الكلام في الطلب والإرادة

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الكلام في الطلب والإرادة


هل هما متّحدان ذاتاً ومفهوماً أم متّحدان ذاتاً دون المفهوم أم هناك تباين بينهما؟؟
اختار صاحب الكفاية القول باتّحاد الطلب والإرادة مفهوماً وإنشاءً وخارجاً، بمعنى: أنّ مفهوم الإرادة عين مفهوم الطلب، والإرادة الإنشائيّة عين الطلب الإنشائيّ، وواقع الإرادة عين واقع الطلب، ولا فرق بينهما ذاتاً ووضعاً، وإنّما الفرق بينهما لفظيّ لا أكثر؛ فإنّ لفظ «الطلب» ينصرف إلى الطلب الإنشائيّ، ولفظ «الإرادة» ينصرف إلى الإرادة الحقيقيّة، وقد نُسِب هذا الرأي إلى المعتزلة، فيما نسِبت دعوى تغايرهما إلى الأشاعرة.
وإليك نصّ كلامه:
«فاعلم أنّ الحقّ ـ كما عليه أهله، وفاقاً للمعتزلة، وخلافاً للأشاعرة ـ هو اتّحاد الطلب والإرادة، بمعنى: أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهومٍ واحد، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة الإنشائيّة، وبالجملة: هما متّحدان مفهوماً وإنشاءً وخارجاً»( ).
وقبل الدخول في البحث لابدّ من بيان مقدّمة، حاصلها:
أنّ الحمل على قسمين: (الأوّليّ الذاتيّ)، وهو أن يكون الاختلاف بين الموضوع والمحمول بالإجمال والتفصيل. و(الشايع الصناعيّ)، وهو ما كان الاتحّاد بينهما في الخارج والتغاير من حيث المفهوم.
وقد قسّم صاحب الكفاية الطلب إلى قسمين:
الأوّل: الطلب الحقيقيّ، وهو الذي يكون طلباً بالحمل الشائع، وهو ـ كما مرّ ـ الاتّحاد في الوجود والتغاير بالمفهوم.
والثاني: الطلب الإنشائيّ، وهو القائم بالنفس، أي: الشوق المؤكّد الحاصل للنّفس عقيب الداعي.
والطلب الذي هو معنى الأمر هو الطلب الحقيقيّ، لا الإنشائيّ، ولا تلازم بين الطلبين، فإذا أراد المولى امتحان عبده، ولم يكن في قرارة نفسه طالباً للماء حقيقةً، ومع ذلك طلبه منه؛ فإنّ هذا يصدق عليه الطلب الإنشائيّ، دون الطلب الواقعيّ الحقيقيّ.
ولكنّه، وبعد أن ذكر أنّ الطلب والإرادة متّحدان، استدرك قائلاً:
«ولو أبيت إلّا عن كونه موضوعاً للطلب، فلا أقلّ من كونه منصرفاً إلى الإنشائيّ منه عند إطلاقه، كما هو الحال في لفظ (الطلب) أيضاً، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائيّ»( ).
وحاصله: أنّه لو قلنا: بأنّ لفظ (الأمر) موضوع لجامع الطلب، لا لخصوص الطلب الإنشائيّ، ولكن مع ذلك، فإنّه يكون منصرفاً إلى خصوص الطلب الإنشائيّ، وهو سبب لظهور الأمر فيه.
ثمّ قال: «كما أنّ الأمر في لفظ (الإرادة) على عكس لفظ (الطلب)، والمنصرف عنها عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقيّة»، أي: التي تكون قائمةً بالنفس، فهذا الانصراف هو الذي يكون سبباً للاختلاف بينهما، وإلّا، فإنّ كلّاً من الطلب والإرادة يكون عين الآخر، فالطلب الحقيقيّ هو عين الإرادة الحقيقيّة، والإرادة الإنشائيّة هي عين الطلب الإنشائيّ.
ثمّ قال: «واختلافهما في ذلك [ـ أيضاً ـ: في الانصراف] ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة من المغايرة بين الطلب والإرادة».
وقد نسِب هذا الميل إلى المحقّق الخوانساريّ( ) وصاحب الحاشية.
فقال الأوّل: «إذا كان الطلب هو الإرادة، وكان المطلوب من الصيغة الموضوعة للطّلب إعلام المخاطب بحصول الإرادة في النفس، فيلزم أن يكون وضع الجمل الطلبية لغواً غير محتاجٍ إليه، وتكون مفهوماتها ممّا لا يتعلّق بتصوّرها غرض أصلاً، وهو باطل».
ولكن يمكن أن يقال: إنّ الجملة الخبريّة تكون كاشفةً عن الإرادة، فيترتّب عليها ما يترتّب على الإرادة الموجودة في النفس، وعلى أن تكون الصيغة كاشفةً عن الطلب الذي هو مغاير للإرادة، فلا يترتّب عليه ما يترتّب على إحراز إرادة المولى.
وقال الثاني: «إنّهم اختلفوا في كون الطلب المدلول للأمر نفس الإرادة أو غيرها، إلى أن يقول بعد كلامٍ طويل... فظهر بما قرّرنا: قوّة القول بمغايرة الطلب للإرادة»( ).
وأمّا الأقوال في المسألة عند المتكلّمين:
فقد ذهب الأشاعرة إلى القول بالتغاير، وعمدة ما ادّعوه في المقام هو: إثبات الكلام في النفس، أي: أنّ هناك صفةً اُخرى غير الإرادة قائمة في النفس، وأنّ النفس قد دلّت عليها، كما قيل( ):
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما جُعِل اللّسان على الفؤاد دليلاً
وهذه الصفة من صفات النفس، وهي غير الإرادة والعلم وسائر الصفات المشهورة من التمنّي والترجّي وغيرهما، وهي مدلول للكلام اللّفظيّ، وتسمّى ﺑ (الطلب).
وأمّا الإماميّة فيقولون: ليس هناك وراء الصفات المشهورة، من العلم والقدرة وغيرهما صفة اُخرى تكون قائمةً بالنفس، ويسمّى ﺑ (الطلب) حتّى تكون مدلولاً للكلام اللّفظيّ.
واستدلّ الأشاعرة على ما ادّعوه:
أوّلاً: بأنّ للمولى أوامر امتحانيّة، وهذه الأوامر لم تتعلّق بها الإرادة بالفعل، وإلّا، فإنّها تكون جدّيّةً، لا امتحانيّة، ونحن نرى: أنّ الطلب هنا موجود قطعاً، ولا يمكن إنكاره، بل إنّ إنكار الطلب هنا يكون مساوقاً لإنكار أصل الأمر، وهو خلف.
ولكن لا يخفى: أنّ الأوامر الامتحانيّة على قسمين، فإنّ المولى:
تارةً: يأمر العبد ويريد بامتحانه هذا صدور العمل وتحقّقه منه خارجاً لكي يستكشف قدرته على ذلك العمل، وليس إتيانه هذا لأجل ما فيه من المصلحة، بل يحاول المولى تحصيلها بنفس العمل الصادر من العبد، ففي مثله: فكما أنّ الطلب موجود فإنّ الإرادة أيضاً تكون موجودة.
واُخرى: يكون مقصود الآمر من الأمر امتحان العبد وأنّه مستعدّ للإطاعة أم لا؟ وقد يستكشف منه الاستعداد للإطاعة من خلال شروعه في بعض مقدّمات العمل، كما فعل إبراهيم، ففي مثل هذا المورد: ليس العمل منه مراداً، وليس هناك إرادة ولا طلب جدّيّ، بل الأمر الصادر ليس بأمرٍ حقيقيّ، وإنّما هو إنشاء للكلام بصورة الأمر، وهذا الأمر ـ حينئذٍ ـ كما أنّه يكون خالياً من الإرادة، فإنّه يكون خالياً من الطلب أيضاً.
وثانياً: أنّ الكفّار، بل ومطلق العصاة، مكلّفون بالفروع كما أنّهم مكلّفون بالاُصول، وهم يستحقّون العقاب على مخالفتها إجماعاً. وغير خفيٍّ: أنّه لا عقاب إلّا على مخالفة التكاليف الإلزاميّة الحقيقيّة، وأمّا عدم وجوب القضاء عليهم بعد إسلامهم فإنّما هو لدليلٍ خاصّ.
وإذا اتّضح ذلك: فإنّ أمر الكفّار بالإسلام والإيمان، والأوامر المتوجّهة إلى الكلّ ـ بالنسبة إلى الفروع والأحكام الشرعيّة ـ من الكفّار والعصاة لم تتعلّق بمتعلّقاتها إرادة من قبل المولى، وإلّا، يلزم تخلّف الإرادة عن المراد، وتخلّف إرادته تعالى عن المراد محال ـ كما هو ظاهر ـ، فإنّه جلّ وعلا إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له: كن، فيكون.
وإذا ثبت انتفاء إمكان إرادته عن المراد، فحينئذٍ: كيف يمكن توجّه التكاليف بالاُصول والفروع إلى الكفّار والعصاة؟! فلابدّ من القول بعدم تحقّق الطلب منه فيها، ولكن الطلب منه يكون موجوداً ـ لا محالة ـ وإلّا، لزم الخلف، وعليه: فيلزم تحقّق الطلب بلا إرادة، وهذا دليل على المغايرة بين الطلب والإرادة، وهو المطلوب.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ اﷲ تبارك وتعالى حينما يأمر الكفّار بالإيمان ـ مثلاًـ : فإمّا أن يكون هذا الأمر صوريّاً، فلا يكون هناك إرادة في البين أصلاً. وإمّا أن يكون جدّيّاً وتكون الإرادة موجودةً، فكيف حينئذٍ تتخلّف الإرادة عن المراد؟!
فإن قلنا: بأنّ هذه الأوامر صوريّة، فلماذا ـ إذاً ـ يعاقب الكفّار على تركها، مع أنّهم معاقبون بالفروع، كما عليه الإجماع؟!
وإن كانت جدّيّةً فكيف يمكن الالتزام بتخلّف الإرادة عن المراد مع أنّه تعالى قد أمرهم بذلك ولم يؤمنوا؟!
وأمّا لو بنينا على التغاير بين الإرادة والطلب، فلا يلزم شيء من المحذورين؛ لأنّ التكاليف الموجّهة للكفّار ـ حينئذٍ ـ تكون على نحو الحقيقة، وناشئةً عن طلبٍ حقيقيٍّ، غاية الأمر: أنّه ليس في البين من إرادةٍ حقيقيّة.
