الواجب النفسيّ والغيريّ

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

الواجب النفسيّ والغيريّ


لا يخفى: أنّهم قد ذكروا للواجب النفسي والغيري تعاريف: فالمشهور على أنّ الواجب النفسي: هو «ما أمر به لنفسه»، أو «ما وجب لا لواجب آخر»، والغيري: «ما أمر به لأجل غيره»، أو «ما وجب لواجب آخر».
وقد يُستشكل في هذا التعريف بالنسبة إلى الواجب النفسي، بدعوى: أنّه غير منعكس؛ لأنّه بناءً على هذا التعريف يَلزم أن يكون كلّ الواجبات النفسيّة، أو جلّها، خارجةً عن الواجب النفسي؛ لأنّ جلّها مطلوب لأجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها.
كما يرد الإشكال على التعريف الثاني بأنّه غير مطّرد؛ لدخول أكثر الواجبات في الواجبات الغيريّة؛ لأنّها تكون واجبة لأجل الغايات المترتّبة عليها ولأجل ما يترتّب عليها من الأثر والفائدة.
وقد عدل صاحب الكفاية عن هذا التعريف إلى تعريفٍ آخر، حاصله: أنّ الواجب الغيري هو: «ما أُمر به للتوصّل إلى واجب آخر»، والنفسي: «ما لم يكن كذلك». وبالجملة: فالنفسي هو «الواجب الذي أُمر به لنفسه»، والغيري «ما أُمر به لغيره»( ).
ولكنّ هذا التعريف يرد عليه أيضاً: أنّ الواجبات التي تدعى نفسيّةً، كالصلاة والصوم، تصبح غيريّةً؛ لأنّها إنّما وجبت لأجل التوصّل إلى فوائدها، ككونها «قربان كل تقيّ»( )، و«معراج المؤمن»( )، فيعود الإشكال.
وربّما عُرّفا بتعريف آخر، كما عن المحقّق النائيني( )، وهو أنّ الواجب النفسي هو الذي لا تكون إرادته مترشّحة عن إرادة الغير، بلا فرق بين أن تكون المصلحة في نفسه أو في غيره، والغيري هو الذي تكون إرادته مترشّحة عن الغير.
فبناءً على هذا: يشمل المقدّمات المفوّتة، بناءً على كونها واجبةً في نفسها، لكن لا لمصلحة في نفسها بل في غيرها، ولأنّها غير مترشّحة عن غيرها.
وقد عرّفهما بعض المحققين( ) بتعريف آخر، وهو: أنّ الواجب النفسي هو أن يكون الإيجاب الصادر عن المولى بدواً، بلا تبعيّةٍ لإيجاب آخر. والغيري إيجاب ناشئ عن إيجابٍ آخر.
وأيضاً: عرّفوا النفسي بأنّه: ما أمر به لأجل ملاك في نفسه، ومقابله الغيري، وهو: ما أمر به لا لملاكٍ في نفسه، بل لملاك في غيره( ).
وقد يرد على هذا التعريف الإشكال بخروج المقدّمات المفوّتة عنه، لو قلنا بأنّها واجبة بالوجوب النفسي؛ لأنّ وجوبها لا يكون لملاك في نفسها، بل لمصلحة في الغير.
وغير خفيّ عليك: أنّ كل أو جلّ هذه التعاريف مخدوشة، ولكن بما أنّ الواجب النفسي والواجب الغيري معلوم عند كلّ أحد، فنحن لسنا بحاجة إلى هذه التعاريف حتى يستشكل في بعضها بأنّها غير جامعة، وفي بعض آخر بأنّها غير مانعة، ولذا، نرى البعض أعرض عن تعريفهما، وشرع رأساً في بيان ما هو الحكم في مسألة ما إذا شكّ في واجب في أنّه نفسيّ أو غيريّ، كصلاة الطواف؛ لدوران وجوبها بين أن يكون وجوباً نفسيّاً وبين أن تكون شرطاً لصحّة الطواف إذا أتيت بها، وذلك ـ كما ذكرنا ـ لعدم خفاء معنى كلا الواجبين، أعني: الوجوب النفسي والوجوب الغيري. ونحن ها هنا نجري على ذلك.
وعلى هذا الأساس: فلو شكّ في واجب أنّه نفسيّ أو غيريّ، فما هو مقتضى الإطلاق ـ لو كان إطلاق في البين ـ؟! فنقول:
بعد إمكان تصوّر جامع للواجبين، وهو جامع الطلب ـ كما مرّ في الأمر ـ من أنّه قد وضع لجامع الطلب، وليس موضوعاً للوجوب ولا للندب، ولكن بما أنّ الغيريّة قيد زائد على مطلق الطلب؛ لأنّ تحقّق الوجوب الغيري منوط بتحقّق وجوب ذلك الغير، وإذا شككنا في الإناطة، حتى يكون غيريّاً، أو في عدم الإناطة، حتى يكون نفسيّاً، فعند الشكّ لابدّ من القول بالنفسيّة؛ لأنّ النفسيّة ليست أمراً زائداً على مطلق الطلب حتى تنفى بالإطلاق.
وبعبارة أُخرى: فإذا شككنا في واجب أنّ وجوبه نفسيّ أم غيريّ، فبما أنّ الغيريّة تحتاج إلى مؤونة زائدة، فتدفع بالأصل، فيتحصّل: أنّ الإطلاق، سواء كان من جهة الهيئة أو المادّة، يقتضي أن يكون الواجب نفسيّاً.
ومن هنا ظهر فساد ما ذكره بعض المحققين، من أنّه لا يمكن تصوّر جامع هنا، وذكر أنّ نظيره موجود في تحقيق معنى الوجوب والندب مع أنّ كلّاً من النفسيّة والغيريّة متقوّم بقيد زائد، وكذلك لو قلنا بأنّ البعث الكلّي هو الموضوع له، وهو جامع بينهما، وإن كان خلاف التحقيق؛ إذ عليه: يحتاج كلّ واحد إلى البيان، ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود( ).
ولكنّ الحقّ ـ خلافاً لما ذكره ـ: أنّ الجامع هو الطلب، وإنّما يحمل عند الإطلاق على الوجوب النفسي؛ لأنّ معنى الوجوب النفسي هو نفس الطلب، وأمّا الغيريّة، فلمّا كانت قيداً زائداً على أصل الطلب والإنشاء، فإنّها تدفع بالأصل. فحمل الواجب على النفسي يكون بمقتضى الأصل، وليست النفسيّة أمراً زائداً على أصل الطلب ـ كما ذكره ـ حتى تنفى هي أيضاً، وحتى يقع التعارض بين الأصلين.
فبما ذكرنا من أنّ مقتضى النفسيّة هو نفس الطلب، وأن ليس هناك من قيد زائد، ظهر أنّه إذا شككنا في واجب في أنّه نفسيّ أو غيريّ، فيحمل على النفسيّة ببركة الإطلاق، بلا فرق بين إطلاق الهيئة، إذا أخذنا بإطلاق دليل الواجب الذي شككنا في كونه نفسيّاً أو غيريّاً، وبين إطلاق المادّة، أي: التمسّك بإطلاق الواجب، فحينئذٍ: يحمل على أنّه نفسيّ أيضاً، وليس ذلك من جهة مقتضى الانصراف إلى النفسي، كما ذكره بعض المحققين المعاصرين( ).
هذا. وقد اعترض المحقق المذكور( ) على التمسّك بالإطلاق بوجهين:
الوجه الأول: أنّ معنى الهيئة حرفي، والمعنى الحرفي جزئيّ، وهو ليس قابلاً للإطلاق والتقييد.
ويرد عليه: أنّ ما ذكره وإن كان تامّاً ـ من جهة أنّ الوضع في الحروف عامّ والموضوع له خاصّ، خلافاً لصاحب الكفاية الذي اختار أنّ كلّاً من الوضع والموضوع له والمستعمل فيه في الحروف عامّ ـ إلّا أنّ المعنى، وإن كان جزئيّاً على الفرض، ولا يمكن التمسّك فيه بالإطلاق اللّفظيّ، ولكنّه ـ مع ذلك ـ قابل لأن يتمسّك فيه بالإطلاق الأحوالي.
والوجه الثاني: أنّ المعنى الحرفي غير ملتفَت إليه، ومغفول عنه، ولذا، لا يقع محكوماً عليه ولا محكوماً به.
ويرد عليه: ما ذكرناه مراراً من أنّ المعنى الحرفي غير مغفول عنه، بل يكون ملتفَتاً إليه؛ لأنّه ليس إيجاديّاً ـ كما عليه المحقق النائيني ـ، وقد مرّ في محلّه مفصّلاً أنّه اختياريّ، فلا نحتاج هنا إلى ما ذهب إليه بعض المحقّقين وتبعه الاُستاذ المحقّق من القول بالمحمول المنتسب، أو المادّة المنتسبة( )، حيث كان في نظره الشريف عدم إمكان تقييد الهيئة؛ لأنّ معناها غير ملتَفتٍ إليه، فلا يمكن التمسّك بإطلاقه بعدما كان بينهما تقابل العدم والملكة، فالدليل على امتناع التقييد حينئذٍ هو بعينه الدليل على امتناع الإطلاق.
