الفصل الرابع عشر: المشتقّ

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الفصل الرابع عشر: المشتقّ


وتحقيق الحال فيه يستدعي بيان اُمور:

الأمر الأوّل:
في بيان المعنى اللّغويّ للمشتقّ وتحديد ما هو المعنى الاصطلاحيّ، وبيان ما هي النسبة بينهما من النسب الأربعة؟
أمّا المشتقّ لغةً: فهو: مطلق أخذ الشيء من الشيء، واقتطاف فرع من الأصل، يقال: اشتقّ النهر من الوادي، إذا أخذ شيء من مائه().
لا يخفى: أنّ هناك فرقاً بين مبدأ الاشتقاق وبين نفس المشتقّ، فإنّ حمل الأوّل على الذات من قبيل: (حمل ذو هو)، إذ لا يمكن ولا يصحّ حمل البياض على الجسم بحمل المواطاة و(حمل هو هو)، وإنّما يحمل عليه بواسطة (ذي) فيقال ـ مثلاً ـ: (الجسم ذو بياض).
وهذا بخلاف نفس المشتقّ، فإنّ حمله (حمل هو هو)، المعبّر عنه ﺑ (حمل المواطاة)؛ إذ يمكن أن يثبت المشتقّ للذات ويقال: إنّه هو الذات، ويصحّ هذا الحمل بلا واسطة، فلا يقال: (الجسم ذو أبيض). نعم، يمكن حمل المبدأ على الذات بدون ذي من باب المبالغة، كقولك: (زيد عدل)، وفي غير هذه الحالة لا يجوز.
خلافاً لما نسب إلى الشيخ هادي الطهراني() أنّه قد فرّق بين المشتقّ والجامد بأنّ الحمل في الأوّل (حمل ذو هو)، وفي الثاني (حمل هو هو)، مع أنّ المشتقّ يحمل بحمل (هو هو)، فيكون كحمل الجوامد، وأمّا المبدأ فهو الذي يكون الحمل فيه (حمل ذو هو).
وقد قسّموا الاشتقاق إلى ثلاثة أقسام: صغير وكبير وأكبر:
الأوّل: أن يكون الفرع موافقاً للأصل في فروعه الأصليّة وزيادة، ويعتبر فيه ـ أيضاً ـ الموافقة المعنى وفي ترتيب الحروف الأصليّة، ﻛ (المقتل) الذي هو فرع من (القتل). ويشمل أسماء الفاعلين والمفعولين والأزمنة والأمكنة والأفعال والمصادر المزيد فيها والمجرّدة، بناءً على أنّ الأصل هو الفعل وأنّ المصدر مشتقّ منه، كما هو مذهب الكوفيّين، لا أنّ الأصل هو المصدر.
والثاني: أن يكون الفرع موافقاً لأصله في الحروف دون الترتيب فيها، ولا يشترط فيه الموافقة في المعنى، فيشمل مثل: (جذب) و(جبذ)، المتّحدين في المعنى.
والثالث: ويعتبر فيه المناسبة بينهما في اللّفظ والمعنى، دون الموافقة فيهما، ﻛ (ثلم وثلب)، و(نهق ونعق).
وقد أحصى بعض المحقّقين() الفروق بينهما فأنهاها إلى خمسة عشر قسماً؛ لأنّه إمّا أن يكون المشتقّ موافقاً للمشتقّ منه في عدد الحروف الأصليّة والترتيب، وعدم التصرّف في شيء من الحروف ـ ﻛ (ضرب) و(الضرب) ـ فإنّه لم يتصرّف لا في عدد حروفها ولا في ترتيبها. وإمّا إلّا يكون موافقاً له.
وعدم الموافقة، تارةً يكون من جهة الاختلال في ترتيب الحروف من التقديم والتأخير، واُخرى يكون من جهة الزيادة والنقيصة، واُخرى من جهة القلب، كقلب الواو بالألف في كلمة (قول). وتضرب الخمسة، وهي: المجموع من صور الموافقة مع عدم الموافقة، في ثلاثة ـ وهي الثلاثيّة والرباعيّة والخماسيّة ـ لتكون النتيجة خمسة عشر.

الأمر الثاني:
أنّ النسبة بين المشتقّ بالمعنى اللّغويّ والاصطلاحيّ هي العموم من وجه؛ وذلك لاجتماعهما في أسماء الفاعلين والمفعولين، وافتراقهما في بعض الجوامد، كتلك الجوامد التي تجري على الذات باعتبار اتّصافها بالمبادئ الجعليّة، كالزوج والحرّ والرقّ، فإنّه يصدق المشتقّ عليها عند الاُصوليّ دون النحويّ.
وافتراقهما ـ أيضاً ـ في الأفعال والمصادر المزيد فيها؛ لصدق المشتقّ عليها عند النحويّ، دون الاُصوليّ.
وخلاصة القول: أنّ الفرق بين المشتقّ المأخوذ في عنوان النزاع هنا، وبين الخارج عنه في أنّ المشتقّ بالمعنى الأوّل: هو مطلق ما يكون مفهومه جارياً على الذات ومحمولاً عليها، وهو يلاحظ باعتبار اتّصافها كالسواد والبياض ونحوهما من الأعراض المتأصّلة والتي لها حظّ من الوجود، ولو في ضمن معروضها. أو العرضيّ الذي لا وجود له في الخارج، وإنّما الموجود هو منشأ انتزاعه كالفوقيّة والتحتيّة والزوجيّة والملكيّة، وهي من الاُمور الانتزاعيّة المحضة. ولا يفرّق بين أن يكون الجاري على الذات اسماً مشتقّاً أو اسماً جامداً.
فقد يصدق على اللّفظ اسم (المشتقّ)، ولكن، مع ذلك، لا يدخل في محلّ البحث، كأمثال المصادر المزيدة فيها. وقد يدخل في حريم البحث، ومع ذلك، لا يكون من المشتقّ اللّغويّ، كالأسامي الجامدة الجارية على الذات بملاحظة اتّصافها بعرض: ﻛ (الزوج) و(الزوجة) و(الرقّ) و(الحرّ)، ونحو ذلك... وقد يكون اللّفظ مشتقّاً، ويدخل في محلّ البحث، ويصدق عليه ـ مضافاً إلى ذلك ـ: أنّه مشتقّ باعتبار المعنى اللّغويّ.
وأمّا خروج الأفعال والمصادر المزيد فيها: فلأنّها وإن صدق عليها المشتقّ بالمعنى اللّغويّ، ولكن لا يصدق عليها بالمعنى المصطلح، إذ هي غير جارية على الذوات. وكذا المصادر المجرّدة.
لا لما قيل: من أنّها بنفسها تكون موضوعاً، وليس هي بمشتقّة، وإنّما هي مبدأ الاشتقاق، لما سيأتي من أنّ الحقّ أنّ المصدر أيضاً من المشتقّات، وأنّ ما هو الأصل في المشتقّات ليس هو الفعل ولا المصدر كما هو معروف بين النحويّين.
وبعبارة اُخرى: فإنّ مبدأ الاشتقاق ليس هو (الضرب) أو (ضرب)، وإنّما هو (ض ر ب)، فإنّ المبدأ هو ما يسري في جميع مشتقّاته، كالخشبة التي توجد في الباب وفي الشبّاك وفي الطاولة و... و(الضرب) مشتقّ من (ض ر ب)، تماماً كبقيّة المشتقّات، والذي يسري في جميع المشتقّات إنّما هو (ض ر ب).
فظهر من جميع ما ذكرنا:
أنّ المشتقّ الذي هو محلّ البحث هو كلّ لفظ دالّ على مفهوم ينتزع من الذات ويحمل عليها بملاحظة اتّصافها بأمر خارج عن ذاتها، سواء صدق عليه أيضاً أنّه مشتقّ نحويّ ـ كأسماء الفاعلين والمكان ـ أو كان جامداً ـ كألفاظ (الزوج) و(الزوجة) و(الحرّ) و(الرقّ) وما إلى ذلك ـ.
وبهذا يخرج الذاتيّ في باب إيساغوجي، كالجنس والفصل؛ لأنّ من شرط الدخول في محلّ البحث إلّا يكون ممّا تنعدم الذات بانعدامه. والوصف الذاتيّ ممّا تنعدم الذات بانعدامه، ومعه: فلا يبقى موضوع في البين أصلاً حتّى يقع مورداً للبحث، وحتّى يقال: إنّ استعمال المشتقّ فيه هل هو حقيقة أو مجاز؟ فإنّ الذاتيّ لا يختلف ولا يتخلّف، وإلّا يلزم الخلف، فهو لا ينقضي عن الذات إلّا وتزول الذات معه، فلا يتأتّى في النزاع الآتي.
وبعبارة اُخرى: فإنّ الأسامي الجامدة الجارية على الذات والتي تعبّر عن اتّصاف هذه الذات بذاتيّ من ذاتياتها ـ ﻛ (الإنسان) و(الحجر) ـ فإنّ الإنسان منتزع عن الذات باعتبار الإنسانيّة، والحجر منتزع عن الذات بملاحظة اتّصافه بالحجريّة ـ خارجة عن محلّ البحث، لأنّ مفروض هذا البحث أن تكون الذات باقيةً بعد انعدام الوصف الذاتيّ، والإنسان لا يصدق على الذات التي لم تبق إنسانيّتها، كما أنّ الحجر لا يصدق على الذات التي لم تبقَ حجريّتها، وهذا واضح.
وأيضاً: فإنّ المحمولات التي تحمل على موضوعاتها:
تارةً: تكون منبعثةً عن نفس الذات أو الذاتيّ مع قطع النظر عن كلّ شيء خارج عنها، من الزمان والزمانيّ، أو الاجتماع والافتراق، أو...
واُخرى: تكون منتزعةً عن الذات بضميمة عارض يعرض عليها، بلا فرق بين أن يكون من الأعراض المتأصّلة الخارجيّة، كالسواد والبياض المنتزعين من الأسود والأبيض، أو من الاُمور الاعتباريّة، التي ليست باُمور خارجيّة ولا ذهنيّة، كالملكيّة والزوجيّة والرقّيّة.
والذي يكون محلاً للبحث هو القسم الثاني دون الأوّل.
والسرّ في عدم وقوع الأوّل في محلّ البحث: هو ما ذكرناه من عدم بقاء الذات وانحفاظها في كلتا الحالتين، أي: حالة وجود الصفة وعدمها، وحالة وجود العارض وعدمه؛ فإنّ هذا مفقود في نظر العرف في القسم الأوّل؛ لأنّ الشيء في نظر العرف ينعدم عند فقده صورته النوعيّة وتلبّسه بصورة نوعيّة اُخرى.
ومن هنا: حكموا بطهارة الكلب إذا أصبح ملحاً؛ لأنّه من باب انعدام وجوده وحصول وجود آخر، ولم يبق هناك من مادّة أو ذات مشتركة في الحالتين.
بل قد يقال: بأنّه لم يبق مادّة وذات مشتركة حتّى بالدقّة العقليّة؛ لأنّ شيئيّة الشيء بصورته لا بمادّته، فإذا انعدمت الصورة الاُولى لزم تحقّق الصورة بدون المادّة، ويتخلّل العدم بين انعدام الصورة الاُولى ووجود الثانية، مع أنّه يستحيل بقاء المادّة بدون الصورة.
فإن قلت: إنّ الصورة الاُولى لم تنعدم عند ورود الصورة الثانية.
قلت: هذا ـ أيضاً ـ محال؛ لأنّ معناه اجتماع الصورتين في محلّ واحد؛ لأنّه عند ورود صورة العلقة مع بقاء صورة المنيّ ـ مثلاً ـ يكون الشيء الواحد علقةً ومنيّاً في الوقت عينه، وهو محال.
وبعبارة اُخرى: فليس المراد من المشتقّ: المشتقّ الاصطلاحيّ الذي هو مشتقّ من المصدر ـ بناءً على أنّ أصل الأشياء هو المصدر، والفعل مشتقّ منه ـ ولا خصوص اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة، بل المراد: كلّ عنوان عرضيّ جار على الذات متّحد معها وجوداً بحيث يصحّ حمله عليها، بلا فرق بين أن يكون من المشتقّ الاصطلاحيّ ﻛ (الضارب) و(المضروب)، وأن لا يكون كذلك، كبعض الجوامد التي هي من العناوين العرضيّة كالزوجيّة والرقّيّة والحرّيّة.
وإن كان يظهر ممّا ذكروه في عنوان المسألة المعنى الأوّل، ولكنّ ما يظهر من كلماتهم في أثناء البحث هو التعميم لكلّ عنوان عرضيّ.
ويدلّ على ما ذكرناه: ما عن القواعد()، مع ما في الإيضاح()، وقال الشهيد في المسالك() ـ تعليقاً على قول المحقّق في الشرائع():
«ولو كان له زوجتان وزوجة رضيعة، فأرضعتها إحدى الزوجتين أوّلاً، ثمّ أرضعتها الاُخرى، حرمت المرضعة الاُولى والصغيرة، دون الثانية، لأنّها أرضعتها وهي بنته، وقيل: بل تحرم أيضاً، لأنّها صارت اُمّاً لمن كانت زوجته، وهو أولى» ـ ما لفظه:
«لا إشكال في تحريم الاُولى مطلقاً، لأنّها صارت اُمّ زوجته، وتحريمها غير مشروط بشيء، وأمّا تحريم الصغيرة فمشروط بأحد أمرين: إمّا كون اللّبن للّزوج لتصير ابنته، أو كون إحدى الكبيرتين مدخولاً بها، سواء كانت الاُولى اُمّ الثانية؛ لأنّ الصغيرة تصير بنتاً لهما، فبأيّهما دخل صارت بنت زوجته المدخول بها، وهذا واضح.
وبقي الكلام في تحريم الثانية من الكبيرتين، فقد قيل: إنّها لا تحرم، وإليه مال المصنّف، حيث جعل التحريم أولى، وهو مذهب الشيخ في النهاية، وابن الجنيد، لخروج الصغيرة عن الزوجيّة إلى البنتيّة، واُمّ البنت غير محرّمة على أبيها، خصوصاً على القول باشتراط بقاء المعنى المشتقّ منه في صدق الاشتقاق، كما هو رأي جمع من الاُصوليّين...»، انتهى ما أردنا نقله من كلامه.
ولا بأس هنا بنقل عبارة القواعد أيضاً، قال:
«ولو أرضعت الصغيرة زوجتاه على التعاقب، فالأقرب تحريم الجميع؛ لأنّ الأخيرة صارت اُمّ من كانت زوجته، إن كان قد دخل بإحدى الكبيرتين، وإلّا حرمت الكبيرتان مؤبّداً وانفسح عقد الصغيرة».
وأمّا المرضعة الثانية، فقد بنوا تحريمها على أنّ المشتقّ حقيقة فيما انقضى، فيصدق عليها حينئذ أنّها اُمّ الزوجة، وإن لم تكن المرتضعة زوجةً فعلاً، لصيرورتها بالرضاعة الاُولى بنتاً للزوجة ـ أي: ربيبة له ـ وخروجها بذلك الرضاع عن الزوجيّة.
ولكنّ هذا التحريم، كما هو واضح، مبنيّ على تحريم اُمّ الزوجة بالرضاع، لأنّ ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع، وكما أنّ اُمّ الزوجة النسبيّة محرّمة على الزوج، فكذلك تحرم عليه الاُمّ الرضاعيّة أيضاً، ولمّا كانت بنت الزوجة نسباً تحرم على الزوج بشرط الدخول باُمّها، وجمعاً ولو لم يدخل بها، فكذلك البنت الرضاعيّة للزوجة، فإنّها تحرم على الزوج بشرط الدخول باُمّّها، وجمعاً مع الاُمّّ، ولو لم يدخل بها.
ولا يخفى: أنّ هذه المسألة إنّما تتمّ لو التزمنا بكون اللّبن من غير زوج الصغيرة ـ أي لبن كلّ واحدة من المرضعتين ـ وإلّا، فإنّ حرمة الصغيرة تكون من جهة البنتيّة، لا من جهة الرضاعة.
وتوضيح كلماتهم في هذه المسألة: أنّ المرضعة الاُولى: تحرم من جهة صيرورتها اُمّّ الزوجة. وأمّا الصغيرة: فحرمتها من أجل صيرورتها ربيبةً بالرضاع، فمع الدخول بإحدى الكبيرتين تحرم مؤبّداً، وإلّا، فمع عدم الدخول تحرم جمعاً.
وأمّا المرضعة الثانية: فإن قلنا: بأنّ المشتقّ حقيقة فيما انقضى، فتحرم، كالاُولى، لصيرورتها اُمّّ الزوجة هي أيضاً، وإلّا فلا تحرم أصلاً، إلّا أن يقال: بأنّه لا حاجة إلى إثبات تحريم الثانية بالدخول في مسألة المشتقّ، بل يمكن أن يقال ـ كما أفاده الاُستاذ المحقّق ـ:
«إنّ حصول الزوجيّة ولو كان في زمان متقدّم كاف في حرمة اُمّها، ولو في زمان متأخّر عن زمان الزوجيّة، مثلاً: لو عقد على امرأة ثمّ طلّقها، تحرم اُمّها أبداً، ولو بعد طلاق بنتها، فليكن الأمر في الاُمومة الحاصلة من الرضاع أيضاً كذلك. وبعبارة اُخرى: في باب النسب تحرم اُمّ من كانت زوجته، فكذلك في باب الرضاع، وبناءً على هذا لا تكون حرمة المرضعة الثانية أيضاً مبنيّةً على مسألة المشتقّ»().
ولكن يرد الإشكال بالنسبة إلى المرضعة الاُولى، وهو أنّ حرمتها وإن أُرسلت عند المشهور إرسال المسلّمات، ولكن بما أنّه لا شكّ في أنّ الاُمومة والبنتيّة متضايفان، والمتضايفان متكافئان قوّةً وفعلاً، وهما في مرتبة واحدة.
فبناءً على هذا: فزمان حصول الاُمومة هو زمان انتفاء الزوجيّة، وصدق هذا العنوان ـ وهو الاُمومة ـ على المرضعة موقوف على بقاء عنوان الزوجيّة للمرتضعة، وهذا لا يتحقّق في عالم الوجود، لأنّها حينما تكون زوجةً فليست باُمّّ، وحينما تكون اُمّّاً فليست بزوجة.
وقد أُجيب عن هذا: بأنّ الرضاع الشرعي بأيّ نحو حصل علّة لحصول اُمومة المرضعة وبنتيّة المرتضعة، فالاُمومة والبنتيّة في مرتبة واحدة، لأنّهما معلولان لعلّة واحدة، وما هو سبب ارتفاع الزوجيّة هو بنتيّة المرتضعة لزوجته، أي: صيرورتها ربيبةً له ـ فيكون ارتفاع الزوجيّة متأخّراً رتبةً عن حصول البنتيّة للمرتضعة، التي هي في مرتبة حصول الاُمومة للمرضعة، فالزوجيّة ثابتة في مرتبة حصول الاُمومة للمرضعة والبنتيّة للمرتضعة، وإلّا، يلزم ارتفاع النقيضين في تلك المرتبة، فيتحقّق موضوع الحرمة، أي: عنوان (اُمّّ الزوجة) في رتبة حصول الاُمومة للمرضعة وحصول البنتيّة للمرتضعة.
وبعبارة اُخرى: فإنّ منشأ خروج الصغيرة عن الزوجيّة هي حرمتها الناشئة عن أنّها بنت الزوجة بالرضاعة، وهذه الحرمة متأخرّة عن هذا الصدق؛ لأنّ المعلول متأخّر عن علّته، فصدق البنتيّة متقدّم على الحرمة التي هي متقدّمة على الخروج عن الزوجيّة. فبناءً على هذا: يصدق على الصغيرة أنّها بنت الزوجة، ويكون كلّ من (الزوجيّة) و(البنتيّة) في رتبة واحدة، ولا حاجة حينئذ إلى عدّ المسألة من مسائل المشتقّ.
ولكن الحقّ: أنّ هذا التوجيه وإن كان تامّاً في حدّ نفسه، إلّا أنّه لا يجدي، لأنّ التقدّم والتأخّر الرتبيّ ـ كما أُفاده اُستاذنا المحقّق() ـ لا يفيد في مثل هذه الموارد مع وحدة زمان حصول اُمومة المرضعة وحصول بنتيّة المرتضعة، مع ارتفاع وعدم الزوجيّة بحكم وحدة زمان العلّة مع زمان المعلول، ففي زمان حصول الاُمومة للمرضعة لا زوجيّة في البين، وإلّا، يلزم اجتماع النقيضين، مع أنّ اللّازم في التحريم اجتماع الاُمومة مع الزوجيّة في عالم الوجود زماناً، لكي يتحقّق موضوع الحكم. وعليه: فالاُولى أن يقال: إنّ حرمة المرضعة الاُولى متوقّفة على مسألة المشتقّ أيضاً.
فإن قلت: قد ذكرتم أنّه يكفي في الحرمة اُمومة من كانت زوجته، فلا يرد هنا إشكال أصلاً.
قلنا: بناءً على هذا، فلا تكون المسألة مربوطةً بمحلّ بحثنا حتّى بالنسبة إلى المرضعة الثانية، فتحرم المرضعة الثانية أيضاً، سواء قلنا بأنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ أم لا.
ولكن مع ذلك، فما قاله الاُستاذ المحقّق محلّ تأمّل؛ لأنّ مضمون كلامه: أنّه لا يشترط في بقاء المشتقّ بقاء الموضوع، بل يكفي وجوده فقط في مرحلة تشريع الحكم وبقائه، ولا ملازمة بين الموضوع والحكم في مرحلة البقاء، ومقامنا مثل مقام: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِيَ الظّالِميِنَ﴾()، في أنّه بمجرّد الشرك لا يكون الشخص لائقاً لمنصب الخلافة.
ولكنّ هذا الكلام أجنبيّ عن محلّ البحث؛ لأنّ محلّ البحث هو حدوث الاُمومة حين ارتفاع الزوجيّة، فلابدّ من إثبات هذا العنوان للزّوجة الكبيرة، مع أنّ هذا العنوان لا يكون مقارناً لزوجيّة البنت حتّى يصدق على الكبيرة عنوان: (اُمّّ الزوجة)، وعلى البنت عنوان الزوجيّة في زمان واحد.
وعليه: فلا يكون عنوان (اُمّّ الزوجة) من العناوين التي يكفي في موضوعيّتها للحكم وجود الزوجيّة في آن من الآنات، مع أنّ حدوث هذا العنوان يكون في زمان ارتفاع الزوجيّة.
فلا بدّ ـ إذاً ـ من دخول المسألة في محلّ البحث، وأن يكون حكم كلتا الزوجتين ـ أي المرضعة الاُولى والثانية ـ متوقّفاً على مسألة وضع المشتقّ.
ولذا استشكل صاحب المستند بقوله: «فلأنّ صيرورة الكبيرة اُمّ الزوجة موقوفة على كون الصغيرة زوجةً في آن صيرورة الكبيرة اُمّاً لها، وكون الصغيرة زوجةً على عدم صيرورة الكبيرة اُمّاً، فيمتنع اجتماعهما في آن. والحاصل: أنّه ترتفع زوجيّة الصغيرة، وتتحقّق اُمومة الكبيرة في آن واحد، فلم تكن الكبيرة اُمّ الزوجة أصلاً»().
إذا عرفت هذا:
فليس المشتقّ الذي هو محلّ البحث هو المشتقّ النحويّ الذي يشمل الأفعال والمصادر، بل هو خصوص ما يكون مفهومه منتزعاً عن الذات ويكون متّحداً معها، ﻛ (الضارب)، فإنّه يجري على الذات ويكون عنواناً لها، بل يشمل أسماء الفاعلين والجواهر ﻛ (العالم) و(العادل) و(الشجاع) وغيرها، بل والاُمور الاعتباريّة ﻛ (الملكيّة) و(الزوجيّة)، والأعراض ﻛ (البياض) و(السواد).
والاتّحاد الذي اشترطناه بين المبدأ والذات لا يفرّق فيه بين أن يكون بنحو الحلول، كالمرض والحسن والقبح؛ أو بنحو الانتزاع، كالفوقيّة والتحتيّة؛ أو كان من الاُمور الاعتباريّة، كالملكيّة والزوجيّة.
وخالف في ذلك صاحب الفصول حيث خصّ البحث بأسماء الفاعلين، قال:
«هل المراد به ـ أي: بمحلّ النزاع ـ ما يعمّ بقيّة المشتقّات من اسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة وما بمعناها، وأسماء الزمان والمكان والآلة وصيغ المبالغة، كما يدلّ عليه إطلاق عناوين كثير منهم، كالحاجبيّ وغيره، أو يختصّ باسم الفاعل وما بمعناه، كما يدلّ عليه تمثيلهم به، واحتجاج بعضهم بإطلاق اسم الفاعل عليه دون إطلاق بقيّة الأسماء على البواقي مع إمكان التمسّك به أيضاً؟؟ وجهان. أظهرهما الثاني؛ لعدم ملائمة جميع ما أوردوه في المقام على الأوّل» ().
ولعلّ منشأ توهّم صاحب الفصول اختصاص النزاع باسم الفاعل وما بمعناه ـ على ما أفاده صاحب الكفاية() ـ: أنّ معاني بقيّة المشتقّات ـ مثل كون اسم المفعول حقيقةً في الذات الذي وقع عليه المبدأ في الحال، أو كون اسم الزمان حقيقةً في الزمن الذي وجد فيه المبدأ في الحال والماضي، إلى غير ذلك ـ ممّا اتّفق عليه الكلّ، ما عدا اسم الفاعل، فينحصر النزاع به.
ولا بأس هنا بذكر كلامه في الفصول، قال:
«ثمّ اعلم أنّهم أرادوا بالمشتقّ الذي تشاجروا على دلالته في المقام: اسم الفاعل وما بمعناه، من الصفات المشبّهة وما يلحق بها، على ما سنحقّقه. ولا بأس بالتنبيه على مدلول بواقي المشتقّات».
ثمّ أخذ ببيان معنى الفعل الماضي ثمّ المستقبل ثمّ اسم المفعول، ذاكراً أنّه «حقيقة في الذات التي وقع عليها المبدأ في الحال».
إلى أن قال: «ومنها اسم الزمان، وهو حقيقة في الزمن الذي وجد فيه المبدأ ومجاز في غيره».
ثمّ قال: «ومنها اسم المكان، وهو حقيقة في المكان الذي حصل فيه المبدأ، والمرجع فيه إلى العرف، والكلام فيه كالكلام في سابقه. ومنها اسم الآلة، وهو حقيقة فيما أعدّ للآليّة أو اختصّ بها، سواء حصل به المبدأ أو لم يحصل. ومنها صيغة المبالغة، وهي حقيقة في الذات التي كثر اتّصافها بالمبدأ عرفاً وذلك يختلف باختلاف المبادئ، ولا يعتبر الاتّصاف حال النطق، ويظهر من بعضهم دخول ذلك في محلّ النزاع الآتي، وهو بعيد»(). انتهى.

