مبحث الإجزاء

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

مبحث الإجزاء


ولابدّ قبل خوض البحث فيه من تقديم نقاط:

النقطة الاُولى:
في أنّ هذا البحث هل هو من المباحث اللفظيّة أم العقليّة؟
قد يقال في عنوان هذه المسألة ـ كما صنعه في الكفاية ـ: <الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا؟>( )، ولكنّ جعل المسألة معنونة بهذا العنوان يوجب خروجها عن المسائل اللفظيّة والدخول في المسائل العقليّة.
ومن هنا لجأ بعضهم إلى استخدام تعبير آخر، على أساسه تكون هذه المسألة داخلة في مباحث الألفاظ، وهو: <الأمر هل يقتضي الإجزاء عند الإتيان بالمأمور به على وجهه أم لا؟>( ).
ولكن لا يخفى: ما في هذا التعبير الثاني من المسامحة؛ لأنّ الإجزاء لا يستند إلى الأمر، ولا يكون من مقتضىاته، بل إنّما يستند إلى فعل المكلّف وما هو الصادر منه.
فالأحسن في عنونة هذا المبحث أن يقال: <إنّ امتثال الأمر على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا؟>.

والنقطة الثانية:
أنّ البحث في هذه المسألة ليس في الدلالة وما يقتضيه مقام الإثبات، بل إنّما هو في مرحلة الواقع والثبوت؛ فإنّ ما يُراد إثباته في هذا البحث هو أنّ الإتيان بالمأمور به علّة لسقوط الغرض؛ لأنّ وجود الغرض علّة لوجود الأمر حدوثاً وبقاءً، فعند تحقّق الغرض وحصوله يسقط الأمر، لا محالة، وإلّا وجد المعلول بغير علّته؛ وبسقوطه، فلا يجب الإعادة ولا القضاء، بمعنى: أنّه لا يجب الإتيان بالمأمور به ثانياً بعد حصول الغرض، لا من باب الإعادة ولا القضاء.
فظهر مما ذكرنا: أنّ البحث هنا ليس من المباحث اللفظيّة، وهذا لا ضير فيه، ولا ينافيه إدراجهم لهذا البحث في ضمن المباحث اللّفظيّة؛ فإنّ الاُصوليّين لم يفردوا باباً للبحث عن الأحكام العقليّة، بل ذكروها في أبواب متفرّقة، ومن بينها: المسألة التي هي محلّ الكلام هنا.
وعليه: فلا يختلف حال مسألة الإجزاء عن حال مسألة مقدّمة الواجب، التي ذكروها ضمن المباحث اللّفظيّة مع أنّ البحث فيها ينصبّ حول أنّ العقل هل يحكم بوجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته أم لا؟
كما ظهر أيضاً: أنّ معنى الاقتضاء هو العلّيّة والتأثير في سقوط الأمر، لا مجرّد الكشف والدلالة اللّذين هما من شؤون اللّفظ، فالإجزاء هو بمعنى: أنّ الإتيان بالمأمور به يكون علّة للسقوط، لا أنّه مجرّد كاشف وحاكٍ عنه.

والنقطة الثالثة:
في أنّ هذه المسألة لا ربط لها بمسألتي المرّة والتكرار، ولا لمسألة تبعيّة القضاء للأداء؛ لأنّ البحث فيهما إنّما ينصبّ على ذات المأمور به، وتعيين حدوده وقيوده شرعاً بحسب الثبوت ومقام التشريع، وأمّا فيما نحن فيه، فالبحث ينصبّ على المأمور به بعد أن ثبت بحدوده وقيوده شرعاً، فهل يكون امتثاله موجباً لسقوطه أم لا؟ فلا ربط بين المسألتين أصلاً.
وبعبارة أُخرى: فالبحث هناك عن تعيين مدلول الصيغة، وأمّا هنا، فهو بحث عن المأمور به بعد الفراغ عن ذلك، فتكون مسألة المرّة والتكرار بمنزلة الموضوع لهذه المسألة، فيقال مثلاً: إنّ إيجاد الطبيعة مرّة ـ لو قلنا بدلالتها على المرّة ـ أو مكرّرة ـ لو قلنا بأنّ التكرار هو مدلول الصيغة ـ هل يقتضي الإجزاء أم لا؟
وكذا يقال أيضاً بالنسبة إلى مسألة تبعيّة القضاء للأداء؛ فإنّ الظاهر الفرق بينهما؛ فإنّ ما وقع البحث عنه في مسألة التبعيّة هو ـ كما مرّ ـ في تعدّد المطلوب وعدم تعدّد المطلوب.
وهل أنّ الأمر الأوّل يدلّ على إيجاد المأمور به في خارج الوقت إن فاته في الوقت كما يدلّ على وجوب إيجاده في الوقت أم لا، بل إذا فات الوقت فات معه الموقّت؟
وأين هذا من محلّ البحث في مسألة الإجزاء، وهو أنّ الإتيان بالمأمور به هل يكون مجزياً عن الأمر الواقعي أم لا؟
وبعبارة أوضح: فالموضوع في المسألتين مختلف؛ فإنّ موضوع مسألة تبعيّة القضاء هو الفوت في الوقت، وأمّا موضوع مسألة الإجزاء فهو الإتيان بالمأمور به في وقته.

والنقطة الرابعة:
في أنّ الأمر تارةً يكون واقعيّاً، وأُخرى يكون ظاهريّاً، وثالثةً اضطراريّاً، والبحث في مسألة الإجزاء يقع في جميع هذه الصور الثلاث.
ولا يخفى هنا: أنّ الإجزاء وسقوط الأمر أعمّ من القبول؛ إذ يكفي في سقوط الأمر أن يُؤتى بالواجب جامع الأجزاء والشرائط، ولكنّ صرف الإتيان به كذلك أعمّ من وقوعه مقبولاً عند اﷲ تعالى أو لا؛ إذ قد يحول بين الإتيان بالواجب وبين قبوله موانع كثيرة، كما أنّ للقبول مراتب متفاوتة.
وإذا عرفت ذلك، فالكلام أوّلاً يقع فيما يقتضيه مقام الثبوت.
وقد يقال ـ بدواً ـ: لو فرضنا كون هذه المسألة عقليّة لكان هذا منافياً لما هو المبحوث عنه فيها، وهو أنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهريّ أو الاضطراريّ هل يكون مجزياً عن المأمور به بالأمر الواقعيّ أم لا؟
وجه المنافاة: أنّ البحث عن الإجزاء نفياً وإثباتاً إنّما يرجع إلى أنّ الأمر هل له دلالة عليه أم لا؟ وهذا أجنبيّ تماماً عن حديث الملازمة العقليّة.