ويمكن أن يجاب عنه بعد بيان معنى الإرادة وأقسامها، فنقول:
لا يخفى: أنّ الإرادة في الأفعال الاختياريّة للعباد عبارة عن العلم الأنفع الذي هو منبعث عن الشوق المؤكّد، والمقدّمات للفعل الاختياريّ للعبد، عبارة عن: التصوّر والتصديق بالفائدة والإذعان، ثمّ يحصل له على أثر ذلك شوق مؤكّد وجزم وعزم على الفعل، فإذا عرف أنّ هذا الفعل أنفع له، تتحرّك عضلاته نحو الفعل، فيصدر الفعل منه. فآخر المقدّمات ـ إذاً ـ والتي تكون موجبةً لتحرّك العضلات إنّما هي الإرادة.
وأمّا الإرادة في أفعال اﷲ تعالى، فهي عبارة عن إيجاد الفعل مع العلم بالصلاح، وأمّا تلك المقدّمات التي كانت سبباً لصدور الفعل من العبد، فهي مستحيلة في حقّ الباري تعالى؛ إذ إنّ هذه المقدّمات هي العوارض والحالات المختلفة التي تعرض على الفاعل، ولا يمكن أن تكون ذاته جلّ وعلا محلّاً للعوارض والحوادث.
وقد اتّضح: أنّ إرادة اﷲ تعالى عبارة عن إيجاد الفعل مع العلم بالصلاح، وأنّ علمه بوجود المصلحة هو الذي يكون باعثاً له على إيجاد الفعل.
ثمّ إنّ الإرادة على قسمين: تكوينيّة وتشريعيّة.
وأيضاً: فإنّ الإرادة تنقسم بتقسيمات:
الأوّل: تقسيمها إلى إرادة فعليّةٍ واستقباليّة.
أمّا الإرادة الفعليّة: فهي ما تتعلّق بالشيء في الحال، كما إذا أراد ان يحرّك يده فعلاً أو أن يشتغل بالأكل والشرب كذلك.
وأمّا الإرادة الاستقباليّة، فهي التي تتعلّق بأمرٍ استقباليّ، كما إذا أراد الانسان الصوم غداً أو أن يسافر بعد يومين.
وفي الحقيقة، فإنّ عدّ هذا التقسيم تقسيماً للإرادة مجاز، وإنّما هو تقسيم للمراد.
والثاني: تقسيمها إلى الإرادة الحقيقيّة والإنشائيّة.
وهذا التقسيم مبنيّ على تخيّل الترادف بين الطلب والإرادة، أي: على تصوّر أنّ لمعناهما مصداقين: الأوّل: المصداق الحقيقيّ، وهي الصفة الموجودة في النفس، والثاني: المصداق الإنشائيّ، وهو الطلب الإنشائيّ والإرادة الإنشائيّة.
والثالث: تقسيمها إلى الإرادة الاستعماليّة والجدّيّة.
أمّا الاُولى: فهي أن يستعمل اللّفظ في معنىً من المعاني، ولكن يشكّ في أنّ المتكلّم هل أراد المعنى المستعمل فيه حقيقةً أم لا؟ فلو قال: (أكرم العلماء) فلفظ (العلماء) عامّ يستعمل في معناه الحقيقيّ، وهو شمول كلّ فردٍ فردٍ من العلماء، ولكن يشكّ في أنّ هذا الاستعمال هل هو مطابق لإرادته، حتّى تكون الإرادة جدّيّةً، أم لا، أي: أنّه هل اُريد مطلق العالم أم المقيّد بالإيمان والعدالة، ليخرج حينئذٍ الفاسق والكافر؟!
وعلى أيّ حالٍ: فالكلام في هذه الأقسام هنا في غير محلّه، بل إنّما هو في الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة.
فأمّا الإرادة التكوينيّة: فهي عبارة عن علمه تعالى بصلاح إيجاد الفعل في الاُمور التكوينيّة، أي: الأفعال التي هي من مختصّاته جلّ وعلا، كالخلق والرزق والإماتة والإحياء، وهذه الإرادة تتعلّق بذوات الماهيّات، وتفيض عليها الوجود، وهي غير قابلةٍ للتخلّف عن المراد.
وأمّا الإرادة التشريعيّة: فهي عبارة عن وجود المصلحة في إتيان العبد بالفعل الصادر منه باختياره لا بالإلجاء والاضطرار، أي: أنّ اﷲ تبارك وتعالى حينما يريد شيئاً من العباد، فهو يرسل إليهم الرسل، وينزل الكتب، ويجعل لهم قوانين وأحكاماً، وبما أنّ أوامره هي ـ على الأصحّ ـ تابعة للمصالح والمفاسد، والمصالح الموجودة في هذه الأحكام هي في أن يأتي العبد الشيء باختياره، لا جبراً ولا قهراً، ولذلك، فإنّ إرادة اﷲ تعالى عندما تعلّقت بهذه الأحكام فإنّما تعلّقت بإتيان العبد إيّاها على نحو الاختيار، لا جبراً.
وعليه: فالفرق بين الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة هو أنّ المصلحة في الإرادة التكوينيّة في إيجاد الفعل بما أنّه من أفعال اﷲ وخارج عن اختيار العبد، فالمصلحة إنّما هي في إيجاد هذه الأفعال في الخارج، ولذلك، فبمجرّد تعلّق الإرادة بالماهيّات توجد، دونما تأنٍّ ولا تخلّف.
وأمّا المصلحة في الإرادة التشريعيّة فهي في نفس فعل العبد، وقد تكون المصلحة في الأمر والنهي، ويكون الفعل من الأفعال الاختياريّة للعبد، وتكون المصلحة تكون في صدوره من العبد باختياره. الأمر الذي يعني: أنّ الإرادة ليست علّةً تامّةً لوجود الفعل في الخارج حتّى يمتنع التخلّف، وإنّما هي علّة تامّة لإحداث الداعي للعبد ليوجِد الفعل باختياره، فما دامت الإرادة قد تعلّقت بإتيان الفعل، ولكن بالاختيار، فلو لم يأتِ به العبد، فلا يكون هناك تخلّف للإرادة عن المراد، ووجود المتعلّق بدون اختيار العبد خلف. فالطلب والإرادة الحقيقيّان كلاهما موجودان في تكاليف الكفّار والعصاة، فلا تكون هذه الإرادة صوريّةً بل تكون حقيقيّة، وكذا الطلب؛ فإنّه يكون حقيقيّاً، ولا يلزم هناك تخلّف للإرادة عن المراد، بل يستحيل أن تتخلّف الإرادة الإلهيّة عن المراد بعدما تعلّقت بإتيان الفعل بإرادة العبد.
نعم، لو كانت الإرادة تكوينيّةً، فلو قلنا بكون التكليف جدّيّاً، للزم تخلّف الإرادة عن المراد في تكاليف الكفّار، فما ذكره الأشاعرة من المغايرة بين الطلب والإرادة في غير محلّه.
وأمّا ما ذكره بعض المحقّقين من المحشّين على الكفاية بما حاصله( ):
أنّ الإرادة التشريعيّة لا يمكن أن تتعلّق بفعل الغير إلّا إذا كان ذلك الفعل الذي يصدر من الغير ذا فائدةٍ عائدةٍ إلى المريد، وحيث إنّ فعل العبد ليس فيه فائده عائدة إلى اﷲ تعالى عن ذلك، فلا يمكن أن تتعلّق إرادته بفعل العبد. نعم، تتعلّق بإيصال النفع إلى العبد بتحريكه وبعثه نحو الفعل، وإيصال النفع إلى العباد وتحريكهم نحو الأفعال الحسنة والزجر عن السيّئات يكون من أفعال اﷲ تبارك وتعالى لا فعل العبد.
فهو منه عجيب: إذ إنّ أفعال اﷲ لا تعلّل، لأنّه يكون سبباً لنقصه لو قلنا بذلك، ولو كان فعله منوطاً بوصول الفائدة إليه، مع أنّه غير محتاجٍ حتّى تصل الفائدة إليه. فإنّ أوامره ـ كما هو الحقّ ـ تابعة للمصالح والمفاسد، وهذا قد يكون في نفس الأمر، وقد يكون في المتعلّق، وهذا الحكم والأمر يكونان تابعين للمصلحة حتّى من جهة السعة والضيق، والمصلحة تارةً تكون راجعةً إلى النوع، واُخرى إلى الشخص، فلا فرق بين أن يتعلّق الأمر بفعل الغير أو بإيصال النفع إليه.
فإن قلت: إنّ الأفعال التكوينيّة صادرة بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلّف عن المراد، فلا يصحّ أن يتعلّق بهذه الأفعال تكاليف، لكونها خارجةً عن الاختيار؛ لأنّه إذا تعلّقت إرادته بالإيمان أو بالكفر، فلا محيص عن اختيار أيٍّ منهما الذي تعلّقت إرادته به، فإذا كانت قد تعلّقت بالإيمان فلابدّ منه، أو بالكفر فلابدّ منه. أو يلزم عدم جواز تعلّق التكليف به لو كان تكوينيّاً، لصيرورته غير مقدورٍ للعبد، فبعد تعلّق إرادته تعالى الموجبة لضرورة وجود التكاليف أو ضرورة عدمها، فلا يبقى للعبد اختيار أصلاً كي يصحّ أن يوجّه التكليف إليه، فيكون العبد ـ والحالة هذه ـ مضطرّاً عليه.
قلتُ: لا يخفى: أنّ هذا الكلام شبهة في مقابل الوجدان والبديهة؛ فإنّ الإنسان العاقل يفرّق بين حركة يده حال الكتابة ويدرِك أنّه مختار، وأمّا إذا كان هناك تشنّج في العصب أو شلل ـ مثلاً ـ فلا يتمكّن من تحريك يده، فلو تحرّكت والحالة هذه، فإنّ حركتها ـ حينئذٍ ـ تكون حركةً بدون الاختيار، فهذا الوجدان الذي يعضده البرهان لا يمكن أن يقف أمامه أيّ دليل. وهل هناك دعائم أو أساس يمكن أن يستند إليها أكثر متانةً من الوجدان؟! فقيام الوجدان يكفي عن إقامة البرهان، ولكن مع ذلك، فلا بأس بالإشارة إلى الأقوال التي وردت هنا، وهي ثلاثة:
الأوّل: ما عن المجبّرة، من أنّ جميع الأفعال من اﷲ، وأنّ العبد ليس بمختارٍ في جميع ما يصدر منه، من الكفر والإيمان وغيرهما، فأفعال الجوارح أيضاً تكون كذلك، وليس العبد سوى مجرّد آلة، فاﷲ تبارك وتعالى يوجّهه بإرادته كيف يشاء.