ولكنّ ما ذكره إنّما يتمّ لو قلنا بأنّ التقابل بينهما هو التقابل العدم والملكة، أمّا إذا قلنا بأنّ التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب ـ كما عليه الاُستاذ الأعظم( ) ـ فيمكن عندئذٍ التمسّك بالإطلاق، ولو لم يمكن التقييد. وملخّص كلامه: أنّه يمكن تقييد المادّة المنتسبة، فتكون النتيجة: أنّ المادّة المنتسبة منظورة بكذا أو تكون مطلقة.
ولكنّ الحقّ: هو إمكان التمسّك بالإطلاق، وما ذكر من الإيرادين فهو غير وارد. هذا لو كان هناك إطلاق في البين.
وأمّا إذا لم يكن، فلا محالة: يكون المرجع إلى الاُصول العمليّة، وهل هي تختلف باختلاف الموارد أم لا؟ فنقول:
أوّلاً:
لو قلنا بفعليّة الخطاب النفسي بشيء كالصلاة، من دون توقّفه على شرط غير موجود، ولكن ورد الشكّ في التقييد بمثل الطهارة، في أنّ وجوبها هل يكون لنفسها أو لغيرها، فيجوز الإتيان بالصلاة من غير طهارة؛ لأنّه بالنسبة إلى الطهارة يكون من قبيل الشكّ في التكليف، وأنّ التكليف بالصلاة هل هو مشروط بالطهارة أم لا؟ لو قلنا بذلك، لكان المقام من قبيل الأقلّ والأكثر، ويكون مورداً لجريان البراءة ـ كما هو الحقّ ـ ويأتي في محلّه. وأمّا نفس الطهارة، فهي وإن كانت مشكوكة الغيريّة، ولكن بما أنّ وجوبها معلوم على كل حال، إمّا لنفسها أو لغيرها، فهي لا تقع مورداً للبراءة.
وقد استشكل فيه بعض المحقّقين المعاصرين بقوله:
«وفيه: أنّ إجراء البراءة في الصلاة غير جائز بعد العلم الإجماليّ بوجوب الوضوء نفسيّاً، أو وجوب الصلاة المتقيّدة به، والعلم التفصيليّ بوجوب الوضوء الأعمّ من النفسي والغيري لا يوجب انحلاله إلّا على وجه محال، كما اعترف به القائل في الأقلّ والأكثر»( ).
وفيه: أنّه يُرجع إلى لوازم الاُصول، وسيأتي بأنّها غير حجّة.
وثانياً:
أن يكون هناك شيء متيقّن الوجوب، ولكنّ وجوبه ليس بفعليّ، بل يكون مشروطاً بشرط لم يوجد بعد، فالظاهر هنا: هو عدم وجوب الإتيان بما يحتمل كونه وجوباً نفسيّاً أو غيريّاً؛ وذلك لجريان البراءة عن وجوبه، للشكّ في وجوب ما يحتمل اشتراطه به، وهو ليس ممّا يعلم بوجوبه على كلّ حال، ولذا، تجري البراءة بالنسبة إلى شرطيّة هذا المشكوك الغيريّة لذلك الغير المتيقّن الوجوب.
وقد يُتوهّم: أنّ هناك تناقضاً بين البراءتين؛ لأنّ لازم جريان البراءة بالنسبة إلى شرطيّة هذا المشكوك الغيريّة لذلك الغير المتيقّن الوجوب المشروط بشرط لم يوجد بعد، هو عدم تقيّد وجوب هذا المشكوك الغيريّة وعدم اشتراط وجوبه بذلك الشرط الذي لم يوجد بعد؛ ولازم جريان البراءة عن وجوبه قبل وجود ذلك الشرط هو اشتراط وجوبه به. وهما متناقضان كما لا يخفى.
ولكن يُجاب عنه: بأنّ التناقض والتنافي إنّما يتمّ لو كان بين نفس مؤدّى البراءتين، لا بين لوازمهما، كما هي الحال هنا؛ لِما قرّر في محلّه بأنّ الاُصول ليست بحجّة في لوازمها العقليّة.
وثالثاً:
أن لا يكون هناك متيقّن الوجوب، فيُحتمل عدم وجوبه أصلاً، فيعلم إجمالاً بأنّه: إمّا أنّ هذا المشكوك الغيريّة والنفسيّة واجب نفسيّ، وإمّا أنّ ذلك الغير الذي هو محتَمل الوجوب واجب نفسيّ، فهنا: بالنسبة إلى غير محتَمل الوجوب، كالصلاة، تجري البراءة؛ لأنّ وجوبه كالوضوء مشكوك فيه بالشكّ البدويّ، فكونه واجباً بالوجوب النفسي غير معلوم، إذ المفروض عدم فعليّة وجوب ذلك الغير قبل الوقت، فلا محيص حينئذٍ عن جريان البراءة فيه عن وجوبه.
وأمّا بالنسبة إلى الفعل المشكوك الغيريّة والنفسيّة، فلا مورد لجريان البراءة؛ للعلم بوجوبه، غاية الأمر: أنّه يكون مردّداً بين النفسيّة والغيريّة.
وقد يقال: بأنّ هذا العلم الإجماليّ ـ أعني: العلم بوجوب المشكوك الغيريّة المردّد بين الوجوب الغيري والنفسي ـ قابل للانحلال، وذلك بواسطة جريان البراءة في محتَمل الوجوب النفسي؛ لأنّه لو فرِض كونه واجباً بالوجوب الغيري، فلا يجب الإتيان به بعد فرض عدم وجوب الإتيان بما هو ذو المقدمة له ظاهراً بواسطة إجراء البراءة فيه، وإلّا، يخرج عن كونه مطلوباً غيريّاً، وهو خلاف الفرض، فلا يبقى إلّا الشكّ البدويّ بالنسبة إلى وجوبه النفسي، وهو مجرى البراءة.
ولكنّ هذا الكلام غير تامّ، ولا يمكن قياسه على عدم تنجّز الشرط مع عدم تنجّز المركّب المشروط به، مع تنجّز معظم أجزائه، أو تنجّز بعضها؛ فإنّ الجهل ببعض أجزاء المركّب، وإن أمكن جريان البراءة فيه ـ بناءً على جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ـ إلّا أنّه لا وجه له مع كون الجهل متعلّقاً بجميع المركّب وتمامه؛ لأنّ المقدمة لا تطلب لأجل ذاتها، وإنّما تكون مطلوبةً من جهة حصول ذي المقدمة بتلك الخصوصيّة التي تحصل له بواسطة وجود تلك المقدمة وذلك الشرط الشرعيّ.
فمثلاً: إذا فرضنا أنّ للصلاة خصوصيّةً تؤثّر في حصول ملاكها بواسطة اقترانها بالوضوء الذي هو مقدّمة، فهنا: وإن أمكن إجراء البراءة بالنسبة إلى ذي المقدمة، ولكنّها لا تجري بالنسبة إلى المقدّمة بعد القول بجواز التفكيك بالتنجيز بين أجزاء الواجب وبين أجزاء مقدّماته، فلو قلنا بذلك ـ ولابدّ من القول به بالنسبة إلى الأقلّ والأكثر، وذلك بجريان البراءة في الأكثر، كما عرفت ـ فيمكن أن يقال: إنّ الواجب الواقعيّ، وإن لم يكن منجّزاً بالنسبة إلى جميع أفراده، ولكنّه يمكن أن يكون منجّزاً بالنسبة إلى بعضها، وعليه: فلا مانع من جريان البراءة بالنسبة إلى الواجب دون المقدمات.
وقد استشكل في ذلك بعض المحققين المعاصرينبقوله:
«وأنت خبير: بأنّ العلم التفصيلي بوجوب الوضوء وتردّده بين الوجوب النفسي والغيري لا يمكن إلّا مع العلم الإجماليّ بوجوب الصلاة المتقيّدة بالوضوء أو وجوب الوضوء نفسيّاً، وهذا العلم الإجماليّ لا يوجب الانحلال إلّا بوجه محال، كما عرفت. وتصوّر الشكّ البدويّ للصلاة مع العلم التفصيلي الكذائي بوجوب الوضوء، جمع بين المتنافيين. والعجب منه حيث قال: لو علم بوجوب الوضوء، ولكن شكّ في كونه غيريّاً حتى لا يجب، فكيف جمع بين العلم بالوجوب والشكّ فيه؟»( ).
وما ذكره غير تامّ؛ لما ذكرنا في المسألة بأنّ لوازم الاُصول غير حجّة.
وأمّا ما ذكره من العجب من وجوب الوضوء مع الشكّ في كونه غيريّاً، ففيه: أنّه ليس هناك ما يوجب العجب؛ لأنّ معنى العلم الإجماليّ هو العلم بأصل الوجوب والشكّ في كونه غيريّاً أو نفسيّاً.