الأمر الثالث:
هل يجري هذا البحث في اسم الزمان أم لا؟
قد يقال: بعدم جريانه فيه، بتقريب: أنّ الزمان ـ كما لا يخفى ـ هو من الاُمور غير القارّة ـ كما هو المشهور سابقاً ـ وهي الاُمور التي لا تجتمع أجزاؤها في الوجود، بل ما لم ينعدم الجزء السابق منها فلا يوجد الجزء اللّاحق، وحال الزمان حال بقيّة التدريجيات كالتكلّم ـ الذي كان في نظرهم من الاُمور غير القارّة بالذات، ولكنّ العلم الحديث أثبت عدم انعدام الأصوات، بل هي باقية في جوّ السماء ـ.
وحينئذ: فلا يبقى موضوع في البين بعد انقضاء المبدأ حتّى يقال: إنّ اسم الزمان هل هو حقيقة فيه أم لا؟
وبعبارة اُخرى: فليس للزمان أفراد ثلاثة هي: التلبّس والانقضاء والاستقبال، وإنّما له فرد واحد، وهو التلبّس فقط، ومع فرض انحصاره في هذا الفرد، فيقتضي خروجه عن محلّ البحث، ولا يقع حينئذ محلّاً للنزاع؛ إذ لا مجال فيه لأن يقال: إنّ الوصف الجاري عليه في الحقيقة هو خصوص المتلبّس بالحال أو ما يعمّ المتلبّس به في الماضي.
وقد أجاب عن هذا المحقّق صاحب الكفاية بما لفظه:
«ويمكن حلّ الإشكال بأنّ انحصار مفهوم عامّ بفرد، كما في المقام، لا يوجب أن يكون وضع اللّفظ بإزاء الفرد، دون العامّ، وإلّا، لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أنّ الواجب موضوع للمفهوم العامّ مع انحصاره فيه تبارك وتعالى»().
وحاصله: أنّ العامّ ـ وهو المفهوم ـ وإن كان له فرد واحد ومنحصر فيه، ولكنّ النزاع فيه جار كسائر المشتقّات، فيقال: بأنّ الموضوع له ـ الذي هو مفهوم عامّ ـ هل يشمل المتلبّس والمنقضي أم لا؟
نعم، لو كان محلّ النزاع هو مصداق الزمان، فحينئذ يقتضي خروجه عن محلّ النزاع؛ إذ ليس للزمان أفراد ثلاثة: تلبّسيّ وانقضائيّ واستقباليّ، وانحصار المفهوم في الفرد لا يمنع من جريان النزاع فيه، وحال هذا هو حال بقيّة المفاهيم الكلّيّة ـ كالشمس ـ ومفهوم الواجب، فإنّ مفاهيمها تكون كلّيّةً مع انحصار أفرادها في واحد، فلا تنثلم كلّيّة المفهوم بواسطة انحصار المصداق في فرد للنزاع، وينصرم الجزء السابق ويوجد آخر، وهذه هي الحركة القطعيّة، والذي هو محلّ الكلام هي الحركة التوسّطيّة، أي: ملاحظة مجموع الآنات المتخلّلة بين المبدأ والمنتهى والأجزاء شيئاً واحداً بالنسبة إلى اللّيل والنهار.
فبناءً على هذا: يمكن استصحابه إذا ترتّب عليه حكم شرعيّ، فيكون حال يوم العاشر كحال (زيد) من حيث الحدوث والبقاء، فإذا كان في ساعة منه متلبّساً بالمبدأ، وفي ساعة اُخرى غير متلبّس به، كأن يصدق عليه أنّ هذه الذات كانت متلبّسةً بالحدث الكذائيّ، والآن قد انقضى عنها التلبّس، ويأتي البحث في أنّ المشتقّ هل هو حقيقة في من تلبّس أو يشمل المنقضي أيضاً؟
ومن هنا ظهر ما يقال: من أنّه يلاحظ جميع حركات الفلك المحدثة للزمان إلى آخر الدهر شيئاً واحداً، فلو اتّصف جزء من ذلك الزمان بالقتل، كأن يقال ـ مثلاً ـ: «الدهر مقتل فلان»؛ فإنّ النزاع يصحّ فيه، بأن يقال: إنّ العرض قد ارتفع، أي أنّ الحركات المجعولة موضوعاً واحداً قد ارتفعت، فهل يصحّ إطلاق ذلك العنوان ﻛ (المقتل) على الزمان الذي قد ارتفع من بعضه العرض أم لا؟
وهذا الكلام ـ مضافاً إلى أنّه خارج عن محلّ البحث ـ يستلزم أن يكون الإطلاق على الأزمنة التي تأتي بعد الزمان الأوّل أيضاً حقيقةً، أي: بناءً على كون المشتقّ حقيقةً في ما انقضى، وهذا محلّ كلام.
نعم، إطلاقه على الأزمنة المستقبلة يكون مجازاً يقيناً، وهو من باب المشافهة والمماثلة.
فيقع النزاع ـ إذاً ـ بالنسبة إلى الزمان الجامد ـ كاليوم والشهر والسنة ـ دون المشتقّ ﻛ (المقتل).
ولا بدّ هنا من بيان الفرق بين المشتقّ والمصدر ﻛ (الضارب) و(الضرب) ـ مثلاً ـ، والفرق بينهما هو:
أنّ المشتقّ لا يأبى بذاته عن الحمل، بل نقول (زيد ضارب)، ولكنّ (الضرب) بمفهومه يأبى عن الحمل. نعم، يمكن الحمل بضرب من التأويل ـ كما ذكر في محلّه ـ ﻛ (زيد عدل).
وهنا يقول أهل المعقول: إنّ المشتقّ مأخوذ (لا بشرط) والمبدأ مأخوذ (بشرط لا).
والمراد به: اللّابشرطيّة الحقيقيّة، والبشرط لائيّة كذلك، بمعنى: عدم الإباء عن الحمل مفهوماً وإبائه عنه كذلك، كما في الفرق بين الجنس والمادّة والفصل والصورة.
فالأوّل: كالجنس والفصل، غير آبٍ عن الحمل حقيقةً.
والثاني: كالمادّة والصورة، وهما آبيتان عن الحمل حقيقةً، وليست اللّابشرطيّة بالنسبة إلى العوارض الخارجيّة كي يكون اعتباره بيد المعتبر كما فهم صاحب الفصول من كلام أهل المعقول، ولذا قال بعدم استقامة هذا الفرق؛ لامتناع محلّ العمل والحركة عن الذات وإن اعتبرا لابشرط.

الأمر الرابع:
خروج المصادر مطلقاً عن محلّ البحث، بلا فرق بين المصادر المجرّدة والمزيد فيها، وذلك لما ذكرنا:
أوّلاً: في تعريف المشتقّ: من أنّ المراد منه ما كان مفهومه منتزعاً عن الذات ويكون متّصفاً بالمبدأ، فإنّ المصادر لا تجري على الذوات حتّى تكون مفاهيمها منتزعةً عنها ومتّصفةً بها، وليس كحمل (العالم) على (زيد) المتّصف بالعلم. وهذا الحمل إنّما يحصل بعد اتّحاد الذات مع الوصف ووجوده، إذ بدون الاتّحاد وجوداً لا يصحّ الحمل.
وتوضيح ذلك: أنّ الاتّحاد على أقسام:
الأوّل: الاتّحاد الخارجيّ، كما في قولك: (الإنسان قائم)، فإنّهما متغايران مفهوماً ومتّحدان مصداقاً وخارجاً.
والثاني: الاتّحاد الماهويّ، كما في قولك: (الإنسان حيوان ناطق)، فإنّهما من جهة المفهوم متغايران بالإجمال والتفصيل، لوضوح بساطة المفهوم في الأوّل، وتركّب المفهوم في الثاني.
والثالث: الاتّحاد المفهوميّ، كما في قولك: (الإنسان إنسان)، فإنّهما متّحدان مفهوماً وماهيّةً وخارجاً، والتغاير بينهما اعتباريّ، ولو بالإجمال والتفصيل، فإنّ (الإنسان) الأوّل إشارة إلى الذات، والثاني إشارة إلى الذات بذاتيّاتها التي بها يمتاز عمّا عداها، ولو لم يكن هذا التغاير، لم يصحّ حمل أحدهما على الآخر، لأنّ ملاك الحمل هو الهوهويّة والاتّحاد من جهة، والمغايرة من جهة اُخرى.
وثانياً: عدم وجود جامع في المصدر بين حالة الوجود ـ وهو التلبّس ـ وحالة العدم ـ أي: الانقضاء ـ حتّى يمكن إجراء نزاع المشتقّ فيه، ولا معنى ـ حينئذ ـ لخروج المصادر المزيدة عن محلّ البحث، بل تكون المصادر ـ مطلقاً ـ خارجة.
ولعلّ تخصيصهم البحث بالمزيد لتخيّلهم بأنّه هو المشتقّ، والحقّ: أنّ المصدر المجرّد أيضاً من المشتقّات؛ لأنّ الأصل في الكلام هو (ض ر ب) لا (الضرب)، بل (الضرب) أيضاً مشتقّ، وهو ـ أعني: الأصل ـ عبارة عن المادّة السارية، أي: المأخوذة (لا بشرط) من حيث اللّفظ عن جميع الهيئات، كما هو شأن مطلق الموارد، بالنسبة إلى الأشياء التي تصنع منها، كما سنشرحه فيما يأتي إن شاء الله.
فإن قلت: إنّ (ض ر ب) ـ مثلاً ـ لو كان هو أصل المشتقّات، فلابدّ لها من معنىً، ولا معنى لها.
قلت: إنّما يتحصّل معناها في ضمن الهيئة، ﻓ (ض ر ب) ـ مثلاً ـ لو دخلت في ضمن هيئة (ضرب) يصبح لها معنى.
ومن هنا ظهر: خروج الأفعال عن محلّ النزاع أيضاً؛ لأنّها لا تجري على الذوات حتّى تكون مفهوماً منتزعاً عن الذات:
لا بمادّتها؛ لأنّها عبارة عن نفس الطبيعة المعرّاة عن كلّ خصوصيّة، وتسمّى في مبحث المشتقّ ﺑ (المبدأ).
ولا بهيئاتها؛ لأنّها عبارة عن كيفيّة قيام المبدأ بالذات بأيّ نحو كان، من الحدوثيّ والصدوريّ والحلوليّ.
ويظهر ممّا نسب إلى صاحب البدائع: عدم دلالة الفعل إلّا على نفس النسبة، حيث يقول:
«الأفعال إنّما تدلّ على نسبة المعنى إلى الذات، لا المعنى والذات، وإن كانا مدلولاً عليهما التزاماً، لأنّ الدالّ على النسبة يدلّ على المنتسبين بالضرورة دلالةً التزاميّةً»()، انتهى.
وخلاصة الفرق بين هيئات الأفعال وهيئات الأسماء المشتقّة من جهات:
الاُولى: أنّ مفاد الهيئات عبارة عن الربط الخاصّ بين مفهومين: أحدهما: مفهوم الحدث، والثاني: مفهوم الذات الذي وقع منها الحدث. فحال الهيئات حال الحروف ـ كما قيل ـ لأنّ الحروف تدلّ على ربط خاصّ بين شيئين متمايزين باللّحاظ، وكذلك تكون هيئة الأفعال.
وأمّا هيئة المشتقّ: فهي عبارة عن ربط الحدث بالذات على نحو الاتّحاد حتّى يمكن انتزاع العنوان عنه.
والثانية: أنّ مفهوم المشتقّ، بما هو في الذهن، يكون حاكياً عمّا في الخارج بلا زيادة ولا نقيصة، فيكون هناك مطابقة تامّة بينهما. وأمّا الفعل: فلا يكون مفهومه، بما هو في الذهن، حاكياً عمّا في الخارج؛ لأنّه بحسب الذهن عبارة عن الذات والحدث، وفي الخارج عبارة عن الذات المتلبّسة بالمبدأ والحدث.
والثالثة: أنّ مفهوم الفعل يدلّ بنفسه على أنّ هناك شيئاً في الخارج يطابقه، سواء كان على نحو الإخبار أو الإنشاء، لكون النسبة فيه نسبةً تامّة، وهي المقصودة بالدلالة عليها والنظر إليها والتصديق بها.
والرابعة: أنّ الفعل دالّ على خروج الحدث من القوّة إلى الفعل، ومن العدم إلى حيّز الوجود، بخلاف الاسم المشتقّ، فإنّه يدلّ على اتّصاف الذات بذلك الحدث الذي تحقّق وصار فعليّاً.
وبناءً على ذلك: يكون مدلول الاسم المشتقّ متأخّراً رتبةً عن مدلول الفعل، فإنّ اتّصاف الذات بالحدث متوقّف على صدوره منها، وأمّا مفهوم المشتقّ: فإنّ حاله حال سائر المفاهيم التصوّريّة، والنسبة التي تشتمل عليها هي من مقوّمات مفهوم المادّة، فلا يكون مفهومه كمفهوم الفعل ناظراً بطبعه إلى مطابقه في الخارج، فحاله حال الجوامد من هذه الجهة، فكما أنّ مفهوم (رجل) غير دالّ على كونه ذا مطابق في الخارج عند تصوّره، بخلاف الفعل؛ فإنّه إذا قال: (ضرب) ـ مثلاً ـ فبمجرّد أن يسمع السامع منه ذلك يتصوّر أنّ هذا الشيء قد وقع في الخارج فعلاً، وأنّ له في الخارج مطابقاً.

