الكلام في صيغة الأمر

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الكلام في صيغة الأمر


وقد ذكروا لها عدّة معانٍ:
منها: الطلب كقولك: اصنع كذا.
ومنها الإنذار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾( ).
ومنها: الإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْـكَرِيمُ﴾( ).
ومنها: التعجيز، كقوله تعالى: ﴿فَأْتــُواْ بِسُورَة ٍ﴾( ).
ومنها: التسخير، كقوله تعالى: ﴿كُونُواْ قِرَدَة ً خَاسِئِينَ﴾( ).
ومنها: الدعاء، كقوله تعالى: ﴿رَبّ ِ اغْفِرْ لِي﴾( ).
ومنها: التكوين، كقوله تعالى: ﴿كُن فَيَكوُنُ﴾( ).
وهل استعمال الصيغة في هذه الاُمور على نحو الاشتراك اللّفظيّ أو المعنويّ؟ أو أنّه في البعض على نحو الاشتراك اللّفظيّ وفي الآخر على نحو الاشتراك المعنويّ؟؟ وهل الاستعمال في الجميع على نحو الحقيقة أو أنّه في بعضها حقيقة وفي الآخر مجاز؟؟
لا يخفى: أنّه لا يمكن القول بأنّ الصيغة قد وُضِعت على نحو الاشتراك اللّفظيّ أو المعنويّ؛ لأنّه، وكما ذكرنا، فلكلٍّ من الماضي والمضارع والأمر مادّة وصورة، أمّا المادّة: فليست سوى الحدث، وأمّا الهيئة فهي تدلّ على نسبة المادّة إلى فاعلٍ ما.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ حال صيغة الأمر هو كحال صيغة المضارع والماضي، فكما أنّه لا يكون الزمان دخيلاً فيهما، فكذلك في صيغة الأمر، فهي أيضاً مركّبة من المادّة والهيئة، والمادّة فيها لا تدلّ إلّا على الحدث، والهيئة فيها ليس لها دلالة على ما سوى نسبة المادّة إلى فاعلٍ ما، ولكنّ هذه النسبة في الماضي غير المضارع والأمر، فهي في الماضي تدلّ على النسبة التحقيقيّة، وفي المضارع على النسبة التلبّسيّة أو الترقّبيّة، وفي الأمر على الإيقاعيّة.
وهنا، فإنّ الصيغة لم تُستعمل إلّا في الطلب فقط، وأمّا بقيّة المعاني فما هي إلّا من قبيل الدواعي؛ لأنّ الداعي إلى الطلب تارةً يكون هو النسبة الإيقاعيّة، واُخرى يكون غيرها، ولذا، فهو لا يكون قابلاً للإخبار بعدما عرفتَ من اقتضاء الصيغة للإنشاء، وبعد ما هو معلوم من المضادّة بين الإخبار والإنشاء، وأمّا بعض الماضي، فيصلح لأن يقع لكلٍّ من الإنشاء والإخبار.
قال صاحب الكفاية: «أنّه ربّما يذكَر للصيغة معانٍ قد استُعملت فيها، وقد عدّ منها: الترجّي والتمنّي والتهديد والإنذار والإهانة والاحتقار والتعجيز والتسخير، إلى غير ذلك... وهذا كما ترى، ضرورة أنّ الصيغة ما استُعملت في واحدٍ منها، بل لم يُستعمل إلّا في إنشاء الطلب، إلّا أنّ الداعي إلى ذلك كما يكون تارةً هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعيّ [وهو الذي ينصرف إليه اللّفظ عند الإطلاق]، يكون اُخرى أحد هذه الاُمور، كما لا يخفى. قصارى ما يمكن أن يدَّعى: أن تكون الصيغة موضوعةً لإنشاء الطلب فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك، لا بداعٍ آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقةً، وإنشاؤه بها تهديداً مجازاً، وهذا غير كونها مستَعمَلةً في التهديد وغيره»( ).
والحقّ: أنّ الدواعي لا يمكن أخذها في الموضوع له؛ لأنّها من شؤون الاستعمال ويكون متأخّراً عن الوضع، ولا يمكن أخذ المتأخّر في المتقدّم. فالمعنى فيها واحد، ولم تُستعمل الصيغة في واحدٍ من هذه المعاني المذكورة، فضلاً عن أن تكون موضوعاً لها.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ الصيغة بما أنّها مركّبة من المادّة والهيئة، فالهيئة موضوعة للنسبة الطلبيّة، وأمّا المادّة: فهي موضوعة للحدث الكذائيّ الشخصيّ، بلا فرقٍ بين أن يتهيّأ بهيئة الأمر أو الماضي أو المضارع.