ولكن يمكن الجواب عنه: بمنع المنافاة، إذ إنّ فرض المسألة عقليّة يتضمّن البحث عن دلالة الأمر أيضاً بالتبع؛ لأنّ البحث عن الدلالة وعدمها يندرج في مبادئها؛ فإنّ من يقول بالإجزاء يبحث عن أنّ الأمر هل يدلّ على وجود مصلحة في المأمور به بالأمر الظاهريّ بنحو تبقى معه المصلحة الواقعيّة أم لا؟
فالبحث ـ إذاً ـ يتناول بالتبع البحث عن دلالة الأمر أيضاً، ومعه: فالمسألة عقليّة، ولكنّها ـ في الوقت عينه ـ تدخل في المباحث اللّفظيّة بالتبع.
ويشهد لذلك: أنّ البحث في مسألة الإجزاء يجري في جميع الواجبات، ولو لم يكن الدليل على وجوها من قبيل الدليل اللفظيّ، بل حتى ولو كان دليلاً لبّيّاً، ومع الشمول لذلك، فلا معنى لجعل الإجزاء مدلولاً للّفظ فقط، ولا وجه لجعل المسألة لفظيّة محضة.

والنقطة الخامسة:
في ما هو المُراد من كلمة <وجهه> في عنوان المسألة:
قال في الكفاية: <الظاهر أنّ المراد من وجهه في العنوان هو النهج الذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعاً وعقلاً، مثل أن يُؤتى به بقصد التقرّب في العبادة>( ).
لا يخفى: أنّه ليس المراد من الوجه هنا ما هو المعتبر عند المتكلّمين في العبادة من قصد الوجوب أو الاستحباب أو جهتهما، بل المراد منه: الكيفيّة التي اعتبرت في متعلّق الأمر، بمعنى: أنّ إتيان الواجب على الوجه الذي أُمر به، بحيث يقع تامّ الأجزاء والشرائط، وبالكيفيّة التي تعلّق بها الأمر، يكون مجزياً ومسقطاً لأمره.
ويُرشد إلى صحّة ما ذكرناه: أنّ قصد الوجه غير معتبر في صدق الامتثال للواجب عند المشهور، مع أنّهم في مبحث الإجزاء بحثوا المسألة بهذا الشكل، فقالوا: الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا؟
وبذلك ظهر: أنّه لا منافاة بين المبحوث عنه هنا في مسألة الإجزاء وبين إنكار لزوم قصد الوجه عندهم.
وبه أيضاً ظهر: عدم صحّة ما قد يقال: من أنّ ذكر الوجه في العنوان إنّما هو لإدخال قصد الوجه؛ إذ لا دليل على اعتبار قصد الوجه.
هذا من جهة.
ومن جهة أُخرى، فلو كان هذا هو المراد من الوجه لكان البحث مختصّاً بباب العبادات، دون مطلق المأمور به، ولو توصّليّاً، فتكون الواجبات التوصّليّة خارجة عن حريم النزاع، مع أنّ البحث عندهم عامّ.
ثمّ لو تنزّلنا بأنّ المراد من الوجه هو ما ذكره المتكلّمون، فلا معنى لإفراده وتخصيصه بالذكر دون سائر الأجزاء والقيود والشرائط؛ إذ على تقدير اعتباره ولزومه، فلن يكون حاله إلّا كحال تلك القيود والأجزاء والشرائط.
وبعد التقديم بهذه النقاط نقول:
لو أتى بالمأمور به تامّ الإجزاء والشرائط، وبالكيفيّة التي تعلّق الأمر بها، أجزأ وسقط الأمر به عقلاً، سواء كان ذلك الأمر أمراً واقعيّاً أم ظاهريّاً أم اضطراريّاً، وبالجملة: فالإتيان بالمأمور به على وجهه بكلّ أمر يقتضي الإجزاء عن أمره عقلاً، حتى في الأمر الظاهريّ والاضطراريّ، فإنّهما يسقطان بامتثالهما على النحو المزبور، ولو لم يؤدّ ذلك إلى سقوط أمر آخر، فمثلاً: لو أتى بالأمر الاضطراريّ على وجهه، فإنّه مجزٍ ومسقط لنفس هذا الأمر الاضطراريّ، ولو لم يكن مسقطاً للأمر الواقعيّ الأوّليّ.
وإذا عرفت هذا، فالنزاع ـ في الحقيقة ـ إنّما هو في دلالة الدليل على الإجزاء للمأمور به بالأمر الظاهريّ أو الاضطراريّ عن الأمر الواقعيّ أو عدم دلالته؟
وأمّا الكلام في أصل مبحث الإجزاء فيقع في مسائل ثلاث:
المسألة الأُولى: في أنّ الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء عن نفس أمره أم لا؟ أعمّ من أن يكون هذا الأمر واقعيّاً أم ظاهريّاً أم اضطراريّاً.
والمسألة الثانية: هل يكون الإتيان بالمأمور به الواقعيّ الثانويّ (الاضطراريّ) مجزياً عن الأمر الواقعيّ، ولو تبدّل الموضوع وزال العذر، سواء كان في الوقت أم خارجه، أم لا يكون كذلك، بل لابدّ من الإتيان به ثانياً، إمّا في الوقت أو خارجه؟
والمسألة الثالثة: هل يقتضي الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهريّ الإجزاء عن الأمر الواقعيّ، ولو مع انكشاف الخلاف ظنّاً أو علماً، أم لا؟

أمّا الكلام في المسألة الاُولى: وهي: إجزاء كلّ مأمور به عن أمره:
فثبوت الإجزاء فيها ممّا لا شكّ فيه؛ إذ بعد الإتيان بالمأمور به يسقط الأمر قهراً، ولا يجب الإتيان به ثانياً بمقتضى ذلك الأمر، لا أداءً ولا قضاءً؛ إذ يحصل الغرض بإيجاد ما تعلّق به الأمر، فيسقط الأمر به لا محالة، وإلّا، فلو كان باقياً بعد فرض حصول متعلّقه، لزم أن يكون من قبيل تحصيل الحاصل، بلا فرق بين أن يكون المأمور به توصّليّاً أو تعبّديّاً.
وبعبارة أُخرى: فبعد الإتيان بالمأمور به تامّ الأجزاء والشرائط فإمّا أن يكون الغرض والملاك قد حصل أو لا.
فالثاني: وهو عدم كونه وافياً بالغرض مع صدق المأمور به عليه خلف.
وأمّا الأول: فيلزمه سقوط الأمر؛ لحصول الغرض، والأمر تابع لحصول غرضه، فبعد حصوله يسقط الأمر قهراً، وإلّا، لم يكن تحصيله غرضاً للأمر وغاية له، وهذا خلف أيضاً.
فالحاصل: أنّ إجزاء الإتيان بالمأمور به عن أمره ضروريّ، وهو ممّا لا كلام ولا خلاف فيه.

الامتثال عقيب الامتثال:
وقد ظهر بما بيّنّاه: أنّ الامتثال عقيب الامتثال غير معقول.