الأمر الخامس:
ماالمراد من الحال؟
لا يخفى: أنّ الحال على ثلاثة أقسام: حال التلبّس، وحال النطق، وحال الجري والانتساب، والمراد من الأوّل: حال التلبّس بالمبدأ، والمراد من الثاني: حال النطق، وهي: زمان الحال، لا الماضي ولا المستقبل، ومن الثالث: حال الجري والانتساب.
ولا يخفى: أنّ المراد ﺑ (الحال) في مفروض المسألة هو: حال التلبّس خاصّةً، وهي تنطبق على الماضي والحال والاستقبال.
ولكنّ ما يظهر من المحقّق القمّيّ ـ فيما نسب إليه ـ: أنّ المراد من (الحال) هو حال النسبة().
ومعنى (حال التلبّس) هو: الاتّصاف بالمبدأ، بمعنى: أنّ للذّاتيّ المتلبّسة بالمبدأ حالات متعدّدةً حال تلبّسها به، وحال انقضاء المبدأ عنها، وحال عدم تلبّسها به.
وبعد.. فإنّه لا إشكال في كونه مجازاً فيها، أي: في حال عدم تلبّسها بها بعد، ولكن محلّ النزاع هو فيما إذا انقضى عنه المبدأ. فإن قلنا: بأنّه قد وضع للأعمّ من حال تلبّسه به وحال انقضائه عنه، كان حقيقةً، وأمّا إن قلنا: هو مختصّ بحال التلبّس، كان مجازاً.
ويمكن تصوير الحالات الثلاث في هذا المثال:
وهو ما إذا كان (زيد) راكباً قبل يوم أمس، فلو قلت: «زيد راكب أمس»، فحال التلبّس هو الحال الذي وقع قبل يوم أمس، وحال الجري والانتساب هو أمس، وحال النطق هو حال التلفّظ بالفعل. وأمّا لو قلت: «زيد راكب الآن»، وكان زيد في الحقيقة راكباً في هذا الحال، فهنا تتّحد الحالات الثلاث: النطق والتلبّس والجري.
ولا إشكال ـ حينئذٍ ـ في كون المشتقّ حقيقةً بلا خلاف. كما أنّه يكون بنحو الحقيقة إذا كان زمان التلبّس والجري متّحدين، كما إذا قلت: «زيد راكب أمس»، بحيث يكون (أمس) قيداً لكليهما، أو: «سيكون زيد راكباً غداً» أيضاً كذلك؛ لأنّ الجري والانتساب يكون بحال التلبّس، لا حال النطق.
وأمّا إذا اختلف حال التلبّس والجري، كما إذا كان الجري والانتساب في الحال، والتلبّس في المستقبل، فهو ـ لا محالة ـ يكون مجازاً، كقولك: «زيد راكب غداً»، إذا جعل (الغد) قيداً للتلبّس فقط دون الجري، وان اتّحد زمان النطق مع زمان الجري.
وأمّا إذا تحقّق التلبّس في الزمان الماضي، وكان زمان الجري والانتساب هو الحال، فقد وقع هذا محلّاً للخلاف، في أنّ استعمال المشتقّ حينئذ هل هو حقيقة أو مجاز؟
وممّا ذكرنا: ظهر أنّ المراد من (الحال) ليس هو زمان النطق، إذ لو كان المراد منه زمان النطق لكان مثل قولنا: «زيد كاتب أمس» أو «سيكون كاتباً» مجازاً أيضاً.
نعم، لو استندت تلك الأوصاف إلى الزمانيات، فإنّها تدلّ على أنّ هذه الذات التي تلبّست بالمبدأ قد وقع تلبّسها بالمبدأ في إحدى الأزمنة، وذلك لأنّ هذا الحدث ما دام قد أُسند إلى الزمانيّ، فلابدّ من وقوعه في زمان ما، وأنّه خال عن الزمان، وإنّما الزمان ظرف له، والدليل على أنّ الزمان لم يؤخذ فيه، لا بنحو الجزئيّة، ولا بنحو القيديّة، أنّها تنسب إلى نفس الزمان وتنسب إلى المجرّدات على نسق واحد.
قد يقال: إنّ للمشتقّات ظهور في زمان الحال، وهذا الظهور هو الظهور الإطلاقيّ، ومنشؤه: إمّا من جهة انصراف إطلاق المشتقّات إلى زمان الحال، وإمّا من جهة مقدّمات الحكمة، وليس هناك قدر متيقّن في مقام التخاطب؛ لانصراف الإطلاق إليه، ولا دليل على خصوص حال التخاطب.
فالنتيجة هي: حمل المشتقّ على الزمان المقابل للماضي والمستقبل؛ لأنّ إرادة غير حال النطق يحتاج إلى الدليل.
وقد يجاب عنه: بأنّ هذه الدلالة ليست من جهة الدلالة الوضعيّة، ولو لم يكن سبيل إلى إنكارها بحدّ ذاتها، بل تستفاد من ظهور الجملة عند الإطلاق، ولكن هذا لا يعني أنّ المشتقّ قد وضع لها.
وبعبارة اُخرى: فإنّ التبادر المثبت للوضع هو ما يكون مستنداً إلى حاقّ اللّفظ دون ما يستفاد من الإطلاق، فالتبادر المستفاد من الإطلاق وقرينة الحكمة غير مفيد.
قد يقال: بأنّهم قد ذكروا ـ في محلّه ـ: أنّ إعمال اسم الفاعل عمل فعله مشروط عندهم بأن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، فيتوهّم من ذلك أنّ الزمان جزء من مدلوله.
ولكن فيه: أنّ المراد من الحال هو فعليّة التلبّس إلى زمان الجري، ومن الاستقبال هو عدم فعليّة التلبّس إليه، ومعناه: أن يصبح فعليّاً فيما بعد. نعم، لو صدر منه التلبّس والانقضاء فلا يعمل عمله.

الأمر السادس:
بعدما ذكرنا أنّ الأفعال لا تدلّ إلّا على نسبة المادّة إلى الذات ـ سواء كان بمعنى تحقّق النسبة كالفعل الماضي، أو ترقّب وقوعها كالمضارع، أو طلب تلك النسبة كفعل الأمر ـ فقد ذكر صاحب الكفاية: أنّه «قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان»().
وقال شيخنا البهائيّ في كتاب الصمديّة: «والفعل كلمة معناها مستقلّ مقترن بأحدها، أي: أحد الأزمنة الثلاثة»().
وقال نجم الأئمّة في حدّ الفعل: هو: «ما دلّ على معنىً في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة»(). وكذا قال غيره من النحويّين: بأنّ الزمان دخيل في الفعل.
ولكنّ الحقّ: عدم دلالة الفعل على الزمان، لا من جهة المادّة، ولا من جهة الهيئة.
أمّا من جهة المادّة: فلأنّها لا تدلّ إلّا على الحدث، ثمّ هي مشتركة بين الأسماء والأفعال المشتقّة، فلو كانت دالّةً على الزمان، لكانت الأسماء المشتقّة أيضاً دالّةً على الزمان.
وبعبارة اُخرى: فإنّ المادّة في فعل الأمر لا تدلّ إلّا على طلب الفعل وتركه، دونما دلالة على الزمان أصلاً، وأمّا هيئته فهي لا تدلّ إلّا على إنشاء الطلب، فليس ثمّة ما يوجب الدلالة على الزمان.
وأمّا من جهة الهيئة: فلأنّها لا تدلّ إلّا على نسبة المادّة إلى الفاعل. أو فقل: إنّ مدلولها هو المعنى الحرفيّ، والزمان المدلول عليه الفعل هو المعنى الاسميّ، فيلزم من ذلك أن يكون لها معنيان: الاسميّ والحرفيّ، وهو كما ترى.
ومن قال بأخذ الزمان في مدلول الفعل استدلّ بأمرين:
الأوّل: اتّفاق النحويّين.
والثاني: التبادر.
والجواب عن الأوّل: أنّ هذا الاتّفاق والإجماع ليس بحجّة؛ بل هو إنّما يكون حجّةً إذا كان كاشفاً عن قول المعصوم، فإنّ من المعلوم: أنّ الإجماع الذي يكون حجّةً هو الإجماع التعبّديّ الكاشف عن قول المعصوم. نعم، إنّما يكون هذا الاتّفاق والإجماع حجّةً إذا كانا كاشفين عن تنصيص الواضع، وهو غير معلوم، لاحتمال أن يكون قولهم عن اجتهاد منهم.
وأمّا الثاني فقد أُجيب عنه: بأنّه غير مفيد؛ لأنّ التبادر إنّما يكون حجّةً إذا كان من حاقّ اللّفظ ـ بناءً على حجّيّته ـ وبأصالة عدم القرينة لا يثبت أنّه من حاقّ اللّفظ.
فالحقّ: في باب دلالة الفعل على الزمان هو: ما ذكره صاحب الكفاية، خلافاً للمشهور بين النحاة. ورأى المحقّق الأصفهانيّ(): أنّ المشتقّ يكون مقيّداً بالسبق واللّحوق، وهما ـ بناءً على هذا المبنى ـ مدلول ضمنيّ للفعل، وبناءً على مبنى صاحب الكفاية مدلول التزاميّ، لأنّ الزمان ليس جزءاً لمدلول الفعل، كما مرّ.
وما أفاده صاحب الكفاية في وجه اشتباه النحويّين، هو التالي، قال:
«وهو اشتباه ضرورة عدم دلالة الأمر ولا النهي عليه، بل على إنشاء طلب الفعل أو الترك، غاية الأمر: نفس الإنشاء بهما في الحال، كما هو الحال في الإخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما، كما لا يخفى، بل يمكن منع دلالة غيرهما من الأفعال على الزمان إلّا بالإطلاق والإسناد إلى الزمانيّات، وإلّا، لزم القول بالمجاز والتجريد عند الإسناد إلى غيرها من نفس الزمان والمجرّدات»().
وملخّص ما ذكره: أنّه من الواضح عدم دلالة فعل الأمر ولا النهي إلّا على إنشاء طلب الفعل أو الترك، بل يمكن منع دلالة غير الأمر والنهي على الزمان، تماماً كالماضي والمضارع.
نعم، لو أنّه أسند إلى الزمانيّات، أي: الذي يوجد في الزمان، كما في قولك: (جاء زيد) و(يجيء عمرو)، فهو يدلّ عليه، ولكن بالدلالة الالتزاميّة، لا التضمّنيّة، أي: فلا يكون الزمان حينئذ جزءاً من مدلول الفعل، وإلّا، فلو قلنا بمقالة النحويّين لكان لا بدّ من التجريد والتجوّز عند إسناد الفعل إلى نفس الزمان أو إلى المجرّدات، كما في مثل قول القائل: (مضى الزمان) أو (علم الله)، فإنّه ـ حينئذ ـ يكون المعنى: أنّه تعالى متّصف بالعلم بالزمان الماضي، فيجب تجريده لا محالة لأنّه جلّ وعلا عالم على الإطلاق. ولا بدّ أن يستعمل فيما عدا الزمان، وأمّا فيه: فيلزم التجوّز.
نعم، لو أُسند إلى الزمانيّ ـ وهو ما يكون الزمان ظرفاً لوجوده، بخلاف المجرّدات عن الزمان كالباري تعالى والنفس ـ فيدلّ على الزمان، ولكنّ هذه الدلالة ليست من حاقّ اللّفظ، بل إنّما تفهم من الإطلاق والاستناد إلى الزمانيّات.
ويمكن الاستدلال على عدم جزئيّة الزمان لمدلول الفعل باُمور:
الأوّل: أنّه لو كان مدلولاً للفعل لكان مدلولاً لهيئته أو لمادّته؛ لأنّ الدلالة منحصرة فيهما، ونحن نرى: أنّ مادّته لا تدلّ إلّا على نفس الطبيعة المجرّدة.
وأمّا الهيئة: فهي لا تدلّ إلّا على نسبة المادّة إلى الفاعل، وهو معنىً حرفيّ ـ كما ذكرنا ـ والزمان له معنى اسميّ، أي: له معنى استقلاليّ، فكيف يمكن أن تدلّ الهيئة، وهي من المعاني الحرفيّة، على الزمان الذي هو معنىً اسميّ؟!
والثاني: لو كان الزمان مدلولاً للفعل، للزم دلالته على أمرين متباينين بإطلاق واحد، وهما النسبة إلى فاعل مّا والزمان.
والثالث: أنّ النسبة إلى فاعل مّا من المعاني الحرفيّة، والزمان معنىً اسميّ، فدلالة الهيئة عليهما تستلزم صيرورتها اسماً وحرفاً في آن واحد.
والرابع: لو كان الفعل دالّاً على الزمان، فلا يجوز استعماله مع نفس الزمان، كقولك: «مضى الزمان» و«خلق الله الزمان»، لأنّ الزمان لا يمكن أن يكون في زمان آخر، بل لا بدّ عند الاستعمال من التجريد عن الزمان، وهو خلاف الوجدان؛ لعدم الفرق بين إسناد الفعل إلى الزمانيّ وبين إسناده إلى الزمان نفسه، بل إلى المجرّدات عن المادّة، سواء كان من صفات الذات ـ كقولك: «علم الله» جلّ جلاله ـ أو من صفات فعله ـ كقولك: «خلق الله الأرواح» ـ فلو فرض أنّ الزمان مأخوذ في مدلول الفعل، فلابدّ من تجريده حينما ينسب إلى المجرّدات، كما في هذه الأمثلة المذكورة.
والخامس: لو كان الفعل دالّاً على الزمان لما جاز إسناده إلى الزمان ولو بنحو التجوّز أيضاً؛ لاستحالة وقوع الحدث المسند إلى الزمان في الزمان، مضافاً: إلى عدم وجود علقة مصحّحة للاستعمال حتّى يصحّ استعماله مجازاً، ومجرّد وجود علاقة الكلّ والجزء بينهما غير مفيدة؛ لأنّه هذه العلقة لا تكون مصحّحةً لجواز الاستعمال.
والسادس: عند إلقاء الجملة، فلابدّ من لحاظ الطرفين من السبق أو اللّحوق، والمفروض عند الاستعمال أنّه لم يلحظ السبق ولا اللّحوق.
فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الفعل لا يدلّ على الزمان بأقسامه الثلاثة بالدلالة التضمنيّة، بحيث يكون الزمان جزءاً لمدلوله.
نعم، هناك خصوصيّة في الفعل، سواء كان ماضياً أو مستقبلاً أو حالاً، و هذه الخصوصيّة تكون هي المسبّبة لاستلزام الزمان، وبها يمتاز كلّ منها عن الآخر، وهذه تدلّ على تحقّق المادّة وخروج الحدث من القوّة إلى الفعل، ومن العدم إلى الوجود، وهذه الخصوصيّة في الماضي دالّة على قصد الحكاية عن تحقّق شيء قبل زمان التكلّم، وتكون موجودةً في الماضي في جميع موارد استعمالاته، أي: بلا فرق بين أن ينسب إلى الزمانيّ ـ كقولك: (مضى زيد) ـ أو إلى الزمان ـ كقولك: (مضى الزمان) ـ أو إلى ما فوق الزمان ـ كقولك: (علم الله) ـ وفي جميع هذه الموارد يدلّ على تحقّق هذه الاُمور قبل زمان التكلّم، وإن كان الزمان لا يقع في الزمان، وكذا الفعل الذي صدر ممّن هو ما فوق الزمان.
وأمّا في المضارع، فإنّ هذه الخصوصيّة توجب التهيّؤ والتصدّي لتحقّق المبدأ في حال تحقّق التكلّم إن كان بمعنى الحال، أو ما بعده إن كان بمعنى الاستقبال، من دون أن يدلّ على وقوعه في الزمان.
إذاً: فلا يدلّ الفعل الماضي والمضارع على الزمان بنحو التضمّن، وإنّما تكون دلالتهما عليه على نحو الالتزام.
وممّا ذكرنا ظهر: أنّهما ـ أي: المشتقّ والفعل ـ خاليان عن الزمان.
ويؤيّد ذلك: استعمال فعلي: الماضي والمضارع في الزمان الماضي والمستقبل الإضافيّين، ولا يكونان ماضيين ومستقبلين حقيقيّين، كما في قولك: «جاء زيد قبل سنة وهو يضرب غلامه» و«يجيء زيد في شهر كذا وقد ضرب عمراً قبله بأيّام».
وليس مثل هذا الاستعمال عند أهل المحاورة مجازاً، مع أنّه لو كان الزمان جزءاً للماضي أو المضارع لكان مجازاً لا محالة، الأمر الذي يكشف عن عدم دلالته عندهم على الزمان.
وأمّا لو كانت دلالته على الزمان بالإطلاق عند إسناده إلى الزمانيات، فلا يلزم تجوّز أصلاً، كما لا يخفى.
وقد استُشكل على هذا: بأنّ المشتقّ إذا لم يدلّ على الحال أو الاستقبال لم يكن له أن يعمل عمل الفعل.
ولكنّا قد أجبنا عنه:
أوّلاً: بأنّ المراد من الحال هو فعليّة التلبّس، والمراد من الاستقبال هو عدم فعليّة التلبّس.
وثانياً: أنّ دلالته على الزمان إنّما هو بالقرينة، لا أن يكون بوضعه للزمان الحاضر أو المستقبل، وكما أنّهم اتّفقوا على عدم كون الزمان أحد مدلولي اسم الفاعل والمفعول، فهذا يكون مورد اتّفاق لدى أهل العربية وإن التزموا بدلالة الفعل على الزمان؟!
وثالثاً: لو قلنا: بأنّ الزمان ليس جزءاً للمشتقّ، فلا يبقى مجال للنزاع بين الشيخ والفارابي في عقد الوضع، من أنّه يكون بالفعليّة كما يقوله الشيخ؛ أو بالإمكان كما يقوله الفارابي()، بل يكون هذا النزاع لغواً حينئذ.
وتوضيحه: أنّ كلّ قضيّة تنحلّ إلى قضيّتين: إحداهما: عقد وضعها، والثانية: عقد حملها، فقولنا: «الخمر حرام» ينحلّ إلى قضيّتين:
الاُولى: وجد شيء فكان خمراً.
والثانية: الخمر حرام.
والنزاع بين الشيخ والفارابي من جهة القضيّة التي ينحلّ إليها عقد الوضع؛ فإنّه عند الشيخ يكون بالفعل، أي أنّه ينحلّ إلى (مطلقة عامّة) وعند الفارابي بالإمكان، أي: فينحلّ إلى (ممكنة عامّة)، بعدما ثبت بأنّ كلّ قضية لا بدّ أن تكون موجّهةً بجهة، كالفعليّة أو الإمكان أو الضرورة أو الدوام. وهذه الجهات منحصرة في جهات ثمان، وتسمّى بالقضايا البسيطة، وسبعة وتسمّى بالمركبة.
فنزاع الشيخ والفارابي في عقد الوضع في أنّه هل هو مأخوذ بالفعل أو بالإمكان كقولك: «زيد إنسان» أو «الخمر حرام»؟ فمعناه هو: أنّ زيداً بالفعل يكون إنساناً، أو أنّ الخمر بالفعل يكون حراماً، أو: مهما وجد شيء وأمكن أن يكون زيداً أو خمراً كان إنساناً أو حراماً.
أمّا لغوية النزاع لو قلنا بأنّ المشتقّ خال من الزمان، فلأنّ معناه: أنّ إطلاق المشتقّ على الذات منوط بفعليّة التلبّس، فيلغو كلام الفارابي من كفاية الاتّصاف بالإمكان؛ لعدم كفاية صلاحيّة التلبّس حينئذ حتّى يصحّ الاتّصاف الإمكانيّ.
ولكن هذا الكلام غير تامّ؛ لأنّ البحث هناك يكون في الجمل الحمليّة وفي القضيا التركيبيّة، أي: في أنّ المحمول في عقد الوضع للقضيّة الحمليّة هل يحمل على الموضوع بالفعل أو بالإمكان؟
وأمّا البحث في المشتقّ فهو في المفردات وفي المعاني الإفراديّة.
وعليه: فالنزاع في المشتقّ يكون أجنبيّاً عن النزاع الأوّل.
ولكن مع ذلك كلّه، فلو فرض أنّ الزمان جزء للمشتقّ فكلام الفارابيّ من أصله غير مستقيم؛ إذ إنّ تأليف القضيّة وتركيبها لا يصحّ إلّا بعد فرض اتّصاف الموضوع بعنوان أنّه موضوع في الزمان الحاضر؛ لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له.
اللّهمّ إلّا أن يقال: يمكن أن يجعل ثبوته بنحو فرض الوجود ـ وهو الإمكان ـ الذي ادّعاه الفارابي.