ولهذه المادّة نسبتان: نسبة إلى الآمر، وتسمّى: بالنسبة الباعثيّة، ونسبة إلى المأمور به، وتسمّى: بالنسبة المبعوثيّة إلى إيجاد المادّة.
فقد تحصّل: أنّ هذه الاُمور من الدواعي، وأنّها خارجة عن الموضوع له والمستَعمل فيه، لعدم دلالة شيءٍ من المادّة ولا الهيئة على ذلك.
نعم، لا بأس بأنّ يستفاد من الصيغة أنّها ظاهرة في كونها بداعي البعث والتحريك، بحيث يُحمل اللّفظ عليه عند الإطلاق والتجرّد من القرينة، وهذا المقدار كافٍ لحملها على الطلب، ولو لم تكن موضوعةً له، ويمكن تبرير هذه الاستفادة من وجوه:
الوجه الأوّل: غلبة الاستعمال في ذلك، على أن تكون هذه الغلبة قد حصلت ولو بالنسبة إلى مجموع سائر الدواعي ـ وإن لم يمكن أن تُدّعى بالنسبة إلى أحدها خاصّةً ـ وقد صارت هذه الغلبة سبباً لظهور الصيغة في الإنشاء الجدّيّ والبعث والتحريك الحقيقيّ، ولو كانت امتحانيّةً، وإن كان صدق الطلب على الامتحانيّة ليس لمكان مطلوبيّة الفعل؛ لأنّ المفروض ـ عادةً ـ أنّ الفعل لا يكون فيه مصلحة، بل إنّما يُؤمَر به لأجل الامتحان ولنفس تحريك عضلات العبد نحو إيجاده، وإنّما يكون الفعل مطلوباً إذا كان فيه المصلحة؛ لأنّ الصحيح ـ كما أشرنا آنفاً ـ أنّ الأمر تابع للمصالح والمفاسد في متعلّقاته.
والوجه الثاني: أنّ الأصل العقلائيّ هو الذي يقتضي ذلك؛ فإنّ ديدن العقلاء في جميع محاوراتهم أن يحملوا الإنشاء على الجدّ؛ لأنّ سيرتهم في المحاورات جارية على موافقة الإرادة الاستعماليّة للإرادة الجدّيّة، كما هو واضح من باب الإقرار ـ مثلاً ـ .
والوجه الثالث: أنّ مقدّمات الحكمة تقتضي حمل الإنشاء على الإنشاء الحقيقيّ، وبنحو الجدّ؛ لاحتياج حملها على معانٍ غير جدّيّة إلى قرينة.
وممّا ذكرنا من أنّ الصيغة لم توضع لإحدى تلك المعاني، بل للصّيغة معنىً واحد، والمعاني بأجمعها خارجة عنها، يظهر:
أنّه لا معنى للقول بالانسلاخ لو استعمِلت في تلك المعاني، أي: الترجي والتمنّي والاستفهام وغيره في كلام اﷲ؛ لاستحالة إرادة تلك المعاني بالنسبة إليه تعالى؛ لأنّ استعمالها في تلك المعاني مستلزم للجهل والعجز المستحيلين في حقّه تبارك وتعالى؛ لأنّ المستحيل هو الإنشاء الحقيقيّ، لا الإيقاعيّ، فإذا استعمِلت في كلامه كذلك، فليس لإظهار ثبوتها حقيقةً، بل لأمرٍ آخر، كما نرى ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ﴾( )، فيكون الداعي هو التوبيخ، أو قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾( )، فيكون الداعي هو الإنكار، أو قوله: ﴿أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ﴾( )، فيكون الداعي هو التعجّب.
إذا عرفت ذلك تعلم: أنّه حينما قلنا بأنّ الصيغة موضوعة لمعنىً واحد، أي: الطلب الإنشائيّ، وأنّ الدواعي قد تختلف، فإنّه قد يكون واقعاً للطلب الحقيقيّ، وقد يكون للتهديد أو للاحتقار أو لغير ذلك من الاُمور.

هل صيغة الأمر حقيقة في الوجوب أو في الندب؟
الأقوال في المسألة ثمانية كما ذكروا:
الأوّل: كونها حقيقةً في الوجوب.
والثاني: كونها حقيقةً في الندب.
والثالث: الاشتراك اللّفظيّ بينهما.
والرابع: الاشتراك المعنويّ.
والخامس: القول بالاشتراك اللّفظيّ بين الوجوب والندب والإباحة.