ولكنّ جمعاً من الحكماء، وبعد أن رأوا أنّ هذا القول فاسد أيّما فساد، لأنّه بناءً عليه لا يصدق على العبد أبداً عنوان (المطيع) ولا عنوان (العاصي)، قالوا: بأنّ أصل الفعل يكون من اﷲ وعلى العبد الكسب، وقال آخرون منهم: إنّ العبد حينما يهمّ ويعزم على الإتيان بالفعل، فإنّ اﷲ تبارك وتعالى يوجده له.
والثاني: وهو يعارض القول السابق المفضي إلى الجبر؛ فعلى العكس منه، التزم أصحابه بكون العباد مستقلّين في أفعالهم وتصرّفاتهم، ورأوا أنّ كلّ ما يصدر منهم يكون بالاختيار، وأن ليس ﷲ تعالى أيّ دخلٍ في أفعال العباد. وهذه عقيدة المعتزلة، ونسِبت كذلك إلى الزيديّة. ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُواْ﴾( ).
والثالث ـ وهو الحقّ ـ: ما التزم به الإماميّة القائلين بالقول الوسط، وهو أنّه «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين»؛ فإنّ الأفعال، وإن كانت صادرةً من العبد باختياره وإرادته، ولكنّها تحتاج ـ مع ذلك ـ إلى حولٍ وقوّةٍ وإرادةٍ من اﷲ جلّ وعلا، بحيث لو توافقت عليه إرادة الحقّ صدر منه، وإلّا، فلا، بل إرادة اﷲ تكون تابعةً لإرادة العبد، أراد الكفر أم أراد الإيمان؛ لأنّه هو الذي أراد للعبد أن يفعل باختياره، وحال العبد يكون حال اليد الشلّاء التي لا قدرة لها على العمل إلّا إذا اتّصلت بها القوّة الكهربائيّة، فحينئذٍ: تعمل كلّ الأشياء باختياره ما دامت متّصلةً بالكهرباء، فما دامت هذه القوّة موجودةً، فإنّ العبد يفعل الأشياء باختياره وبإرادته جلّ وعلا، وما دامت هذه القوّة موجودةً تصبح يده كاليد العاديّة؛ فيفعل الأشياء باختياره.
أمّا المذهب الأوّل: فغير تامٍّ، لاُمورٍ:
الأمر الأوّل: كونه خلاف الوجدان والعقل؛ لأنّه يفرّق بين اليد المرتعشة والصحيحة، وبين سقوطه من السطح ونزوله باختياره، وليس كما قال الشاعر:
ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء
والثاني: لو كان العباد غير مختارين أصلاً، فلابدّ أن لا يكون هناك فرق بين أفعالهم، بل تكون كلّها على طرازٍ واحد، أي: غير اختياريّة.
والثالث: لو كانوا مجبورين، لكان إرسال الرسل وإنزال الكتب عبثاً، بل جعل التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والجنّة والنار كلّها يكون كذلك.
والرابع: لو كان كذلك، لكان اﷲ أظلم الظالمين ـ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ؛ إذ كان يعذّب العبد بالفعل الذي صدر منه، مع أنّه في الحقيقة صادر منه تعالى ومنسوب إليه.
والخامس: كيف يستحقّ العبد حينئذٍ الثواب على عملٍ لم يصدر منه أصلاً، أو أنّه صدر منه بلا اختيار؟!
والسادس: أنّ الآيات الشريفة تشير بالصراحة إلى أنّ أفعال العباد كلّها مستندة إليهم، كقوله تعالى: ﴿فَوَيـْلٌ لّلَِّــذِينَ يَكتْــُبُون الْـكِتَابَ بِأَيـْدِيهِمْ﴾( )، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأنفُسِهِمْ﴾( )، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ﴾( )، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾( ).
وكيف كان: فقد استدلّ الجبريّة باُمور:
الأمر الأوّل:
أنّ أفعال العباد من الاُمور الممكنة، وكلّ ممكنٍ فهو محتاج، وهذه العلل لابدّ أن تنتهي إلى علّةٍ تامّة، لأنّ الممكنات لا اقتدار ولا إرادة اختياريّة لها، لبطلان التسلسل والدور.
ولا بأس هنا بأن نتعرّض لشرح الدور والتسلسل وبيان بطلانهما.
أمّا تعريف الدور:
فهو أن يكون هناك شيئان يتوقّف وجود أحدهما على الآخر، ويكون وجود كلّ منهما سبباً لوجود الآخر. وهو على ثلاثة أقسامٍ: مصرّح ومضمر ومعيّ.
القسم الأوّل: وهو توقّف أحد الشيئين على الآخر بدون أيّ واسطةٍ بينهما، كتوقّف وجود الأب على الابن، وبالعكس، وتوقّف وجود الدجاجة على البيض، وبالعكس.
وبطلان هذا القسم بديهيّ؛ لأنّه يلزم منه تقدّم وجود الشيء على نفسه؛ إذ لو توقّف وجود الابن على وجود الأب، ووجود الأب على وجود الابن، كان وجود الأب متوقّفاً على وجود نفسه، ومعناه: أن يكون موجوداً قبل نفسه، فيلزم اجتماع النقيضين؛ لأنّه لابدّ ـ حينئذٍ ـ من أن يكون في حال وجوده معدوماً.
والقسم الثاني: الدور المضمر، وهو توقّف أحد الشيئين على الآخر، ولكن مع توسّط شيءٍ بينهما، مثلاً: إنّ الأب سبب لوجود الابن، والجدّ سبب لوجود الأب، ونفس الابن يكون سبباً لوجود الجدّ.
وهذا القسم من الدور باطل أيضاً؛ لأنّ التوقّف على الشيء الذي هو متوقّف على نفسه محال، حتّى ولو كان في البين وسائط كثيرة.
والقسم الثالث: الدور المعيّ، وهو ما إذا كان شيئان يتوقّف أحدهما على الآخر، ولكن يتوقّف كلاهما على شيءٍ ثالث، كأن يكون هناك حجران يتوقّف أحدهما على الآخر، ولكن كان كلاهما مستنداً إلى شيءٍ ثالث، وهو الأرض ـ مثلاً ـ.
وهذا القسم من الدور ليس بمحالٍ؛ لأنّ كليهما معلول لشيءٍ ثالثٍ، وهو الأرض.
وأمّا التسلسل:
فهو أن يتوقّف أحد الشيئين على الثاني، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، وهكذا... وهو باطل ومحال لأحد الدليلين المذكورين أدناه:
الدليل الأوّل:
أنّه لو كان هناك خطّان متوازيان ومتساويان، فلو قطعنا من طرف أحدهما ذراعاً، ثمّ قسنا أحدهما إلى الآخر، فلا يمكن أن يبقى هذان الخطّان متساويين، لأنّه قبل أن يقطع من أحدهما ذراع كانا كذلك، فبعد القطع، يكون أحدهما أقلّ من الآخر لا محالة، وإلّا، لزم التساوي بين الزائد والناقص، فلو كان أحدهما أنقص من الآخر فلا يمكن أن يكون غير متناهٍ؛ لأنّه لا يمكن أن يتصوّر بين الشيئين غير المتناهيين الزيادة والنقيصة. إذاً، فوجود غير المتناهي محال.
أو بتعبيرٍ آخر: هناك ـ باعتبار العقل ـ سلسلتان:
الاُولى: سلسلة المعلولات.
والثانية: سلسلة العلل.
لأنّ كلّ مرتبةٍ تكون علّةً للمرتبة النازلة ومعلولةً للمرتبة الفوقيّة، وبما أنّ السلسلة لا تنتهي إلى مرتبةٍ محدّدة، فهي تكون غير متناهية، ممّا يعني: أنّ العلل والمعلولات تصبح غير متناهيةٍ أيضاً.
ولكنّا مهما تصوّرنا طول هذه السلسلة، فيكون الجزء الأخير من هذه السلسلة معلولاً بلا علّة، فيكون عدد المعلولات غير المتناهية أكثر من العلل غير المتناهية، مع أنّه لا يمكن أن يتصوّر أنّ هناك شيئين غير متناهيين مع كون وجود أحدهما أنقص أو أكثر أو أزيد من الآخر؛ لأنّ لازمه: التساوي بين الناقص والزائد، وهو محال.
فلابدّ ـ إذاً ـ أن ننتهي إلى علّةٍ لا معلول لها حتّى يتساويا، ولو فرض انتهاء سلسلة المعلولات لانتهت سلسلة العلل أيضاً.
الدليل الثاني:
وهو وجه آخر لبطلان التسلسل يمكن أن يُشار إليه، حاصله: أنّ من البديهيّ أن تكون كافّة أفراد هذه السلسلة غير المتناهية الشاملة لجميع الممكنات، ممكنة الوجود، وكلّ ممكن الوجود يحتاج إلى مؤثّر، والمؤثّر بها لا يخلو من أقسام ثلاثة: فإمّا أن يكون نفس وجود السلسلة، أو جزأها، أو خارجاً عنها:
فلو كان نفس السلسلة، للزم أن يؤثّر الشيء في نفسه، أي: أن يعطي الشيء الوجود لنفسه، وهذا محال؛ لأنّه يلزم تقدّم الشيء على نفسه.
ولو كان جزءاً من السلسلة للزم تأثير الشيء في نفسه ـ أيضاً ـ؛ لأنّ جزء السلسلة من نفس السلسلة.
ولو كان شيئاً خارجاً عن السلسلة، فهذا لا يخلو من وجهين:
الوجه الأوّل: أن يكون ذلك الموجود الخارج عن السلسلة علّةً تامّة لآحاد هذه السلسلة، فيلزم ـ حينئذٍ ـ توارد العلّتين المستقلّتين على معلولٍ واحد، إذ المفروض أنّ تلك الآحاد التي أثّر فيها هذا الشيء الخارج قد أثّرت فيها عللها الكائنة في داخل السلسلة، وهذا محال.
وبعبارةٍ اُخرى: فإنّ كلّ جزءٍ من هذه السلسلة يكون معلولاً ـ بحسب الفرض ـ للجزء الذي قبله، فلو فرضنا كونه معلولاً للشيء الخارجيّ ـ أيضاً ـ للزم تأثير العلّتين المستقلّتين في المعلول الواحد،وهو محال؛ إذ في نفس الوقت الذي يُفرض فيه احتياج المعلول إلى العلّة الأُخرى، يكون غير محتاجٍ إليها، وليس إلّا اجتماعاً للنقيضين.
والوجه الثاني: أنّ الجزء الخارجيّ لابدّ وأن يفرض واجب الوجود في نفسه، وإلّا، فلو كان ممكناً لاحتاج إلى المؤثّر أيضاً، ولو كان واجباً، لكانت السلسلة متناهيةً، لانتهائها ـ حينئذٍ ـ إلى الواجب. وعليه: فالتسلسل باطل لا محالة.