الكلام في بساطة المشتقّ وعدمه:
لا يخفى: أنّ المركّب على أقسام:
الأوّل: المركّب الخارجيّ: وهو الذي يكون له أجزاء في الخارج، كالجسم الذي هو مركّب من الأجزاء الخارجيّة والأعراض التي تعرض على الجسم، فإنّها تنقسم أيضاً بالتبع إلى أجزاء.
والثاني: المركّب العقليّ: وهو الذي فرض له في العقل أجزاء، وإن كان في الخارج بسيطاً، كالنوع المركب من الجنس والفصل.
والثالث: المركّب الوهميّ: وهو الذي تركّب من الوجود والماهيّة، ولو لم يكن له جنس ولا فصل، وذلك كالعقل، فإنّه جوهر بسيط وليس له مادّة ولا صورة، ولا يحتاج إليهما، لا بالفعل ولا بالقوة، ولكنّه بالدقّة الوهميّة يتصوّر له جهتان: أُولاهما: الجهة الوجوديّة، والثانية: الجهة الماهويّة.
وأمّا البسيط: فهو الذي ليس له أجزاء، وهو على قسمين: بسيط إضافيّ، وبسيط حقيقيّ.
فالبسيط الإضافيّ: هو الذي يكون مجرّداً عن المادّة والصورة، كالعقل والنفس، فإنّهما جوهران بسيطان بالنسبة إلى المركّبات الاُخرى، وإن كانا بحسب الوهم مركّبين من الوجود والماهيّة.
والبسيط الحقيقيّ: هو الذي يكون بسيطاً من جميع الجهات حتّى من الوجود والماهيّة، وهذا يكون مختصّاً بذات الباري جلّ وعلا؛ لأنّه وجود محض، ومحض الوجود.
فإذا عرفت هذا: فأيّ معنىً من البسيط هو الذي اُريد في محلّ البحث؟؟ ولا بدّ هنا من بيان بساطة المشتقّ وعدمه حتّى ينكشف ما هو المراد في محلّ البحث، فنقول:
لا يخفى: أنّ هناك شكلاً آخر للبسيط، وهو بمعنى: البساطة في التصوّر، بمعنى أنّ اللّفظ إذا سمعه العاقل تصوّر منه معنىً وحدانيّاً، كلفظ (الرجل) و(الشجر)؛ فإنّه إذا سمعه تصوّر معناه، وهو الحيوان الخاصّ أو الجسم الخاصّ. ويقابل البساطة بهذا المعنى: التركيب، كلفظ (غلام زيد) و (زيد رجل).
ولا يخفى: أنّ البساطة بالمعنى الأوّل، وإن كان العقل يحلّله إلى جنس وفصل، ولكن هذه البساطة بهذا المعنى خارجة عن محلّ البحث، بل هو بحث فلسفيّ.
وأمّا المعنى الثاني: فهو أيضاً خارج عن محلّ البحث؛ لأنّ المشتقّ الذي هو محلّ البحث غير المركّب بهذا النحو، بل محلّ البحث والنزاع في المشتقّ معنىً آخر من البساطة، فإنّ المشتقّ، وإن كان بسيطاً بالمعنى الأخير، بحيث لو سمع لا يتصوّر منه إلّا شيء واحد، إلّا أنّه ليس مرتبطاً بمحلّ البحث، بل المشتقّ في محلّ البحث هو الذي يكون مركّباً من المادّة والهيئة، وبما أنّهما مندمجان، أحدهما في الآخر، أمكن النزاع، وذلك بأن نقول: إنّ مدلول لفظ المشتقّ هل هو عبارة عن ثلاثة اُمور ـ أعني: الحدث والذات والنسبة بينهما، أو الحدث والنسبة، أو الحدث الملحوظ لا بشرط ـ أم لا؟
فمن أخذه بالاعتبار الأوّل فقد تصوّره مركّباً، ومن أخذه بالاعتبار الثاني فهو قد اعتبره بسيطاً من حيث الذات ومركّباً من ناحية النسبة، ومن أخذه بالاعتبار الثالث فمعناه: أنّه بسيط حتّى من ناحية النسبة والذات أيضاً.
ولا يخفى: أنّ الاحتمالات في مفهوم المشتقّ على أقسام:
أحدها: أن يكون مركّباً من الذات ومبدأ الاشتقاق والنسبة بينهما، ولكنّ هذه الاُمور تأتي بصورة وحدانيّة في الذهن، وأمّا صورتها التفصيليّة فهي مفاد الجملة. وبعبارة اُخرى: فإذا قلت: (ضارب)، فلا يأتي في الذهن إلّا صورة وحدانيّة.
وأمّا إذا قلت: (زيد ضارب)، فهذه صورة تفصيليّة للاُمور الثلاثة، ﻓ (ضارب) عين ذلك المعنى التفصيليّ، ولكنّه يدخل إلى الذهن بنحو الإجمال. فالذي يقول فيه: أنّه مركّب فإنّما أراد هذا المعنى، يعني: الصورة التفصيليّة.
والثاني: أنّ مفاد المشتقّ هو المبدأ المنتسب إلى الذات، وأمّا نفس الذات فخارجة، فيكون مدلول المشتقّ هو الحدث والنسبة، ولازمه: أنّه على الذات ـ أي بالدلالة الالتزاميّة ـ لأنّ المبدأ المنتسب إلى الذات ملازم للذّات.
والثالث: أنّ الذات والمبدأ ليسا داخلين في المشتقّ، بل مفاده هو الحدث الملحوظ (لابشرط) في قبال المصدر الذي لوحظ المبدأ بالنسبة إليه (بشرط لا).
وعلى هذا: فالذات والنسبة ليسا بمدلولين للّفظ، لا على وجه التضمّن ولا على وجه الالتزام، وليس معنى (اللّابشرطيّة) أن يكون نفس هذا اللّحاظ مقوّماً للمعنى الموضوع له ليستلزم دخله فيه، وإلّا للزم هناك محاذير:
منها: أنّه لو كان اللّحاظ دخيلاً لاجتمع عند الاستعمال لحاظان؛ أحد هذين اللّحاظين هو اللّحاظ المتقوّم بالمعنى، والثاني: هو اللّحاظ الاستعماليّ، وهو على خلاف الوجدان؛ لأنّ ما يرى حين الاستعمال ليس سوى لحاظ واحد. هذا، مضافاً إلى امتناع الجمع ـ عقلاً ـ بين اللّحاظين: (اللّابشرطيّة) مع (البشرط شيء)، وهو اللّحاظ الاستعماليّ، في ملحوظ واحد.
ومنها: أن يكون الشيء الواحد متقدّماً على نفسه ومتأخراً عن نفسه برتبة، ولو فرض أنّ الموجود هناك عند الاستعمال هو اللّحاظ الاستعمالي فقط، واكتفينا به عن اللّحاظ (اللّابشرطيّ) المقوّم للمعنى؛ لأنّ المستعمل فيه يكون متقدّماً على الاستعمال بالطبع، والاستعمال متأخّر بالطبع عن المستعمل فيه، فيلزم أن يكون اللّحاظ الواحد مقوّماً للمستعمل فيه والاستعمال، وهذا اللّحاظ الواحد: تارةً يكون متقدّماً، واُخرى يكون متأخّراً، في حال واحد.
ومنها: أنّه لو كان اللّحاظ مقوّماً للمعنى، فلا يمكن أن يحمل على الشيء في الخارج، أو توصيفه به؛ لأنّ معناه متقوّم بما هو في الذهن ـ أعني: لحاظ (اللّابشرطيّة) ـ وملاك صحّة الحمل هو الاتّحاد وجوداً والاختلاف مفهوماً.
فحينئذ: لا بدّ عند الحمل من تجريده عن اللّحاظ، ليأتي الاتّحاد في الخارج؛ لأنّ هذا الاتّحاد يكون مصحّحاً للحمل، وتجريده عن اللّحاظ معناه: أنّ هذا القيد يكون لغواً أبداً؛ لأنّه مع وجود هذا القيد لا يكون المعنى قابلاً للحمل على الشيء ولا للتوصيف به.
والرابع: أن يكون المشتقّ هو الذات المتلبّس بالمبدأ، أي: كون المشتقّ عبارةً عن نفس الذات، وإن كان منشأ انتزاع هذا العنوان هو تلبّسها بالمبدأ. وبعبارة اُخرى: فإنّ التلبّس يكون واسطةً في الثبوت، فيكون المبدأ والنسبة خارجين.
والخامس: أنّ المشتقّ هو الحدث، لكن ليس مطلقاً، بل حين انتسابه إلى الذات، بمعنى: أنّه ليس هو الحدث المطلق، بل حصّة خاصّة منه، فحينئذ: يكون مفاد المشتقّ هو خروج الذات والنسبة معاً عنه.
إذا عرفت هذا، فالحقّ في المقام هو القول الثالث: من أنّ المشتقّ ليس بمركّب.
أمّا أوّلاً:
فلمّا سنبيّنه من بطلان القول الأوّل: وهو كونه مركّباً من الذات والمبدأ والنسبة.
وقد استدلّ المحقّق الكبير الشيرازي وتلميذه المحقّق السيّد محمد الأصفهانيّ() بالدليلين: الإنّيّ واللّمّيّ.
وحاصل الدليل الإنّيّ: هو أنّ الشبه المعنويّ ـ كما هو معلوم في محلّه ـ يوجب أن يكون اللّفظ مبنيّاً، كما قال ابن مالك في الخلاصة الألفيّة:
كالشبه الوضعيّ في اسمي جئتنا والمعنويّ في متى وفي هنا
وهذا الدليل هو غير الدليل الذي ذكره السيّد الشريف، وحاصله: أنّ المشتقّ إن دلّ على النسبة فلابدّ من كونه مبنيّاً؛ لتضمنّه المعنى الحرفيّ حينئذ، ـ أعني به: النسبة ـ ومعلوم أنّ من المشابهات المقتضية للبناء (الشبه المعنويّ).
هذا، مضافاً إلى أنّ الهيئة إن اقتضت الدلالة على النسبة، فيلزم على ذلك بناء المصدر؛ لأنّ هيئة المصدر أيضاً تدلّ على نسبة الحدث إلى فاعل ما، ولم يقل به أحد، وبالملازمة يثبت عدم أخذ الذات فيه أيضاً؛ لما تقدّم من استلزام أحدهما للآخر.
وأمّا الدليل اللّمّي: فهو أنّ المادّة لم توضع إلّا للدّلالة على الحدث، وهيئة المشتقّ لا تدلّ إلّا على اتّحاد المبدأ مع محلّه، وليس هناك أمر ثالث يدلّ على النسبة أو على الذات.
ووجه استحالة أخذ الذات في مفهوم المشتقّ هو: لزوم أخذ معنى المعروض في العرضيّ؛ إذ الشارب ـ مثلاً ـ هو الذات المعروضة للشّرب؛ وأخذ الجنس في الفصل، كالناطق، فإنّه هو الذات، أي: هو الجنس الذي ثبت له النطق، فيندرج الجنس في الفصل؛ والنوع في العرضيّ، كما في الإنسان الذي هو كاتب أو متعصّب ـ (وبشاعة ذلك غنيّة عن البيان) ـ هذا إذا قلنا: بانّ الناطق فصل، وإلّا، يدخل الجنس في العرضيّ.
وأمّا ثانياً:
فلما ذكرنا من أنّ المشتقّ له مادّة وهيئة، وكلّ منهما دالّ على معنىً غير المعنى الذي يدلّ عليه الآخر، فالمادّة دالّة على الحدث، والهيئة دالّة على انتساب مدلول المادّة إلى ذات ما.
وأمّا ثالثاً:
فلأنّه لو كان مركّباً من الذات، لكان حمل الموجود على الوجود الحقيقيّ مجازاً أو غير صحيح في مثل قولنا: «الوجود موجود»؛ لأنّه ليس بمركّب، مع أنّ الموجود الحقيقيّ هو الوجود، ولذا، لو أنكرنا وجوديّة الوجود كالسوفسطائيّة، لم يبق لنا شيء، والوجوديّة من الاُمور الواقعيّة الوجدانيّة، ولا يحتاج في إثباته إلى دليل.
وأمّا رابعاً:
فلأنّه لو فرض أخذ الذات في المشتقّ، لزم لغويّته؛ لأنّه حينئذ يلزم تجريده عن الذات ليصحّ الحمل.
وأمّا خامساً:
فلأنّه يستلزم التكرار في القضيّة؛ لأنّ معنى «زيد ضارب» حينئذ: «زيد ضارب، زيد ضارب»، إذ الضارب المحمول حسب الفرض هو ذات الضارب، والمفروض أنّه متّحد مع زيد؛ لإناطة الحمل بالاتّحاد، مع أنّ المراد من الذات هو (زيد) فيلزم تكرار القضيّة المفيدة لمعنىً واحد. فلابدّ من تجريد القضيّة حتّى يصحّ الحمل، وهو خلاف الوجدان.
وأمّا سادساً:
فلأنّه يلزم من أخذ الذات فيه أخذ النسبة فيه أيضاً، فيلزم اشتمال الكلام الواحد على نسب ثلاث في عرض واحد.
إحداها: التامّة الخبريّة؛ لانحلال المشتقّ إلى الذات والعرض والنسبة فكانت معناه ذات ثبت له الكتابة.
والثانية: النسبة الناقصة التقييديّة؛ لأنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف.
والثالثة: النسبة التامّة الحاصلة بعد حمل المشتقّ على الموضوع، فتنقلب النسبة التقييديّة إلى التامّة، وهذا خلاف الوجدان؛ لعدم التفاوت عند أبناء المحاورة في القضيّة الواحدة الدالّة على نسبة واحدة، مضافاً إلى أنّ النسبة التقييديّة إنّما تكون في الاضافة ﻛ «غلام زيد»، وفي الوصف كقولنا: «زيد العالم».
وكلا الدليلين قابل للخدشة:
أمّا دليله الإنّيّ: فلأنّ مجرّد أخذ النسبة في المشتقّ لا يوجب بناءه حتّى يكون إعرابه دليلاً على عدم أخذ النسبة فيه، ضرورة أنّه كثيراً ما يكون الاسم معرباً مع مشابهته معنى الحرف، كبعض أقسام النداء، وكما في الفعل المضارع، فإنّه مع دلالته على النسبة التي هي معنىً حرفيّ، فإنّه مع ذلك يكون معرباً، فالشبه بالحرف إنّما يوجب البناء إذا لم تغلب عليه جهة الاسميّة، وإلّا فهو معرب.
ثمّ لو فرض أنّ المشتقّ لم يدلّ على النسبة، فلا مانع من دلالته على الذات فقط، بدون النسبة، ودعوى الملازمة بين دلالته على الذات وبين دلالته على النسبة؛ لاستلزام الذات والعرض للنّسبة، غير تامّة، إذ الكلام إنّما هو في الأوضاع والمعاني الإفراديّة، لا التركيبيّة المدلول عليها بالقضيّة، فيمكن وضع المشتقّ للذّات والعرض دون النسبة.
وبالجملة فهذا البرهان الإنّيّ مخدوش.
وأمّا دليله اللّمّيّ: ففيه: أنّ تلك المحاذير المذكورة هي: إمّا غير لازمة أو أنّها ليست بمحاذير.
أمّا حديث استلزامه لدخول المعروض في مفهوم العرض ففيه: أنّه لا يلزم ذلك، إذ لا مانع من دلالة اللّفظ على معنيين، ومجرّد حكاية اللّفظ عنهما لا يوجب دخول أحدهما في الآخر، كما هو واضح، وإن كان في التحليل العقليّ كذلك أيضاً؛ إذ المفهوم هو نفس العرض، وبعد تحليله ينحلّ إلى ذات معروضة للعرض، ومن المعلوم: أنّ معنى «زيد ضارب» هو (زيد ذات ثبت له الضرب)؛ إذ من المعلوم استحالة اتّحاد الماهيتين المتعدّدتين، مضافاً: إلى أنّ هذا الإشكال ـ لو سلّم المحذور فيه ـ فإنّه يرد على الجوامد، كما في قولك: «زيد زوج». فلا يلزم من دخول الذات في المشتقّ دخول المعروض في العرض.
وأمّا إشكال لغويّة الوضع: ففيه: أنّه يكفي في فائدة الوضع لذلك، صحّة حمل المشتقّ على الذات، فيصحّ أن يقال: إنّ زيداً ذات ثبت له الضرب، فيما إذا قلت: «زيد ضارب».
وأمّا إشكال تكرار القضيّة: فإنّه لا مانع منه، فإنّ كلّ قضيّة تنحلّ إلى قضيّتين: إحداهما: قضيّة وضعها، والاُخرى: قضيّة حملها، وتكرار النسبة لا مانع منه ولا محذور فيه.
فتلخّص من مجموع ما ذكرناه: أنّ البرهان المذكور لا يصلح لأن يكون دليلاً على بساطة المشتقّ.
فإن قلت: فإنّنا نرى بالوجدان: أنّ المتبادر والمنساق من لفظ (العالم) هو الذات المتّصفة بالعلم، أي: من انكشف لديه الشيء، والمراد من (من) هنا هو الذات.
قلت: إنّ التبادر إنّما يحصل من جهة اتّحاد الذات مع الموضوع له، وكونه طوراً من أطوار الموضوع له وفانياً في موضوعه لا من جهة وضع المشتقّ للذات، فلذلك ينتقل الذهن إلى الذات، فالذات ـ التي هي غير العرض وتكون موضوعه ـ مدلول التزاميّ غالبيّ للمشتقّ؛ لأنّه في الخارج غالباً ما يكون مندكّاً وفانياً في الذات التي هي غيره، ومن هذه الجهة، يستأنس ذهن أهل العرف والمحاورة بفهم الذات المتلبّسة من المشتقّ، ولذا نجد من المستهجن جدّاً أن يدّعي أحد أنّ الوجود ليس بموجود؛ لأنّه ليس بذات ثبت له الوجود، بل ـ كما بيّنّا سابقاً ـ فالموجود الحقيقيّ هو الوجود، والمصداق الذاتيّ له هو نفس الوجود، والماهيّات الإمكانيّة الموجودة بسبب الوجود الحقيقيّ مصاديق عرضيّة لمفهوم الوجود. ويصحّ أن يقال للوجود المطلق: بأنّه مركّب، ولو قلنا: بتركيبه فيصبح ممكنا وناقصاً، فيخرج من الوجوب إلى الإمكان، مع أنّ الذي يكون موجوداً في الحقيقة هو الوجود المطلق، وأمّا بقيّة الممكنات فيكون وجودها بسبب هذا الوجود، وهي ـ كما قلنا ـ مصاديق عرضيّة لمفهوم الوجود، ولا يسري العدم إليها، فلو لم يكن الوجود موجوداً فكيف يعطي الوجود؟! وبعبارة اُخرى: فإنّ فاقد الشيء كيف يكون معطياً لذلك الشيء؟!
وأمّا ما ذكره المحقّق العراقيّ() من أنّ مفهوم المشتقّ هو الحدث المنتسب إلى الذات، بمعنى: أنّ الحدث والنسبة يكونان مدلولين للفظ المشتقّ، فيكون المشتقّ دالّاً على الذات بالملازمة العقليّة.
ففيه: أنّه بناءً على هذا، فحينما يحمل المشتقّ على الموضوع، فلابدّ أن يكون هناك وجود لنسبتين اثنتين في مقام تشكيل القضيّة؛ لأنّ المشتقّ في هذا المقام ينسب إلى الذات بما له من مفهوم، فيكون معناه حينئذٍ: أنّ المبدأ المنتسب إلى الذات ينسب إلى الذات، مع أنّ المبدأ بحدّ ذاته غير قابل للحمل؛ لأنّه مأخوذ (بشرط لا). نعم، يصير قابلاً لذلك عندما يؤخذ (لا بشرط).
ويمكن أن نجيب عنه: بأنّه لا مانع من ذلك، وما يقوله المحقّق العراقيّ فإنّما هو ناظر إلى ما هو واقع الانتساب.
وقد برهن المحقّق الشريف على استحالة أخذ الذات في المشتقّ بقوله: «إنّ الذات المدّعى أخذها في المشتقّ: إمّا أن يكون المراد منها مفهوم الذات، أو مصداقه، أمّا الأوّل: فيلزمه دخول العرض العامّ في الفصل؛ لأنّ مفهوم الشيء من الأعراض العامّة. وأمّا الثاني: فيلزم أن ينقلب مادّة الإمكان الخاصّ إلى الضرورة، بداهة أنّ ثبوت شيء لنفسه ضروريّ، لأنّ معنى (الإنسان كاتب): الإنسان إنسان ثبتت له الكتابة»().
وقد أجاب صاحب الفصول عمّا ذكره المحقّق الشريف بما لفظه: «ويدفع الإشكال بأنّ كون الناطق ـ مثلاً ـ فصلاً مبنيّ على عرف المنطقيّين حيث اعتبروه مجرّداً عن مفهوم الذات، وذلك لا يوجب أن يكون وضعه لغةً كذلك»().
وملخّصه: أنّ (الناطق) ـ مثلاً ـ ليس بفصل حقيقيّ، بل هو لازم الفصل، وقد جعل هو مكانه، لتعذّر معرفته غالباً، فلا يلزم حينئذ دخول العرض العامّ في الفصل، إلّا انّه أخذ العرض في الخاصّة لا في الفصل.
وأجاب عنه صاحب الكفاية: بأنّه «من المقطوع أنّ مثل (الناطق) قد اعتبر فصلاً بلا تصرّف في معناه أصلاً، بل بما له من المعنى، كما لا يخفى»().
وقد اعترض على الجواب الأوّل بعض المحقّقين: بأنّ النطق بمعنى التكلّم وإدراك الكلّيّات، وإن كان من عوارض الإنسان، إلّا أنّه بمعنى صاحب النفس الناطقة يكون فصلاً حقيقيّاً، فيلزم من أخذ مفهوم الذات أو الشيء فيه أخذ العرض العامّ في الفصل().
ولكن لا يخفى: أنّ (الناطق) لو كان بمعنى النفس الناطقة، فهو الإنسان، فيكون نوعاً لا فصلاً، وعليه: فالفصل الحقيقيّ غير معروف، وما ذكروه، وهو (الناطق)، فصل مشهوريّ.
ولا يخفى: أنّه إنّما عبّر عن مفهوم (الشيء) بالعرض العامّ دون الجنس؛ لأنّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلّا هي، والشيئيّة إنّما تعرض عليها لا بما أنّها موجودة؛ لأنّه يكون تحصيلاً للحاصل، ولا بما أنّها معدومة، لأنّه يكون من باب اجتماع النقيضين، وبما أنّ الوجود يعرض عليها في هذا الوعاء ـ أي: وعاء التقرّر ـ فإنّه يسمّى العرض العامّ، ولم يسمّ عندهم بالجنس، ﻓ (الشيء) عرض عامّ للماهيّة بما لها من التقرّر، وليس من العرض العامّ الاصطلاحيّ حتّى يستشكل فيه: بأنّ العرض العامّ هو ما كان خاصّةً للجنس البعيد أو القريب ـ كالمتحيّز والماشي ـ وليس ما وراء الجوهر والأعراض جنس حتّى يكون الشيء خاصّةً له وعرضاً عامّاً للجوهر ـ مثلاً ـ، بل يكون الشيء عرضاً لجميع الماهيّات، من الجواهر والأعراض، ولهذا يصدق (الشيء) على جميعها، وعليه: فالشيء بما أنّه شامل للجواهر والأعراض، فهو بمنزلة جنس الأجناس.
ولو سلّمنا بقاء الإشكال، وفرضنا أنّ غالب الفصول لم تكن من الفصول الحقيقيّة، لكن، مع ذلك، فلا يمكن نفي ذلك بنحو السالبة الكلّيّة؛ إذ لو قلنا: بكونها بنحو السالبة الكلّيّة، فيكون مآل هذا الكلام إلى إنكار وجود الحدّ، والقول: بعدم إمكانه، وانحصار التعاريف في الرسوم فقط.
وهذا لا يمكن المساعدة عليه ـ كما ذكره الاُستاذ المحقّق() ـ وإنّما يصدق على الشيء أيضاً؛ من حيث إنّه يشمل الجوهر والعرض.
فتحصّل: أنّ البرهان الذي أقامه الشريف، وأنّه بناءً على الأوّل: يدخل العرض العامّ في الفصل، وبناءً على الثاني: يلزم انقلاب القضيّة الممكنة إلى الضروريّة، تامّ ولا غبار عليه.
ثمّ إنّه نسب إلى الميرزا النائينيّ(): أنّه، وبعد اعترافه بأنّ الشيء يكون جنساً، أورد عليه: بأنّه إنّما يصحّ أن يكون جنساً بناءً على أصالة الماهيّة وكون الماهيّة هي الأصل؛ لأنّه لو لم نقل بأصالة الماهيّة، وقلنا بأصالة الوجود، فتكون الماهيّات أعداماً، وليس لها حظّ من الوجود، كما نقل عن صاحب الأسفار()، فإذاً: لا يكون (الشيء) موجوداً حتّى يكون جنساً عالياً.
ولكن قد ذكرنا في مباحثنا الفلسفيّة، ردّاً على صاحب الأسفار، حاصله: أنّه ولو لم نقل بأصالة الماهيّة، ولكنّ هذا لا يعني أنّ الماهيّات تكون أعداماً، بل إنّما يعني: أنّه لو قلنا بأصالة الوجود وأنّ المفاض الأصليّ هو الوجود، فالماهيّة تكون موجودةً بالتبع؛ لأنّ وجودها تابع لوجوده؛ وإن قلنا بأصالة الماهيّة، فالوجود هو الذي يكون تابعاً لها، ويظهر من هذا: أنّ الماهيّة، على كلّ حال، تكون موجودةً، غاية الأمر: أنّها موجودة تارةً بالوجود الأصليّ، واُخرى بالوجود التبعيّ.
وأجاب صاحب الفصول عن الإشكال بما لفظه:
«ويجاب بأنّ المحمول ليس مصداق الشيء والذات مطلقاً، بل مقيّداً بالوصف، وليس ثبوته حينئذ للموضوع بالضرورة، لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضروريّاً»().
وحاصله: أنّه لا ينقلب الإمكان إلى الضرورة، إذ لا نسلّم لزوم الانقلاب؛ لأنّ المحمول مقيّد بقيد ممكن، وجهة القضيّة دائماً تكون تابعة لأخسّ المقدّمتين، فإذا كان القيد ممكناً فلا محالة يكون المقيّد به ممكناً أيضاً.
ولكنّ صاحب الكفاية() أجاب عنه بما حاصله: أنّ تقييد المحمول بقيد غير ضروريّ أيضاً، لا يمنع من الانقلاب ـ أي انقلاب مادّة الإمكان إلى الضرورة ـ لأنّ المحمول: إمّا ذات المقيّد، بأن يكون القيد خارجاً عن حيّزه والتقيّد داخلاً فيه؛ وإمّا مجموع القيد والمقيّد.
فعلى الأوّل: يلزم الانقلاب قطعاً، وتكون القضيّة ضروريّة؛ إذ من البديهيّ: ضروريّة حمل الإنسان المقيّد بالنطق على الإنسان.
وعلى الثاني ـ بنحو يكون القيد كالتقييد داخلاً ـ: فأيضاً يلزم الانقلاب، غايته: أنّه انقلاب جزء القضيّة لا تمامها، وذلك أنّ القضيّة تنحلّ إلى قضيّتين: الاُولى: (الإنسان إنسان)، ولا شبهة في كونها ضروريّة، والثانية: (الإنسان له النطق)، وهي ممكنة. وبالجملة: فيكون الجزء الأوّل للقضيّة ضروريّاً، والجزء الثاني: إمّا تامّاً خبريّاً، وإمّا ناقصاً تقييديّاً؛ لعدم الفرق بين الأوصاف والأخبار، بل الأوصاف قبل العلم بها أخبار، وبعد العلم بها أوصاف، كما مرّ.
ولكنّ الحقّ: أنّ هذا الكلام إنّما يصحّ لو كان المراد  من قولك (زيد كاتب) ـ مثلاً ـ هو الكتابة بالفعل، وأمّا إذا اُريد به: الكتابة بالقوّة، فالقيد ـ وهو الكتابة ـ ضروريّ للإنسان، فالمحمول، وهو ثبوت الكتابة للإنسان المقيّد بالكتابة، ضروريّ له.
ولكن يمكن الجواب عن أصل هذا الإشكال ببرهان الانقلاب؛ وذلك ببيان:
أنّ الكلام في مفاهيم المشتقّات كلام فيما هو من المفاهيم الإفراديّة، لا التركيبيّة، غاية الأمر: أنّه يجرّد المشتقّ عن الذات ثمّ يحمل عليها، ﻓ (الناطق) المعتبر فصلاً ومقوّماً لماهيّة الإنسان ـ مثلاً ـ إنّما اعتبر كذلك في حال تجريده عنه بحسب الاصطلاح.
ولكن يمكن أن يقال: بأنّا حينما نراجع الوجدان، نستطيع أن نرى أنّ (الناطق) الذي اعتبر فصلاً، إنّما هو لفظ (الناطق) بما له من المعنى بحسب وضعه، وقد جعل معرّفاً للإنسان كذلك، لا بعد التأويل والتجريد.
وخلاصة الكلام: أنّ المراد من الذات ـ على القول بتركيب المشتقّ من الذات والمبدأ ـ إن كان هو مصداق الذات، فإنّه يلزم منه ـ مضافاً إلى ما ذكرنا سابقاً من المحاذير ـ: محذور آخر، وهو: كون المشتقّ متكثّر المعنى؛ لأنّ الذوات تكون متباينةً بالضرورة. فإذا قلنا: (زيد قائم) و(الجدار قائم) و(الصلاة قائمة)، فإنّ الذات المأخوذة في كلّ من المشتقّات في هذه الجمل مباينة للذّوات المأخوذة في غيرها.
فإذا قلنا بذلك وأخذنا في مفهوم المشتقّ مصداق الذات، يلزم تكثّر مفهوم (القائم) ـ لا محالة ـ فيخرج حينئذ عن الوضع العامّ والموضوع له العامّ، ويدخل في الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، ويكون بذلك مخالفاً للفهم العرفيّ.
وأمّا ما ذكره الاُستاذ الأعظم() من أنّ المتبادر عرفاً من المشتقّ عند إطلاقه هو الذات المتلبّسة بالمبدأ، فقد أجبنا عنه: بأنّ هذا التبادر إنّما حصل من اتّحاد الموضوع مع المحمول.
وأمّا قوله في البرهان على هذا المدّعى: «أنّه لا يمكن تصحيح حمل المشتقّ على الذات إلّا بأخذ مفهوم الشيء فيه»():
ففيه: أنّه لو أخذ فيه المفهوم المذكور للزم دخول الجنس أو العرض العامّ في الفصل، حتّى ولو قلنا: بأنّه ليس بفصل حقيقي، بل خاصّة؛ فإنّ (الناطق) ـ مثلاً ـ يكون من لوازم الفصل الحقيقيّ، كما ثبت في محلّه من عدم إمكان معرفة حقيقة الأشياء.
حتّى لو قلنا بذلك، فإنّه يرد الإشكال أيضاً؛ لأنّه بناءً على هذا: يكون من باب دخول العرض العامّ في الخاصّة، وهو أيضاً أمر غير ممكن؛ لمغايرة كلّ منهما للآخر، فيلزم استعمال اللّفظ الواحد في معنيين.
وتحصّل: أنّ إشكال المحقّق الشريف باق على حاله، بلا فرق بين دخول الجنس في الفصل أو دخول العرض العامّ في الخاصّة، بل إنّ الحمل إنّما يصحّ لأنّه قد أخذ (لا بشرط)، وليس المراد من (اللّابشرط) هنا: اللّابشرطيّة الاعتباريّة، حتّى يستشكل: بأنّ المغايرة الاعتباريّة لا تجدي، فقولك: «زيد شيء ثبت له النطق» تحصيل للحاصل؛ لأنّ زيداً شيء فعلاً، فثبوت الشيئيّة له مرة ثانية لا يكون إلّا تحصيلاً للحاصل.
وإذا عرفت هذا، فاعلم:
أنّ الوجه والملاك في إمكان حمل المشتقّ على الذات دون المبدأ هو (اللّابشرطيّة) و(البشرط لائيّة)، نظير الجنس والفصل، والمادّة والصورة، حيث يكون الحمل بالنسبة إلى الأوّلين (لا بشرط)، وبالنسبة إلى الأخيرين (بشرط لا)، فيقال: الإنسان حيوان، أو: الناطق حيوان، أو الإنسان حيوان ناطق. ولكن لا يقال: الإنسان مادّة، أو الإنسان صورة، كما أنّ المادّة لا تحمل على الصورة، وبالعكس.
واستشكل فيه صاحب الفصول(): بأنّ العلم والحركة يمتنع حملهما على الذات وإن اعتبرا (لا بشرط)، وكذا (المال) لا يحمل على الإنسان، وإن كان (المتموّل) يحمل عليه.
وفيه: أنّ المراد ﺑ (اللّابشرط) ليس هو اللّابشرط بالنسبة إلى العوارض والطوارئ الخارجيّة، كالبرودة للمادّة والإيمان للرقبة بالنسبة إلى رفع العطش والعتق.
كما أنّه ليس المراد أيضاً: (اللّابشرطيّة الاعتباريّة)، كاعتبار الماهيّة، حتّى تلاحظ الماهيّة بشرط تعريتها عن كلّ مادّة سواها، وحتّى لا يكون موطنها إلّا عالم العقل، بل المراد من (اللّابشرط) هو: قبول الاتّحاد وعدمه، أي: (اللّابشرط الحقيقيّ). ومن هنا: فلا يرد إشكال صاحب الفصول.