والسادس: القول بالاشتراك اللّفظيّ بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد.
والسابع: الاشتراك المعنويّ بينها.
والثامن: التوقّف.
ولكنّ هذه الأقوال، وإن كانت كثيرةً، إلّا أنّ العمدة منها قولان:
أحدهما: كونها للوجوب، أي: للطلب الإلزاميّ، أو أنّها ظاهرة فيه؛ للانصراف.
والثاني: كونها حقيقةً في الجامع بينه وبين الندب ـ وهو بمعنى: الطلب غير الإلزاميّ ـ.
وقبل الدخول في البحث لابدّ من بيان اُمور:

الأمر الأوّل: في بيان معنى الوجوب والاستحباب:
لا يخفى: أنّ الأوامر الصادرة من المولى في الكتاب والسنّة على قسمين، أحدهما: ما يراد بها اللّزوم والحتم، بحيث لا يجوز للعبد مخالفته. والثاني: ما يراد بها البعث، ولكن بحيث يكون للعبد الخيار في تركها، بمعنى: أنّه يجوز له مخالفتها، ويُسمّى الأوّل ﺑ «الوجوب»، والثاني ﺑ «الندب».

والأمر الثاني: في بيان بساطة الوجوب والندب وتركيبهما:
قد يقال: إنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل مع المنع من الترك، والاستحباب مركّب من طلب الفعل مع الترخيص في الترك.
وقد يقال: الفرق بين الوجوب والاستحباب إنّما هو: شدّة الطلب في الأوّل، وعدم شدّته في الثاني.
والحقّ: ما ذهب إليه المحقّق النائيني من أنّها قد وُضِعت لمطلق الطلب، خلافاً لصاحب الكفاية الذي اختار وضعها للطلب الوجوبيّ( ).
كلام المحقّق النائيني:
ولا بأس هنا بأن نذكر ما سلكه المحقّق النائيني في تحقيق المسألة ـ مدّعياً عدم الوجه في البحث عن تشخيص الموضوع له، وأنّه هل الوجوب أو الندب أو الأعمّ منهما؛ لأنّ الطلب الوجوبيّ ليس سنخاً آخر غير الطلب الندبيّ، بل هما من سنخٍ واحدٍ وبمعنىً فارد؛ فإنّ الوجوب إنّما يستفاد من حكم العقل بلزوم إطاعة المولى، وعليه: فليس هناك نحوان من الطلب ثبوتاً كي يتَنازع في كون أيّهما هو الموضوع له ـ فقد جاء في تقريرات بحثه للاُستاذ الأعظم:
«أنّ المتقدّمين من الأصحاب ذهبوا إلى تركّب الوجوب والاستحباب من جنسٍ، وهو: طلب الفعل، وفصلٍ، وهو المنع من الترك أو الإذن فيه، وهذا القول رفضه المحقّقون من المتأخّرين، وذهبوا إلى أنّهما مرتبتان بسيطتان من الطلب، والمنع من الترك وعدمه من لوازم شدّة الطلب وضعفه، لا أنّهما مقوّمان لحقيقة الوجوب والاستحباب، بداهة عدم خطور المعنى المركّب عند استعمال الصيغة في الوجوب أو الاستحباب...»( ).
وما ذهب إليه المحقّق النائيني هو أنّ الطلب غير قابلٍ للشدّة والضعف، وأنّ المستَعمل فيه في كلتا الحالتين ـ سواء كان الفعل ضروريّ الوجود أو غير ضروريّ الوجود ـ ليس إلّا النسبة الإيقاعيّة، بمعنى: إيقاع المادّة على المخاطب من دون أن يكون هناك شدّة وضعف في المستعمل فيه، بل هو واحد في كلّ الحالات.
وأمّا الإرادة: فهي، وإن كانت في نفسها قابلةً للشّدّة والضعف، إلّا أنّ الإرادة فيما نحن فيه هي الشوق المؤكّد المستَتبع لتحريك العضلات، وغير ذلك لا يكون إرادةً، وهذا المعنى من الإرادة غير قابلٍ للشدّة والضعف.
قال: «فإنّ ما يُستعمل فيه الصيغة في موارد الوجوب والاستحباب ليس إلّا النسبة الإيقاعيّة، ولا شدّة ولا ضعف فيها، وأمّا الطلب القائم بالنفس في الأفعال التكوينيّة، فهو ـ أيضاً ـ كذلك؛ لأنّه ـ كما عرفتَ ـ عين الاختيار وتحريك النفس للعضلات، وهو في جميع الأفعال على حدٍّ سواء. وأمّا الإرادة، فهي، وإن كانت كانت قابلةً للشدّة والضعف في حدّ نفسها، إلّا أنّها ما لم تشتدّ بحيث يترتّب عليها تحريك النفس للعضلات لا تكون إرادةً، سواء كان المراد فعلاً من الأفعال الضروريّة أو غيرها».