ولكنّ صاحب الكفاية ادّعى جوازه في بعض الموارد، وهو ما إذا لم يكن المأمور به علّة تامّة لحصول الغرض. قال ما لفظه:
<نعم، لا يبعد أن يقال: بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبّد به ثانياً بدلاً عن التعبّد به أوّلاً ـ لا منضمّاً إليه كما أشرنا إليه في المسألة السابقة ـ، وذلك فيما علم أنّ مجرّد امتثاله لا يكون علّة تامّة لحصول الغرض، وإن كان وافياً به لو اكتفى به، كما إذا أتى بماءٍ أمر به مولاه ليشربه، فلم يشربه بعد؛ فإنّ الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد، ولذا لو أُهريق الماء واطّلع عليه العبد، وجب عليه إتيانه ثانيةً، كما إذا لم يأتِ به أوّلاً، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه، وإلّا لما أوجب حدوثه، فحينئذٍ: يكون له الإتيان بماءٍ آخر موافق للأمر، كما كان له قبل إتيانه الأوّل بدلاً عنه.
نعم، فيما كان الإتيان علّة تامّة لحصول الغرض، فلا يبقى موقع للتبديل، كما إذا أمر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه، فأهرقه، بل لو لم يعلم أنّه من أيّ القبيل فله التبديل باحتمال أن لا يكون علّة، فله إليه سبيل، ويؤيّد ذلك، بل يدلّ عليه: ما ورد من الروايات في باب إعادة من صلّى فرادى جماعةً، وأنّ اﷲ تعالى يختار أحبّهما إليه>( ).
وتوضيح ما أفاده: أنّ الإتيان بالمأمور به:
تارةً: يكون هو العلّة التامّة في حصول الغرض، كما إذا أمر المولى عبده بأن يُهرق له الماء في فمه لكي يرفع عطشه، ففعل العبد ما أمره به مولاه، فإنّ المأمور به حينئذ يكون علّة تامّة لحصول الغرض، وهو رفع العطش عن المولى. وفي هذا الفرض، لا يجوز تبديل الامتثال بعد الامتثال عقلاً؛ لسقوط الأمر بمجرّد الإتيان بالفعل، فلا يبقى محلّ للامتثال ثانياً.
وأُخرى: لا يكون علّة تامّة لحصول الغرض، بل تكون نسبته إليه نسبة المقتضي أو المعدّ، وذلك كما إذا توقّف حصول الغرض على أمرٍ اختياريٍّ للمولى، فإذا أمره المولى بإحضار الماء لرفع العطش عنه، فمن الواضح: أنّ الغرض لا يحصل بمجرّد إحضار الماء، بل إنّما يتوقّف حصوله على شرب المولى لهذا الماء ورفع عطشه به. وفي هذا الفرض، يرى صاحب الكفاية أنّه يجوز له ـ عقلاً ـ تبديل الامتثال والإتيان بفرد آخر أفضل منه، ليكون امتثالاً للأمر الأوّل، إذ المفروض أنّه لم يحصل الغرض بالإتيان به أوّلاً.
وقد أيّد دعواه هذه بما ورد في بعض الأخبار من جواز إعادة الصلاة جماعة لمن كان قد صلّى فرادى، كما في المرويّ عن أبي بصير، قال: «قلت لأبي عبد اﷲ: اُصلّي ثمّ أدخل المسجد، فتُقام الصلاة وقد صلّيتُ، فقال: صلّ معهم، يختار اﷲ أحبّهما إليه»( ).
وأمّا المحقق النائيني، فقد ذهب إلى أنّ تبديل الامتثال وإن كان ممكناً عقلاً وثبوتاً، إلّا أنّه يحتاج إلى دليل إثباتيّ، وهذا بناءً على مسلكه القائل بأنّ العبادات بالنسبة إلى آثارها معدّات، وليست من قبيل العلّة التامّة بحيث لا يتخلّف ولا يتأخّر وجود المعلول منها، بل يمكن أن توجد العلّة ويتخلّف المعلول، أعني: القبول وترتّب الآثار عليها، فترتّب الآثار يحتاج إلى أشياء أُخر لا ربط لها بفعل العبد، ككون العمل بحاجة إلى التصفية من قبل الملائكة وغير ذلك من الجهات، فلو أتى بفرد آخر، أمكن أن يصير هو الآخر مصفّىً ومورداً للقبول.
وإليك نصّ كلامه، قال:
<الذي يظهر من بعض الأعلام: أنّ تبديل الامتثال يكون على القاعدة، وللمكلّف أن يبدّل امتثاله، و يعرض عمّا امتثل به أوّلاً، و يأتي بالفعل ثانياً، هذا. ولكنّ الإنصاف: أنّه لا يمكن المساعدة على ذلك، بل يحتاج تبديل الامتثال إلى قيام دليل على ذلك؛ فإنّ تبديل الامتثال يحتاج إلى عدم سقوط الغرض عند سقوط الأمر، كما لو أمر بالماء لغرض الشرب، وأتى به العبد والمولى لم يشربه بعد؛ فإنّ الأمر بالإتيان بالماء، وإن سقط، إلّا أنّ الغرض بعد لم يحصل، فللعبد تبديل الامتثال ورفع ما أتى به من الماء وتبديله بماء آخر، فيحتاج تبديل الامتثال إلى بقاء الغرض أو مقدار منه، وإمكان قيام الفعل الثاني مقام الغرض. و هذا ـ كما ترى ـ يحتاج في الشرعيّات إلى دليل يكشف عن ذلك، ومع عدم قيامه لا يمكن للمكلّف التبديل من عند نفسه، ولم نعثر في الشريعة على دليل يقوم على جواز تبديل الامتثال>( )، إلى آخر ما جاء في كلامه.
ولكنّ هذا الكلام في حدّ نفسه مورد للتأمّل؛ لأنّ سقوط التكليف والأمر شيء، ووقوعه مقبولاً شيء آخر؛ إذ بمجرّد إتيان المكلّف بالفعل تامّ الأجزاء والشرائط يسقط الأمر به، وبعده فلا يبقى أمر ولا بعث حتى يتأتّى الانبعاث عنه، فالامتثال عقيب الامتثال يحتاج إلى دليل.
وقد استشكل المحقّق الأصفهاني فيما ذكره صاحب الكفاية بما لفظه:
<قد أشرنا في آخر مبحث المرّة والتكرار إلى أنّ إتيان المأمور به بحدوده وقيوده علّة تامة لحصول الغرض، فيسقط الأمر قهراً، والمثال المذكور في المتن كذلك؛ لأنّ الغرض الذي يعقل أن يكون باعثاً على الأمر بإحضار الماء هو تمكّن المولى من دفع عطشه به، لا نفس رفع العطش خصوصاً مع أنّ مصالح العبادات فوائد تقوم بها وتعود إلى فاعليها، لا أنّها عائدة إلى الأمر بها حتّى يتصوّر عدم استيفاء غرضه منها، بل من الأوفى، كما لا يخفى>( ).