الكلام في استحقاق العقاب والثواب على الواجب الغيري:
تعرّض صاحب الكفاية في هذا البحث إلى جهاتٍ ثلاث:

الجهة الاُولى:
في بيان عدم استحقاق العقاب والثواب على مخالفة الأمر الغيري وموافقته:
وقد ذُكِر لتقريبه وجوه، نذكر منها وجهين:
الوجه الأول: ما جاء في الكفاية من بناء العرف والعقلاء على عدم العقاب والثواب على المقدمات، ولذا لا يرون من يترك واجباً ذا مقدمات متعدّدة أنّه مستحقّ لعقابات متعدّدة بعدد المقدمات، كما أنّهم لا يرون من يأتي بمثل هذا الواجب بمقدماته مستحقّاً لثوابات متعدّدة، بل لا يرونه مستحقّاً لغير عقاب واحد أو ثواب واحد على ترك الواجب أو فعله( ).
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية، قال:
«أنّ الوجوب المقدّمي ـ كما عرفت ـ وجوب معلوليّ، كما أنّ الغرض منه غرض تبعيّ، فيكون تحريكه ودعوته ومقرّبيّته كذلك، فكما أنّ المولى بعد أمره بذي المقدّمة لا يتمكّن من عدم الأمر بالمقدّمة، فيكون البعث نحوها قهريّاً، كذلك انقياد العبد للأمر بذيها يوجب الانقياد بالعرض لمعلوله، وهو الأمر بها، ولا يعقل الانقياد للأمر النفسي والانبعاث عنه مع عدم الانقياد لمعلوله والانبعاث عنه، وإلّا، لم يكن منقاداً للأمر النفسي ومنبعثاً ببعثه، وهذا الانبعاث القهريّ كنفس الارتكازي، ربّما لا يلتفت إليه تفصيلاً، وحيث عرفت عدم استقلال الأمر المقدّمي في الباعثيّة، تعرف عدم استقلاله في المقرّبيّة وما يترتّب عليها عقلاً، وكذلك عدم الانبعاث إليها ليس إلّا تبعاً لعدم الانبعاث إلى ذيها، فلا بعد إلّا بتبع البعد المرتّب على ترك ذيها، فالاستقلال في استحقاق الثواب أو العقاب عقلاً محال»( ).
ومحصّل كلامه: أنّ الوجوب المقدّمي بما أنّه معلول لوجوب ذي المقدّمة، لكون الغرض منه غرضاً تبعيّاً لا استقلاليّاً، كانت محركيّته وباعثيّته تبعيّةً أيضاً بتبع باعثيّة ومحركيّة الأمر النفسي؛ فإنّ الانبعاث نحو امتثال الأمر النفسي لازم للانبعاث نحو الأمر الغيري، فإذا كان الانبعاث عن الأمر الغيري تابعاً للانبعاث عن الأمر النفسي كان أمراً ارتكازيّاً كنفس البعث الغيري، فقد لا يلتفت إليه بنحو التفصيل.
وكما أنّه غير مستقلّ في مقام البعث والانبعاث، فكذلك هو غير مستقلّ في مقام عدم الانبعاث؛ فإنّ عدم الانبعاث عنه يتبع عدم الانبعاث عن الأمر النفسي، وعليه: فلا يكون الانبعاث عنه موجباً للقرب، ولا عدمه موجباً للبعد، وبالتالي: فلا يكون امتثاله موجباً للثواب وعدمه موجباً للعقاب.

الجهة الثانية:
أنّه بناءً على عدم كون ترك الواجب الغيري موجباً لاستحقاق العقاب، فلو ترك مقدّمةً لواجب استقباليّ، بحيث لا يتمكّن من الواجب في ظرفه عند تركها، كما لو ترك إحدى المقدمات المفوّتة، كالغسل قبل الفجر للصوم؛ إذ بتركه لا يتمكّن من الصوم في ظرفه( ).
فهل يستحقّ العقاب على ترك الواجب النفسي من حين ترك المقدمة أو من زمان الواجب نفسه؟
لكلٍّ من الاحتمالين وجه.

