازيّ هو بالوضع، أيّ: فلابدّ من إذن الواضع وترخيصه، سواء قبله الطبع أم لا.
وهل هذا الوضع من قبيل الوضع الشخصيّ أم الوضع النوعيّ؟
لا يخفى: أنّ الوضع هنا لا يمكن أن يكون من قبيل الوضع الشخصيّ، كالأعلام الشخصيّة الذي تتمّ فيه ملاحظة كلّ من مادّة اللّفظ وهيئته وخصوصيّة المعنى.
كما أنّه ليس من قبيل الوضع النوعيّ الملحوظ فيه الهيئة خاصّةً مع غضّ النظر عن المادّة، كما في هيئة الفاعل والمفعول أو غيرهما من المشتقّات. ولا من قبيل وضع المادّة فقط، كوضع (ض، ر، ب).
وإنّما المراد وضع كلّ من المادّة والهيئة لكلّ معنى يناسب المعنى الموضوع له، كلفظ (الأسد) الذي وضع لكلّ ما يناسب الحيوان المفترس من جهة علقة الشجاعة.
وبعبارة أُخرى: إذا كان بين الوضع الأوّل وبين أيّ معنىً من المعاني أحد العلائق المعهودة، فحينئذٍ: يصحّ استعمال هذا اللّفظ في ذلك المعنى، ويكون هذا من الوضع النوعيّ باعتبار عدم لحاظ خصوصيّة المعنى فيه، بل هو شامل لكلّ معنىً مناسب للمعنى الأوّل، كما أنّ وضع الهيئات يكون كذلك، لأنّه لا يلحظ فيه خصوصيّة أيّة مادّة من الموادّ.
والحقّ: أنّ استعمال اللّفظ في غير ما وضع له ليس بالوضع، بل بالطبع، وأنّه ليس للواضع أيّ منع أو ترخيص؛ إذ ليست وظيفته إلّا وضع اللّفظ لمعنى مخصوص، وغاية ما يوجبه فعله هذا هو نشوء الارتباط بين اللّفظ وبين ما وضع له، وأمّا غير المعنى الموضوع له من المعاني فهو باق على أجنبيّته بالنسبة للّفظ، وعليه: فلا يكون من وظيفة الواضع المنع ولا الترخيص.
وأمّا القول بأنّ الاستعمال في المعنى المجازيّ يستند إلى الوضع النوعيّ ففيه:
أوّلاً: أنّه مجرّد إمكان، ولا دليل عليه.
وثانياً: أنّه يخرج المعنى المجازيّ عن كونه معنى مجازيّاً ويدخله في ما وضع له؛ لأنّ اللّفظ قد وضع له هو أيضاً، غاية الأمر: أنّه بالوضع النوعيّ لا الشخصيّ، أو فقل: يلزم أن يكون اللّفظ دائماً مستعملاً فيما وضع له بالادّعاء والتنزيل ـ كما قاله السكّاكيّ ـ، نحو: (الطواف بالبيت صلاة)، فإنّه ينزّل ما لم يوضع له اللّفظ منزلة ما قد وضع له بادّعاء منه، فإذا استعمله فيه كان الوضع حقيقيّاً، وفيه نوع من المبالغة المطلوبة.
وأمّا بناءً على القول باستعماله بتجوّز ﻛ (زيد قمر)، فليس فيه هذه المبالغة، فلا يكون حسنه كالأوّل.
وأمّا ما قيل: من أنّ فيه مبالغةً بناءً على القول المشهور أيضاً؛ لأنّ كلمة (أسد) ليست مرادفةً في مدلولها المجازيّ لكلمة (الرجل الشجاع)، وإنّما هي تزيد عليه غالباً بملاحظة أنّ الرجل الشجاع بما هو شجاع يكون شبيهاً بالحيوان المفترس، فكأنّ الكلام يستبطن تشبيهاً.
ففيه: أنّه نعم، فيه مبالغةً حتّى لو بنينا على المشهور، غاية الأمر: أنّه بناءً على قول السكّاكيّ أبلغ؛ إذ فرق بين قولك: (زيد يشبه العادل)، وبين قولك: (زيد هو العادل نفسه). ولكن يرد على هذا أيضاً: أنّه استعمال في غير ما وضع له.
وثالثاً: أنّه مخالف لما ذكره علماء العربية في تعريف المجاز من أنّه: اللّفظ المستعمل في غير ما وضع له، وإن قال بعضهم: المجاز هو استعمال اللّفظ في غير ما وضع له.
فإن قلت: إنّ مرادهم من (في غير ما وضع له) الوضع الشخصيّ، لا النوعيّ.
قلنا: هذا يحتاج إلى دليل، وليس.
ورابعاً: لا يستلزم انحصار الحقيقي في الشخصيّ، ويصبح اللّفظ المستعمل في المعنى الموضوع له بالوضع النوعيّ داخلاً في المعنى الحقيقيّ.
وخامساً: لا يمكن أن تتوقّف صحّة استعمال اللّفظ في المعنى المجازيّ على ترخيص الواضع، لما بيّناه من أنّ حقيقة الوضع ليست إلّا الهوهويّة والاتّحاد الاعتباريّ بين اللّفظ والمعنى، وإلّا، لم يكن إلقاؤه إلقاءً للمعنى، ولا وجوده وجوداً لفظيّاً للمعنى. فتكون وظيفة الواضع ـ حينئذٍ ـ منحصرةً في جعل اللّفظ حاكياً عن المعنى، ومعه: فلا يبقى مجال لترخيصه ولا لوضعه النوعيّ ولا لمنعه.
وسادساً: هذا إنّما يتمّ بناءً على كون الواضع شخصاً واحداً، وأمّا لو قلنا: بأنّ كلّ مستعمل واضع حقيقةً، وأنّ الوضع لا ينحصر في شخص معيّن، فحينئذ لا يبقى مجال لهذا البحث أصلاً