وأمّا الجواب عن إشكال الجبريّة:
فبأنّنا لا نسلّم لزوم إيجاد الممكن بلا علّةً لو لم نقل بالجبر، كما لا يخرج عن تحت اختيار اﷲ وقدرته. بل هو ـ كمال القدرة ـ أنّ اﷲ تعالى يخلق مخلوقاً ويجعله مختاراً في أفعاله، ويهيّئ له الأسباب والمقدّمات، ويعطيه القدرة والإرادة، بحيث كلّما أراد أن يفعل شيئاً فعله، وكلّما أراد أن يتركه تركه، أي: جعله قادراً على الفعل والترك.
والأمر الثاني:
استدلّ الجبريّة ـ ثانياً ـ: بأنّ اﷲ تبارك وتعالى محيط بكلّ شيء، وكلّ شيءٍ قائم به، ولا يمكن أن يوجد شيء في الخارج بدون إرادته، فلو كان العبيد مختارين في أفعالهم، فيلزم خروج الأفعال عن حيطة قدرته وإرادته، وتصبح قدرته ـ حينئذٍ ـ محدودةً، مع أنّ صفاته جلّ وعلا غير متناهية.
وفي مقابل هؤلاء من يقول بأنّ اﷲ غير قادرٍ على فعل القبيح، وهم النظّام وأتباعه؛ لأنّه تعالى عادل مطلق، ولا يصدر من العادل الفعل القبيح.
والجواب عن مقولة النظّام ومن تبعه:
أنّ عدم فعله القبيح لا يدلّ على كونه غير قادرٍ عليه.
وقال بعض: إنّ اﷲ غير قادرٍ على أن يقوم بأفعالٍ كأفعال البشر، لأنّ الأفعال عبارة عن الحركة والسكون، والحركة والسكون يتوقّفان على الجسم، لأنّها أعراض، والعرض في وجوده محتاج إلى ما يكون به قوام وجوده، وبما أنّ اﷲ تعالى ليس بجسمٍ، فهو غير قادرٍ على الحركة والسكون.
والجواب: أنّه تعالى قادر على إيجاد الحركة والسكون في الأجسام، لا أنّه في نفسه يكون متحرّكاً، بل هو خالق الأجسام والعوارض، وأمّا ذاته سبحانه فمنزّهة عن عروض العوارض.
وأمّا الجواب عن الثاني، هو أنّ إرادة العبد أيضاً تحت قدرة اﷲ وإرادته، بمعنى: أنّه إذا أراد أن يفعل شيئاً فقدرته على الفعل متوقّفة على إعطاء القدرة له. وبعبارةٍ أُخرى: فهو محتاج في كل آنٍ إلى فيض الفيّاض، بحيث لولا هذا الفيض لا يكون لديه شيء، ولا يتمكّن من الإتيان بأيّ شيءٍ، وإرادته تابعة لإرادة اﷲ، حيث إنّ اﷲ تعالى ـ كما مرّ ـ أراد للعبد أن يأتي بالشيء باختياره.
والأمر الثالث:
أنّه لو أراد العبد الإتيان بفعلٍ، فهل يريد اﷲ تعالى وقوع هذا الفعل أم لا؟!
ففي صورة عدم إرادته: فلابدّ لهذا الفعل أن لا يقع؛ لأنّه لو وقع، لكانت إرادة العبد غالبةً على إرادة اﷲ، تعالى اﷲ عن ذلك. فلو أراد اﷲ إيجاد ذلك الفعل، فإنّ الفعل إمّا أن يقع بإرادة كليهما، وتكون إرادة كلٍّ منهما على نحو الاستقلال في التأثير، فيلزم منه توارد علّتين على معلولٍ واحد، وهو محال. ولو كان التأثير لإرادتهما معاً، لزم الشرك، وكان منافياً للتوحيد الأفعاليّ. ولو كان بإرادةٍ من العبد وحده، فلازمه: أن تكون إرادة العبد غالبةً على إرادة اﷲ عزّ وجلّ، وهو خلف، فلم يبقَ ـ إذاً ـ إلّا وجه واحد، وهو: إيجاد الفعل بإرادةٍ من اﷲ تعالى فقط، دون إرادة العبد، وهو المطلوب.
والجواب عنه: أنّ أفعال العباد، وإن عُلِّقت على إرادة اﷲ تعالى، ولكنّ ذلك ليس على نحو الجبر حتّى لا يكون للعبد أيّ اختيارٍ أصلاً، بل إنّ إرادة اﷲ تتعلّق بفعل العبد بشرط أن يأتي هو بالفعل باختياره، حتّى تتمّ في حقه نعمة الاختيار، فإذاً انّ الفعل ولو صدر من العبد باختياره ولكن يكون مستنداً إلى فعل اﷲ فلو لم تتعلّق مشيئة اﷲ بفعل العبد باختياره، لم يقدر العبد، ولم يتمكّن من الإتيان بالفعل أصلاً.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ المراد من إرادته تعالى هو علمه باشتمال فعل العبد ـ الصادر منه باختياره ـ على المصلحة، لا مع صدوره منه قهراً، ومن المعلوم: أنّ مثل هذه الإرادة لا توجِب الجبر، فالإرادة التي تنتهي إليها الممكنات غير موجبةٍ للجبر.
ويمكن لهذا أن يتّضح أكثر من خلال بيان أقسام الفاعل، فنقول:
لا يخفى: أنّ الفاعل ينقسم تارةً باعتبار ما منه الوجود، واُخرى: باعتبار ما به الوجود.
فبالاعتبار الأوّل: هو اﷲ تعالى؛ لأنّ معناه: أنّه مفيض للوجود ومعطٍ له، وذلك منحصر في واجب الوجود.
وبالاعتبار الثاني: هو المباشر للفعل الذي يفاض عليه، فيكون مجرياً للفيض، وهو الممكن، حيث يجري منه فيض الوجود إلى غيره.
وأيضاً: ينقسم الفاعل إلى أقسام:
الأوّل: الفاعل بالطبع، وهو الذي يصدر منه الفعل بلا إرادةٍ واختيار، وهو جاهل بفعله، ويخرج منه الفعل باقتضاء طبعه، كالحرارة من النار وكالجذب والإمساك للقوّة الهاضمة.
والثاني: الفاعل بالقسر، وهو الذي لا يكون عالماً بفعله، ويكون خروج الفعل منه على خلاف طبعه. ففي هذه الصورة: الفاعل في الحقيقة هو الغير، كخروج الرصاص من البندقيّة ـ مثلاً ـ، فإنّ نسبة الفاعليّة إلى البندقيّة مجاز، أو كتحريك يد الغير؛ فإنّ الفاعل في الحقيقة هو المباشِر، ويد المتحرّك إنّما هي محلّ للحركة، وليس هو المتحرّك حقيقةً، بل نسبة التحرّك إليه إنّما تصحّ على نحو المسامحة.
والثالث: الفاعل بالقصد والاختيار، وهو أن يكون الفعل قد صدر منه بالإرادة، ويكون عالماً بفعله.
والرابع: الفاعل بالجبر، وهو الذي له علم بالفعل، ولكن يصدر الفعل منه بدون إرادته واختياره، كإجبار الشخص على العمل بدون إرادته.
والخامس: الفاعل بالرضا، وهو الذي له علم بالفعل، وله الإرادة، وعلمه عين فعله وعين ذات الفاعل، كإنشاء الصور الخياليّة.
والسادس: الفاعل بالعناية، وهو الذي يكون عالماً بالفعل، وله الإرادة، ولكن يكون علمه سابقاً على الفعل، وزائداً على الذات، أي: ذات الفاعل، كما إذا وقع الإنسان عن الشجرة بمجرّد التوهّم.
والسابع: الفاعل بالتجلّي، وهو الذي له علم بالفعل وإرادة إليه، ويكون علمه سابقاً على الفعل، وعين ذات الفاعل، كاستعمال الإنسان لقواه النفسانيّة.
والثامن: الفاعل بالتسخير، وهو الفاعل المختار الذي جعله الفاعل بالطبع والقسر تحت اختياره.
وقد اختلفوا في أنّ أفعال اﷲ من أيّ قسمٍ من هذه الأقسام؟
فقال قسم من الحكماء: بأنّه فاعل بالتجلّي، وقال قسم آخر منهم: هو فاعل بالعناية. وقال العرفاء: بل هو فاعل بالرضا، وقال المتكلّمون: هو فاعل بالقصد والاختيار.
وتفصيل الكلام والإتيان بالأدلّة على صحّة واحدٍ من هذه الأقوال، يستدعي بسطاً في الشرح، وقد شرحناها بشكلٍ مفصّلٍ في محاضراتنا الفلسفيّة في النجف الأشرف.
والحقّ: أنّه تعالى فاعل بالقصد، لا بمعنى: أنّ له قصداً وعزماً وتصوّراً وتصديقاً، بل بمعنى: أنّ فعله صادر عن الحكمة والمصلحة، ولو لم يكن هناك مصلحة في إيجاد الشيء، فإنّ الإرادة لا تتعلّق به، وهو معنى القادر المختار.
وأمّا فعل العبد، فهو ـ أيضاً ـ يصدر منه باختياره، ولكن بعد وجود المقدّمات لذلك، فمعنى انتهاء إرادة العبد هو أنّ المراد به أنّه مجري فيض الوجود، وأنّ اﷲ تعالى هو مفيض الوجود، ولا يكون العبد مفيضاً؛ لأنّ الفاقد للشيء لا يكون معطياً أبداً، ولا يمكن أن يكون المحتاج للوجود مفيضاً له، ومع ذلك، فلا منافاة بين انتهاء إرادته إلى المولى، وكون فعله ـ بالرغم من ذلك ـ اختياريّاً أيضاً. نعم، لو كانت إرادة الباري تصل إلى حدّ ما به الوجود، لكان جبراً، فلو نسِب العمل حينئذٍ إلى العبد، فإنّما تكون النسبة مجازاً ويكون فعل العبد كالآلة.
إن قلت: إنّ الإرادة في نفس العبد تكون سبباً لإيجاد الشيء على نحو غير الاختيار.
قلت: هي ليست بعلّةٍ تامّةٍ حتّى تكون سبباً لسلب الاختيار، ولو قلنا بأنّها بمعنى الشوق المؤكّد؛ لأنّه مع ذلك، يبقى قادراً على الفعل والترك، ولا يصبح الفعل معه ضروريّ الوجود. نعم، يكون الشوق المؤكّد داعياً إلى اختيار الفعل ومرجّحاً له، والشاهد على ذلك: الوجدان، ونحن نرى: أنّه قد تتخلّف الإرادة عن المراد أحياناً، فيعلم من ذلك: أنّ الإرادة ليست بعلّةٍ تامّة.