وهل هناك ثمرة لهذا البحث أم لا؟
لا يخفى: أنّ الثمرة هنا موجودة؛ إذ:
بناءً على البساطة قيل: لا يأتي البحث في أنّ المشتقّ هل هو للأعمّ أو المتلبّس؛ إذ ليس هناك من ذات أو جامع يكون محفوظاً في الحالتين ـ أعني: حالة العدم وحالة الوجود ـ لأنّه ليس معنى المشتقّ إلّا نفس المبدأ والعرض.
وأمّا بناءً على التركيب فيأتي البحث في كون المشتقّ موضوعاً لخصوص من تلبّس أو للأعمّ.
ولكن الحقّ: تأتّي هذا النزاع بناءً على البساطة أيضاً؛ لأنّه إذا قلنا: بأنّ المشتقّ يدلّ على الذات، ولكن بالدلالة الالتزاميّة، فيأتي البحث في أنّه هل اُريد منه المتلبّس أو الأعمّ؟
ثمّ إنّ صاحب الكفاية() ذكر:
أوّلاً: أنّه ليس هناك أصل لفظيّ يمكن أن يعوّل عليه عند الشكّ في أنّه وضع لخصوص من تلبّس أو للأعمّ؛ لأن لكلّ من الخصوص والأعمّ خصوصيّة المسبوقيّة بالعدم، فتكون أصالة عدم ملاحظة الخصوصيّة معارضةً بأصالة عدم ملاحظة العموم، فيسقط الأصلان معاً بالمعارضة.
وثانياً: أنّ هذين الأصلين لا يجريان؛ لأنّ أصالة عدم الخصوصيّة تثبت العموم، إلّا بناءً على الأصل المثبت؛ لكونهما من المتضادّين، فأصالة عدم أحدهما لا يثبت الآخر، مضافاً إلى أنّ هذا الأصل لو فرض جريانه، فلا دليل على اعتباره في تعيين الموضوع له؛ لأنّ الثابت من اعتبار هذا الأصل إنّما هو فيما لو شكّ في أصل المراد، أي: أنّ الأصل يجري في تعيين المراد، لا في تشخيص الموضوع له.
وبعبارة اُخرى: فهو إنّما يكون حجّةً إذا كان جريانه في تعيين المراد، لا في كيفيّة الإرادة، وأنّه هل كان بنحو الحقيقة أو المجاز مع العلم بالمراد؟
ولكن ذكر صاحب الكفاية() أيضاً:
أنّ الأصل وإن لم يجر من الجهة الاُصوليّة، إلّا أنّه يجري من الناحية الفقهيّة. فإنّه إذا اتّصفت الذات بالمبدأ، ثمّ انقضى عنها التلبّس ـ كالمجتهد الذي زال اجتهاده والعادل الذي زالت عدالته ـ فيستصحب الحكم الشرعيّ الذي كان ثابتاً لها حينما كانت متلبّسةً بالمبدأ، فتكون النتيجة جواز الاقتداء به وتقليده بعد زوال الاجتهاد والعدالة.
وفيه إشكال حاصله: أنّ بقاء الموضوع شرط في جريان الاستصحاب، فلا يجري الاستصحاب مع الشكّ في بقاء الموضوع.
فإذا اتّضح ذلك نقول: إنّ الاجتهاد والعدالة، إن كانا من الجهات التقييديّة فارتفاع الحكم بارتفاعهما قطعيّ. وإن لم يكن لهما دخل، فبقاء الحكم بعد ارتفاعهما قطعيّ. فالشكّ في بقاء الحكم وعدمه شكّ في بقاء الموضوع وعدمه، فعلى جميع التقادير: لا مجال للاستصحاب؛ إذ في الصورتين الأُوليين، لا يوجد شكّ أصلاً؛ لأنّه إمّا أن يعلم بالارتفاع أو يعلم بالبقاء، وفي الصورة الثالثة، فإنّ جريان الاستصحاب مشروط ببقاء الموضوع.
وقد يقال: لعلّ جريان الاستصحاب من جهة أنّ الاجتهاد والعدالة ونظائرهما ليست من الجهات التقييديّة، وإنّما هي من الجهات التعليليّة، فإنّ تلك الأوصاف ملاكات لتشريع الأحكام، وليست أجزاءً من الموضوع، فحينئذ يقع الشكّ في كونها ملاكات للحكم حدوثاً فقط أو حدوثاً وبقاءً.
والشكّ في كيفيّة الملاكات مستلزم ومستتبع للشكّ في بقاء الحكم وارتفاعه، وليس من قبيل الشكّ في أصل بقاء الموضوع حتّى لا يجري الاستصحاب.
وفيه تأمّل.
ثمّ إنّه لا يخفى: أنّ اختلاف مبادىء المشتقّات ـ بحسب الفعليّة كالشرب، والملكة كالاجتهاد، والشأنيّة كالمفتاح، والحرفة كالصنعة ـ لا يكون سبباً للاختلاف فيما نحن فيه، ولا يوجب تفاوتاً من الجهة المبحوث عنها.
فمثلاً: ما أخذ فيه المبدأ على نحو الملكة ﻛ (المجتهد) و(المهندس)، أو القوّة والاستعداد ﻛ (المفتاح) و(المكنسة)، فإنّ الانقضاء فيها لا يتصوّر إلّا بزوال القوّة والملكة والاستعداد، بمعنى أنّ العرف لا يرى وجود الفترات بين تلك الأعمال موجباً لزوال التلبّس، بل تبقى الذات متلبّسةً في نظره حتّى في تلك الفترة المتخلّلة.
وبالجملة: فالانقضاء إنّما يتحقّق فيها بزوال الملكة والاستعداد، فإذا زالت الملكة الموجودة في المجتهد، وكذا القوّة الموجود في المفتاح، فيدخل في محلّ البحث حينئذ، ويقال: بأنّ المشتقّ هل هو حقيقة فيما انقضى أم لا؟
وبكلمة: فإنّ تحقّق الانقضاء في المجتهد إنّما يتصوّر بزوال الملكة، ولو لم يكن مباشراً لعمليّة الاستنباط فعلاً أو كان نائماً، فيصدق عليه حقيقةً أنّه مجتهد، وهكذا بالنسبة إلى الحرفة والصناعة ـ كالخيّاط والبنّاء والحدّاد والنسّاج والتمّار ـ فإنّ التلبّس بتلك المبادئ يتصوّر بأخذها حرفةً أو صنعةً، فيصدق النجّار ـ مثلاً ـ على من اتّخذ النجارة صنعةً له، فالتلبّس بها يتحقّق حسب المزاولة والممارسة، ولا يتحقّق الانقضاء بالنسبة إليه إلّا بالإعراض وترك هذه الحرفة أصلاً. فما دام لم يعرض عنها فإنّ التلبّس بالنسبة إليه يكون فعليّاً.
وهكذا ـ أيضاً ـ بالنسبة إلى أسماء الآلات، حيث أخذ التلبّس بها على نحو القوّة والاستعداد، فإنّ هيئة (المفتاح) ـ مثلاً ـ موضوعة لإفادة تلبّس الذات بالمفتاحيّة شأناً واستعداداً، لا فعلاً وتلبّساً.
فصدق الانقضاء عليه إنّما يكون فيما إذا زالت القابليّة عنه ولو من جهة فقدان بعض أسنانه.
فظهر ممّا ذكرنا: أنّ (المفتاح) ـ مثلاً ـ يصدق حقيقةً على كلّ ما له قابليّة الفتح، ولو لم يقع الفتح به خارجاً، وأنّ كلّ هذه الاُمور المذكورة تقع محلّا للبحث والنزاع، غاية الأمر: أنّ الانقضاء في كلّ شيء بحسبه. والاختلاف في كيفيّة التلبّس لا يكون سبباً لخروج بعض المشتقّات عن محلّ النزاع.
وملخّص القول: أنّ المبدأ:
تارةً: يكون فعليّاً فيزول بسرعة؛ كشرب الماء، فإنّ التلبّس به إنّما يصدق حين الاشتغال بالشرب، وبانتهائه ينقضي المبدأ.
وتارةً: يكون ملكةً؛ كالاجتهاد، فالتلبّس به يكون ببقاء ملكته، وان لم يكن صاحب الملكة مستنبطاً بالفعل.
وثالثةً: يكون من قبيل الشأنيّة، فالتلبّس به هو بقاء شأنيّته؛ كالمفتاح، فإن التلبّس يصدق عليه مع بقائه على هيئة المفتاحيّة وعلى قابليّته للفتح.
واختلاف هذه المبادئ من حيث الفعليّة والشأنيّة وغيرهما لا يوجب اختلافاً فيما هو المبحوث عنه في المقام، أعني: وضع هيئة المشتقّ.
ومن هنا ظهر: عدم صحّة ما أفاده المحقّق النائينيّ() تبعاً لصاحب الفصول(): من خروج أسماء الآلة وأسماء المفعولين عن محلّ النزاع.
أمّا الأوّل: فلمّا ذكره في الفصول بقوله: «الحقّ أنّ المشتقّ إن كان مأخوذاً من المبادئ المتعدّية إلى الغير، كان حقيقةً في الحال والماضي، أعني: في القدر المشترك بينهما، وإلّا، كان حقيقةً في الحال فقط»().
فالأوّل: ﻛ (الضارب) الذي أخذ من مبدأ متعدّ إلى الغير.
والثاني: كالآلات والصنائع التي يكون المبدأ فيهما لازماً.
وأمّا أسماء المفعولين: فلأنّ الهيئة فيها موضوعة لأن تدلّ على وقوع المبدأ على الذات، وهذا المعنى ممّا لا يعقل فيه الانقضاء، فإنّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه، والمفروض: أنّ الضرب قد وقع عليها، فدائماً يصدق أنّها ممّا وقع عليه الضرب.
ولكنّك قد عرفت: أن الاختلاف في أنحاء التلبّس لا يكون سبباً للاختلاف في وضع هيئة المشتقّ.
وأمّا بالنسبة إلى ما أفاده في أسماء المفعولين: فقد أجاب عنه الاُستاذ الأعظم بالنقض، قال:
«لو تمّ ما ذكره لجرى ذلك في أسماء الفاعلين أيضاً، فإنّ الهيئة فيها موضوعة لأن تدلّ على صدور الفعل عن الفاعل، ومن المعلوم: أنّه لا يتصوّر انقضاء الصدور عمّن صدر عنه الفعل خارجاً؛ لأنّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه. والمبدأ الواحد، كالضرب ـ مثلاً ـ، لا يتفاوت حاله بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول، غاية الأمر: أنّ قيامه بأحدهما قيام صدوريّ وبالآخر قيام وقوعيّ»(). انتهى.
فظهر ممّا ذكره: أنّه لا فرق بين الهيئتين هنا أصلاً، فإنّ المبدأ في كليهما واحد، ومتى ما زال المبدأ، فبزواله كان إطلاق (الضارب) ـ مثلاً ـ أو (المضروب) على زيد الضارب، وعمرو المضروب، مع أنّها من الإطلاقات المنقضية عنها المبدأ لا محالة.