إلى أن يقول: «إذا عرفتَ ذلك، فاعلم: أنّ الصيغة متى صدرت من المولى فالعقل يحكم بلزوم امتثاله باقتضاء العبوديّة والمولويّة، ولا يصحّ الاعتذار عن الترك بمجرّد احتمال كون المصلحة غير لزوميّةٍ، إلّا إذا كانت هناك قرينة متّصلة أو منفصلة على كونها غير لزوميّة».
فنقول ـ كما قال ـ: إنّ الصيغة لا تدلّ على معنىً مركّبٍ من طلب الشيء مع المنع من الترك، ولا يكون فيها المرتبة الشديدة ولا الضعيفة، بل وُضِعت لنفس الطلب ويفهم الوجوب أو الندب من الخارج، وهو الدليل العقليّ، أي: اقتضاء حقّ المولويّة والعبوديّة وتحتيمه على العبد أن يأتي بالفعل بمجرّد أن يأمره المولى، بحيث لا يجوز له الترك إلّا مع وجود قرينة على جوازه. والدليل على ذلك هو: حسن معاقبة المولى لعبده على مخالفته وأنّه لا يقبَل اعتذاره عنها: بأنّي تخيّلت أنّها قد اُريدَ منها الندب.
وإذا عرفت هذا فاعلم:
أنّه لو كانت هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة على تعيين أحدهما، فلا إشكال، وإن لم تكن، فالصيغة لا تدلّ بنفسها، لا على الوجوب ولا على الندب.
وهناك أقوال في المسألة:
الأوّل: أنّها موضوعة للوجوب ومجاز في غيره.
والثاني: أنّ الوجوب يُستفاد منها بالإطلاق؛ لأنّ غير الوجوب يحتاج إلى مؤونةٍ زائدةٍ، وذلك باعتبار أنّ الوجوب أمر بسيط.
والثالث: أنّ الوجوب يُستفاد منها بمقدّمات الحكمة.
والرابع: أنّها تدلّ على الوجوب بحكم العقل ـ كما هو الصحيح ـ بمقتضى قانون العبوديّة والمولويّة فيما إذا لم ينصب قرينةً على الترخيص فلابدّ من الإتيان بالفعل.
واختار صاحب الكفاية القول الأوّل، وهو أنّها موضوعة للوجوب ومجاز في غيره.
واستدلّ لذلك بالتبادر( )، ويمكن تقريبه: بأنّ المنسبق إلى الذهن عند إطلاقها عند التجرّد من القرينة ـ حاليّةً كانت أو مقاليّةً ـ هو الوجوب، وبما أنّ التبادر مستند إلى حاقّ اللّفظ، فتكون الصيغة موضوعةً للوجوب؛ إذ لو كانت حقيقةً في الندب وحده، أو على سبيل الاشتراك اللفظيّ أو المعنويّ بينهما، لم يتبادر الوجوب خاصّةً، كما لا يخفى.
وقد استشكل المحقّق العراقيّ في تقريرات بحثه في وضع الصيغة للوجوب؛ لعدم العلم باستناد التبادر إلى حاقّ اللّفظ ونشوئه عن الوضع( ).
ثمّ أيّد كلامه بعدم قبول اعتذار العبد لو خالف الأمر باحتمال أنّ المولى قد أراد المعنى الندبيّ، وصحّت مؤاخذة المولى له.
وإنّما جعل هذا الكلام مؤيِّداً ولم يجعله دليلاً؛ لاحتمال أنّ استفادة الوجوب إنّما كانت من جهة ظهور الصيغة في الوجوب، ولو لم تكن من جهة الدلالة الوضعيّة بل كان منشؤها الانصراف أو الإطلاق والتمسّك بمقدّمات الحكمة، وعليه: فهذا الاحتجاج لا يدلّ على الوضع، ولا يقتضي كونها موضوعةً للوجوب.
ثمّ أورد على ذلك: بكثرة استعمال الصيغة في الندب، وهي ـ أي: هذه الكثرة ـ تشكّل مانعاً من ظهورها في الوجوب، وتبادر ذلك منها، لوضوح أنّها لو لم تكن موجبةً لظهورها فيه، فلا شبهة في أنّها مانعة من انفهام الوجوب منها، فلا يمكن حملها عليه عند الإطلاق مجرّدةً عن القرينة.