وتوضيح ما أفاده:
أنّه يستحيل أن لا يكون المأمور به علّة تامّة لحصول الغرض لتبعيّة الأمر لتحصيل الغرض من المأمور به، فيستحيل أن يتوسّط بين الفعل وحصول الغرض مقدّمة غير اختياريّة للمكلّف، بل المأمور به لا ينفكّ عن الغرض من الأمر. وأمّا ما ذكر من مثال الأمر باحضار الماء للشرب، فالغرض من الأمر ها هنا ليس هو نفس الشرب فإنّه أمر اختياريّ للمولى لا يرتبط بالعبد، فلا معنى لانبعاث الأمر عنه، بل الغرض منه هو التمكّن من الشرب، وهو لا ينفكّ عن المأمور به، كما لا يخفى.
وعليه: فالإتيان بالفعل مطلقاً يكون موجباً لحصول الغرض؛ لأنّه علّة تامّة له، المُستَلزِم لسقوط الأمر المانع من جواز تبديل الامتثال.
وأمّا ما استُشكل به على صاحب الكفاية من <أنّ الكلام يدور بين الجواز عقلاً والمنع عقلاً، فلا معنى للاستدلال على الجواز بالروايات وبالدليل في مقام الإثبات>( ).
ففيه: أنّ ما أراده صاحب الكفاية هو أن يأتي بأقوى دليل على إمكان الشيء، وهو وقوعه، وكلامنا إنّما هو في أنّ تبديل الامتثال هل هو ممكن عقلاً أم لا؟
وممّا ذكرنا ظهر: أنّ مسألة الامتثال عقيب الامتثال تحتاج إلى دليل ففي بعض الموارد، ورد الدليل، كما فيما دلّ على جواز إعادة الصلاة جماعة، وأمّا الامتثال عقيب الامتثال بمعنى: انبعاث المكلّف ثانياً بنفس الأمر الأوّل، فغير تامّ، كما عرفت؛ إذ بعد الإتيان بالمأمور به تامّ الإجزاء والشرائط سقط الأمر الأوّل، فلا يكون هناك أمر حتى يكون الانبعاث عنه للإتيان بالمأمور به ثانياً.
وبالجملة: فلمّا لم يكن تبديل الامتثال موافقاً للقاعدة، كان بحاجة إلى دليل، إلّا أن يكون الغرض لم يحصل بعد، بأن لا يكون الإتيان بالمأمور علّة تامّة لحصوله، فهنا لا مانع من الإتيان به ثانياً. كما لو أمر المولى عبده بالإتيان بالماء ليشربه، فأتى العبد بالماء، فما دام الشرب لم يحصل بعد من المولى، فيكون ملاك الأمر باقياً وموجوداً، ومعه فلا ضير للعبد في الإتيان له بفرد آخر من الماء ثانياً.
بل يمكن أن يقال: بأنّ مسألة إعادة المنفرد صلاته جماعةً أو الإمام مرّةً أُخرى إماماً، هو من قبيل الامتثال عقيب الامتثال، ولكنّ الجواز هنا لم يكن من جهة القاعدة، بل من جهة قيام الدليل على الجواز.
وأمّا المحقق العراقيّ فقد رأى أنّ الحكم هنا يبتني على ما هو المختار من القولين في باب مقدّمة الواجب، قال:
<وأمّا لو لم يكن مجرّد الإتيان بالمأمور به علّة تامّةً لحصول الغرض وتحقّقه، بل كان لاختيار المولى أيضاً دخل في حصول غرضه، كما نظيره في العرفيّات في مثل أمر المولى عبده بإتيان الماء وإحضاره عنده لأجل الغرض الذي هو رفع عطشه بشربه إيّاه، حيث إنّه في مثل هذا الفرق لا يكون مجرّد الإتيان بالماء وإحضاره عند المولى علّة لحصول غرضه الذي هو رفع عطشه، بل كان لاختيار المولى وإرادته إيّاه للشرب أيضاً دخل في تحقّقه؛ لكونه هو الجزء الأخير من العلّة لحصول غرضه، الذي هو رفع عطشه، ففي مثله: حيثما كان الإرادة المتعلقة بإيجاد الماء بحسب اللّبّ إرادة غيريّة وتكون الإرادة النفسيّة لبّاً هي المتعلّقة بحيث رفع العطش، فلا جرم يبتني جواز الإتيان بالمأمور به ثانياً وعدم جوازه على القولين في باب مقدّمة الواجب: بأنّ الواجب هل هو مطلق المقدّمة ولو لم تُوصل؟ أو أنّ الواجب هو خصوص الموصلة منها؟
فعلى القول بوجوب مطلق المقدّمة: يكون حال هذا الفرض حال الفرض السابق، من علّيّة الإتيان بالمأمور به لسقوط الأمر وحصول الغرض، فكما أنّه في ذلك الفرض بإتيان المأمور به يسقط الأمر والتكليف، ولا يجب على المكلّف، بل لا يجوز عليه، الإتيان به ثانياً بعنوان امتثال الأمر بالطبيعة، كذلك في هذا الفرض، فبإتيان المأمور به في هذا الفرض أيضاً يسقط الأمر به، فلا يجوز له الإتيان به ثانياً بعنوان امتثال الأمر الأوّل فضلاً عن وجوبه.
وأمّا على القول بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة، لا مطلقها، فلازمه: هو جواز الإتيان بالمأمور به ثانياً بعنوان امتثال الأمر بالطبيعة مع عدم اختيار المولى إيّاه؛ إذ ما دام عدم اختيار المولى للمأتيّ به الأوّل حيثما كان الغرض الداعي على الأمر بعد بحاله، كان الأمر بالإيجاد والإتيان أيضاً على حاله من الفعليّة، غايته: أن ليس له الفاعليّة والمحرّكيّة بعد الإتيان بالمأمور به أوّلاً بملاحظة صلاحيّة المأتيّ به للوفاء بالغرض، لا أنّه يسقط رأساً بمجرّد الإتيان بالمأمور به، ونتيجة ذلك التفكيك بين فعليّة الأمر وفاعليّته هو: جواز الإتيان بالمأمور به ثانياً ما دام بقاء المأتيّ به الأوّل على صلاحيّته للوفاء بغرض المولى ووجوب الإتيان به في فرض خروجه عن القابلية المسطورة ـ كما في المثال من فرض إراقة الماء المأتيّ به لغرض الشرب قبل اختيار المولى إيّاه ـ إذ حينئذٍ: ربّما يجب على العبد والمأمور مع علمه بذلك الإتيان بفرد آخر من الطبيعيّ المأمور به كما لا يخفى، ونتيجة ذلك في فرض تعدّد الإتيان بالمأمور به هو: وقوع الامتثال بخصوص ما اختاره المولى منهما، لا بهما معاً، وصيرورة الفرد الآخر غير المختار لغواً محضاً، لا أنّه يتحقّق به الامتثال أيضاً كي يكون قضيّة الإتيان بالمأمور به متعدّداً من باب الامتثال عقيب الامتثال>( ).