أصل الاشتقاق
هل المصدر أصل للكلام أم اسم المصدر أم الفعل؟
لكي يتّضح الجواب عن هذا السؤال، فلابدّ من التعرّض لبيان معاني هذه الاُمور المذكورة، فنقول:
إنّ الحدث تارةً يلاحظ في نفسه، وأنّه شيء من الأشياء، ومن دون ملاحظة انتسابه إلى ذات ما، فيصدق عليه أنّه ـ بهذا اللّحاظ ـ مفهوم «اسم المصدر».
واُخرى يلاحظ بالنظر إلى انتسابه إلى ذات ما، انتساباً مهملاً من جميع الخصوصيّات، أي: من حيث كونه قد تحقّق سابقاً أو أنّه متحقّق بالفعل أو أنّه سوف يتحقّق أو سيتحقّق أو أنّه يطلب تحقّقه، ومن هذه الحيثيّة يسمّى ﺑ «المصدر».
وبينهما فروق كثيرة:
منها: أنّ المصدر يدلّ على الحدث بنفسه، وأمّا اسم المصدر فهو يدلّ عليه بواسطة المصدر، فمدلول المصدر هو اللّفظ، ومدلول اسم المصدر هو المعنى.
ومنها: أنّ المصدر موضوع لفعل الشيء، واسم المصدر موضوع لأصل ذلك الشيء، ﻓ (الاغتسال) ـ مثلاً ـ موضوع لإيجاد الفعل تدريجاً، وأمّا (الغسل) فهو عبارة عن نفس ذلك الفعل باعتبار صدوره من فاعل ما، ولذا قلنا في البيع: بأنّ النهي في قوله تعالى: ﴿يَا أيّـُهَا ٱلّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصّلَاةِ مِنْ يَوْمِ ٱلجُمُعَةِ... وذَرُواْ ٱلبَيْعَ﴾()، إذا تعلّق بمعنى اسم المصدر فإنّه يكون دالّاً على فساد المعاملة؛ لأنّه عبارة عن النقل والانتقال الصادر عن البائع، من دون ملاحظة لجهة إصداره، فإذا كان ذلك النقل والانتقال مبغوضاً من قبل الشارع، فلا يتعلّق به الإمضاء، لتنافي النهي مع الإمضاء، وأمّا لو كان متعلّقاً بعنوان المصدر، فلا يدلّ على فساد المعامّلة؛ لأنّ مبغوضيّة جهة الإصدار غير مبغوضيّة ذات الصادر، ولا ملازمة بينهما، كما لا تنافي بين النهي عن جهة الإصدار وإمضاء ذات الصادر.
وبعبارة اُخرى: فإنّ اسم المصدر لا نسبة فيه أبداً؛ لأنّه عبارة عن نفس الحدث بما هو شيء وماهيّة من الماهيّات، بخلاف المصدر، فإنّه يدلّ على نسبة الحدث إلى فاعل ما، فالمصدر موضوع للدّلالة على النسبة الناقصة.
وأمّا ملاحظة الحدث مغايراً للذّات ومنسوباً إليها نسبةً تامّةً متشخّصةً من حيث زمان وقوعها، فهي: تارةً تكون ملاحظةً تحقيقيّة انقضائيّة، فبهذا الاعتبار يتكوّن مفهوم الفعل الماضي. واُخرى: تكون هذه النسبة على نحو ترتّب التحقّق، أي: النسبة التحققيّة التلبّسيّة بتحقّق الارتباط بين الذات والحدث، وبهذا المعنى: يتكوّن مفهوم الفعل المضارع.
فالفرق بين فعل الماضي والمضارع ـ بعد اشتراكهما في أنّهما يكونان متباينين عن الذات وغير مندكّين فيها ـ أنّ نسبة الفعل الماضي مأخوذة على وجه التحققيّة الانقضائيّة، ومن هنا توهّموا: أنّ الفعل الماضي يدلّ على الزمان، وأنّ الزمان يكون جزءاً من مدلوله. ولكن قد ذكرنا آنفاً: أنّ الفعل لا يدلّ على الزمان إلّا بالدلالة الالتزاميّة، وهذا الفعل قد تكون النسبة فيه على نحو التحقّق، وهذه النسبة تارةً تكون على نحو التلبّسيّة التحققيّة ـ أي: التلبّس الفعلي ـ واُخرى: على نحو الترقبيّة التحققيّة.
وبعبارة اُخرى: فإنّ التلبّس الكائن في الفعل هو أعمّ من التلبّس الفعليّ والمستقبليّ، ولذا قالوا: بأنّ الفعل المضارع مشترك بين الحال والاستقبال، وتخيّلوا بأنّه مشترك بين الزمانين، مع أنّ الزمانين ـ كما ذكرنا ـ  من لوازم مدلول هيئة المضارع، لا أنّهما من أجزاء مدلوله أو موضوعه.
وقد يلاحظ الحدث بالنسبة إلى الذات، ولكن بنحو إرادة وقوع الحدث وصدوره عن الذات المنسوب إليها، وهي النسبة الطلبيّة، أي: طلب إصدار المادّة وإيجادها على الذات، وهي النسبة التي يدلّ عليها فعل الأمر.
كما أنّه قد يلاحظ الحدث بالنسبة إلى الذات، ونرى أنّ هذه النسبة بينهما مأخوذة على نحو التلبّسيّة الاتّحاديّة، وعلى نحو الاندكاكيّة والاتّحاديّة الناعتيّة. وهذه تكون على أنحاء، فإنّها تارةً صدوريّة، واُخرى وقوعيّة، وثالثةً حلوليّة، ورابعةً ظرفيّة، زمانيّة أو مكانيّة.
وإذا عرفت هذا: فالكلام يقع في أنّه أيّ معنىً من هذه المعاني هو الذي يكون أصلاً في الكلام؟ فهل هو المصدر أم اسم المصدر أم الفعل بأقسامه أم المشتقّات بأقسامها؟
والصحيح: أنّه ليس شيء من هذه الاُمور مطلقاً بأصل للاشتقاق، بل الأصل إنّما هو مادّة هذه الأشياء؛ لأنّ المادّة هي السارية في جميعها، وبما أنّها كذلك، فتكون قابلةً لأن تجعل أصلاً، حتّى أنّ اسم المصدر ـ الذي هو أبسط هذه الاُمور ـ ليس قابلاً لأن يكون أصلاً؛ إذ ليس له السريان الذي للمادّة، وإن كان هو موضوعاً لأصل الحدث؛ بل إنّ هذه الاُمور كلّها في عرض واحد، لإفادة كلّ منها معنىً خاصّاً من المعاني، وليس أحدها في طول الآخر، ولا متفرّعاً عن الآخر، بل كلّ واحد منها مناف للآخر، ويأبى عن الاجتماع معه.
وأنت خبير: بأنّ ما ينبغي أن يكون أصلاً إنّما هو المادّة السارية التي تكون (لا بشرط) والتي لا تأبى عن الاجتماع مع كلّ واحد من هذه الاُمور.
وبعبارة اُخرى: فإنّ عروض كلّ هيئة من هيئات الاشتقاق على مادّة من الموادّ اللّفظيّة الموضوعة يكون في عرض عروض الهيئات الاُخرى على تلك المادّة، وليس إحداها واقعاً في طول الاُخرى.
فلذلك، لا يمكن أن يفرض بعض هذه المشتقّات أصلاً والبقيّة متفرّعة عليه، كما وقع النزاع بين أهل العربيّة في أنّ أصل المشتقّات ومبدأها هل هو الاسم أو الفعل؟ وأتى كلّ واحد منهم بأدلّة على مبناه!!
نعم، باعتبارٍ ما، وبالعناية، يمكن أن يقال: بتقدّم بعض المشتقّات على بعض، كما ذكر بأنّ الحدث في اسم المصدر قد لوحظ بنفسه ومجرّداً عن النسبة، ولكنّه في المصدر لوحظ منتسباً بالنسبة الناقصة.
فيمكن أن يقال: بأنّ اسم المصدر هو الأصل، وأنّ المصدر مشتقّ منه؛ لأنّه دالّ عليه مع زيادة، أي: زيادة الخصوصيّة، وهي: الانتساب، ولا يعتبر في اشتقاق اللّفظ أكثر من كون اللّفظ المشتقّ مشتملاً على مادّة اللّفظ المشتقّ منه ودالاً على معناه مع زيادة خصوصيّة عليه.
فيكون مدلول اسم المصدر جزءاً من مدلول المصدر، والجزء مقدّم على الكلّ بالطبع.
وكذلك يمكن أن يقال: بأنّ المصدر متقدّم على الفعل، من جهة أنّ النسبة التي في المصدر هي النسبة الناقصة، وأمّا في الفعل فهي التامّة، والنسبة الناقصة كالجزء من التامّة، فتكون متقدّمةً عليها، فالمصدر هو الأصل.
ولكن، ومن جهة اُخرى، يمكن أن يقال بتقدّم الفعل؛ لأنّ النسبة الناقصة مندكّة في النسبة التامّة؛ ولكن بما أنّ انتزاع المشتقّ من الذات ـ أي: (الضارب) ـ لا يمكن إلّا بعد وقوع الحدث، إذ ما لم يقع الضرب في الخارج، لا يقال: (الضارب)، فالفعل بما أنّه هو الدالّ على وقوع الحدث فإنّه يكون متقدّماً بالطبع على الاسم المشتقّ، فيكون كالأصل بالنسبة إليه.
ولكنّ الحقّ ـ كما ذكرنا ـ: أنّ كلّ هذه المشتقّات، بما أنّ لكلّ منها صيغاً خاصّةً به ـ أي: مادّةً وهيئةً ـ فيكون كلّ منها في قبال الآخر، وفي عرض الآخر؛ إذ لا يمكن أن يفرض شيء منها (لا بشرط)؛ مع أنّ المادّة السارية في جميع المشتقّات لا بدّ أن تكون (لا بشرط) عن جميع الخصوصيّات الواردة عليها، كما هو الشأن في الموادّ الخارجيّة بالنسبة إلى الصور المختلفة التي تتلبّس بها، كالحديد أو الخشب ـ مثلاً ـ فإنّها (لا بشرط) بالنسبة إلى الأشياء التي تصنع منهما، كالسيف والسكّين والمفتاح والقفل، وأمثال ذلك في الحديد، وكالباب والسرير وغيرهما في الخشب. وتلك المذكورات كلّها ليست مأخوذةً (لا بشرط)، لا من حيث اللّفظ، ولا من حيث المعنى.
أمّا من حيث اللّفظ: فلأنّ لكلّ واحدة منها هيئةً خاصّةً غير هيئة الاُخرى.
وأمّا من حيث المعنى: فلأنّ اسم المصدر عبارة عن نفس ما يصدر من الفاعل أو نتيجته، والمصدر عبارة عن الفعل باعتبار صدوره، والموجود في الماضي هو النسبة التحقّقيّة الانقضائيّة، وفي المضارع هو النسبة التحققيّة التلبّسيّة أو الترقبيّة، وفي الأمر هو النسبة الطلبيّة، وفي المشتقّات النسبة التلبسيّة الاتّحاديّة.
فكلّ واحد من هذه الاُمور في عرض الآخر، ولا يمكن أن نجعله أصلاً، لأنّه ليس كالمادّة السارية التي تسري في جميع المشتقّات.