وممّا استدلّوا به على الجبر ـ أيضاً ـ الآيات:
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤونَ إِلّاَ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾( ).
وقوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾( ).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً﴾( ).
وقوله: ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾( ).
ومعنى الآية الاُولى: ما تشاؤون الإسلام إلّا أن يشاء إجباركم وإلجاءكم إليه، ولكنّه لا يفعل ذلك لأنّه يريد أن تؤمنوا مختارين لتستحقّوا بذلك الثواب.
ومعنى الثانية: أنّ الذي هو قابل للعبادة هو الذي خلقكم من العدم إلى الوجود، وكذلك فهو الذي خلق اُصول ما تعملونه، بل جواهره كلّها مخلوقة وموجودة بقدرته.
ومعنى الثالثة: أنّ من لا يستحقّ الهداية ولا يرغب فيها، فإنّ اﷲ يخلّي بينه وبين نفسه، ويجعل قلبه كثير الضيق بالاُمور، فإذا أمر بالإيمان فكأنّما أُمِر بالصعود إلى السماء، أي: فكأنّما قد اُمِر بما لا يستطيعه ولا يقدر عليه.
ومعنى الرابعة: أنّه لو أراد الإلجاء إلى الإيمان والإجبار عليه لتمكّن من ذلك بمجرّد المشيئة، ولكنّه لا يريد الإيمان منكم إيماناً جبريّاً، واﷲ تعالى لا يحبّ الإيمان الجبريّ الذي لا يحسن الثواب عليه.
ومع أنّ معاني هذه الآيات على ما عرفت، ولكن ـ في الحقيقة ـ: فإنّ من الممكن جعلها ردّاً على المفوّضة القائلين بأنّ كلّ ما يصدر من العبد، فإنّما هو باختياره وعلى نحو الاستقلال، فالآيات تشير إلى أنّ مجرّد إرادة العبد غير كافيةٍ في التأثير، بل لابدّ أن تتعلّق بها إرادة الباري ومشيئته أيضاً.
مع أنّ هناك آياتٍ استدلّ بها المفوّضة لإثبات أنّ الأعمال كلّها من العبد، وأنّ إرادة العبد تكون في طول إرادة اﷲ، لا في عرضها حتّى يصبح الإنسان له شريكاً.
ومن الآيات التي يستفاد منها أنّ أفعال العباد مستندة إليهم:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾( ).
أي: إنّ اﷲ لا يغيّر ما بقومٍ من عافيةٍ أو نعمةٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم من الطاعة إلى المعصية أو بالعكس، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ذَلـِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نّعْمَةً أَنعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾( ).
وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾( )، أي: من يعمل قبيحاً أو مكروهاً أو يظلم نفسه باجتراح السيّئات وارتكاب المعاصي، فإنّه سيتعرّض للمجازاة من قبل اﷲ تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلــٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾( )، أي: بما كانوا يتعدّون على حدود اﷲ.
إذاً: فالعبد ليس مجبوراً في أعماله على الإطلاق، ولا هو مختار على الإطلاق، ويكون الفعل مستنداً إلى اﷲ وإلى العبد معاً، قال المحقّق السبزواريّ:
لكن كما الوجود منسوب لنا فالفعل فعل اﷲ وهو فعلنا ( ).
ويكفي في الدليل على بطلان قول المفوّضة ما ورد عن أبي عبد اﷲ الصادق قال: «سمعت أبي يحدّث عن أبيه أنّ رجلاً قام إلى أمير المؤمنين فقال له: يا أمير المؤمنين، بمَ عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم، لمّا أن هممت حال بيني وبين همّي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، فعلمت أنّ المدبّر غيري.. الخبر»( ).
ويقول الشاعر:
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
ومن هذا القبيل ـ أيضاً ـ: ما دلّت عليه بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿إِيـَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيـَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾( )، وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلـٰكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَــٰكِنَّ اللهَ رَمَىٰ﴾( )، وقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي﴾( )، وكذا كلمة الحوقلة، وهي: (لا حول ولا قوّة إلّا باﷲ)، أو تلك التي تقال في الصلاة، وهي: «بحول اﷲ وقوّته أقوم وأقعد»( ).
مع أنّ عقيدة المعتزلة تشكّل توهيناً في سلطنته جلّ وعلا، وتفضي إلى القول بالشركة في الخلقة وبأنّ الفيض مسلوب منه، تعالى اﷲ عن ذلك علوّاً كبيراً.
ثمّ إنّه خلاف الوجدان جدّاً؛ إذ في كثيرٍ من الموارد يرى الإنسان نفسه لا يوفّق لإتمام العمل الذي شرع فيه، على الرغم من أنّه يبذل أقصى جهده ويهيّئ له جميع الأسباب والوسائل والمقدّمات.
فالحقّ ـ إذاً ـ ما ذهبت إليه الإماميّة، وهو أنّه: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين.
ولكن مع ذلك، فقد استشكل البعض:
بأنّ الكفر والعصيان، وإن كانا يصدران من العبد باختياره، أي: أنّ إرادته هي التي تكون مؤثرةً في اختيار الكفر أو الإيمان، وليس ما يصدر منه صادراً بلا اختيار، وليس كيد المرتعش في كونه خارجاً عن الاختيار، إلّا أنّه ومع ذلك، فبما أنّ الإرادة المتعلّقة بهما ـ أعني: الكفر والعصيان ـ هي من الاُمور الممكنة، فلابدّ لها من أن تنتهي أخيراً إلى علّةٍ تامّةٍ، وهي إرادة الواجب جلّ وعلا، وهي عين ذاته، فإذا انتهت إلى إرادته جلّ وعلا، فهذا يعني: أنّها ليست اختياريّةً، وحينئذٍ: فيقبح أن يكلّف المكلّف بالإيمان، لكون هذا التكليف غير اختياريٍّ، ولا يصحّ أن يعاقب الكافر لأجل كفره وعصيانه، لرجوع عمله إلى ما لا يكون بالاختيار؛ فيبقى الإشكال على حاله.
وأجاب عنه صاحب الكفاية بقوله:
«العقاب إنّما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدّماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللّازمة لخصوص ذاتهما، فإنّ (السعيد سعيد في بطن اُمّه والشقيّ شقيّ في بطن اُمّه)، و(الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة)، كما في الخبر. والذاتيّ لا يعلّل، فانقطع سؤال أنّه: لِم جعل السعيد سعيداً والشقيّ شقيّاً؟ فإنّ السعيد سعيد بنفسه، والشقيّ شقيّ كذلك، وإنّما أوجدهما اﷲ تعالى»( ).
ولكنّ جوابه هذا لا يشفي الغليل؛ إذ هو ـ أيضاً ـ يستلزم الجبر، لأنّه لو كانت السعادة والشقاوة ذاتيّتين، وكان الكفر والإيمان من لوازمهما غير المنفكّين عنهما، لكانت النتيجة: لغويّة التكليف، وعدم صحّة عقاب الكفّار، وعدم حسن ثواب المؤمن، لعدم كون الفعل اختياريّاً لهما.
مع أنّنا نرى أنّ العقلاء يحسّنون مؤاخذة الموالي العرفيّين لعبيدهم في صورة مخالفة أوامرهم، ولا يقبلون الاعتذار بأنّ المخالفة كانت مستندةً إلى أمرٍ ذاتيٍّ، وهو الشقاوة ـ مثلاً ـ. وهذا أقوى دليلٍ على أنّ الفعل يصدر من العبد باختياره، و أنّ العصيان ليس من اللّوازم الذاتيّة القهريّة، مضافاً إلى ما ورد من الآيات والروايات الدالّة على بطلان الجبر.
ففي توحيد الصدوق، واحتجاج الطبرسيّ، عن أبي عبد اﷲ قال:
«إنّ اﷲ عزّ وجلّ خلق الخلق فعلم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه فقد جعل لهم السبيل إلى تركه... الخبر»( ).
وما رواه في الكافي عن هشام بن سالم عن أبي عبد اﷲ قال: «اﷲ أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون»( ).
وكذا ما في الكافي عن يونس عن عدّة عن أبي عبد اﷲ قال: «قال له رجل: جعِلت فداك أجبر اﷲ العباد على المعاصي؟ فقال: اﷲ أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها»( ).
وما رواه الوشّاء عن أبي الحسن الرضا قال:
«سألته وقلت: اﷲ فوّض الأمر إلى العباد؟ قال: اﷲ أعزّ من ذلك. قلت: فجبرهم على المعاصي؟ قال: اﷲ أعدل وأحكم من ذلك. ثمّ قال: قال اﷲ يا بن آدم، أنا اُولى بحسناتك منك وأنت اُولى بسيّئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك»( ).
فأولويّة اﷲ تعالى بالحسنة: أنّه تعالى أمره بها وأعطاه القوّة والتوفيق لها، وأولويّة العبد بالسيّئات؛ لأنّه تعالى نهاه عنها، وأوعده النار عليها، ووكّله إلى نفسه، وكان قد أعطاه القوّة لكي يصرفها في الحلال فصرفها في الحرام والسيّئات.
وعن أبي الحسن الرضا ـ أيضاً ـ أنّه قال ـ وقد ذكِر عنده الجبر والتفويض ـ:
«ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلّا كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: إنّ اﷲ عزّ وجلّ لم يطع بإكراهٍ، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اﷲ عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»( ).
والحاصل: أنّ العباد ليسوا مكرهين في أفعالهم؛ لأنّ العقاب على الفعل غير الاختياريّ قبيح عقلاً، فلو كان هناك آيات تدلّ بظاهرها على الجبر فلابدّ من تأويلها.
وورد في بعض الروايات: أنّ العبد إذا أذنب كانت نقطة سوداء على قلبه، فإن هو تاب وأقلع واستغفر، صفا قلبه منها، وإن هو لم يتب ولم يستغفر، كان الذنب على الذنب، والسواد على السواد، حتّى يغمر القلب بتمامه فيموت بكثرة غطاء الذنوب عليه، فلا يفلح.
والمراد منه: أنّ فلاحه بعد ذلك صعب، لا أنّه لا يفلح أبداً؛ لأنّ الخطاب موجود في تلك الحالة أيضاً.

الروايات الدالّة بظاهرها على الجبر:
ولا بأس هنا بالتعرّض لبعض الروايات التي تدلّ بظاهرها على الجبر:
الاُولى: رواية القضاء والقدر.
ولابدّ ـ أوّلاً ـ من بيان أنّه هل يجوز الخوض في الحديث عن مسألة القضاء والقدر أم لا؟!