وتوضيح ما أفاده: أنّ الفعل الذي يكون متعلّق الأمر:
إمّا أن يكون بنفسه مشتملاً للغرض الداعي للمولى إلى الأمر به فيكون تحقّقه في الخارج علّة تامّة لحصول الغرض، أي: غرض المولى، فحينئذ: بمجرّد الإتيان به يسقط الأمر.
وإمّا أن لا يكون نفس التحقّق والإتيان به علّة تامّة، بل إنّ فعل العبد يكون مقدّمة لما يترتّب عليه غرض المولى، وهو رفع العطش بشرب الماء مثلاً، أو يكون مقدّمة لفعل المولى الجوانحيّ، كما إذا كان الإتيان لأجل اختيار أحبّ الصلاتين.
فإذا كان فعل الأمر مقدّمة، فالأمر المتعلّق به أمر مقدّميّ غيريّ، فبناءً على وجوب المقدمة الموصلة: فإذا أتى بالفعل متعدّداً، فأيّهما اختاره المولى هو الذي يقع على صفة الوجوب، سواء كانت الصلاة الاُولى أو الثانية، فالامتثال يحصل بما اختاره اﷲ.
فلو شرب الماء من أحد الكأسين، فكان الواجب هو ما اختاره، وكذا بالنسبة إلى الصلاة المعادة، فالتي اختارها المولى هي التي تكون واجبة، وعلى هذا يُحمل ما ورد من الروايات الواردة في هذا الباب الدالّة على استحباب الإعادة بعد إتيان المكلّف به.
فظهر: أنّ نفس الإتيان ليس غرضاً أصليّاً للمولى، بل ماوقع عليه اختياره هو الذي يكون واجباً، فالفرد الذي لا يقع عليه اختياره لا يكون واجباً.
ولكنّ ما ذكره غير تامّ؛ لأنّ الصلاة التي هي أفضل الطاعات والتي وجوبها النفسيّ من المسلّمات، تخرج ـ بناءً عليه ـ عن الواجب النفسيّ، ليكون وجوبها غيريّاً، ولا يمكن الالتزام به.
بل لو التزمنا في جميع العبادات بهذا الرأي، لكان من الواجب ـ حينئذٍ ـ أن يقال: بأنّه ليس لنا واجب نفسيّ أصلاً، وهو واضح البطلان.
وأمّا ما قد يقال: من أنّ الواجب هي الصلاة الاُولى خاصّةً؛ لاشتمالها على المصلحة الملزمة، فهي التي تقع على صفة الوجوب، وأمّا الثانية: فهي مشتملة على مصلحة راجحة، ولكنّها ليست على نحو الإلزام، بل تقع على نحو الاستحباب، ولذا يجوز الاقتصار على الاُولى.
ففيه: أنّ الظاهر من قوله، <يختار اﷲ أحبّهما إليه>( ): أنّه يجعله محقّقاً لامتثال أمره بالصلاة الواجبة، أي: أنّ اﷲ يختار أحبّ العملين، ويجعله محقّقاً للامتثال دون العمل الآخر، وإن صدر من المكلّف أوّلاً.
وأيضاً: فبناءً على هذا المبنى، لا نتمكّن من الجزم بكون ما أتى به من أفراد المكلّف به واجباً، أوّلاً كان أو ثانياً؛ لأنّه لا يُدرى أيّ الفردين هو الذي يُتوصّل به إلى المولى، بل لابدّ أن يأتي بكل من الفردين رجاءً حتى يحصل على مُراد المولى وغرضه.
وقد نُسِب إلى المحقق الشيخ كاظم الشيرازي( ) وجه آخر، حاصله:
أنّ المولى إذا كان له غرض أقصى لا يحصل بمجرّد أن يؤتى بالفعل؛ فإنّ العُرف في مثل هذا الحال يرى أنّ المكلّف مخيّر بين إبقاء الفرد الأوّل وبين إتلافه والإتيان بفرد جديد آخر، أي: أنّ هناك وجوباً تخييريّاً تعلّق بإبقاء الفرد الأوّل والإتيان بفرد آخر على نحو التخيير.
وأمّا بناءً على القول المشهور، وهو أنّ المقام ليس من باب المقدّمة الموصلة، فلا يمكنه الإتيان بالفرد الثاني بعد الإتيان بالفرد الأوّل بعنوان الوجوب، لا بعنوان بالرجاء، لما بيّنّاه من سقوط أمره وتحقّق امتثاله للواجب.
فالحقّ: أنّ الامتثال عقيب الامتثال غير ممكن، وأنّ الصلاة الاُولى هي التي تكون مشتملة على المصلحة الملزمة فقط، وأمّا الثانية فهي مشتملة على مصلحة راجحة، ولا تقع على صفة الوجوب أصلاً، وليس معنى أنّ اﷲ تعالى يختار أحبّهما إليه، أنّه تعالى يجعله محقّق الامتثال دون العمل الآخر، بل بمعنى: أنّه يجعل أحدهما مقبولاً عنده، وقد عرفنا أنّ القبول شيء والسقوط شيء آخر، وكذلك فالقبول شيء والوقوع على صفة الوجوب شيء آخر، فإذا أتى بالصلاة منفرداً سقط التكليف والأمر، وأمّا الامتثال الثاني، فمستحبّ، ولا يقع على صفة الوجوب أصلاً.
وبعبارة أُخرى: فإنّ غاية ما يدلّ عليه <يختار اﷲ أحبّهما إليه> هو: أنّه تعالى يقبل أحدهما، والاختيار والقبول شيء والامتثال وسقوط الأمر شيء آخر، كما مرّ، فيكون الإتيان بالصلاة الأُولى علّة تامّة لحصول الغرض وسقوط الأمر.

وأمّا الكلام في المسألة الثانية: وهي إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ عن الأمر الواقعيّ:
فمثلاً: إذا كان مأموراً بالصلاة مع التيمّم، ثمّ ارتفع العذر فهل يجب عليه الإتيان بالصلاة مع الوضوء أم لا يجب بل يكون الإتيان بالصلاة مع التيمم مجزياً عنه؟
وبعبارة أُخرى: فهل يَثبت اقتضاؤه للإجزاء بالنسبة للإعادة عند زوال العذر في الوقت؟ أم أنّه يقتضي الإجزاء بالنسبة إلى القضاء خارج الوقت عند استيعاب العذر لتمام الوقت وزواله بعد الوقت؟ فمثلاً: لو تعذّر أحد أجزاء المأمور به أو شروطه، وأتى المكلّف بما هو فاقد القيد بعد تعلّق الأمر الاضطراريّ به، فهل يكون هذا الإتيان كافياً في مقام الامتثال، بحيث لا يجب الإعادة في الوقت ولا القضاء خارجه، بعد وجدان القيد، وبعد إمكان الإتيان به فيهما تامّ الأجزاء والشرائط؟ أم أنّه لا يكون كافياً كذلك؟
وبعبارة أُخرى: يمكن أن يقال: بأنّ تعلّق الأمر الاضطراريّ وافٍ بتمام مصلحة الأمر الاختياريّ، وهذا القيد الذي سقط وجوبه بالتعذّر كالطهارة المائيّة، ليس ركناً لمصلحة الأمر بالصلاة، وإلّا، فلو كان ركناً، فمع عدم إمكانه، كيف يأمر المولى به، كما في الأمر بالطهارة الترابيّة؟! فإنّ أمره به ـ حينئذٍ ـ يكون أمراً بشيءٍ لا ملاك ولا مصلحة فيه، مع أنّ الأوامر ـ كما هو الحقّ عند الإماميّة ـ تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، فمن أمره بالصلاة مع الطهارة الترابيّة، ينكشف الإجزاء بالإتيان بها كذلك، وينكشف ـ أيضاً ـ بأنّه في حال تعذّر الطهارة المائيّة يكون المأمور به تامّ المصلحة.