ثمّ أجاب عن ذلك:
أوّلاً: بأنّ استعمالها في الندب ليس بأكثر من استعمالها في الوجوب لتكون كثرة الاستعمال فيه مانعاً من ظهورها في الوجوب.
وثانياً: بأنّ كثرة استعمال اللّفظ في المعنى المجازيّ مع القرينة لا تكون ـ أبداً ـ مانعاً عن حمله على المعنى الحقيقيّ عند إطلاقه مجرّداً عنها، وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ كثرة استعمال الصيغة في الندب مع القرينة لا يمكن أن تمنع من حملها على الوجوب إذا كانت خاليةً عنها.
ثمّ استشهد على ذلك: بكثرة استعمال العامّ في الخاصّ حتّى قيل: (ما من عامٍّ إلّا وقد خصّ)، ومع هذه الكثرة فلم ينثلم ظهور العامّ في العموم إذا ورد في الكتاب والسنّة ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخاصّ( ).
ويرد عليه:
أوّلاً: ما ذكرناه مراراً: من أنّ التبادر ليس علامة الحقيقة.
وثانياً: سلّمنا تحقّق التبادر، وأنّه علامة الحقيقة، إلّا أنّ ذلك فقط إذا كان منشؤه حاقّ اللّفظ، ولكنّ كونه هنا كذلك غير معلوم؛ إذ إنّ مجرّد انفهام المعنى من اللّفظ لا يكون علامةً على كون ذاك اللّفظ حقيقةً فيه، بل يبقى احتمال أن يكون التبادر ناشئاً من جهة الإطلاق أو مقدّمات الحكمة. فقد يقال هنا: إنّ منشأ الظهور في الوجوب إنّما هو مقدّمات الحكمة.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ الإرادة إذا تعلّقت بفعلٍ، فتارةً يكون ذلك على نحو اللّزوم، وتكون شديدةً وأكيدةً بحيث لا يريد المولى لإرادته أن تتخلّف عن مراده. وأُخرى تكون ضعيفةً، بحيث لا يكون تعلّقها به مانعاً عن التخلّف، بل هناك رخصة في الترك، ولا يكون العبد ملزَماً بالفعل، بل جعل إتيان الفعل وتركه باختياره، له فعله وله تركه:
فالأوّل: أي: إذا كان الطلب على سبيل الحتم واللّزوم، يعبّر عنه ﺑ(الوجوب)، والوجوب يكون مرآةً وكاشفاً عن الإرادة الشديدة.
والثاني: أي: إذا لم يكن الطلب على سبيل اللّزوم، يعَبَّر عنه ﺑ (الندب)، وهو يكون مرآةً ومثالاً موضوعيّاً للمرتبة الضعيفة.
وقد يقال هنا: إنّ شدّة الطلب ليست إلّا عين الطلب؛ لأنّ ما به الامتياز عين ما به الاشتراك، نظير: الوجود الواجبيّ، أو السواد والبياض الشديدين؛ حيث إنّ ما به الاشتراك فيهما هو عين ما به الامتياز، وعليه: فشدّة الإرادة هي عين الإرادة، وليست أمراً زائداً عليها حتّى تدفع بالأصل. وهذا بخلاف الاستحباب؛ فإنّه عبارة عن الطلب الضعيف ـ كما قيل ـ والضعف ليس إلّا عدم الشدّة، فيكون أمراً عدميّاً، وحينئذٍ: فما به الامتياز لا يعود من سنخ ما به الاشتراك، فيكون مركّباً، فيحتاج إلى مؤونةٍ زائدة، فيتمّ دفعها بالأصل.
وبالتالي: فإذا كان المولى في مقام البيان، ولم ينصب قرينةً على إرادة واحدٍ منهما بعينه، أو على إرادة الجامع، فقضيّة الإطلاق هو الوجوب؛ لاحتياج الاستحباب إلى أمرٍ زائدٍ، كما بيّنّا.
ولكنّ الحقّ: أنّ الإرادة لا يُتَصوّر فيها الشدّة أو الضعف؛ إذ هي ـ كما سبق ـ نفس الشوق المؤكّد المحرّك للعضلات، فحيث وصل الشوق إلى هذا الحد فهي الإرادة، وإلّا، فلا، سواء كان متعلّقهما لزوميّاً أو غير لزوميّ.