قد يقال: بعدم الجواز، لما ورد من النهي عن الحديث فيه، فقد ورد أنّ رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين، فقال: «يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، فقال: بحر عميق فلا تلجه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال: طريق مظلم فلا تسلكه، قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال: سرّ اﷲ فلا تتكلّفه»( ).
وفي روايةٍ اُخرى عنه في القدر: «ألا إنّ القدر سرّ من سرّ اﷲ، وحرز من حرز اﷲ، مرفوع في حجاب اﷲ، مطويّ عن خلق اﷲ، مختوم بخاتم اﷲ، سابق في علم اﷲ، وضع اﷲ عن العباد علمه، ورفعه فوق شهاداتهم؛ لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربّانيّة، ولا بقدرة الصمدانيّة، ولا بعظمة النورانيّة، ولا بعزّة الوحدانيّة؛ لأنّه بحر زاخر موّاج، خالص ﷲ عزّ وجلّ، عمقه ما بين السماء والأرض، عرضه ما بين المشرق والمغرب أسود كاللّيل الدامس، كثير الحيّات والحيتان... الخبر»( ).
ولكن فيه:
أوّلاً: أنّ هذه الروايات ضعيفة من جهة السند.
وثانياً: على فرض التنزّل، فلعلّها نشأت من شبهات الجبريّة، كما كثيراً ما ينشأ من هنا. نعم، فمن لم يتمكّن من الغوص في هذا البحر العميق فهو غارق فيه ـ لا محالة ـ، ومن لم يتسلّح بالمعرفة ولم يهتدِ إلى الطريق المستقيم فالمسير في اللّيل المظلم بالنسبة إليه يكون سبباً لأن يشذّ عن الطريق، فنهيه عن الكلام في مسألة القضاء والقدر متوجّه إلى هولاء. وأمّا من كان متمكّناً من الجواب، وهو مسلّح بالمعرفة، فلا بأس عليه ولا إشكال في خوضه غمار هذا البحث؛ إذ لا يترتّب عليه من ذلك ضرر.

معنى القضاء والقدر:
فلندخل ـ إذاً ـ في صلب الموضوع ولنتكلّم في معنى القضاء والقدر، فنقول:
يأتي (القضاء) لمعانٍ متعدّدة:
الأوّل: أن يكون بمعنى الصنع، كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾( )، أي: صنعهنّ وأحكمهنّ وفرغ من خلقهنّ.
الثاني: أن يكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيـَّاهُ﴾( )، أي: أمر ربّك وألزم، أو أوجب، أو أوصى، على خلافٍ بين المفسّرين.
الثالث: أن يكون بمعنى الإعلام، كقوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾( )، أي: أعلمناهم وأخبرناهم.
الرابع: أن يكون بمعنى الحكم، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾( )، أي: يحكم أو يفصل.
قال الراغب في مفردات القرآن:
«القضاء فصل الأمر، قولاً كان ذلك أو فعلاً، وكلّ واحدٍ منهما على وجهين: إلهيٍّ وبشريّ. فمن القول الإلهيّ قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيـَّاهُ﴾، أي: أمر بذلك، وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْـكِتَاب﴾، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي: أعلمناهم وأوحينا إليهم وحياً جزماً... إلى أن يقول: ومن الفعل الإلهيّ قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونـــِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾... إلى أن يقول: ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا، فإنّ حكم الحاكم يكون بالقول. ومن الفعل البشريّ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾( )، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَـهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾( )»( ).
الخامس: أن يكون بمعنى الفعل، كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾( )، ونحوه قول الشاعر:
قضيت اُموراً ثمّ غادرت بعدها فوائح في أكمامها لم تفتق( )
السادس: أن تكون بمعنى الإتمام، نحو: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾( )، أي: أتمّ المدّة ووفّاه، أي: أتمّ ما كان له من الإيجار.
السابع: أن يكون بمعنى الإحكام، يقال: قضى فلان أمراً، أي: أحكمه.
الثامن: أن يكون بمعنى الإتيان، نحو: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ﴾( )، أي: أتيتم.
التاسع: أن يكون بمعنى الموت، من قضى عليه، أي: أماته.
ويتعلّق القضاء بأفعال اﷲ تعالى التي تجري في هذا العالم بالنسبة إلى المخلوقات، وهو على قسمين:
1) قضاء تكوينيّ.
2) وقضاء تشريعيّ. وكلّ منهما حتميّ وتعليقيّ.
أمّا القضاء التكوينيّ الحتميّ: فهو عبارة عن الأفعال التي فيها مصلحة، وهذا النوع من الأفعال ليس قابلاً للتغيير ويقع حتماً.
والقضاء التكوينيّ التعليقيّ: هو الذي يكون مشروطاً بشيءٍ، كطول العمر المشروط بصلة الرحم، ونقصان العمر المشروط بقطع الصلة.
وأمّا القضاء التشريعيّ الحتميّ: فهو عبارة عن الأوامر والنواهي الشرعيّة التي تكون المصلحة فيها دائميّةً.
والقضاء التشريعيّ التعليقيّ هو تلك الأوامر والنواهي التي تتغيّر بحسب الزمان وبحسب أحوال المكلّفين، وقد يعبّر عنه ﺑ (النسخ). وبما أنّ النسخ في التشريعيّات هو كالبداء في التكوينيّات فلابدّ ـ هنا ـ من التعرّض لبيان كلٍّ من النسخ والبداء.
ولا يخفى: أنّ الأحكام قد وضِعت على حسب المصالح والمفاسد، ومعلوم: أنّ مصالح العباد تختلف بحسب الأزمنة، فكلّ زمانٍ يقتضي نوعاً خاصّاً من الحكم يلائمه وينسجم معه؛ ولذا جعل جلّ وعلا دستوراً خاصّاً، وأرسل شخصاً معيّناً لإصلاح ذلك المجتمع، ولذا ـ أيضاً ـ تعدّدت الأنبياء واختلفت الأحكام، فالنسخ عبارة عن حذف أحكامٍ كانت تلائم العصر المتقدّم، لكونها لا تلائم العصر المتأخّر عنه ولا مقتضي لها في هذا العصر، وهكذا، كلّما وجِدت المصلحة لحكمٍ آخر تغيّر الحكم الأوّل وتبدّل، فليس النسخ من جهة الجهل بالواقع، وإنّما هو لتغيّر المصلحة وتبدّلها، ولذا، كان الحكم الكذائيّ ذا مصلحةٍ في زمان ولم يكن بذي مصلحةٍ في زمانٍ آخر، كأن تكون له مصلحة في الماضي دون الحاضر.
ثمّ إنّه ليس كلّ حكمٍ يكون صالحاً وقابلاً للنّسخ، بل الأحكام في ذلك على قسمين:
أ ـ قسم يستقلّ العقل بدرك ثبوت الحسنه وقبحه في كلّ زمان، كالعدل والظلم ووجوب المعرفة، وغير ذلك...
ب ـ وقسم يدرك العقل أنّ مصالحها تختلف بحسب اختلاف الأزمنة. والحاصل: أنّه كلّما وجِدت المصلحة فاﷲ يجعل حكماً على طبقها.
وأمّا البداء فإنّه يكون في الاُمور التكوينيّة.
وفي الخبر: «ما عُبِد اﷲ بشيءٍ مثل البداء»( )، وعن أبي عبد اﷲ: «ما عظِّم اﷲ بمثل البداء»( ).
وفي روايةٍ اُخرى: «لو علم الناس ما في القول في البداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه»( ).
والبداء في اللّغة: الظهور( )، وفي الاصطلاح: ظهور الشيء بعد أن لم يكن ظاهراً.
وهو في حقّ العبد قد ينشأ من عدم الإحاطة بالمصالح والمفاسد، ولذا فهم يجعلون قانوناً ثمّ بعد مدّةٍ يلتفتون إلى مفاسده فيغيّرونه.
وقد ينشأ هذا التغيير من الضعف وعدم القدرة على تهيئة الأسباب والمقدّمات، ولذا نراهم يبدأون بعملٍ ثمّ يتركونه لأجل الضعف وعدم القدرة على إيجاده أو من جهة تلوّن المزاج، أو غير ذلك، ولذا، فقد يتّخذ أحدهم لنفسه كلّ يومٍ شغلاً مغايراً.
وأمّا البداء بالنسبة إلى الباري تعالى، فهو بمعنى الإبداء والإظهار بعد أن لم يكن ظاهراً، ويكون التغيير طبقاً للمصالح وعلى حسب التغييرات الأخلاقيّة التي توجد في البشر، كما قال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾( ). وهو شبيه بالطبيب الذي يغيّر الدواء لمريضه حسب مراتب المرض، وليس البداء هنا موجباً للجهل والسفاهة ـ والعياذ باﷲ ـ؛ فإنّ اﷲ تعالى عالم منذ الأزل بجميع المقتضيات، وله القدرة على أن يجعل من أوّل الأمر بالنسبة إلى كلّ زمانٍ حكماً خاصّاً به.
فتحصّل: أنّ البداء بالنسبة إلى البشر هو بمعنى الظهور بعد الخفاء، وأمّا بالنسبة إلى اﷲ تعالى فهو الإظهار بعد الإخفاء، أي: إظهار ما كان مخفيّاً على المعصومين أو على الناس كافّةً.
وقد جاء في زيارة العسكريّين: «السلام عليكما يا من بدا ﷲ في شأنكما»( ).
والمراد منه: البداء بالنسبة إلى اﷲ تعالى، أي: الإظهار، كما قلنا. فإذا أظهر تعالى من أفعاله ما لم يكن بالحسبان والظنون، قيل: قد بدا ﷲ كذا وكذا. وعليه قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾( )، أي: ظهر لهم ما لم يكن بحسبانهم.
وقال الصادق:«ما بدا ﷲ بداء كما بدا له في إسماعيل ابني». يقول: ما ظهر ﷲ سبحانه أمر كما ظهر له في ابني اسماعيل؛ إذ اخترمه قبلي ليعلم الناس بذلك أنّه ليس بإمامٍ بعدي ـ كذا قرّره الصدوق ـ( )، وبه يكشف عن ما أظهره في موسى بن جعفر حيث أبقاه بعد أبيه وقبض أخاه قبله ليعلم أنّ الإمامة له دون أخيه.
وقد تقدّم ما ورد في زيارة العسكريّين «بدا ﷲ في شأنكما»، وذلك أنّ اﷲ تعالى قبض السيّد محمّد قبل أبيه ليعلم الناس أنّ الإمامة بعده لابنه الحسن، وأتى بالتثنية من باب التغليب.