الجهة الثالثة:
في توجيه ما ورد في بعض النصوص من ترتّب الثواب على بعض المقدّمات، كما روي أنّ في كلّ خطوة في زيارة الحسين كذا من الثواب( )، فإنّه بظاهره يتنافى مع نفي الثواب على المقدّمة الذي قرّر في الجهة الاُولى( ).
والكلام هنا: في أنّه إذا خالف الواجب الغيري فهل يستحقّ العقاب أم لا؟ وكذا فيما لو امتثل الواجب الغيري فهل يستحقّ الثواب أم لا؟ ثمّ إن كان استحقاق الثواب على امتثال الواجب النفسي متيقّناً واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته ممّا لا إشكال فيه، فهل الواجب الغيري كذلك أيضاً أم لا؟
يقع الكلام أوّلاً في الاستحقاق. والأقوال في المسألة على النحو التالي:
الأول: ما قد يستفاد من كلام صاحب القوانين( )، من ثبوت استحقاق المثوبة والعقوبة على الأمر الغيري، فيكون حاله كحال الواجب النفسي، وهذا منسوب إلى المتكلّمين في المثوبة فقط.
والثاني: ما نُسِب إلى الغزاليّ( )، من التفصيل بين الثواب والعقاب، بالالتزام بالأول دون الثاني، فإعطاء الثواب بالتفضّل والعقاب بالاستحقاق؛ لأنّ المكلّف الذي عرف اﷲ وأنّه تعالى هو الغنيّ المطلق والقادر المطلق، ومن بيده كلّ شيء، وعرف أنّه هو الفقير على الإطلاق، فهذا لا يمكنه أن يتفوّه بالاستحقاق دون التفضّل؛ فإنّ التفوّه بالاستحقاق لا يليق إلّا بجاهلٍ مقام ربّه وغافلٍ عن كونه ممكناً وناقصاً في حدّ ذاته وأنّ كلّ ما ملكه من الأعضاء والجوارح والنعم فليس منه، بل من اﷲ تعالى، وأنّه لذلك لا يستحقّ شيئاً، حتّى لو صرف هذه النعم في طريق العبوديّة.
والثالث: عكس ذلك، وهو الالتزام بثبوت العقاب دون الثواب، لكن لم يظهر قائله.
والرابع: أنّ كليهما على نحو التفضّل.
والخامس: التفصيل بين القول بالتعبّد وتجسّم الأعمال وبين عدمه، بالقول بالاستحقاق في الأول دون الثاني منهما.
وقبل الدخول في البحث لابدّ من بيان معنى الاستحقاق:
فهل المراد من الاستحقاق هو ثبوت حقٍّ على المولى؛ لأنّه إطاعة، والمطيع مثله مثل الأجير حينما يعمل عملاً لشخص، فيستحقّ بذلك الاُجرة، فإذا لم يعطه الاُجرة، والحالة هذه، أي: والحالة أنّه مستحقّ لذلك، فقد ظلمه؛ لأنّ منعه من حقّه وعدم دفعه إليه وكفّ الفيض عنه، مع كونه مستحقّاً للفيض، ظلم، فمعنى الاستحقاق بناءً على هذا البيان هو: ثبوت الحقّ للعبد على المولى بإزاء عمله. وهذا القول مطابق لما عرّفوا به الواجب من أنّه: «ما يستحقّ فاعله المدح والثواب، وتاركه الذمّ والعقاب».
وفي اللّغة: استحقّ فلان الأمر، أي: استوجبه، ومنه ما ورد عن رسول اﷲ: «إذا استحقّت ولاية اﷲ والسعادة جاء الأجل بين العينين، وذهب الأمل وراء الظهر، وإذا استحقّت ولاية الشيطان والشقاوة جاء الأمل بين العينين وذهب الأجل وراء الظهر»( ).
والصحيح: أنّ هناك فرقاً بين استحقاق العقاب واستحقاق الثواب، فأمّا الأول: أعني: استحقاق العقاب في صورة الترك والمخالفة، فيمكن أن يقال به، والعقل حاكم بذلك؛ لأنّ المخالفة الصادرة من المكلّف بعد أن أتمّ المولى عليه جميع النعم، حتى نعمة الوجود والقدرة، وبعد أن أعطاه العقل وبيّن له سبيل الرشد والغيّ بواسطة الرسول الباطن والظاهر، لا يمكن إلّا أن تكون كفراً بالمنعم حقيقةً وظلم عليه، فيحكم العقل باستحقاقه العقاب ـ حينئذٍ ـ من جهة ظلمه وكفرانه للنعمة.
وأمّا الثواب على العمل: فاستحقاقه له مشكل بعد فرض أنّ وجود المكلّف وقدرته وتوفيقه للطاعة وجميع ما يستعدّ به للإتيان بالعمل ليس منه، بل من اﷲ جلّ وعلا؛ ولأنّ الامتثال والإطاعة نوع وظيفة، والعمل بالوظيفة والانقياد لأوامر المولى موجب لاستحقاقه المدح والثناء عليه، لا أنّه يستحقّ الأجر تجاه عمله كالموالي والعبيد العرفيّين.
وأمّا لو كان المراد من الاستحقاق: قابليّة العبد بسبب ما صدر منه من الأعمال الحسنة، ومعناه: أنّه لائق ليعطى الثواب، ما دام عمله هذا لم يكن مقروناً بالمعصية المانعة من هذه القابليّة، كما إذا أتى ببعض المعاصي بحيث صار سبباً للمنع من ورود الفيوضات الإلهيّة التي يستحقّ أن تفاض عليه على حسب قابليّته واستعداده. والاستحقاق بهذا المعنى شيء لا ينكر؛ ضرورة أنّ قابليّة المحلّ للفيوضات الإلهيّة ـ حينئذٍ ـ بلا فرق بين الفيوضات الدنيويّة أو الآخرويّة. وأيضاً: فالاستحقاق بهذا المعنى ليس محلّاً للنزاع بين المتكلّمين.
وأمّا لو كان المراد من الاستحقاق: أنّه يجب على اﷲ إعطاؤه الأجر والثواب لأجل أنّه وعده بذلك، ولأجل أنّه لا يخلف الميعاد، حيث إنّه وعد المتّقين بالجنّة، ووعده صدق غير مكذوب، ولا خلف فيه؛ لما في الخلف من القبح. فيجب عليه الوفاء بعد أن كان وعده جلّ وعلا سبباً لمزيد من الرغبة والانقياد للعبد.
ولكن فيه: أنّ لزوم الوفاء أجنبيّ عن مسألة الاستحقاق، بل هو عين التفضّل؛ لأنّ وعده جلّ وعلا لمن أتى بالمأمور به وترك المنهيّ عنه موجب لتقوية الأمر في إحداث الداعي، وظاهر: أنّ لزوم الوفاء ليس بمعنى الاستحقاق بل أحدهما أجنبيّ عن الآخر.

مسألة:
لو فُرض استحقاق العقاب، فهل هو على ترك المقدّمة أو على ترك ذيها؟
الظاهر: الثاني؛ إذ لو قلنا بأنّ استحقاق العقاب هو على ترك المقدّمة، فلو كان لذي المقدّمة مقدّمات كثيرة فتَرَكها، فلابدّ من القول بتعدّد العقاب، مع أنّه ليس هناك إلّا عقاب واحد.
وأيضاً: استحقاق العقاب على الأمر الغيري مشكل؛ لأنّه لا مفسدة فيه، بل المفسدة إنّما هي في ترك ذي المقدّمة، فالعقاب إنّما يترتب على مخالفة العبد الناشئة من مخالفة الأمر بذي المقدّمة.
ومن هنا ظهر الجواب عمّا نُسِب إلى المحقق السبزواري( ) من ثبوت استحقاق العقوبة على مخالفة الأمر الغيري، لأنّ كون العقاب على ترك المقدمة كالقصاص قبل الجناية، فيتعيّن أن يكون العقاب على ترك المقدّمة.
توضيح الجواب: أنّه إنّما يتصوّر القصاص قبل الجناية إذا قلنا بأنّه يعاقب من زمان ترك المقدمة، وأمّا إذا قلنا بأنّه يعاقب من زمان تركه لذي المقدمة فليس بالقصاص قبل الجناية.
ثمّ إنّه بعدما عرفت أنّ العقاب يكون على ترك ذي المقدّمة، فهل يكون استحقاق العقاب لترك الأمر نفسيّ من حين مخالفة الأمر الغيري؛ لأنّ هذا العصيان قد حصل حين ترك المقدّمة الذي صار سبباً لعدم التمكّن من الإتيان بذي المقدّمة في ظرفه، أم لا؟
الظاهر: الثاني؛ إذ قبل وجود ظرف الإتيان بذي المقدمة لا وجوب هناك حتى يعاقب على تركه.
فإذا عرفت ذلك نقول:
أمّا الاستحقاق بالمعنى الأول: فلا يمكن الالتزام به في الواجبات النفسيّة فضلاً عن الغيريّة.
وأمّا بالمعنى الثاني، أي: بمعنى: أنّه يثاب ويؤجر، فلا إشكال فيه إذا كان إتيانه بالواجب الغيري بقصد التوصّل لذلك، ولأجل التمكّن من الإتيان بالواجب النفسي في ظرفه؛ فإنّ الإتيان بهذا الداعي يكشف عن كون العامل بمقتضى الواجب الغيري بصدد العبوديّة والانقياد، فلو أتى بقصد التوصّل إلى الواجب النفسي فقد أصبح أهلاً للثواب ويحصل عليه من حين شروعه بالمقدّمة؛ لأنّه كأنّما قد شرع في إطاعة المولى، حيث قد أتى بأمره وأظهر الانقياد من حينه، وهو ما يكون سبباً لقربه، وبعد أن أصبح أهلاً وقابلاً لذلك، فلا شكّ في أنّه يكون مستحقّاً للفيض.
وأمّا لو فُرض أنّه قد أتى بالمقدّمة بدون أن يقصد التوصّل، بل كان إتيانه بها لدواعٍ اُخر، عقلائيّة أو شهوانيّة، فإنّ عمله هذا لا يكون مقرّباً له، فلا يصبح بذلك أهلاً، فلا يستحقّ الفيض؛ لأنّ استحقاقه له إنّما هو من لوازم قربه. نعم، لو أتى بها من دون قصد التوصّل والامتثال، فهو وإن لم يثبت بذلك استحقاقه للثواب، إلّا أنّ الأمر المقدّمي يسقط بمجرّد إتيانه بالمقدمة.
وأمّا الاستحقاق بالمعنى الثالث، فإنّنا لو تتبّعنا الروايات لوجدنا أنّه يظهر منها: أنّه لا ثواب على الواجب الغيري بما هو واجب، ولا ثواب عليه لو لم يأتِ به بقصد التوصّل إلى الواجب النفسي؛ لأنّ الوعد بالثواب ثابت في حقّ للمطيع والمنقاد، وهذا لا يَصدق عليه أحد هذين العنوانين إلّا إذا كان قد أتى به لأجل التوصّل إلى ذي المقدمة.
بل نقول: حتى لو فرضنا وجود دليل خاصّ في موردٍ معيّن دلّ على ترتّب الثواب بمجرّد الإتيان بالمقدّمة ولو بغير قصد التوصّل، فإنّه هذا الدليل ـ حينئذٍ ـ يكشف عن أنّ الإتيان بهذه المقدّمة إنّما يترتّب عليه الثواب لكونه من المستحبّات النفسيّة، لا من جهة امتثال الأمر المقدّمي، كما يستفاد هذا الاستحباب من ذكر الثواب على العمل.
ثمّ لو فرضنا أنّه قد أتى بالمقدّمة بقصد التوصّل فهل يكون له ثواب مستقلّ في عرض الواجب أم لا؟
الظاهر: هو الثاني؛ لأنّ الأمر الغيري لا مصلحة فيه، بل ليست حقيقة هذا الأمر إلّا البعث نحو إيجاد الواجب النفسي وتمكّنه منه بالإتيان به فقط، فالثواب لا يكون إلّا على نفس الواجب النفسي وموافقة أمره؛ لأنّ المدار في حصول الإطاعة والعصيان هو العقل، فكما أنّه لو ترك جميع المقدمات التي أصبحت سبباً لترك ذي المقدمة في نفسه فالعقل لا يحكم إلّا بعقاب واحد، فكذلك لو أتى بجميع مقدّمات الواجب؛ فإنّه لا يحكم له إلّا باستحقاق ثواب واحد. فلو أنّه أتى بكل واحدةٍ من هذه المقدّمات قاصداً بها التوصّل إلى الوجوب النفسي، فإنّ إتيانه بالمقدّمة بقصد التوصّل يكون ـ في الحقيقة ـ شروعاً في امتثال الواجب النفسي، وإطاعةً لنفس ذلك الواجب، فثواب المقدّمة ليس إلّا عين الثواب على ذي المقدّمة.
وأمّا ما ورد من الآيات والروايات التي تدلّ على ترتّب الثواب على نفس المقدمة، كقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾( )، وكذا ما ورد في ثواب زيارة سيّد الشهداء من أنّ له بكلّ خطوة حجّة بمناسكها وعمرة مقبولة( )، وأنّ من حج البيت ماشياً كتب اﷲ له سبعة آلاف حسنة من حسنات الحرم( )، ومن زار أمير المؤمنين ماشياً كتب له بكل خطوة حجّة وعمرة( ).
فإنّ الظاهر من هذه الروايات أنّ الثواب قد ترتّب على نفس المقدّمة، مع أن مقتضى ما ذكرنا عدم استحقاق الثواب إلّا على نفس ذي المقدّمة.
ولكن فيه:
أوّلاً: أنّ الاُمور الواردة في هذه الأدلّة مستحبّات في نفسها.
وثانياً: أنّ الثواب فيها على نحو التفضّل، أو من باب انطباق عنوان راجح عليها، ويكون هذا العنوان سبباً لورود الثواب عليها، كعنوان تعظيم الشعائر؛ فإنّه خارج عن عنوان المقدميّة؛ لأنّ الثواب لم يرد علىه بعنوان أنّه مقدّمة، بل إنّما ورد على العنوان الذي هو مطلوب نفسيّ، لا على المطلوب من باب المقدّميّة. أويحمل على أنّ الثواب يترتّب على ذي المقدّمة، وإنّما يكون الثواب لأجل المشقّة الحاصلة في مقام امتثال الواجب النفسي، لكثرة مقدّمات ذلك الواجب.