الأقوال في وضع المشتقّ
وإذا بلغنا في الكلام إلى هذا الحدّ، فنقول:
الأقوال في وضع المشتقّات كثيرة:
منها: التفصيل بين اسم الفاعل واسم المفعول، وأنّ البحث في الثاني لا يجري؛ لأنّ الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه.
ومنها: أنّ ما كان من قبيل الملكة والحرفة والصناعة وغيرهما يكون للأعمّ، بخلاف غيرها.
ومنها: التفصيل بين المتعدّي واللّازم، ففي الثاني، يكون للأعمّ، دون الأوّل.
ومنها: الفرق بين ما إذا طرأ ضدّ وجوديّ، فهو للمتلبّس، وإلّا، فللأعمّ.
والحقّ: أنّه موضوع لخصوص من تلبّس، والدليل على ذلك:

أدلّة القول بالوضع لخصوص المتلبّس
الدليل الأوّل:
التبادر، فإذا قلت: (زيد قائم)، فإنّه يتبادر منه تلبّس زيد بالقيام في زمان الحمل والإطلاق.
والدليل الثاني:
صحّة السلب عن المنقضي عنه مبدأ الاشتقاق.
وهذا غير مختصّ بلغة دون لغة، فمن كان عالماً ـ مثلاً ـ ثمّ زال عنه العلم يصحّ سلب العلم عنه حقيقةً، فلو كان المشتقّ موضوعاً للأعمّ من الانقضاء والتلبّس لم يصحّ هذا السلب كما لا يخفى.
وقد يستشكل على الأوّل: بأنّه إنّما يتمّ إذا كان التبادر مستنداً إلى حاقّ اللّفظ لا الإطلاق، وإحراز ذلك يحتاج إلى دليل.
وبعبارة اُخرى: فإنّ التبادر لا بدّ وأن يكون تبادراً عند العالمين بالأوضاع، فإنّ هذا هو الذي يكون علامةً على الحقيقة عند الجاهل بالوضع، ولكن بشرط إحراز أنّ التبادر كان من حاقّ اللّفظ دون القرائن أو الإطلاق، ولا سبيل إليه هنا.
وقد يستشكل على صحّة السلب: بأنّه إن اُريد بها: صحّة السلب على الإطلاق، فهو باطل ـ أي: صحّة سلب المشتقّ عن المنقضي على الإطلاق ـ بأن نقول: (زيد ليس بضارب في شيء من الأزمنة، حتّى في المنقضي عنه)، وعدم صحّة هذا القول واضح؛ لأنّ زيداً كان ضارباً أمس.
وأمّا إن اُريد صحّة السلب في الحال، كأن يقال: (زيد ليس بضارب الآن)، فهو وإن كان صحيحاً ـ إذ المفروض انقضاء المبدأ عنه وعدم اتّصافه فعلاً بالضرب ـ لكنّه غير مفيد؛ لأنّ علامة المجاز هي صحّة السلب المطلق لا المقيّد.
ولا يخفى: أنّ سلب الأخصّ لا يلزم منه سلب الأعمّ، فإنّ قولك: (كلّ إنسان حيوان) لا يعني: أنّ كلّ لاإنسان فهو ليس بحيوان، بل قد يكون حيواناً، كالفرس.
ثمّ إنّ السلب على أقسام:
فإنّه تارةً يكون القيد راجعاً إلى الموضوع، أي: (زيد المنقضي عنه المبدأ ليس بضارب). وتارةً يكون راجعاً إلى السلب، بمعنى: (زيد ليس في حال الانقضاء بضارب). واُخرى يكون قيداً للمسلوب ـ أي: المشتقّ ـ كقولك: (زيد ليس بضارب في حال الانقضاء).
فإذا كان القيد قيداً للموضوع صحّ أن يقال: بأنّه علامة على المجاز، بأن يقال: (زيد الذي انقضى عنه الضرب ليس بضارب مطلقاً حتّى الضارب أمس)، أي: هو ليس من مصاديقه، إذ لو كان من مصاديق (الضارب المطلق) لم يصحّ سلبه عنه بنحو الإطلاق، كما هو ظاهر؛ لأنّ نقيض الأخصّ ليس عين نقيض الأعمّ، ولأنّه ليس بضارب الآن، ولكن يمكن أن يقال: بأنّه من أفراد الضارب المطلق.
وكذا إذا كان قيداً للسلب، فإنّ صحّة السلب أيضاً تكون علامةً على المجاز، كأن يقال: يصحّ سلب الضارب مطلقاً عن زيد بلحاظ حال الانقضاء، كما لا يصحّ سلبه عنه بلحاظ حال التلبّس.
وأمّا إذا كان قيداً للمشتقّ والمسلوب، بأن يكون المسلوب ـ أي: الضارب ـ هو المقيّد بحال الانقضاء فصحّة السلب في هذا المورد لا تكون علامةً على المجاز، إذ يصدق أنّ زيداً ليس بضارب فعلاً، ولا يصدق: ليس بضارب مطلقاً حتّى بالضرب الذي مضى أمس، مع أنّه يصدق عليه الضارب بالأمس.
وبعبارة اُخرى: فلو كان قيداً للموضوع، وكان السلب على نحو الإطلاق، فيمكن أن يقال: بأنّ زيداً المنقضي عنه المبدأ في هذا الحال ليس بضارب مطلقاً، بلا فرق بين الضرب الفعليّ والمنقضي عنه، وليس الموضوع مقيّداً حتّى لا تكون صحّة السلب علامةً على المجاز.
والدليل الثالث:
برهان التضادّ، وهو أنّه لو قلنا: بأنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ، يلزم اجتماع الضدّين، وذلك لأنّ المبادئ في المشتقّات تكون متضادّةً، لتضادّ القيام والقعود والسواد والبياض، وبالتبع يكون بين هيئات المشتقّات تضادّ أيضاً ، وهذا التضادّ كاشف عن أنّ المشتقّ موضوع لخصوص من تلبّس؛ لأنّا لو قلنا: بأنّه موضوع للأعمّ، فلو كان (زيد) عادلاً وظهر الآن فسقه ـ مثلاً ـ فيصحّ أن يقال: (زيد عادل وفاسق)، أو كان قاعداً فقام فيصحّ في حال قيامه أن يقال: (هو قائم وقاعد).
قد يقال: بأنّ هذا التضادّ إنّما يتصوّر بين المبادئ فيما إذا كان المشتقّ بسيطاً، وأمّا إذا كان مركّباً فلا؛ لأنّه لو فرض بأنّ المراد من (القائم) هو الذات المتلبّسة بالقيام، فهناك جامع وهو الذات، فيمكن أن يلاحظ الواضع كيفيّة تلبّس الذات آناً ما بالوصف والعرض، فيضع للذّات المتلبّسة بالمبدأ آناً ما، فالقائم والقاعد موضوعان في نظره لذات تلبّس بالعلم أو القيام آناً ما، سواء بقي هذا الوصف له أم زال. إذاً: فيكون للقائم تقديران: تلبّسيّ وانقضائيّ، فيصحّ أن يقال: زيد قائم بالقيام الانقضائيّ وقاعد بالقعود التلبّسيّ.
وفيه: أنّه على خلاف الوجدان، وأنّ المتبادر في معنى كلّ من القاعد والقائم هو التضادّ، وادّعاء الخصم التبادر على خلاف هذا مخالف للوجدان.
ولكن لا يخفى: أنّه لو فرض أنّ المشتقّات تكون عاريةً عن الزمان، فوظيفة هيئة المشتقّات هي: إلصاق المبدأ بالذات وربطه بها من دون تصرّف في المبادئ والذوات.
إذاً: فالمبادئ باقية على ما عليها من التضادّ، فلا معنى للقول: بعدم التضادّ في المشتقّات وإن كان التضادّ في المبادئ موجوداً.
نعم، لو أخذ الزمان في مدلول الهيئة لكان للتوهّم المذكور مجال.
وممّا ذكرنا: ظهر أنّ التضادّ بين المشتقّات موجود، وذلك ينافي وضعها للأعمّ.
وأمّا ما أفاده المحقّق النائينيّ(): من أنّه بناءً على التركيب أيضاً فلابدّ أن يكون موضوعاً للمتلبّس لا الأعمّ؛ لأنّه لو كان المشتقّ مركّباً من المبدأ والنسبة ـ سواءً كانت ناقصةً تقييديّةً أم تامّةً خبريّة ـ فلا جامع في البين حتّى يبقى مجال للنّزاع في كونه موضوعاً للأعمّ أو الأخصّ ويقال بوضعه للمتلبّس لا المنقضي عنه؛ لعدم وجود موضوع في كلتا الحالتين، وذلك لأنّه لا جامع بين وجود نسبة المبدأ وعدمه، فلا محيص عن القول: بوضع المشتقّ للأخصّ.
ففيه: أنّ مراد من يقول بالتركيب هو: أن يكون المشتقّ مركّباً من الذات والمبدأ، لا النسبة والمبدأ، فظهر: أنّ هذا البرهان غير تامّ على القول بالتركيب، فالدليل ـ إذاً ـ منحصر في التبادر وصحّة السلب.
ثمّ إنّ الميرزا النائيني() بعد أن أذعن بأنّ بين المشتقّات تضادّاً وأنّها بسيطة ولم تؤخذ الذات في مفهومها، قال:
«إنّ مبنى التضادّ بين المشتقّات ينافي ما نقل عن أهل الميزان من عدم التضادّ بين القضيّتين العامّتين ﻛ (زيد قائم) و(زيد قاعد)، إلّا مع تقييد أحدهما بالدوام، كقوله: (زيد قائم دائماً) فإنّه ينافي: (زيد ليس بقائم)».
ثمّ أجاب عن هذا: بأنّ بين النظرين فرقاً، فالنظر الاُصوليّ إنّما يكون في ظواهر اللّفظ، ونظر المنطقيّ إنّما هو في الواقع، ولذا يلتزمون ـ لأجل حصول التنافي ـ بتقييد إحدى القضيّتين بالدوام؛ لأنّ نظرهم إلى الواقع. وأمّا الاُصوليّ، فبما أنّ نظره إلى ظاهر اللّفظ، فإنّ رفع التنافي عنده يكون بحسب اختلاف الزمان، فمعنى: (زيد قائم) هو: ثبوت القيام له في غير زمان عدم القيام ـ وهو القعود ـ بخلاف التقييد بالدوام، فإنّه فيه التنافي في نظرهم إذا كان الزمان واحداً.
ولكنّ ما ذكره غير تامّ؛ لأنّ الإخبار بأنّ (زيداً قائم وليس بقائم) مع كون الزمان واحداً يأتي فيه التنافي بنظر كليهما.