وعليه: فلابدّ من القول بالإجزاء، كما عليه أكثر المحقّقين.
وقبل الدخول في صلب الموضوع، لابدّ من بيان أنّ موضوع الأمر الاضطراريّ لابدّ وأن يكون متحقّقاً في الواقع، أي: لابدّ من أن يكون للأمر الاضطراريّ ثبوت واقعيّ حين الإتيان بالعمل، وذلك كما لو أُخذ في موضوعه الاضطرار آناً ما، فتحقّق كذلك، أو كان موضوعه الاضطرار المستمرّ إلى نهاية الوقت، فتحقّق كذلك أيضاً، فإنّه في كلا الحالين يكون للأمر الاضطراريّ ثبوت واقعيّ. وأمّا إذا لم يكن موضوعه متحقّقاً في الواقع، ولم يكن الأمر الاضطراريّ ثابتاً، كما إذا فرض تحقّق الموضوع بالوجدان أو بالاستصحاب ـ بناءً على إمكان جريانه في مثل الفرض ـ، ثمّ انكشف الخلاف وعدم تحقّقه واقعاً، كما لو كان موضوع الأمر هو الاضطرار تمام الوقت، فتخيّل أنّه يستمرّ الاضطرار معه إلى نهاية الوقت، أو قلنا بصحّة إجراء الاستصحاب في أمر استقباليّ، فاستصحب بقاء الاضطرار إلى نهاية الوقت، فجاء بالعمل الاضطراريّ ثمّ انكشف الخلاف بارتفاع الاضطرار في أثناء الوقت.
والذي هو محلّ البحث هنا ليس هو هذا القسم من الاُمور الاضطراريّة؛ إذ لا مأمور بالأمر الاضطراريّ فيه؛ لعدم وجود الأمر الاضطراريّ أصلاً كي يقع الكلام في إجزائه، فالحكم في هذا الفرض إنّما هو حكم المأمور به بالأمر الظاهريّ، وإنّما المبحوث عنه هنا هو القسم الأوّل.
وإذا اتّضح ذلك، فالكلام في هذا البحث يقع في اُمور:

الأمر الأول:
أن يكون متعلّق الأمر الاضطراريّ وافياً بتمام الغرض ومصلحة الأمر الاختياريّ، ولو كان هذا الاضطرار بسوء اختياره، ويكون الاضطرار ـ كالاختيار ـ من الصفات المنوّعة، كالقصر والإتمام وغيرهما ممّا يوجب تعدّد الموضوع، فالاضطرار والاختيار دخيلان في الموضوع والمصلحة، بل يجوز للمكلّف حينئذٍ ـ بناءً على هذا الفرض ـ أن يوقع نفسه في الاضطرار باختياره، لو فُرِض أنّ موضوع الاضطراريّ كان واقعاً في طول موضوع الاختياريّ؛ إذ ما دام وافياً بتمام الغرض، ولم يفت من المصلحة شيء، فيكون ذلك جائزاً.
بل يمكن أن يقال: بأنّ الأمر تعلّق بالجامع لمتعلّق الأمرين، ولكنّ فعليّة أثر كلّ منهما مختصّة بحالٍ من الأحوال، فبناءً على هذا: يجوز البدار بعد أن أحرز وفاء المأمور به الاضطراريّ بملاك الأمر الواقعيّ ولم يفت مصلحة الواقع، بل يكون راجحاً إذا أدرك فضيلة أوّل الوقت، ولا إشكال في الإجزاء؛ لأنّ الغرض حصل بتمامه وكماله، فسقط الأمر، ولا وجه ـ حينئذٍ ـ للإعادة في الوقت، ولا القضاء.

الأمر الثاني:
أن لا يكون الفعل الاضطراريّ وافياً بتمام مصلحة الفعل الاختياريّ، بل يبقى منه شيء، فحينئذ: إمّا أن يكون الباقي من المصلحة قابلاً للتدارك، وإمّا أن لا يكون كذلك.
وعلى الأوّل: فإمّا أن يكون بحيث يجب استيفاؤه، أو يكون استيفاؤه راجحاً فقط.
وقد تعرّض صاحب الكفاية إلى بيان أنحاء ما يمكن أن يقع عليه المأمور به الاضطراريّ ثبوتاً، وأنّها أربعة، قال:
<تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلّم فيه: تارةً: في بيان ما يمكن أن يقع عليه الأمر الاضطراريّ من الأنحاء، وبيان ما هو قضيّة كلٍّ منها من الإجزاء وعدمه. وأُخرى: في تعيين ما وقع عليه. فاعلم: أنّه يمكن أن يكون التكليف الاضطراريّ في حال الاضطرار كالتكليف الاختياريّ في حال الاختيار وافياً بتمام المصلحة وكافياً فيما هو المهمّ والغرض، ويمكن أن لا يكون وافياً به كذلك، بل يبقى منه شي‏ء أمكن استيفاؤه أو لا يمكن، وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه أو يكون بمقدار يستحبّ. ولا يخفى: أنّه إن كان وافياً به يجزي، فلا يبقى مجال أصلاً للتدارك، لا قضاءً، ولا إعادة، وكذا لو لم يكن وافياً ولكن لا يمكن تداركه، ولا يكاد يسوغ له البدار في هذه الصورة إلّا لمصلحةٍ كانت فيه، لما فيه من نقض الغرض وتفويت مقدارٍ من المصلحة لولا مراعاة ما هو فيه من الأهمّ، فافهم.
لا يقال: عليه فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار، لإمكان استيفاء الغرض بالقضاء. فإنّه يقال: هذا كذلك لولا المزاحمة بمصلحة الوقت. وأمّا تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصورة الاُولى فيدور مدار كون العمل بمجرّد الاضطرار مطلقاً، أو بشرط الانتظار، أو مع اليأس عن طروّ الاختيار ذا مصلحة ووافياً بالغرض. وإن لم يكن وافياً وقد أمكن تدارك الباقي في الوقت أو مطلقاً، و لو بالقضاء خارج الوقت، فإن كان الباقي ممّا يجب تداركه فلا يجزي، بل لابدّ من إيجاب الإعادة أو القضاء، وإلّا، فيجزي. ولا مانع عن البدار في الصورتين، غاية الأمر: يتخيّر في الصورة الاُولى بين البدار والإتيان بعملين: العمل الاضطراريّ في هذا الحال، والعمل الاختياريّ بعد رفع الاضطرار، أو الانتظار والاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار. وفي الصورة الثانية يُجزي البدار، ويستحبّ الإعادة بعد طروّ الاختيار. هذا كلّه فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراريّ من الأنحاء>( ).