وقد يقال: بأنّ هذا إنّما يتمّ في الإرادة التكوينيّة، وأمّا التشريعيّة: فإنّما تكون تابعةً للمصلحة التي تنشأ منها، فإن كانت هذه المصلحة لزوميّةً، كانت الإرادة التي نشأت منها لزوميّةً أيضاً، وإن كانت غير لزوميّةٍ كانت الإرادة غير لزوميّة.
ولكنّ الاُستاذ الأعظم أجاب عن هذا:
بأنّ الإرادة، ولو كانت تشريعيّةً، ولكن لا يُعقَل أن تختلف شدّةً وضعفاً.
ثمّ قال: «لو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ مردّ اختلاف الوجوب والندب إلى اختلاف الإرادة شدّة وضعفاً، إلّا أنّ دعوى كون الإرادة الشديدة لا تزيد على الإرادة بشيءٍ، فهي إرادة صرفة دون الإرادة الضعيفة؛ فإنّها لمكان ضعفها زائدة على الإرادة وهي صفة ضعفها؛ فإنّها حدّ عدميّ، خاطئة جدّاً. وذلك لأنّ الإرادة بشتّى ألوانها وأشكالها محدودة بحدٍّ، من دون فرقٍ في ذلك بين الإرادة الشديدة والضعيفة، كيف؟! فإنّهما مرتبتان متضادّتان من الإرادة. وعليه: فبطبيعة الحال يكون لكلٍّ منهما حدّ خاصّ. وإن شئتَ فقل: إنّ الإرادة التي هي واقع الوجوب وروحه من الاُمور الممكنة، ومن البديهيّ: أنّ كلّ ممكنٍ محدود بحدٍّ خاصّ، غاية الأمر: يزيد الوجوب على الندب بشدّة الإرادة»( ).
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ الطلب، من أيّة مقولةٍ كان، أي: سواء كان من مقولة الكيف النفسانيّ، أو من فعل النفس، فإنّه يكون محدوداً، فكما أنّه يُطلَق على القليل والكثير، ومع هذا يكون محدوداً، فكذلك في المقام. ولا يمكن قياسه على الوجود الواجبيّ؛ فإنّه بسيط من جميع الجهات، وهو نفس الوجود، وهذا بجميع أقسامه ليس بمركّبٍ، ولا حدّ له، أي أنّه لا يكون مركّباً من الأجزاء الخارجيّة، ولا من الأجزاء العقليّة من الجنس والفصل، ولا من الأجزاء الوهميّة من المادّة والصورة، ولا من الأجزاء المقداريّة.
وقد تحصّل بذلك: أنّ جميع ما عدا واجب الوجود، يكون مركّباً محدوداً، ولو من الماهيّة والوجود، فالقول بعدم تركّب الطلب بكلا قسميه باطل.
وظهر من جميع ما ذكرنا: أنّ صيغة (افعل) موضوعة للطلب فقط، وليست موضوعةً، لا للوجوب، ولا للندب.
ومن هنا ظهر فساد ما ذكره بعض المحقّقين المعاصرين بقوله:
«وإذا ثبت الاختلاف ثبوتاً من حيث المبدأ والمنتهى، أمكن دعوى رجوع اختلاف الوجوب والاستحباب إلى الاختلاف في المدلول اللّفظيّ، بأن يقال: إنّ الوجوب هو الطلب الناشئ عن الإرادة الحتميّة الأكيدة، والاستحباب هو الطلب الناشئ عن الإرادة غير الحتميّة».
إلى أن يقول: «وبالجملة: يمكن دعوى اختلاف الوجوب والاستحباب وضعاً، وأنّ الصيغة التي يراد بها الوجوب تُستَعمل في غير ما تُستَعمل فيه لو أُريدَ الندب»( ).
وجه الفساد: أنّ للصّيغة مادّةً وهيئةً، فالمادّة تدلّ على الحدث، والهيئة على مطلَق الطلب، فأيّ شيءٍ هو الذي يدلّ على الشدّة والضعف حتّى يتصوّر كونه مركّباً؟!
وأيضاً: قد ظهر: أنّ استعمال الصيغة في الوجوب والندب إنّما يكون بنحوٍ واحدٍ وعلى طرزٍ واحد.