وليس معناه: أنّ النصّ قد استقرّ في السيّد اسماعيل والسيّد محمد فقبضهما إليه وجعل الإمامة من بعدهما في موسى والحسن؛ فإنّ هذا مخالف لما ورد من أنّ «الأئمّة بعدي اثنا عشر»( ).
وأيضاً: فقد رُوِي عن الإمام العسكريّ: «يا بنيّ، أحدِث ﷲ شكراً فقد أحدث فيك أمراً»( ).
فلا يكون البداء من اﷲ تعالى تعقيباً لأمرٍ جديد، ولا استدراكاً لأمرٍ فائت، ولا انتقالاً من تدبير إلى تدبيرٍ، ولا لحدوث علمٍ بعد أن لم يكن؛ لأنّ كلّ ذلك ممتنع في شأنه جلّ وعلا.
ففي قضيّة إسماعيل ـ مثلاً ـ يمكن أن يتصوّر أنّ إسماعيل كان هو الولد الأكبر للإمام، وأنّه كان معروفاً بمكارم الأخلاق والأعمال الصالحة، ممّا جعل الشيعة يتخيّلون أنّه هو إمامهم بعد الصادق، وكانت إمامة الإمام الكاظم مخفيّةً عندهم ومجهولةً لديهم، فلمّا مات إسماعيل في حياة الإمام جعفر الصادق ظهر لهم أنّه لم يكن بإمام، ولو لم يرتحل قبل أبيه لكان له اللّياقة للإمامة، ولكن بما أنّ الإمام بعد الصادق لابدّ وأن يكون هو موسى الكاظم، فقد قدّر اﷲ أن يرتحل إسماعيل من الدنيا في حياة أبيه، وهذا يشبه قول الرسول «لو عاش إبراهيم لكان صدّيقاً نبيّاً»( )، فبما أنّ ختم النبوّة بالنبيّ، فقد ارتحل إبراهيم في حياته.
وينبغي أن يعلم هنا أنّ ﷲ تعالى لوحين:
الأوّل: اللّوح المحفوظ، ومكتوب فيه ما هو واقع إلى يوم القيامة، وعلمه مختصّ باﷲ تعالى.
والثاني: لوح المحو والإثبات، وفيه ما هو قابل للتغيّر والتبدّل، وعلمه ﷲ تعالى يوصله إلى أنبيائه.
قال أمير المؤمنين: «لولا آية في كتاب اﷲ لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: ﴿يَمْحُو للهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾( )»( ).
وأمّا القدر: فهو ما يقدّره اﷲ من القضاء.
والذي يظهر من الروايات: أنّ المراد من القضاء في أفعال العباد هو القضاء غير الحتميّ، والذي يوجب الجبر هو القضاء الحتميّ، فهناك ملازمة بين القضاء الحتميّ وبين ارتفاع الاختيار. وأمّا القضاء غير الحتميّ، فإنّ الاختيار فيه موجود، والتكليف كذلك.
وتسأل: هل القضاء والقدر قابلان للتغيير أم لا؟
والجواب: لا يخفى: أنّ الموجودات على قسمين: موجودات مجرّدة، وموجودات مادّيّة. فإذا عرفنا أنّ نظام هذا العالم يدور مدار العلّة والمعلول، وأنّ المعلول يكتسب ضرورة وجوده من علّته، وأنّ علم اﷲ وإرادته وقضاءه موجودة في كلّ شيء يوجبه من طريقٍ خاصّ، وأنّ هناك فرقاً بين الوجود المجرّد وبين الوجود المادّيّ، وأنّ المجرّدات مستندة إلى العلل البسيطة، وليس لها شرائط في الفاعليّة أو القابليّة. وبعبارة اُخرى: أن ليس فيها إلّا نوع خاصّ من الوجود، كالمجرّدات العلويّة، ولا تؤثّر فيها العلل المتعدّدة؛ فهنا ـ بالتحديد ـ يقع القضاء والقدر الحتميّ ولا يكون قابلاً للتغيير؛ لأنّ هذا المعلول فقط يكون مربوطاً بعددٍ من العلل التي تقع في سلسلةٍ واحدة، واستناد هذا المعلول في إيجاده إلى تلك العلل، ممّا يجعل من مآل إيجاده أمراً حتميّاً.
وأمّا الوجودات المادّيّة، فهي، علاوةً على استنادها إلى العلل البسيطة، تكون ـ مع ذلك ـ مستندةً إلى جملةٍ من الشرائط الإعداديّة والقابليّة، بحيث إذا تغيّرت تلك الشرائط وتبدّلت تغيّرت تلك الوجودات وتبدّلت بتبعها.
وبعبارةٍ اُخرى: بعد أن كان في هذه المادّيّات أشياء تتنقش وتتلوّن بنقوشٍ وألوانٍ مختلفة، فلا يتعيّن نوع خاصّ من القدر والقضاء، وعلّة خاصّة في تقدير وجوده، بل هناك تأثيرات مختلفة تكون في انتظاره، فلو أخذنا كلّ واحدٍ من هذه السلسلة، من المؤثّرات والعلل، فيمكن أن يفرض هناك مؤثّرات وعلل اُخرى بإمكانها أن تقع مكان تلك، فاحتمال التغيير والتبديل موجود.
أو فقل: إنّ القضاء والقدر تارةً يكونان غير معلّقين، وهي المعلولات المستندة إلى العلل التامّة، وتسمّى: بالقضاء والقدر الحتميّ. وتارةً تكون مشروطةً، كما في الموجودات المادّيّة، كما قلنا في القضاء والقدر التكوينيّ المعلّق، فيقال ـ مثلاً ـ : لو صدر على هذه النحو لكان كذا، ولو صدر على نحوٍ آخر لكان كذا.
ولك أن تقول: هناك فرق بين القضاء والقدر؛ فإنّ المعلولات كلّها تأتي من ناحية العلل، ونسبة وجودها إلى العلل تامّة، ضروريّة، وقطعيّة، وهذه العلل بالنسبة إلى معلولاتها توجِد الفعليّة والكمال لها، وإنّ كمال المعلولات المطلق مفاض إليها من ناحية العلل، والنقصان والتغيير والتقدير يأتي من ناحية الشرائط القابليّة والمادّيّة، فما هو قابل للتغيير هو قدر الأشياء، لا القضاء؛ إذ القضاء حتميّ، والقدر هو الذي يكون قابلاً للتغيير.
وورد في الخبر: «والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء»( )، وفي أحد معاني هذا الخبر: أنّه وسط بين القضاء الإمضاء.
وورد في الخبر أيضاً: «أنّ أمير المؤمنين مرّ يوماً من تحت حائطٍ مائل، فأسرع في المشي، فقيل له: أتفرّ يا أمير المؤمنين من قضاء اﷲ تعالى؟ فقال: نعم، أفرّ من قضاء اﷲ إلى قدره»( ).
وأمّا ما قاله المعتزلة: من أنّ العباد مستقلّون في أفعالهم، وأنّ كلّ ما يفعلونه من شيءٍ فهو تحت إرادتهم واختيارهم، وليس ﷲ دخل في ذلك.
فباطل بالوجدان؛ لأنّا نرى أنّ العبد في بعض الأشغال والأعمال يبذل غاية جهده، ويوفّر لها جميع الأسباب والوسائل، ولكنّه مع ذلك لا يوفّق في عمله، وقد تقدّم ما ورد عن أمير المؤمنين من أنّه عرف اﷲ تعالى بفسخ العزائم ونقض الهمم. كما أنّ قولهم هذا يخالف ما دلّت عليه الآيات: ﴿إِيـَّاكَ نَعْبُدُ وإِيـَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾( )، و﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلـٰكِنَّ اللهَ رَمَىٰ﴾( )، ويخالف ـ أيضاً ـ مضمون كلمة الحوقلة.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ القضاء في نظر الأشاعرة عبارة عن الإرادة الأزليّة، تعلّقت بوجود الأشياء في ظرفها، والقدر الإلهيّ عبارة عن إيجاد الأشياء بها على وجهٍ خاصّ وتقديرٍ معيّن. هذا.
وثمّة خلاف يُذكر هنا بين الأشاعرة والمعتزلة؛ فإنّ القضاء والقدر الإلهيّين بنظر الأشاعرة، عامّ يشمل كلّ شيء، وليس هناك شيء يكون خارجاً عن حيطته. وأمّا بنظر المعتزلة، فهو على العكس؛ فإنّ بعض الأشياء، وهي أفعال الإنسان الاختياريّة، خارجة عن حيطة القضاء والقدر الإلهيّين. فالأشاعرة يرون عموم القضاء والقدر، ويعتقدون بالقضاء والقدر على نحو الجبر.
وننقل هنا قصّةً لطيفةً وقعت بين القاضي عبد الجبّار المعتزلي وأبي إسحاق الاسفراييني الأشعريّ بمحضر من الوزير ابن عباد، ولمّا وقع نظر القاضي عبد الجبّار على ابي إسحاق قال: «سبحان من تنزّه عن الفحشاء»، فقال أبو إسحاق: «سبحان من لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء».
فكلام عبد الجبّار إشارة إلى أنّ عقيدة الأشعريّ بعموميّة القضاء والقدر سبب لانتساب الاُمور القبيحة إلى اﷲ، وهو جلّ وعلا منزّه عنها. وكلام أبي إسحاق يشير إلى أنّ اعتقاد المعتزليّ بعدم عمومية القضاء والقدر لازمها: أن يكون هناك أشياء تصدر على خلاف مشيئته، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
ولكنّ الحقّ: ما التزمه أصحاب المذهب الحقّ بقولهم: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»، ومعناه: أنّ الأفعال التي تصدر من الإنسان تصدر بالإرادة ومشيئة اﷲ، وليس الإنسان مجبوراً عليها، ولذا يترتّب على فعله الثواب والعقاب، وهما لا يترتّبان إلّا على الإتيان بأمرٍ اختياريّ، ولكنّ منشأ إرادته واختياره وقدرته هو ذات الباري سبحانه، فهو الذي أعطاه الإرادة والقدرة، وهو الذي بيّن له طريق الهداية والسعادة وطريق الضلال، وأخبره بأنّه مختار في اختيار أيٍّ منهما يشاء، ورتّب على أفعاله على الثواب والعقاب، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيـْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾( ).
فبناءً على هذا: فكلّ فعلٍ يصدر من العبد، فإنّما هو بالقوّة والإرادة التي أعطاها اﷲ جلّ وعلا للعبد، وتكون جميع الأسباب ومسبّباتها تحت اختياره، بعد أن أفاض إليه القدرة، فلذلك يمكن أن ينسب الفعل إلى اﷲ تعالى؛ حيث إنّ إرادة العبد واختياره وأسباب ومقدّمات فعله كلّها بإرادة اﷲ تعالى التي تعلّقت بإتيان العبد الفعل اختياراً.