أدلّة القائلين بالأعمّ
وقد استدلّ القائلون بالأعمّ باُمور:
الأوّل: التبادر، أي: تبادر الأعمّ، لأنّه إذا قيل: (زيد ضارب)، ينسبق إلى الذهن المعنى العامّ الشامل للمتلبّس بالمبدأ والمنقضي عنه.
لكنّ ما ذكروه ـ مضافاً إلى ما مرّ من الإشكال على أصل التبادر ـ يتعارض مع القول: بأنّ المنسبق إلى الذهن هو خصوص من تلبّس بالمبدأ.
والثاني: عدم صحّة السلب في مثل: (المضروب) أو (المقتول) عمّا انقضى عنه المبدأ.
وفيه: أنّه تارةً يراد من (المضروب) و(المقتول) معناهما الحدثيّ، أي: تأثير الضرب والقتل فيهما حين وقوعهما. واُخرى: يراد منهما غير المعنى الحدثيّ، أي: غير معنى الاسم المصدريّ، بأن يراد من (المقتول) من اُزهقت روحه، الذي هو بمنزلة الملكة في البقاء، ويراد من (المضروب) الشخص الواقع عليه الضرب. فإن اُريد الأوّل: فلا ريب في صحّة السلب. وأمّا إذا كان بالمعنى الثاني ـ وهو الاسم المصدريّ ـ فإنّ المبدأ بهذا المعنى باق وهو لم ينقض أصلاً، فعدم صحّة السلب عنهما لأنّهما متلبّسان بالمبدأ فعلاً، فلا يلزم من إطلاقه عليهما حينئذ مجاز؛ لأنّهما ليسا من باب إطلاق المشتقّ عليهما بعد أن انقضى عنهما المبدأ.
ولذا قال في البدائع: «ولك أن توجه عدم صحّة السلب في موارده بأنّ المراد بالمبدأ أمر باق، ولو مجازاً، كما في الصناعات، فيخرج عن موارده حينئذ؛ لأنّ المنقضي إنّما هو المعنى الحدثيّ لا الملكة»().
ومن هنا ظهر ضعف ما قد يقال: من اختصاص المفعول بعدم صحّة السلب، دون الفاعل؛ وذلك لأنّ اسم المفعول مضايف لاسم الفاعل، فإن قيل باختصاص اسم المفعول بعدم صحّة السلب فلابدّ أن يكون هناك خصوصيّة فيه غير موجودة في اسم الفاعل، وتلك الخصوصيّة، إمّا أن تكون ملحوظة في المبدأ المشتقّ منه اسم المفعول، أو في هيئته، والوجدان قاضٍ بأنّ العرف لم يتصرّف في شيء من مادّة اسم المفعول وهيئته، فلم يبقَ في البين ما يوجب اختصاصه بعدم صحّة السلب دون اسم الفاعل.
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنّ كثرة استعمال المفعول في الأعمّ هو الذي أوجب توهّم عدم صحّة سلبه عنه، وإلّا فكيف يمكن أن يفرّق بين اسم الفاعل والمفعول بجريان صحّة السلب في الأوّل دون الثاني؟! مع ما نراه من عدم الفرق بينهما، وأنّهما متضائفان ومتكافئان في القوّة والفعل، ولم يختصّ الثاني بموضع خاصّ يخالف في وضعه وضع الأوّل.
والثالث: قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي ٱلظّالِمِينَ﴾()، وقوله: ﴿وَٱلسّارِقُ وَٱلسّارِقَةُ﴾()، وقوله: ﴿ٱلزّانِيَةُ وَٱلزّانِي﴾().
وقد استدلّ الإمام بالآية الاُولى على عدم لياقة من عبد صنماً أو وثناً لمنصب الولاية والخلافة، تعريضاً بمن قد عبد الصنم مدّةً مديدة، بقوله: «من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً»().
ولو كان المشتقّ موضوعاً لخصوص المتلبّس، لما صحّ الاستدلال بالآية قطعاً؛ لعدم اتّصافهم بهذا الوصف حين التصدّي للخلافة، كما قال الفخر الرازي: «الروافض احتجّوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر»()، أي: لأنّهم قد عبدوا الأوثان مدّةً مديدة.
ثمّ أجاب عن ذلك: بأنّ استدلالهم هذا إنّما يتمّ لو قلنا: بأنّ المشتقّ حقيقة في المنقضي لا في من تلبّس.
ثمّ أورد على نفسه: بأنّ التلبّس آناً ما بالظلم يمكن أن يكون كافياً لعدم لياقتهم للخلافة أبداً.
ولا يخفى: أنّ بعض أفراد الظلم آنيّ الوجود، ولا دوام له، كضرب اليتيم، وبعضها له دوام واستمرار، كالغصب والكفر.
ثمّ إنّ التمسّك بالآية إنّما يتمّ فيما لو قلنا: بأنّهم حينما تصدّوا للخلافة ما كانوا عابدين للأصنام، وإلّا، فلا يمكن للتمسّك بالآية في مورد البحث.
وأيضاً: إنّما يصحّ التمسّك ـ في مورد البحث ـ وإطلاق (الظّالم) عليهم بعد الانقضاء، لو كان صدق (الظّالم) عليهم على نحو الحقيقة، لا على نحو المجاز؛ لأنّه لا يصدق (الظّالم) عليهم حقيقةً بالفعل.
وأيضاً: إنّه إنّما يصحّ، لو فهم من ظاهر الآية صدق (الظّالم)، ولو حقيقةً، مع انقضاء المبدأ عنهم، لا من باطنها، وإلّا، فلا يمكن أيضاً إلزام الخصم، ولا يمكن أن نتمسّك بالآية على المراد.
وإذا عرفت هذا، فنقول: إنّ العناوين الواردة على الأشياء على ثلاثة أقسام:
الأوّل: أن يكون العنوان مشيراً إلى الأفراد من دون أن يكون دخيلاً في موضوع الحكم أصلاً، فلوحظ العنوان مشيراً إلى الموضوع ومعّرفاً له، فلحاظ المشار إليه حينئذ استقلاليّ، والمشير هو العنوان، كقولك: «أكرم من في الدار»، إذا كان المقصود ذواتهم، لا كونهم في الدار.
والثاني: أن يكون العنوان دخيلاً في الحكم، وإنّما أخذ في الموضوع بنحو يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً، بحيث يناط الحكم بصدق الموضوع وعدمه.
والثالث: أن يؤخذ على نحو يكون دخيلاً في الحكم حدوثاً لا بقاءً، بمعنى: أن يكون اتّصاف الذات به آناً ما كافياً في الحكم حدوثاً وبقاءً.
والظاهر: من جهة مناسبات الحكم والموضوع، هو ما استفاده الفخر الرازيّ، فإنّ عنوان (الظّلم) مأخوذ في المقام بالنحو الثالث، أي: بنحو يكفي فيه اتّصاف الذات بالوصف آناً ما في ثبوت الحكم حدوثاً وبقاءً؛ لأنّ من شأن الخلافة الدينية التي هي من أعظم المناصب الإلهيّة، بحيث يكون الاتّكاء على الوسادة النبويّة والتي هي رفيعة للغاية، ولا يمكن لأيّ شخص أن يتصدّى للخلافة عنه، فالمتصدّي لهذا المنصب القدسيّ لا بدّ وأن تكون له ذات قدسيّة، بحيث لم تدنّس بالأدناس الجاهليّة في جميع أطوارها وشؤونها.
فمن تدنّست ذاته، ولو في بعض أطواره، وفي بعض أيام حياته، فالمنصب الإلهيّ يكون أعلى وأرفع من أن تناله يده. فالمتصدّي للخلافة بحاجة إلى اللّياقة الذاتيّة، ولا بدّ أن يكون مثالاً أسمى وأعلى للمجتمع الإنسانيّ. هذا في نظر العقل.
وأمّا في نظر العرف فيكون كذلك أيضاً، فلذا من حدّ أو سرق، ولو تاب بعد ذلك، فإنّ العرف يراه غير قابل للتقمّص بهذا القميص الإلهيّ، ولذا اختار الله تبارك وتعالى نبيّه الكريم محمّداً، لأنّ وجوده كان أرقى من أن تصل إليه الأرجاس والأدناس، حتّى بالنسبة إلى أصغر أنواع الظّلم وأشكاله، حتّى عرف بالصادق الأمين، وقال فيه تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أنْفُسِكُمْ﴾().
وبما أنّ محطّ نظر الإمام هو أنّ من أراد اختيار هذا المنصب فلابدّ له من لياقة ذاتيّة ومن ألّا يتلبّس بالظّلم، ولو آناً ما، فاستدلّ بالآية الشريفة على عدم لياقة الثلاثة للتصدّي للخلافة، ولو في حال عدم تلبّسهم فعلاً بالظّلم والكفر.
فظهر من جميع ما ذكرنا: أنّ الآية لا تدلّ على أنّ المشتقّ للأعمّ ممّن انقضى عنه المبدأ، وإنّما تدلّ على ذلك لو أخذ المشتقّ بالمعنى الثاني، أي: إذا كان الحكم يدور مداره وجوداً وعدماً.

بقي الكلام في مسألتين
الاُولى: في ثمرة هذا البحث.
والثانية: في دخول هذه المسألة في المسائل الاُصوليّة.
أمّا الثمرة: فقد ذكروا لها عدّة مسائل في الفقه.
منها:
كراهة البول تحت الشجرة المثمرة، بقوله «وكره البول على شطّ نهر جار، وكره أن يحدث إنسان تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت»(). وغيرها من الروايات الدالّة على الكراهة.
قالوا: إنّه لو قلنا: بأنّ المشتقّ أعمّ ممّن انقضى عن التلبّس بالمبدأ وممّن تلبّس به، فإنّه يكره البول تحت الشجرة، ولو بعد اقتطاف الثمرة، بحيث لم يكن على الشجرة ثمرة. وأمّا لو قلنا: بأنّ المشتقّ مختصّ بمن تلبّس به، فلا يكون البول أو الحدث مكروهاً تحتها حينئذ.
ولكن يمكن أن يقال ـ كما ذكرنا ـ: إنّ بعض المبادئ قد اُخذت على نحو الملكة والاستعداد والشأنيّة، فيمكن أن يراد هنا ﺑ (الشجرة المثمرة) ما من شأنها أن تكون كذلك، أي: ما يكون من شأنها الإثمار، ولو لم تكن بالفعل كذلك.
وورد في بعض الروايات، كالمرويّ عن أبي جعفر الباقر: «إنّما نهى رسول الله أن يضرب أحد من المسلمين خلاءه تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت، لمكان الملائكة الموكّلين بها، قال: ولذلك يكون الشجرة والنخل اُنساً إذا كان فيه حمله، لأنّ الملائكة تحضره»().
وعن العلل لمحمّد بن عليّ بن إبراهيم القمّيّ قال: «أوّل حدّ من حدود الصلاة هو الاستنجاء ـ إلى أن قال ـ: ولا تحت شجر مثمر، لقول الصادق: ما من ثمرة ولا شجرة ولا غرسة إلّا ومعها ملك يسبّح الله ويقدّسه ويهلّله»().
وبالجملة: فتحمل الروايات الواردة في البول تحت الشجرة المثمرة على أشدّيّة الكراهة، فتكون الرواية خارجةً عن محلّ البحث.
ومنها:
مسألة الحيوان الجلّال، حيث قالوا: إنّ الحيوان المأكول اللّحم لو أصبح جلّالاً، فإذا زال عنه عنوان الجلل، فيتأتّى فيه البحث ويقع محلّاً للنزاع، فيقال ـ مثلاً ـ: هل بعد زوال الجلل عنه يقال له الآن: أنّه جلّال أم لا؟ فبناءً على القول بالأعمّ يصدق عليه عنوان (الجلّال)، وإلّا، فلا، فتكون هذه المسألة من ثمار مبحث المشتقّ، لولا النصّ بأنّه لا يصدق عليه (الجلّال) بعد زوال عنوان (الجلل).
وما قيل: من أنّه ورد الإجماع أيضاً على أنّه يصدق عليه (الجلّال).
ففيه: أوّلاً: أن هذا الإجماع ليس بحجّة؛ لأنّه محتمل المدركيّة، ولعلّ مدركهم كان النصّ الصحيح، والإجماع ـ كما هو معلوم ـ إنّما يكون حجّةً لو كان تعبّديّاً.
وثانياً: أنّ هذا ليس بثمرة للبحث، ومثالنا كمثال الماء المتغيّر في أنّ العلّة المحدثة للنّجاسة تكون هي بعينها علّةً مبقية، فنحكم بنجاسة الماء ولو بعد زوال التغيّر بنفسه.. وهكذا في مورد البحث، فنحكم بنجاسة الحيوان الجلاّل، ولو بعد زوال الجلل عنه، لولا النصّ ـ كما ذكرنا ـ.
وأمّا دخول هذه المسألة في المسائل الاُصوليّة: فقد يقال ـ كما عليه المحقّق العراقيّ() ـ: بخروجها عن المسائل الاُصوليّة؛ لأنّ ضابط المسألة الاُصوليّة هو: كلّ ما يجعل كبرى لقياس يستنتج منه بعد ضمّ الصغرى إليه الحكم الكلّيّ الإلهيّ، فخرجت هذه المسألة عن المسائل الاُصوليّة؛ لعدم شمول هذه الضابطة لها؛ حيث كانت في مقام بيان إحراز موضوع الحكم، لا الحكم، لا بنفسه ولا بكيفيّة تعلّقه بالموضوع.
ولكنّ الحقّ: أنّه لا فرق بين المشتقّ وبين مسألتي: المطلق والمقيّد، والعامّ والخاصّ، حيث قالوا بدخولهما في المسألة الاُصوليّة؛ إذ بعدما قمنا بتعميم الحكم المستنبط من المسائل الاُصوليّة ـ كما قيل: بأنّه ما يكون لذاته أو لكيفيّة تعلّقه بموضوعه ـ فلا يبقى فرق بين هذه المسألة وبين العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد، فإنّ العامّ كما يتصوّر فيه أن يكون في بيان كيفيّة تعلّق حكمه وتشريعه وأن يكون التعلّق على نحو العموم، والمطلق كما يتضمّن ثبوت الحكم فيه على نحو الاستمرار، غير مقيّد بحال دون حال، فكذلك مسألة المشتقّ، فإنّها تدلّ على ثبوت الحكم منوطاً ببقاء المبدأ إذا فرض أنّه قد وضع للأخصّ، أو مستمرّاً إذا فرض أنّه قد وضع للأعمّ، وهو دخيل في كيفيّة تعلّق الحكم بموضوعه، وتبيّن هذه الكيفيّة بأنّها هل تكون على نحو الأعمّ أو الأخصّ؟ وعليه: فكما أنّ مسألتي: المطلق والمقيّد، والعامّ والخاصّ، تكونان داخلتين في المسائل الاُصوليّة، فكذلك مسألة المشتقّ فإنّها تكون داخلة فيها أيضاً.

ما هو الأصل في المسألة؟
لا يخفى: أنّه لا أصل لفظيّ في هذه المسألة يمكن أن يرجع إليه لكي يحقّق كيفيّة وضع المشتقّ وأنّه للأعمّ والأخصّ، وكذا الاستصحاب، لا يمكن جريانه هنا، لما عرفت من أنّ كلّ واحد منهما، أعني: الأعمّيّة والخصوص، مسبوق بالعدم، فلا يمكن جريان الأصل فيهما عند الشكّ.
فلا بدّ من الرجوع فيه إلى الأصل العملي؛ لأنّ استصحاب عدم لحاظ الخصوصيّة معارض باستصحاب عدم لحاظ العموم، وبما أنّ اللّحاظين مسبوقان بالعدم، فلا يمكن جريان الأصل فيهما، بل يتعارضان ويتساقطان.
بل يمكن أن يقال: بعدم جريان الخصوصيّة، وذلك من جهة أنّ جريانها فيه منوط بما لو أدخلنا المسألة في المطلق والمقيّد، بعدما فرضنا أنّ أصل الجامع موجود وإنّما نشكّ في الزائد، وهي الخصوصيّة، فيجري الأصل.
وأمّا لو فرض أنّهما متباينان، ولو بحسب عالم اللّحاظ، ولم يكونا من قبيل الأقلّ والأكثر حتّى ينفى الزائد بالأصل، فأيضاً: إنّما يجري هذا الأصل ـ حتّى لو أدخلناهما في باب المطلق والمقيّد ـ إذا فرض أنّ التقابل بينهما هو من تقابل السلب والإيجاب.
وأمّا لو فرض أنّه من تقابل العدم والملكة، فلا يجري؛ لأنّ إثبات الوضع للأعمّ ببركة الأصل ـ حينئذٍ ـ لنفي الخصوصيّة تمسّك بالأصل المثبت.
وأمّا إذا اُريد من الأصل: الأصل العقلائيّ، فهو، وإن كان في ذاته حجّة، إلّا أنّ حجّيّته على نحو الإطلاق حتّى يثبت به الوضع محلّ للكلام.
إذ لم يثبت بناء العقلاء على اعتباره حتّى بالنسبة إلى إثبات الوضع.
وأمّا ترجيح الاشتراك المعنويّ على الحقيقة والمجاز، وإثبات أنّ الوضع يكون للأعمّ لأجل الغلبة ـ لأنّه إذا دار الأمر بين الحقيقة والمجاز والاشتراك المعنويّ ـ فالثاني يكون هو الاُولى، من باب الغلبة، فغير تامّ.
إذ الحقّ ما أفاده صاحب الكفاية():
أوّلاً: من منع الصغرى، وهي: ثبوت الغلبة في الثاني.
وثانياً: على فرض القبول بذلك، فنمنع الكبرى؛ لأنّ غاية ما توجبه الغلبة هو الظّنّ، وهو ليس بحجّة.
أمّا الأصل العملي الجاري في الحكم:
فتارةً: يتصوّر فيه ورود الحكم قبل زوال الصفة، واُخرى: بعد زوالها.
أمّا في الصورة الاُولى ـ كما إذا قال: «أكرم كلّ عالم»، ثمّ زال العلم عن الشخص المتّصف به : ـ فمقتضى الاستصحاب: بقاء وجوب الإكرام؛ لأنّه كان لنا قطع بهذا الوجوب قبل أن يزول العلم عنه، وبعد ارتفاع المبدأ عنه نشكّ في وجوب إكرامه، فنجري الاستصحاب؛ إذ على فرض أنّ المشتقّ موضوع للأعمّ، فالحكم باقٍ، وعلى فرض أنّه موضوع للأخصّ، فالحكم مرتفع، فنتيجته الشكّ في ارتفاع الحكم، والاستصحاب يحكم ببقائه.
وأمّا في الصورة الثانية ـ وهي: ما إذا ورد الحكم بعد زوال المبدأ ـ: فلا نحكم ببقائه؛ لأنّه لو فرض أنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ، فالحكم ثابت، وإكرامه واجب، وإن كان مختصّاً بالمتلبّس، فالحكم مرتفع، وهو غير واجب الإكرام.
فنلاحظ: أنّ الشكّ في معنى المشتقّ قد أوجب الشكّ في حدوث الحكم، ومعه: فتجري البراءة.
ولكن يمكن أن يقال:
بعدم جريان الأصل حتّى بالنسبة إلى الصورة الاُولى؛ لأنّ الموضوع عند الجريان لا بدّ أن يكون ثابتاً في كلتا الحالتين، فإنّ الشكّ في بقاء الحكم إنّما يجري من جهة إجمال المفهوم وعدم تحديده، وهو ما يسبّب الشكّ في بقاء الموضوع، وإحراز الموضوع في كلتا الحالتين شرط في جريان الاستصحاب.
ومعه: فيكون موردنا هنا من قبيل استصحاب الحكم بالنجاسة للماء المتغيّر؛ فإنّ هذا الاستصحاب لا يمكن جريانه فيه، لأنّ الموضوع قد تبدّل بذهاب وصف من أوصافه؛ لاحتمال دخل هذا الوصف في ترتّب الحكم، وإن كان يمكن أن نبحث هناك عن أنّ التغيّر ـ الذي هو علّة للنجاسة ـ هل هو علّة محدثة أو مبقية؟
وبهذا الاعتبار: يكون نفس الحكم مشكوكاً، ولا يمكن جريان الاستصحاب لإثباته؛ لاحتمال دخل التغيير في الموضوع.
وأمّا فيما نحن فيه: فإنّ المرجع في كلتا الصورتين هو البراءة، أو فقل: إنّ وصف العلم ممّا يدرك العرف كونه دخيلاً في الموضوع، بل أنّه هو الركن الأساسيّ وتمام الموضوع؛ لأنّ معنى: «أكرم العالم»: (أكرمه لعلمه). فبارتفاع الوصف يرتفع الموضوع، ولم يكن الموضوع في كلتا الحالتين موجوداً حتّى يجري الاستصحاب.

دروس البحث الخارج (الأصول)

دروس البحث الخارج (الفقه)

الإستفاءات

مكارم الاخلاق

س)جاء في بعض الروايات ان صلاة الليل (تبيض الوجه) ، و عند الأخذ بظاهر...


المزید...

صحة بعض الكتب والاحاديث

س)كيفية ثبوت صحة وصول ما ورد إلينا من كتب ومصنفات حيث أنه بعد الأسانيد...


المزید...

عصمة النبي وأهل بيته صلوات الله عليه وعلى آله

س)ما هي البراهين العقلية المحضة غير النقلية على النبوة الخاصة بخاتم المرسلين محمد صلى...


المزید...

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

س)شاب زنى بأخته بعد ان دفع لها مبلغ من المال وقام احد الاشخاص بتصويرهم...


المزید...

السحر ونحوه

س)ما رأي سماحتكم في اللجوء الى المشعوذين ومن يذّعون كشف المستور بالقران الكريم؟ وما...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية,...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية, و...


المزید...

العمل في الدوائر الرسمية

نحن مجموعة من المهندسين ومن الموظفين الحكوميين ، تقع على عاتقنا إدارة أوتنفيذ أوالاشراف...


المزید...

شبهات وردود

هل الاستعانة من الامام المعصوم (ع) جائز, مثلا يقال يا علي (ع) انصرني...


المزید...
0123456789
© 2017 www.wadhy.com

Please publish modules in offcanvas position.