فإن قلت: إذاً، من أين نفهم أنّ العبد لابدّ له أن يأتي حتماً بما أمره المولى؟
قلنا: إنّ العقلاء يحكمون بلزوم إطاعة الأوامر الصادرة عن المولى، وبه تتمّ الحجّة عليه بعد صدور البعث من المولى، ويغدو عذره بتركه للعمل باحتمال تخيّل أنّ البعث لم يكن على نحو الحتم غير مقبولٍ عندهم، بل هم يبنون على أنّ بعث المولى لابدّ أن لا يترك. وليس عدم جواز الترك عندهم لأجل أنّ الصيغة قد وضِعت للطّلب الحتميّ، ولا من جهة الإطلاق، ولا مقدّمات الحكمة، بل حكمهم بالوجوب إنّما هو لأجل البعث الصادر من المولى، فهذا هو اقتضاء قانون المولويّة والعبوديّة في نظر العقلاء، فلابدّ للعبد من الإطاعة والإتيان بالفعل، ما لم يرد ترخيص من المولى في الترك، ولذا، لا يُقبل اعتذاره، كما ذكرنا.
وبهذا نفهم: أنّ العبد يجب أن يأتي بما أمر به فوراً، كما سيأتي بيانه إن شاء اﷲ.
ثمّ إنّه، وبعد أن التزمنا بأنّ الأمر موضوع للطّلب، فاستعمال الصيغة في الوجوب والندب جميعاً في مثل قوله: «اغتسل للجمعة والجنابة» لا يكون مجازاً، بل يكون على نحو الحقيقة؛ لأنّ الصيغة مستَعملة في خصوص الطلب، وإنّما نفهم الرخصة في ترك الجمعة من الخارج، ولولا وجود القرينة على استحبابيّة غسل الجمعة لكان لابدّ أن يؤتى بغسل الجمعة على نحو الحتم واللّزوم؛ إذ إنّ ذلك هو مقتضى المولويّة وحقّ العبوديّة، ولذا، لا يقبل منه الاعتذار في الترك.
وما يقال: من أنّ الصيغة وإن كانت موضوعةً لإنشاء الطلب، ولكنّها تنصرف هنا عند الإطلاق إلى خصوص الوجوب.
ففيه: أنّه لا يمكن دعوى الانصراف؛ لأنّ الانصراف إنّما يُتَصوّر إذا كان الشيء من الماهيّات المشكّكة التي يُتصوّر فيها الشدّة والضعف كالبياض والسواد، حتّى يقال: بأنّ إطلاق الطلب ينصرف إلى الإرادة الشديدة.
نعم، في مثل المصلحة والمفسدة والحبّ والشوق يتصوّر ذلك، وأمّا الإنشاء، فبما أنّه من باب استعمال اللّفظ في المعنى فلا يتصوّر فيه الشدّة والضعف؛ لأنّه ـ كما ذكرنا ـ ليس من الماهيّات المشكّكة.
وممّا ذكرنا: ظهر بوضوحٍ عدم تماميّة ما قاله الاُستاذ المحقّق من أنّ «طبع الطلب يقتضي لزوم إيجاد المادّة، وأنّ المأمور لو لم يوجده لَعُدّ عاصياً، إلّا أن يأذن المولى في الترك، فبناءً على هذا: الاستحباب يحتاج إلى المؤونة الزائدة في مقام البيان، وقد تقدّم: أنّ كلّ ما يحتاج بيانه إلى مؤونةٍ زائدة، ولم يكن بيان لتلك الخصوصيّة الزائدة فالإطلاق يرفعه، ويوجب ظهور اللّفظ فيما لا يحتاج بيانه إلى مؤونةٍ زائدة. ففي المقام، حيث إنّ الذي يحتاج بيانه إلى مؤونةٍ زائدةٍ هو الاستحباب، لأنّه يحتاج إلى الإذن في الترك، بخلاف الوجوب، فإنّه لا يحتاج إلى أمرٍ زائدٍ على أصل الطلب، فالإطلاق يوجب ظهور الصيغة في الوجوب. نعم، هذا الظهور إطلاقيّ، وليس بوضعيّ»( ).
وفيه: كما ذكرنا، أنّه لولا قطعيّة المولويّة وقضاء حقّ العبوديّة لم يكن هناك أيّ وجوبٍ يُستفاد من الصيغة، بل الوجوب يكون بحكم العقل، وليس مدلولاً للصيغة، ولا هو يُستفاد من إطلاقها؛ لأنّ إطلاق الصيغة لا يظهر منه إلّا الطلب فقط، ولعلّ هذا هو مراد المحقّق القمّيّ، من أنّ الصيغة دالّة على الوجوب بالدلالة الالتزاميّة، لكن لا من باب الدلالة الالتزاميّة اللّفظيّة للصيغة كالمفاهيم، بل من المداليل السياقيّة، نظير: الإنشائيّة والإخباريّة اللّتين هما من المداليل السياقيّة عند البعض.