ويمكن أن نضرب لهذا مثالاً واضحاً، فإذا أرسل السلطان حاكماً من قِبله، وأعطاه الاختيار التامّ في إصلاح وعمران ناحيةٍ من النواحي، وأعطاه كافّة الصلاحيّات، وأخبره بأنّه متى خالف فسيعاقب، فجميع ما يفعله هذا الحاكم، من الظلم أو العدل، يمكن أن ينسب إلى الحاكم، ويمكن أن ينسب إلى السلطان نفسه.
أمّا نسبته إلى السلطان؛ فلأنّه هو الذي أعطاه الاختيار، وهو الذي أبقى له على هذه الصلاحيّات، وكان بإمكانه سلب الاختيار عنه متّى ما أرد ذلك.
وأمّا نسبته إلى الحاكم؛ فلأنّ الأفعال صدرت منه باختياره، وله كامل الاختيار بأن يفعل الفعل المحبوب وغير المحبوب، وهو ليس مجبوراً في أفعاله، فلو خالف ما أمره السلطان فإنّه يعاقب عليه ويوبّخ، ولو لم يخالف فإنّه يجزى الجزاء الحسن، ويقع في محلّ استحسانٍ من السلطان.
تنبيه:
هل القضاء والقدر مترادفان أم لا؟
الظاهر: أنّهما ليسا بمترادفين، فقد يستعمل القضاء في موردٍ لا يستعمل فيه القدر، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾( )، إشارة إلى الإيجاد الإبداعيّ والفراغ منه، وإن أمكن استعماله في الحكم في موردٍ آخر، كما في قوله تعالى: ﴿واللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾( ). ويأتي القدر بمعنى التحديد، كما في في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾( )، أي: بحدٍّ محدود.
وقد جاء في الأخبار ذكر القدريّة، وهم المنسوبون إلى القدر، ويزعمون أنّ كلّ عبد هو خالق فعله، ولا يرون المعاصي والكفر بتقدير اﷲ ومشيئته، فنُسِبوا إلى القدر؛ لأنّه بدعتهم وضلالتهم.
وقيل: القدريّة هم المعتزلة( )؛ لإسناد أفعالهم إلى قدرتهم.
وفي الحديث: «لا يدخل الجنّة قدريّ»( )، وهو الذي يقول: لا يكون ما شاء اﷲ ويكون ما شاء إبليس.
فلننقل هنا بعض الروايات الواردة المفسّرة للقضاء والقدر بالنسبة إلى أفعال المكلّفين، وأنّهما من أيّ نوعٍ يكونان.

الرواية الاُولى:
ذكرها الصدوق مسنداً إلى الحسين بن عليٍّ ـ واللّفظ لعليّ بن أحمد بن محمّد ابن عمران الدقّاق ـ قال: «دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين، فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام، أبقضاءٍ من اﷲ وقدر؟ فقال له أمير المؤمنين: أجل يا شيخ، فواﷲ ما علوتم تلعةً ولا هبطتم بطن وادٍ إلّا بقضاءٍ من اﷲ وقدر. فقال الشيخ: عند اﷲ أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين. فقال: مه يا شيخ، فإنّ اﷲ قد عظّم اﷲ أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيءٍ من اُموركم مكرهين، ولا إليه مضطرّين، لعلّك تظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعيد والوعد، ولم يكن على مسيءٍ لائمة، ولا لمحسنٍ محمدة، ولكان المحسن اُولى باللّائمة من المذنب، والمذنب اُولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدريّة هذه الاُمة و مجوسها. يا شيخ: إنّ اﷲ عزّ وجلّ كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ﴿ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾»( ).

والرواية الثانية:
عن أبي عبد الصادق قال: «إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنّ اﷲ عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم اﷲ في حكمه، فهو كافر. ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا قد أوهن اﷲ في سلطانه، فهو كافر. ورجل يزعم أنّ اﷲ كلّف العباد ما يطيقون، ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، وإذا أحسن حمد اﷲ، وإذا أساء استغفر اﷲ، فهذا مسلم بالغ»( ).

والرواية الثالثة:
وقد مرّ ذكرها، وهي: ما عن أبي الحسن الرضا أنّه قال ـ وقد ذكِر عنده الجبر والتفويض ـ:
«ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلّا كسرتموه، قلنا: إن رأيت ذلك، فقال: إنّ اﷲ عزّ وجلّ لم يطع بإكراهٍ، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اﷲ عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وان ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»( ).
وقال اﷲ تعالى ـ في الحديث القدسيّ ـ: «يابن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنةٍ فمن اﷲ، وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك»( ).
وهنا بعض الشبهات التي قد يتصوّر بظاهرها أنّها موارد للجبر:
الاُولى:
أنّ ما يصدر من العبيد من الأفعال هل اﷲ تعالى عالم به أم لا؟ وهل هو يعلم أنّ الكافر يختار الكفر والفاسق يختار الفسق أم لا؟ فإذا كان يعلم بأنّ الكافر يختار الكفر، والفاسق يختار الفسق، فلِمَ خلقهما؟! وأيضاً: فلو كان الكافر أو الفاسق متمكّناً من ترك الكفر والفسق لتبدّل علم اﷲ بالجهل، وهو باطل. فهما ـ إذاً ـ مجبوران على الكفر والفسق...كما نُسِب ذلك إلى عمر الخيّام ومضمون شعره:

شربي الخمر معلوم ﷲ من الأزل وإن لم أشربه تبدّل علمه إلى جهل

والجواب عنها:
أنّ علمه تعالى ليس علّةً للكفر ولا للفسق، بل بما أنّ الكافر يختار الكفر والفسق فاﷲ يعلم به. وأمّا الحكمة في خلقهما، فهي أنّ اﷲ تعالى بما أنّه فيّاض مطلق، وفيضه يصل إلى العامّة، بل إلى مطلق الموجودات، يعطي منه للمؤمن وغير المؤمن، كأسباب الهداية التكوينيّة من أمثال العقل والجوارح والقدرة والاختيار، وكذا أسباب الهداية التشريعيّة كإرسال الرسول وبيان الأحكام والتكاليف، ولا فرق بين المؤمن والكافر في القدرة والاستفاده منها، ولكنّ المؤمن بحسن سريرته، يستفيد منها للوصول إلى الإيمان، والكافر والفاسق بسوء سريرتهما لا يستفيدان منها للوصول إلى الهداية، بل تكون كلّ هذه الأسباب مزالق لهما للهبوط إلى الهاوية.
والثانية:
يظهر من بعض الروايات: أنّ الشقاوة والسعادة ذاتيّتان للسعيد والشقيّ، «الشقيّ شقيّ في بطن اُمّه»( )، وقد ورد في بعض الروايات الأُخَر «أنّ الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة»( )، و«شيعتنا منّا خُلِقوا من فاضل طينتنا، وعُجِنوا بماء ولايتنا»( )، إلخ.. وقد أشار إلى بعض هذه الروايات صاحب الكفاية ( ).
وفيه:
أوّلاً: أنّ الرواية غير صحيحةٍ من جهة السند.
وثانياً: لو سُلِّم صحّتها وصدورها من المعصوم فهي ليست منافيةً للاختيار، وليس معناها أنّ كلّما يصدر من العبد من الخير والشرّ يكون بمقتضى طبيعته حتّى يصبح مجبوراً؛ لأنّه خلاف الوجدان، ولذا، لو فرِض أنّ طينة شخص من العلّيين وطينة الأخرس من سجّين، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّها تكون علّةً تامّة لحصول السعادة والشقاوة له، بل هما مقتضيات، والمعلول لا يوجد في الخارج إلّا مع وجود العلّة التامّة.
وثالثاً: حتى لو فُرِض أنّها مقتضيات، فيحتاج حصول السعادة أو الشقاوة إلى أسبابٍ أُخرى، مثلاً: السعادة بالنسبة إلى الشخص تحصل بوجود الأسباب، كالمعارف وتكميل النفس والأخلاق الفاضلة والطاعة وترك المعصية، كما أنّ اختيار الكفر ـ أيضاً ـ يحتاج إلى اُمورٍ عدّة: كاختيار العقائد الفاسدة والجريمة والطغيان حتّى يصبح كافراً.
قال المحقّق السبزواري في المنظومة:
إذ خمرت طينتنا بالملكة وتلك فينا حصلت بالحركة( )
أي: أنّه لو وجدت القابليّة لطينتنا، ولكن في مقام الفعليّة نحتاج إلى أفعال وعقائد وحركاتٍ اختياريّة.
وبعبارةٍ أُخرى: ـ وكما يقال: فكل أرضٍ كرويّة، ولكن ليس كلّ كرويٍّ أرضاً ـ فكل من أصبح سعيداً كانت له القابليّة من بطن اُمّه، لا أنّ كل من له قابليّة يصبح سعيداً. فالأطفال الذين يعيشون في بلاد الإسلام لهم القابليّة والاستعداد للسّعادة، والأسباب مهيّئة لهم أكثر من الأطفال الذي يعيشون في بلاد الكفر، ولكنّ هذا لا يكون سبباً لسلب الاختيار بالنسبة إليهم.
فإذا اختار من كانت أسباب السعادة مهيّئةً بالنسبة إليه الكفر، يكون مشمولاً لقوله تعالى في نساء النبيّ: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾( ).
أي: ليس قدركنّ كقدر غيركنّ من الصالحات، فأنتنّ أكرم عليّ وأنا بكم أرحم، وثوابكنّ أعظم لمكانكنّ من رسول اﷲ، وإنّ مقتضيات التقوى والإيمان فيكنّ أكثر...
فنقول: أمّا ما ورد من الأخبار من عدم دخول أولاد الزنا في الجنّة بواسطة بغضهم لأهل البيت أو أنّ أكل الوالدين للحرام وارتكابهما المعاصي يؤثّران في الأولاد.
وأمّا عدم دخول أولاد الزنا في الجنّة فإنّه محمول على الاقتضاء، لا العلّيّة التامّة، أي: أنّ مقتضيات الكفر والضلال وعدوانهم لأهل البيت أكثر، لا بمعنى: أنّ الاختيار قد سُلِب منهم، وأنّهم لا يتمكّنون من تحصيل الإيمان والعمل الصالح، بل إذا ولِدوا من الزنا فيكون هذا كالمقتضي للضلالة، لا العلّة التامّة.
وأمّا أكل الحرام بالنسبة إلى الوالدين، أو ارتكابهما للمعاصي، الذي يُؤثّر في أولادهما، فيكون ـ أيضاً ـ من باب المقتضي، لا العلّة التامّة.