الواجب الأصليّ والتبعيّ

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الواجب الأصليّ والتبعيّ


والكلام فيه يقع في اُمور:

الأمر الأوّل: في بيان الأقسام من حيث التبعيّة والأصليّة:
والوجوه المحتملة في الأصالة والتبعيّة ثلاثة:
الوجه الأول: أن يُراد بالواجب الأصليّ: ما يكون مراداً بإرادة مستقلّة، فلا يكون ناشئاً ولا تابعاً لإرادة أُخرى.
وأمّا التبعيّ فهو ما يكون مراداً بإرادة أُخرى، كإرادة المقدّمات؛ فإنّها تكون تابعة لإرادة ذويها التي تكون واجبةً بالوجوب النفسيّ.
والوجه الثاني: أن يُراد بالواجب الأصليّ: ما كان ملحوظاً باللّحاظ التفصيليّ، وعلى نحو الاستقلال، للالتفات إليه كذلك.
وبالواجب التبعيّ: ما كان ملحوظاً على نحو الإجمال، لعدم الالتفات التفصيليّ إليه حتى يُلاحظ تفصيلاً؛ فالأصالة والتبعيّة تدوران مدار اللّحاظ من حيث التفصيل والإجمال.
والوجه الثالث: أن يكون المراد بالواجب الأصليّ: ما يكون هو المقصود بالإفهام من الخطاب، أو فقل: ما دلّ عليه الدليل مطابقةً.
والمراد بالتبعي: ما لا تكون الدلالة عليه إلّا بالتبع والالتزام. فالأوّل: كدلالة الألفاظ على المناطيق، والثاني: كدلالتها على المفاهيم.

الأمر الثاني: أنّ البحث فيهما هل يكون ثبوتيّاً أم إثباتيّاً؟
ذكر صاحب الكفاية أنّ الظاهر: «أن يكون هذا التقسيم بلحاظ الأصالة والتبعيّة في الواقع ومقام الثبوت، حيث يكون الشيء تارةً متعلَّقاً للإرادة والطلب مستقلاً، للالتفات إليه بما هو عليه ممّا يوجب طلبه فيطلبه، كان طلبه نفسيّاً أو غيريّاً، وأُخرى: متعلَّقاً للإرادة تبعاً لإرادة غيره، لأجل كون إرادته لازمة لإرادته، من دون التفاتٍ إليه بما يوجب إرادته، لا بلحاظ الأصالة والتبعيّة في مقام الدلالة والإثبات؛ فإنّه يكون في هذا المقام تارةً مقصوداً بالإفادة، وأُخرى غير مقصودٍ بها على حدة، إلّا أنّه لازم الخطاب، كما في دلالة الإشارة ونحوها»... إلى آخر كلامه( ).
وحاصل ما رامه: أنّ هذا التقسيم بحسب مقام الثبوت، لا الدلالة والإثبات، فالمراد من الواجب الأصليّ ما يكون مراداً بالإرادة الاستقلاليّة، بواسطة الالتفات إليه وما يترتّب عليه من المصالح والأغراض، أو توقّف وجود ما له المصلحة عليه، سواء كان واجباً نفسيّاً أو غيريّاً، فبناءً على ذلك: فكلٌّ منهما يمكن أن يتّصف بالأصليّة والتبعيّة، بعدما عرفت من أنّ الأصليّ هو ما يكون مقصوداً بالإفهام والخطاب، والتبعيّ ليس كذلك.
ولكنّ الحقّ: أنّ الأصليّ والتبعيّ بناءً على الوجهين الأوّلين يرجعان إلى مقام الثبوت؛ لما عرفت: من أنّ الواجب الأصليّ هو ما يكون مستقلاً بالإرادة وملتفَتاً إليه على التفصيل، والواجب التبعيّ هو ما تكون إرادته تابعة لإرادة الغير، أي: الواجبات النفسيّة.
وأمّا على الوجه الثالث، فهما راجعان إلى مقام الإثبات والدلالة؛ لأنّ المراد بالأصليّ ـ على هذا الوجه ـ هو ما يكون مقصوداً بالإفهام، وبالتبعيّ: ما تكون الدلالة عليه بالالتزام والتبع.
هذا. ويمكن أن يُتصوّر هنا قسم رابع، وهو: ما لم يكن الواجب مقصوداً بالإفهام من الخطاب أصلاً، لا أصالة ولا تبعاً، كما إذا كان الواجب قد استفيد من دليل لبّيٍّ، كالإجماع ونحوه.
وفي التعليق على كلام الكفاية المتقدّم قال اُستاذنا المحقّق:
«وأنت خبير بأنّ ما ذكره إن كان مجرّد اصطلاح فلا مشاحّة، وإلّا، فظاهر لفظ الأصليّ والتبعيّ إذا أُسند الواجب إليهما يقتضي أن يكون المراد من الأصليّ ـ مقابل التبعيّ بقرينة المقابلة ـ هو الواجب الذي ليس وجوبه وإرادته تابعة لإرادة غيره ووجوبه. ومثل هذا المعنى ينحصر في الواجب النفسيّ، وأن يكون المراد من التبعيّ هو الواجب الذي يكون وجوبه تبعاً لوجوب شيءٍ آخر، وإرادته ناشئة من إرادةٍ أُخرى، ومثل هذا المعنى ينحصر في الواجب الغيريّ؛ وذلك لأنّ الواجب الغيريّ مع النفسيّ الذي يكون ذلك الغيريّ مقدّمةً له متعاكسان وجوداً ووجوباً، فوجود النفسيّ مترتّب على وجود الغيريّ؛ لأنّه من أجزاء علّة وجوده، كما أنّ وجوب الغيريّ مترتّب على وجوب النفسيّ، وهذا هو الظاهر من التبعيّة، فبناءً على هذا: لا فرق بين أن تقول: الواجب الأصليّ والتبعيّ، وبين أن تقول: الواجب النفسيّ والغيريّ»( ).
نعم، لو كان المراد هو الأصالة والتبعيّة في مقام الإثبات والدلالة، فحينئذ: يتّصف بهما كلّ واحدٍ من النفسيّ والغيريّ. وليس ببعيد أن يكون البحث كذلك، أي: بحثاً في مقام الإثبات، لا في مقام الثبوت؛ فإنّهم يذكرون الأصليّ والتبعيّ في قبال النفسيّ والغيريّ. ولولا أنّه بحث في مقام الإثبات، لا الثبوت، لكان ذكرهما لغواً.
أمّا اتّصاف الواجب النفسيّ بالأصالة: ففيما إذا كان مقصوداً بالإفادة، كوجوب الصلاة. وأمّا اتّصافه بالتبعيّة: فلوضوح أنّ الواجب النفسيّ قد لا يكون مقصوداً بالإفادة، بل يستفاد بتبع شيءٍ آخر، بحيث يكون المقصود بالإفادة هو ذلك الشيء، ويكون الواجب النفسيّ مفاداً تبعاً له.
وذلك نظير ما دلّ على شرطيّة تقدّم الظهر لصحّة العصر( )؛ فإنّ المقصود منه بالإفادة هو شرطيّة تقدّمها، لا كونها واجباً نفسيّاً.
وأمّا اتّصاف الواجب الغيريّ بالتبعيّة، فكأغلب المقدّمات. وأمّا اتّصافه بالأصالة، فكالذي في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأيـْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾( )، حيث يكون التوجّه والالتفات إليه تفصيلاً، فمع كونه مقدّميّاً، يكون واجباً أصليّاً.