إذاً، فالعقل يدرك من الصيغة لزوم الإتيان بالفعل، وأنّ المخالفة توجب العقاب، سواء كان الإنشاء لوجود الأمر، كما في الأوامر، أم الترك كما في النواهي، وعليه: فيكون الوجوب والحرمة من مدركات العقل.

الكلام في مدلول الجملة الخبريّة في مقام الطلب:
هل يُحمَل هذا المدلول على الوجوب أو الاستحباب أو غيرهما؟
فلو قُلتَ: (يعيد)، أو: (يتوضّأ)، أو غير ذلك من الجمل الخبريّة التي وردت في مقام الطلب، فهل تكون ظاهرةً في الوجوب أم لا؟
قيل: بعدم ظهورها في الوجوب؛ لأنّها غير مستعملة في معناها الحقيقيّ، وهو الإخبار بثبوت النسبة، والمعاني المجازيّة المحتملة متعدّدة، ولا مرجّح هناك لحملها على الوجوب.
ولكن قال صاحب الكفاية بظهورها في الوجوب، وذلك بدعوى: أنّ الصيغة لم تستَعمل في غير معناها، وهو النسبة( )،إلاّ أنّه لم يكن بداعي الإخبار والإعلام، بل بداعي البعث والتحريك؛ فإنّ الإخبار بوقوع المطلوب في مقام طلبه إظهار بأنّه لا يرضى إلّا بوقوعه، فيكون ظهورها للبعث والتحريك آكد من ظهور الصيغة ـ أي: صيغة الأمر ـ في الوجوب.
ثمّ إنّه بعد ذلك اعترض على نفسه، بما حاصله:
أنّه ـ حينئذٍ ـ يلزم الكذب في كلامه تعالى إذا كان المستعمل فيه هو النسبة، وذلك لعدم وقوع المطلوب غالباً، تعالى اﷲ عن ذلك علوّاً كبيراً.
وأجاب عنه ـ بما لفظه: «إنّما يَلزم الكذب إذا أتى بها بداعي الإخبار والإعلام، لا بداعي البعث، كيف؟! وإلّا يَلزم الكذب في غالب الكنايات، فمثل (زيد كثير الرماد) أو (مهزول الفصيل) لا يكون كذباً إذا قيل كنايةً عن جوده، ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلاً، وإنّما يكون كذباً إذا لم يكن بجواد، فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ، فإنّه مقال بمقتضى الحال»( ).
هذا.
ويمكن أن يقرّر ظهور الصيغة في الوجوب بتقريرٍ فلسفيٍّ، وهو: أنّه قد قرِّر في محلّه أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، أي: فبعد فرض عدم انفكاك المعلول عن العلّة، فإذا لم توجد العلّة المقتضية لضرورة وجود الشيء في الخارج، فلا يوجد الشيء أصلاً، فإذا أخبر بوجود شيءٍ وتحقّقه، كان ذلك كاشفاً عن ضرورة وجوده ولابدّيّته، والمناسب لذلك في مقام الطلب هو الوجوب التشريعيّ والطلب الإلزاميّ، فيدلّ الإخبار على الوجوب بالملازمة.
وبعبارةٍ أُخرى: إنّ صيغة الأمر لا تدلّ إلّا على أصل الطلب؛ وأمّا الطلب المدلول عليه بالجملة الخبريّة، فبما أنّه علّة لوجود متعلّقه في الخارج، فوقوع مضمون الجملة الخبريّة من لوازم الطلب الحتميّ، ولا يكون هناك مانع من تأثيره، فيكون هذا الطلب آكد.
ويمكن أن يُعَبَّر عن ذلك بطريقٍ آخر، وهو الانتقال من اللّازم إلى الملزوم، كما في باب الكنايات، كما مرّ من أنّ المتكلّم إذا كان في مقام البعث وأخبر بوقوع المطلوب، فقد أخبر بما هو من لوازم شدّة الطلب، غير مزاحَمٍ بشيءٍ من موانع التأثير في وجود المطلوب، فحينما يخبر بالوجوب، ويأتي بالجملة الخبريّة فهو يدلّ على إرادة إيجاد المأمور به بحيث لا يكون راضياً بتركه، فتكون دلالة الجملة على الطلب من باب الكناية والانتقال من اللّازم إلى الملزوم، ولا يَلزم حينئذٍ المجاز في الكلمة؛ إذ إنّ الجملة لم تُستعمل في نفس الإنشاء، بل إنّما استُعمِلَت في النسبة نفسها.