وملخّص ما أفاده: أنّ لدينا بحسب مقام الثبوت صوراً أربع: لأنّه:
إمّا أن يكون وافياً بملاك الأمر الواقعيّ بتمامه أو لا يكون وافياً به بتمامه. والثاني: إمّا أن يكون المقدار الباقي من المصلحة والملاك ممّا لا يمكن تداركه، أو يكون ممّا يمكن تداركه. والثاني: إمّا أن يكون ذلك المقدار مصلحة ملزمة، أو لا يكون كذلك، فالصور أربعة.
الاُولى: أن يكون وافياً بتمام ملاك الأمر الواقعيّ.
الثانية: أن يكون وافياً ببعض الملاك، ولكنّ المقدار الباقي ممّا لا يمكن تداركه.
الثالثة: أن يكون وافياً ببعض الملاك، وأمكن تدارك الباقي، وكان ملزماً.
الرابعة: أن لا يكون المقدار الباقي الممكن تداركه ملزماً، بل بنحو يوجب الاستحباب.
أمّا الصورة الثالثة: ـ وهي ما لو كان وافياً ببعض الملاك، وأمكن تدارك الباقي، وكان لازم الاستيفاء ـ فلابدّ فيها من الإعادة، ويُلتزم فيها بعدم الإجزاء به.
وأمّا بالنسبة إلى البدار، فقد يقال: لا مانع منه؛ لأنّه لا يكون سبباً لتفويت مصلحة الواقع بعد فرض لزوم الإتيان بالفعل بعد ارتفاع العذر.
وبعبارة أُخرى: فالمكلّف مخيّر بين البدار بأن يأتي بالفعل الاضطراريّ ثمّ بالفعل الاختياريّ بعد زوال العذر، وبين أن يؤخّر ويأتي بالفعل الاختياريّ فقط حين ارتفاع العذر؛ لأنّ المصلحة تُستوفى في الصورتين.
وقد يقال: بترجيح البدار إذا أراد أن يراعي مصلحة الوقت أيضاً.
وأمّا الصورة الرابعة: ـ وهي ما لا يكون وافياً بتمام الغرض، وكان ممكن الاستيفاء، لكنّه غير لازم التدارك ـ:
فالحقّ فيها هو الإجزاء، بعد أن لم تكن المصلحة الفائتة سبباً للأمر الإلزاميّ، نعم، تكون منشأ للأمر الاستحبابيّ. ولا إشكال في هذه الصورة في جواز البدار والاضطرار اختياراً، ولو مع العلم بزوال العذر؛ لأنّ ما يفوت من المصلحة بسببهما غير لازم التحصيل، فلا يكون ثمّة مانع من تفويته عقلاً. فيقال حينئذٍ: حكمه حكم استحباب الجمع، فيبادر بالعمل ثمّ يأتي به ثانياً، أو يؤخّر العمل ويأتي بالعمل الاختياريّ بعد زوال العذر.
ولكن يرد الإشكال على ما ذكره في هذه الصورة:
أوّلاً: أنّه من التخيير بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين، وهو ـ كما قُرّر في محلّه ـ محلّ إشكال.
وثانياً: أنّ اللّازم حينئذٍ هو الإتيان بكلا العملين بعد أن فرض أنّ لكلّ منهما مصلحة، لا أن يكون مخيّراً بين وجوبهما أو وجوب الفعل التامّ بعد رفع الاضطرار تخييراً؛ إذ لا يكون هناك إلّا مصلحة واحدة، لا مصلحتان. وواضح أنّ التخيير إنّما يُتصوّر فيما لو كان إتيانه بأحد الفعلين كافياً له عن الإتيان بالثاني.
وهذا في محلّ البحث غير معقول؛ إذ بعد فرض أنّ الشارع لم يرفع اليد عن الفرد الاختياريّ، سواء كان قد أتى بالاضطراريّ أم لا، بل أوجب على المكلّف الإتيان به على كلّ من تقديري: الإتيان بالعمل الاضطراريّ الناقص في أوّل الوقت، وعدم الإتيان به، فلا معنى لإيجابه الفرد الناقص، فإذا كان المكلّف متمكّناً من الفرد الاختياريّ، وهو الصلاة مع الطهارة ـ مثلاً ـ، فلا تصل النوبة إلى الطهارة الترابيّة، إذ يكون الأمر الثاني (الاضطراريّ) واقعاً في طول الأمر الأوّل (الاختياريّ)، فينتج عنه: عدم جواز البدار. وأمّا ما قلناه سابقاً من جواز البدار وعدمه، فإنّما هو من جهة النظر في نفس الشيء.
وأمّا افتراض جوازه بملاك آخر أجنبيّ عن ملاك الواقع، فهو فرض خارج عن محلّ البحث، ولا صلة له بمحلّ الكلام.
وأمّا افتراض وجود مصلحة في نفس البدار، ولأجل تلك المصلحة جاز البدار، فهو ـ أيضاً ـ فرض خارج عن محلّ البحث.
وأمّا الصورة الثانية: ـ وهي ما لو كان وافياً ببعض الغرض، ولكن كان المقدار الباقي ممّا لا يمكن تداركه ـ، فلا إشكال في الإجزاء فيها، لعدم وجود الأمر الواقعي بعد أن كانت المصلحة الفائتة غير ممكنة التدارك، فلا ينشأ عن هذه المصلحة أمر بالفعل؛ لعدم إمكان تحصيلها.
وأمّا الصورة الأُولى: فهي تقتضي الإجزاء بلا كلام؛ لحصول تمام ملاك الأمر الواقعيّ بالمأمور به الاضطراريّ، فلا مجال لوجود الأمر الواقعيّ حينئذٍ، وكذا لا إشكال في جواز البدار حقيقة وواقعاً، لعدم الفرق ـ حينئذٍ ـ بين الفرد الاضطراريّ والفرد الاختياريّ في الوفاء بالملاك والغرض أصلاً.
هذا توضيح ما ذكره صاحب الكفاية في مقام الثبوت.