الإشكال في عباديّة الطهارات الثلاث:
وقع الخلاف بين الأعلام في ترتّب الثواب على الواجب الغيري، كما مرّ، بعد الاتّفاق فيما بينهم على ترتّبه في الواجبات النفسيّة، وذلك من جهة أنّ الأمر الغيري توصّليّ، فلا يوجب استحقاق الثواب على إتيان متعلّقه، كيف؟! والواجب التوصّلي يجتمع مع الحرام.
وبعبارة أُخرى: فليس معنى الأمر الغيري إلّا حصول الأمر النفسي وتمكّنه من إيجاده بإتيان مقدّمته، وليس في الأمر الغيري أيّة مصلحة؛ إذ هو لا يوجب قرباً حتى نقول بترتّب الثواب عليه.
بل يمكن أن يقال: بأنّه لا باعثيّة للأمر الغيري حقيقةً؛ لأنّ المكلّف حينما يريد أن يأتي بالمقدّمات وكان قصده من وراء ذلك هو الإتيان بالأمر النفسي؛ فإنّ الداعي في الحقيقة الداعي إنّما هو الأمر النفسي دون الغيري؛ لأنّ وجوب الأمر النفسي كافٍ بمجرّده في حثّ العبد على تهيئة المقدّمات. فحينئذٍ: لو ورد هناك أمر بالشرط، فيحمل على أنّه من باب الإرشاد إلى شرطيّته.
ومن هنا وقع الإشكال في الطهارات الثلاث:
إذ كيف للثواب أن يترتّب على فعلها، مع أنّ الأوامر التي تعلّقت بها إنّما هي من قبيل الأوامر الغيريّة؟ وكيف يمكن تصوّر عباديّتها واعتبار قصد التقرّب عند إتيانها مع أنّ أوامرها غيريّة، والعباديّة إنّما تكون من شؤون الأوامر النفسيّة؟
ويمكن تصوّر ترتّب الثواب عليها بوجهين:
الأوّل: أن يأتي بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذي المقدّمة، فإنّ الإتيان بالمقدّمة بهذا القصد يعدّ في نظر العقلاء متلبّساً بامتثال الواجب النفسي من ذلك الحين، ويكون المكلّف مستحقّاً للمدح والثواب من حين إتيانه بالمقدّمة، ولو لم يكن مشغولاً بالإتيان بذي المقدّمة بعد.
ولكنّ هذا الوجه غير تامّ؛ لأنّ الملاك والمصلحة إنّما يكون في ذي المقدّمة، فالثواب لا يكون إلّا عليه.
والثاني: أنّ ترتّب الثواب على الطهارات إنّما يكون لأجل الإتيان بها بقصد القربة، بلا فرق بين أن يقصد بها التوصّل أم لا، بل الامتثال لا يتحقّق فيها إلّا بإتيانها بقصد القربة، لا بقصد التوصّل، فالقول بأنّ الأوامر المتعلّقة بها غيريّة، والأوامر الغيريّة توصّليّة، غاية ما يعنيه: أنّه لا يشتَرط في سقوطها وامتثالها الإتيان بمتعلّقها بقصد التقرّب، وإلّا، فإنّ الامتثال فيها ـ كما ذكرنا ـ لا يتحقّق بدون قصد التقرّب بها، وليس حالها حال بقيّة المقدّمات من ناحية كفاية امتثالها ووجودها في الخارج بأيّ شكلٍ اتّفق، ولو في ضمن الحرام.
وقد يقال هنا: إنّ ما هو المطلوب أوّلاً وبالذّات ليس هو ذات المقدمة بما هي عبادة، بل العباديّة مأخوذة في الأمر الغيري، وفي الرتبة السابقة على تحقّقه، فحينئذٍ نسأل: ما هو المحقّق لعباديّتها؟ فإن كان هو الأمر الغيري، فيلزم الدور، على ما قرّره الشيخ في كتاب الطهارة( ).
وتقريب الدور يتوقّف على مقدّمتين:
الاُولى: أنّ رفع الحدث المانع من الصلاة ـ وإن شئت فقل: الطهارة ـ إنّما يتحقّق بالوضوء، إذا وقع هذا الوضوء على وجه العباديّة المتوقّف على تعلّق الأمر به كي يقصد الإتيان به بداعي ذلك الأمر فيكون عبادة. إذ من الواضح: أنّه إذا جاء بأفعال الوضوء من دون أن تتعنون بعنوان العباديّة، وبلا أن تكون على وجه العبادة، لم يتحقّق بها رفع الحدث ولا استباحة الصلاة.
والثانية: أنّه لا أمر بالوضوء لأجل الصلاة إلّا الأمر الغيري الثابت له بملاك المقدميّة.
وإذا تمّت هاتان المقدمتان يأتي الإشكال، وذلك لأنّ الأمر الغيري إنّما يتعلّق بالوضوء بما أنّه مقدمة ـ باعتبار أنّه رافع للحدث المانع، ورفع المانع من المقدّمات ـ، ومقدّميّته متوقّفة على الإتيان به على وجه العبادة، ـ إذ قد عرفت أنّ رفع الحدث المانع يتوقّف على إتيانه بنحو العبادة ـ، والإتيان به على وجه العبادة يتوقّف على الأمر به. فعليه: يكون الأمر الغيري متوقّفاً على مقدّميّته، ومقدّميّته متوقّفة على الأمر الغيري، فيلزم الدور.
وبعبارة أُخرى: فإنّ الأمر الغيري متوقّف على عباديّتها، والمفروض أنّ عباديّتها متوقّفة عليه، وليس هناك أمر أو شيء آخر تتحقّق به عباديّتها، فلو كان هناك أمر آخر ورد عليها أوّلاً وأثبت عباديّتها فلا مناص إلّا بإتيانها بقصد ذلك الأمر، إلّا أن يقال: بأنّ الأمر الأوّل قد انعدم بعد ورود الأمر الغيري.
هذا كلّه إن كان المحقّق لعباديّتها هو الأمر الغيري.
وأمّا إن كان المحقّق لها هو الأمر النفسي، فباطل.
وقد ذكروا وجوهاً لبطلانه:
أوّلاً: أنّ هذا لا يتمّ في التيمّم لعدم استحبابه النفسي قطعاً. بل لقد استشكل بعضهم في استحباب النفسي في الوضوء أيضاً، ولو كان هذا الاستشكال ممّا لا يعتمد عليه بعد الاتفاق على استحبابه النفسي.
ولكنّ الحقّ: أنّ التيمّم من المستحبات النفسيّة ـ خلافاً لما نسبه صاحب التقريرات( ) إلى الشيخ الأعظم من أنّ ثبوت الاستحباب النفسي في التيمّم وإن أمكن استفادته من بعض الروايات، إلّا أنّه ممّا لم يعتمد عليه أحد ظاهراً ـ؛ لأنّ صاحب الجواهر ادّعى الإجماع ـ محصّلاً ومنقولاً ـ على عباديّته بقوله: «فالواجب في التيمم النيّة، كغيره من العبادات، إجماعاً محصّلاً ومنقولاً ومستفيضاً حدّ الاستفاضة إن لم يكن متواتراً، منّا، ومن جميع علماء الإسلام إلّا من شذّ»( ).
وثانياً: كيف يجمع بين الأمر النفسي والأمر الغيري؟! فإنّ الأول يكشف عن أنّ الملاك الموجود فيه ملاك لنفسه، والثاني يكشف عن كونه لغيره، فإذا ورد الأمر الغيري فلابدّ من انعدام الأمر الأوّل النفسي، وقد قلنا ـ أيضاً ـ بأنّه يصح إتيانها بقصد أمرها الغيري.
وقد أجاب عن الإشكال صاحب الكفاية( ) وغيره: بأنّ عباديّة هذه العبادات إنّما نشأت من الأمر النفسي الاستحبابي المتعلّق بذواتها، وحالها حال سائر المستحبّات التي يستحقّ فاعلها الأجر والثواب، ويحتاج في امتثالها إلى قصد القربة، وأنّ عباديّتها ليست متوقّفة على ورود الأمر الغيري حتى يلزم الدور، بل لو لم يتعلّق بها أمر غيريّ أصلاً ولم تكن هذه الأشياء ممّا يتوقّف عليها واجب نفسيّ، لكانت في نفسها راجحة ومطلوبة، غاية الأمر: أنّها تكون مطلوبة بالطلب الاستحبابيّ، لا الوجوبيّ.
وأمّا ما ذكر في الاعتراض عليه من أنّه: بمجرّد الأمر الغيري الوجوبيّ ينعدم الأمر النفسي الاستحبابيّ، لما هو مقرّر في محلّه من التضادّ بين الأحكام الخمسة، إمّا في حدّ ذاتها، أو باعتبار منشأ انتزاعها.
ففيه: أنّه لا يخفى: أنّنا إن قلنا بأنّ حقيقة كلٍّ من الوجوب والاستحباب هي عبارة عن نفس المراديّة والمطلوبيّة، وإنّما الفرق بينهما في مجرّد الشدّة والضعف، ويعرف الوجوب واللّزوم، أو جواز الترك وعدم اللّزوم، من الخارج، فحينئذٍ: لا منافاة بينهما أصلاً حتى يلزم حصول التّضاد المذكور.
وقد أجاب عنه اُستاذنا الأعظم بما لفظه:
«أنّ عروض الوجوب الغيري على ما كان مستحبّاً في نفسه، بناءً على نظريّتنا، لا يوجب اندكاك الاستحباب وتبدّله بالوجوب، بل هو باقٍ على محبوبيّته وملاكه الكامنين في الفعل، وإنّما يرفع حدّه ـ وهو الترخيص في الترك ـ، وعليه: فإذا أتى المكلّف بها بداعي المحبوبيّة فقد تحقّقت العبادة»( ).
وحاصل ما أفاده: أنّه لو قلنا بأنّ الفرق بين الوجوب والاستحباب هو بصرف الشدّة والضعف، فالوجوب بمعنى الطلب الشديد، والاستحباب بمعنى الطلب الضعيف، فيكون كلاهما ـ حينئذٍ ـ بمعنى: المطلوبيّة والمراديّة، فلو ورد الأمر الوجوبيّ الغيري فإنّه لا يكون سبباً لانعدام واقع الإرادة الضعيفة، بل إنّما يوجب انعدام حدّ الضعف.
وفيه: أنّ هذا القول إنّما يتمّ بناءً على ما قلناه من أنّ كلّاً من الضعف والشدّة يعرفان من الخارج. وأمّا لو قلنا بأنّ الضعف دخيل في حقيقة الاستحباب كما أنّ الشدّة دخيلة في حقيقة الوجوب، يحصل التباين بينهما، والمركّب ينعدم بانعدام أحد أجزائه، فكيف يعقل أن يبقى بعد زوال حدّه؟! وإذا بقي حدّ الضعيف على حاله فكيف يجمع بينه وبين الوجوب؟!
وكذا لو قلنا بأنّ الوجوب عبارة عن طلب الشيء مع المنع من الترك، والاستحباب عبارة عن طلب الشيء مع الترخيص في الترك؛ فإنّه لا مجال ـ بعد مجيء الوجوب ـ لبقاء أصل الاستحباب، لا أنّه لا ينعدم إلّا الترخيص الذي هو حدّ الاستحباب، وأمّا أصل الإرادة فباقٍ بلا زيادة ولا نقيصة؛ لأنّ المفروض أنّها فيهما شيء واحد.
وقد يرد على هذا أيضاً: أنّه هل يؤتى به بقصد أمره النفسي أو الغيري؟
قد يقال: باندكاك الأمر النفسي في الأمر الغيري.
ولكن فيه: أنّ هذا لا يدفع الإشكال؛ إذ لو اندكّ الأمر النفسي في الأمر الغيري فكيف يمكن أن يؤتى به بقصد أمره النفسي وبعنوانه العباديّ؟
وأُجيبَ عن هذا: بأنّه بعد ورود الأمر الغيري لا يلزم انتفاء الأمر النفسي وذهابه بكلّه، أي: حتى مع ما كان فيه من المحبوبيّة والطلب، بل غاية ما هنالك: أنّ حدّه، الذي هو أمر عدميّ، قد زال، وإلّا، فإنّ نفس المطلوبيّة باقية على حالها، حتى بعد ورود الأمر الغيري.
ولكنّ الحقّ في الجواب أن يقال: إنّ الطلبين المتعلّقين به، وهما الوجوب والاستحباب، ليسا في مرتبة واحدة، ولا هما في عرض واحد؛ فإنّ الوجوب الغيري ليس في عرض الاستحباب النفسي حتى يلزم انعدام هذا الأخير بمجيء الوجوب، بل يكون الاستحباب النفسي بمنزلة الموضوع للوجوب الغيري، فلا انعدام ـ حينئذٍ ـ ولا اندكاك.
وقد يُستشكل فيه ـ كما في التقريرات ـ بما لفظه:
«... وذلك أيضاً لا يدفع الإشكال؛ إذ لا أقلّ من أن يكون اللازم على ذلك التقدير هو القصد إلى الطلب النفسي، ولو في ضمن الطلب الوجوبي، والمعلوم من طريقة الفقهاء هو القول بترتّب الثواب على الطهارات، وإن انحصر الداعي إلى إيجادها في الأمر المقدّمي على وجهٍ لو لم يعلم باستحبابها النفسي أيضاً يكون كافياً في ذلك»( ).
وتوضيحه: أنّه بناءً على كون هذه الطهارات مطلوباتٍ نفسيّةً عباديّة، فلابدّ في الإتيان بها عبادةً من قصد أمرها النفسي، ولو في ضمن الطلب الوجوبي الغيري، مع أنّه لا إشكال فقهيّاً في صحّتها لو أتى بها بداعي الأمر الغيري المترشّح عن الأمر بذي المقدمة، ولو بلا التفات إلى الأمر النفسي المتعلّق بها، وإنّ اشتراط الإتيان بها بقصد أمرها النفسي خلاف ديدن الفقهاء وطريقتهم؛ فإنّهم يبنون على الاكتفاء بالإتيان بالطهارات بداعي أمرها الغيري وعدم اعتبار قصد أمرها النفسي، وهذا كاشف عن أنّ عباديّتها ناشئة من أمرها الغيري، فيعود المحذور حينئذٍ، وهو أنه كيف يمكن التقرّب بالأمر الغيري التوصّلي وتصحيح العباديّة به؟!
وأجاب عنه صاحب الكفاية بما لفظه:
«والاكتفاء بقصد أمرها الغيري، فإنّما هو لأجل أنّه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه، حيث إنّه لا يدعو إلّا إلى ما هو المقدّمة، فافهم»( ).
وتوضيحه: أنّ قصد الأمر الغيري إنّما كان يمكن أن يكتفى به؛ لأنّه لا يدعو إلّا إلى ما هو مقدّمة واقعاً؛ لأنّ الأمر يدعو إلّا إلى متعلّقه، ومتعلّقه ـ في الحقيقة ـ ليس هو ذوات الأفعال، بل هي مع قصد أمرها النفسي، وقصد الأمر النفسي يكون في ضمن قصد الأمر الغيري، فقصد الأمر الغيري قصد إجماليّ مستبطن في قصد الأمر النفسي، وهذا المقدار كافٍ في إثبات العباديّة المطلوبة، إذاً، المصحّح للعباديّة ليس هو الأمر الغيري محضاً، بل قصده الذي يترتّب عليه قصد الأمر النفسي، وفي الحقيقة: فإنّ قصد أمرها الغيري قصد إجماليّ لأمرها النفسي.
ولكن قد يمكن الإشكال عليه: بأنّه إنّما يتمّ مع الالتفات إلى أنّ لها أوامر نفسيّة، وأمّا مع الجهل بذلك، أو عدم الالتفات إليه، والغفلة عنه، فلا يكون هناك داعٍ لإتيانها إلّا بقصد أوامرها الغيريّة، فمع هذه الغفلة، كيف يمكن أن يدّعى كفاية القصد إجمالاً؟! مع أنّ قصد الأمر النفسي يكون مطويّاً في قصد الأمر الغيري، فلا يكون الأمر النفسي حينئذ داعياً، لا تفصيلاً ولا إجمالاً، إلى عباديّة الطهارات؛ لأنّ أوامرها مغفول عنها، أو أنّها مجهولة، ومعه: فكيف يمكن أن يقال بصحّة هذه العبادات؟!
وقد استشكل المحقّق الأصفهاني فيما ذكره صاحب الكفاية:
بأنّ الأمر النفسي الاستحبابي، أو الجهة الراجحة النفسيّة، إمّا أن تكون ملتَفتاً إليها عند العمل، أو مغفولاً عنها بالمرّة، فإن كانت ملتَفتاً إليها كانت هي الداعية إلى العمل، لا الأمر الغيري، إذ لا حاجة حينئذٍ إلى توسيط دعوة الأمر الغيري. وإن كانت مغفولاً عنها، لم يتحقّق القصد إليها ولو إجمالاً، فلا تتحقّق العباديّة لكون المفروض قوامها بقصد الأمر النفسي( ).
ثمّ إنّ المحقق النائيني أثبت عباديّة الطهارات الثلاث بطريقٍ آخر، وهو:
أنّه لا فرق بين الأجزاء والشرائط، بل كلاهما متعلّق للأمر الضمني النفسي، إلّا أنّ الجزء دخيل قيداً وتقيّداً، والشرط دخيل تقيّداً لا قيداً، فالأمر الوارد على المركّب كما أنّه يشمل الأجزاء، فهو يشمل الشرائط أيضاً، فالإتيان بها بداعي أمرها النفسي الضمني ولو كان بمتمّم الجعل.
وعليه: فعباديّة الطهارات إنّما هي باعتبار تعلّق الأمر النفسي، وبذلك تندفع الإيرادات؛ إذ المقرّبيّة والثواب ناشئان من امتثال الأمر النفسي الضمني، ولا أمر غيريّ في المقام كي يستشكل في عباديّته، وإشكال الدور يندفع بما يدفع به نفس الإشكال على تعلّق الأمر بنفس العمل وذي المقدمة المفروض كونه عباديّاً( ).
وبعبارة أُخرى: فلا احتياج في إثبات العباديّة للشرائط بالتمسّك بأمر آخر وإثبات استحباب مستقلّ له، ولو فُرض أنّ هناك أمراً مستقلّاً يثبت عباديّتها فإنّه يندكّ في ذلك الأمر الوجوبيّ، والذي ـ كما ذكرنا ـ هو مناط العباديّة في الأجزاء والشرائط، ولو قلنا بأنّ الفرق بين الأمرين إنّما هو بالشدّة والضعف، فتأمّل؛ لأنّ الاندكاك إنّما يتصوّر إذا كانا في مرتبة واحدة، وفي المقام يكون أحد الأمرين موضوعاً ومتعلّقاً للأمر الآخر.
لكنّ ما ذكره غير تامّ؛ لأنّه لا يتمّ إلّا بناءً على بسط الإرادة النفسيّة المتعلّقة بالمجموع المركّب على الشرائط، كما أنّها تنبسط على الأجزاء، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به، ولا هو التزم به؛ لأنّه لو كان كذلك فيكون حال الشرائط حال الأجزاء في أنّها واجبات نفسيّة، فلا يبقى مجال لوجوبها الغيري، لا لأنّه يلزم اجتماع المثلين كما توهّم؛ لأنّ الوجوبين في رتبتين، وليسا في مرتبةٍ واحدة حتى يلزم اجتماع المثلين، بل للزوم لغويّة الوجوب الغيريّ.
بل ـ بناءً على ما ذكر ـ فلو كان القيد داخلاً تحت الأمر أيضاً كما أنّ التقيّد يكون كذلك، فلا يبقى فرق بين الأجزاء وبين الشرائط، مع أنّه صرّح في كثير من الموارد بأنّ ذات الشرط خارج عن تحت الأمر والإرادة قيداً، وإنّما هو داخل تقيّداً.
ولكنّ ما ذكره بالنسبة إلى الصلاة صحيح، فإنّ الطهارات الثلاث تكون جزءاً للصلاة، كما ورد في الخبر: «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود»( )، فيمكن القول: بأنّ الأمر بالصلاة وارد على الشرائط أيضاً.
وقد استشكل عليه أيضاً: بأنّه يلزم من تعلّق الأمر النفسي الضمني الانحلالي بالطهارات الثلاث أن تكون هذه الطهارات متّصفة بالأمر النفسيّ أيضاً، كما تتّصف بالأمر الغيري من باب أنّها مقدّمة. بل قد يجتمع في الطهارات الثلاث أوامر ثلاثة: أوّلها: الأمر الغيري. والثاني: الأمر الاستحبابي النفسي. والثالث: الأمر الضمني.
ولكنّ الأمر الاستحبابي يندكّ في الأمر الضمني، لا بمعنى: أنّه ينعدم الأمر الاستحبابي من أصله، بل بمعنى: أنّه يتبدّل حدّه بالحدّ الوجوبي؛ لأنّه من قبيل اللّبس فوق اللّبس، لا اللّبس بعد الخلع.
ثمّ بعد الاندكاك يتولّد منهما أمر واحد، وهو الأمر النفسي الوجوبي العبادي، فتكون الطهارات الثلاث واجبة بالوجوب النفسي العبادي، فيكون المقام نظير ما لو نذر الإتيان بالمستحبّات النفسية؛ فإنّه بعد النّذر يتولّد أمر وجوبي.
ولكن مع ذلك، فإنّ هذا الكلام إنّما يتم لو قلنا بأنّ الفرق بين الوجوب والندب إنّما هو بالمنع من الترك في الأوّل، وجواز الترك في الثاني، أو بالشدّة والضعف، وأمّا لوقلنا بأنّ الأمر قد وضع للطلب، وأنّ الطلب شامل للوجوب والندب معاً، فلا معنى للاندكاك حينئذٍ.
ثمّ رأى أنّه بعد الاندكاك والتأكّد وتولّد أمر وجوبي نفسي متعلّق بالطهارات يتعلّق به أمر غيريّ، فيكون الأمر الغيري في طول الأمر النفسي الضمني ومتأخّراً عنه.
ولكنّ هذا الكلام في حدّ ذاته غير تامّ، كما سنذكره في جواب ما أفاده المحقق العراقي، وخلاصة كلامه:
أنّ الأمر الغيري الوارد على المقدمات ينحلّ إلى أمرين وإرادتين: تتعلّق إحداهما بذوات هذه الأفعال، وتتعلّق الثانية بإتيانها بقصد أمرها. وهاتان الإرادتان اللّتان انحلّت الإرادة المتعلّقة بالمجموع إليهما طوليّتان؛ لطوليّة متعلّقيهما؛ حيث إنّ الجزء الذهني من ذلك المركّب ليس في عرض الأجزاء الخارجيّة، بل نسبته إليها نسبة العرض إلى المعروض( ).
وبعبارة أُخرى: فإنّ قصد أمر الشيء ليس في عرض نفس الشيء، فإن تحقّق ووجدت هناك إرادتان طوليّتان: إحداهما: تكون متعلّقة بذوات هذه الأفعال، والأُخرى: بإتيانها بقصد أمرها، فالإرادة الاُولى ليست متوقّفة على أن يكون متعلّقها متعلّقاً للأمر؛ لأنّها تعلّقت بنفس الذّات، والإرادة الثانية وإن كانت متوقّفة على ثبوت أمر في الرتبة السابقة عليها، ولكنّها موجودة كذلك، وهي الإرادة المتعلّقة بذوات هذه الأفعال في الرتبة السابقة على الإرادة الثانية؛ فلا دور.
وهذا الذي ذكره ليس تامّاً؛ لأنّ الإرادة الشخصيّة الواحدة لا يمكن أن تنحلّ إلى إرادتين طوليّتين، بل ليس هنا إلّا إرادة واحدة.
هذا. مضافاً إلى أنّ تعلّق الإرادة بالمجموع المركّب لا يمكن إلّا بعد فرض وجود أمر متعلّق بذوات هذه الأفعال في الرتبة السابقة على هذه الإرادة، والمفروض أنّه ليس من إرادة اُخرى في البين غير هذه الإرادة، فلا مناص إلّا من الالتزام باستحباب هذه الأفعال الثلاثة في حدّ أنفسها مع قطع النظر عن تعلّق الأمر الغيري بها( ).
ولكنّ المقام هنا ليس ـ كما ذكره الاُستاذ المحقّق ـ من قبيل العامّ الاُصولي( )؛ لأنّ الانحلال هناك من جهة أنّ الإرادة قد تعلّقت بالطبيعة، والطبيعة لها أفراد طوليّة وعرضيّة، فتنحلّ حسب انحلال الطبيعة وتبعاً لوجوداتها.
مضافاً: إلى أنّ تعلّق الإرادة هو في الحقيقة بالأجزاء الخارجيّة، وقصد القربة لا يمكن إلّا بعد وجود أمر مسبق متعلّق بذوات الأفعال في المرتبة السابقة على هذه الإرادة، وحيث إنّ المفروض أنّه ليس هناك إلّا إرادة واحدة، فلابدّ من فرض استحباب الطهارات الثلاث مع قطع النظر عن أمرها الغيري.
ولكن مع ذلك، فيمكن أن يقال بعباديّة الطهارات الثلاث، وذلك:
(أ) إمّا بقصد التوصّل بها إلى ذيها؛ فإنّه موجب لوقوع المقدّمة عباديّة.
ولا يقال: بأنّ هناك دوراً؛ لأنّ قصد التوصّل إنّما يمكن إذا تعلّق بالمقدمة، والمفروض أنّها عبادة، فإذا كانت عباديّتها ناشئة عن قصد التوصّل، لزم الدور.
فإنّه يقال: إنّ المقدّمة مركّبة من ذوات الأفعال الخارجيّة ومن قصد التقرّب، وإنّ ذوات الأفعال التي هي جزء للمركّب في أنفسها تكون مقدّمة ولها دخل في إيجاد ذي المقدّمة، فحينئذ: يمكن أن يؤتى بها بقصد التوصّل بها إلى فعل الصلاة، وبذلك يتحقّق الجزء الثاني، وهو التقرّب، غاية الأمر: أنّ القيد والمقيّد اللذان حصلا للمقدّمة، إنّما حصلا بناءً على الطوليّة، لا في عرض واحد.
وفيه: أنّ ما يكون دخيلاً في إيجاد ذي المقدّمة ليس هو نفس الأفعال فقط، بل الأفعال بما هي عبادة، فيعود الإشكال.
(ب) وإمّا بقصد أمرها غافلاً عن كونه مقدّمة للواجب، أو يبني على ذلك، كما إذا اغتسل الجنب غافلاً عن الإتيان بالصلاة بعده، أو يأتي بقصد التوصّل بها إلى ذي المقدّمة. وإن لم يكن ملتفتاً إلى الأمر النفسي المتعلّق بها ولم يكن قاصداً لامتثاله، فحينئذٍ: يكفي في عباديّة الطهارات الثلاث أن يأتي بها: إمّا بقصد أمرها النفسي، أو من جهة قصد التوصّل بها إلى الواجب الذي هو ذي المقدّمة.
وأمّا ما قيل: من أنّ العباديّة تحصل بقصد أمرها النفسي بأن يكون الأمر الوارد على ذي المقدّمة منبسطاً على الأجزاء والشرائط، فقد مرّ مفصّلاً وبيّنا الإشكال الوارد عليه، وهو أنّه بناءً على هذا يكون حال الشرائط حال الأجزاء، فتصبح واجباتٍ نفسيّة ويلزم ـ بناءً على هذا ـ لغويّة وجود الأمر الغيري.
وكذا ظهر ـ أيضاً ـ فساد ما قيل: من أنّه بناءً على هذا يلزم اجتماع المثلين. فقد أجبنا عنه سابقاً: بأنّه لا يلزم ذلك، لمكان اختلاف الرتبة.
نعم، وكما مرّ أيضاً، فإنّ هذا إنّما يصحّ بالنسبة إلى الصلاة دون بقيّة العبادات من ذوات المقدّمات العباديّة.

دروس البحث الخارج (الأصول)

دروس البحث الخارج (الفقه)

الإستفاءات

مكارم الاخلاق

س)جاء في بعض الروايات ان صلاة الليل (تبيض الوجه) ، و عند الأخذ بظاهر...


المزید...

صحة بعض الكتب والاحاديث

س)كيفية ثبوت صحة وصول ما ورد إلينا من كتب ومصنفات حيث أنه بعد الأسانيد...


المزید...

عصمة النبي وأهل بيته صلوات الله عليه وعلى آله

س)ما هي البراهين العقلية المحضة غير النقلية على النبوة الخاصة بخاتم المرسلين محمد صلى...


المزید...

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

س)شاب زنى بأخته بعد ان دفع لها مبلغ من المال وقام احد الاشخاص بتصويرهم...


المزید...

السحر ونحوه

س)ما رأي سماحتكم في اللجوء الى المشعوذين ومن يذّعون كشف المستور بالقران الكريم؟ وما...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية,...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية, و...


المزید...

العمل في الدوائر الرسمية

نحن مجموعة من المهندسين ومن الموظفين الحكوميين ، تقع على عاتقنا إدارة أوتنفيذ أوالاشراف...


المزید...

شبهات وردود

هل الاستعانة من الامام المعصوم (ع) جائز, مثلا يقال يا علي (ع) انصرني...


المزید...
0123456789
© 2017 www.wadhy.com

Please publish modules in offcanvas position.