وأمّا في مقام الإثبات، فقد ذهب صاحب الكفاية أنّ لأدلّة الأمر الاضطراريّ إطلاقاً يُتمسّك به في المقام، وإليك نصّ ما أفاده:
<وأمّا ما وقع عليه: فظاهر إطلاق دليله، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾( )، وقوله: (التراب أحد الطهورين)( )، و(يكفيك عشر سنين)( )، هو الإجزاء وعدم وجوب الإعادة أو القضاء، ولابدّ في إيجاب الإتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص. وبالجملة: فالمتّبع هو الإطلاق لو كان، وإلّا، فالأصل، وهو يقتضي البراءة من إيجاب الإعادة، لكونه شكّاً في أصل التكليف، وكذا عن إيجاب القضاء بطريق أَوْلى. نعم، لو دلّ دليله على أنّ سببه فوت الواقع، ولو لم يكن هو فريضة، كان القضاء واجباً عليه لتحقّق سببه، وإن أتى بالغرض، لكنّه مجرّد الفرض>( ).
فلو تمّ ما ادّعاه من الإطلاق، فيكون مجزياً لا محالة، ولا يجب معه القضاء ولا الإعادة، ولا يدلّ على وجوبه ثانياً من دليل.
وأمّا إن لم يكن هناك إطلاق، فالمرجع ـ حينئذٍ ـ إلى الأصل العمليّ، ولا يخفى: أنّ دليلي المبدل والبدل إمّا مطلقان، وإمّا مبهمان، وإمّا دليل البدل مبهم دون دليل المبدل، وإمّا بالعكس، فالصور أربع.
وإنّما يُرجع إلى الأصل في واحدة من هذه الصور الأربع، وهي ما إذا كان كلٌّ من دليلي البدل والمبدل مبهماً؛ لأنّ الدليل حينئذٍ يكون مفقوداً، لعدم إمكان التمسّك بكلّ منهما مع إبهامه.
وأمّا إذا كان كلاهما مطلقاً، أو كان دليل المبدل مبهماً ودليل البدل مطلقاً، فيرجع إلى إطلاق دليل البدل، لحكومته على إطلاق دليل المبدل في الصورة الأُولى، وعدم مانع من الرجوع إليه في الصورة الأخيرة، وهي إبهام دليل المبدل وإطلاق دليل البدل، ضرورة أنّ دليل المبدل يكون ساقطاً عن الحجّيّة بعد فرض إبهامه، فيرجع إلى إطلاق دليل المبدل بلا مانع.
وأمّا لو كان كلّ منهما مبهماً، فلا يمكن التمسّك بهما كما ذكرنا، لعدم وجود الإطلاق فيهما، فتكون النتيجة بعد الرجوع إلى الأصل العمليّ هي: عدم الإعادة في الوقت والقضاء خارج الوقت.
ولكنّ الحقّ: هو التفصيل ـ كما ذكره بعض المحقّقين( ) ـ بين الإعادة والقضاء، بالرجوع إلى الأصل في الثاني دون الأوّل؛ إذ مع ارتفاع الاضطرار في الوقت، تجري قاعدة الاشتغال المقتضية لوجوب الإعادة، لكونه من صغريات التعيين والتخيير، حيث إنّ الصلاة مع الطهارة المائيّة ـ مثلاً ـ مفرّغة للذمّة قطعاً، بخلاف الصلاة مع الترابيّة، فإنّ مفرّغيّتها لها مشكوكة، فلا يكتفى بها عقلاً في مقام الامتثال.
وأمّا الثاني، وهو زوال العذر خارج الوقت، فتجري البراءة في وجوب القضاء، للشكّ في تحقّق موضوعه، وهو فوت الفريضة في الوقت، حيث إنّ من المحتمل انقلاب الواقع إلى المأمور به الاضطراريّ، فلم يفت فريضة في الوقت حتى يجب قضاؤها، ومن المحتمل عدم انقلابه إليه، فيصدق الفوت الموجب لقضائه، فيكون الشكّ حينئذٍ في التكليف، وهو مجرى البراءة.
نعم، في صورة ما لابدّ من القول بعدم الإجزاء والقضاء خارج الوقت، وهي ما إذا فرضنا أنّ الاضطرار كان من الأوصاف المنوّعة؛ فإنّه إذا كان كذلك، أوجب الاختلاف في الأحكام بالنسبة إلى محلّه، فيكون حاله حال السفر والحضر، وحينئذ: فلا معنى لسقوط واجب آخر بإتيان الواجب، ولا معنى للقول بالإجزاء عن الأمر المتعلّق بموضوع آخر.
هذا. ولكنّ القول بأنّ المقام يكون من قبيل السفر والحضر ضعيف.
وخلاصة البحث: في إجزاء الأمر الاضطراريّ عن الواقعيّ في بيان اُمور:
الأوّل: أنّه لابدّ في الأمر الاضطراريّ أن يكون مستوعباً لتمام الوقت، فلو لم يكن مستوعباً كذلك، مع أنّ المطلوب هو صرف الوجود في تمام الوقت المضروب له، لم يَصدق عليه أنّه مضطرّ؛ لأنّه قادر على الإتيان به في بعض الوقت، ففي هذه الصورة: لا يجوز البدار مع علمه بارتفاع الاضطرار في وقتٍ ما؛ وذلك لأنّ جواز البدار منوط بالعلم بعدم ارتفاع العذر، إلّا إذا كان هناك دليل على الجواز ـ كما ورد في باب التقيّة بأقسامها ـ فيُتّبع، حتى بالنسبة إلى التقيّة المداراتيّة. والمُراد بالتقيّة المداراتيّة هو: الحثّ على مداراتهم بحضور جنائزهم وصلواتهم. وأمّا إذا دلّ دليل على الإجزاء في غير المستوعب أيضاً، فإنّه يكون مجزياً؛ لأنّ مؤدّاه هو تنزيل البدل الاضطراريّ مقام الاختياريّ.
الثاني: أنّ الاضطرار لو كان سبباً للتنوّع، كالسفر والحضر، لكان الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ مجزياً.
الثالث: أنّ تشريع الحكم الاضطراريّ دليل على أنّ اشتمال متعلّق الأمر الاضطراريّ على مصلحة لازمة الاستيفاء في الوقت، وعدم الاهتمام بما يفوت في الوقت من مصلحة الشرط والجزء المضطرّ إلى تركه؛ إذ مع الاهتمام به لا وجه لتشريع الحكم الاضطراريّ المفوّت له، فلابدّ أنّ تكون المصلحة القائمة بالجزء أو الشرط المتروك اضطراراً ساقطة كخطابه، أو غير لازمة الاستيفاء، فوجوب الإتيان بالعمل الاختياريّ بعد الإتيان بالعمل الاضطراريّ محتاج إلى تشريعٍ ثانويّ، ولا يفي به تشريع المبدل أوّلاً؛ لأنّ الأمر بالجزء أو الشرط المضطرّ إلى تركه قد سقط، وليس هناك شيء يكون كاشفاً عن بقاء المصلحة.
اللّهمّ إلّا أن يدّعى: بأنّ دليل الجزء يكون كاشفاً عن الركنيّة، ففرض جزئيّته حينئذٍ، يكون كاشفاً عن ركنيّته.
وأمّا لو فُرِض أنّ متعلّق الأمر الاضطراريّ لم يكن وافياً بتمام الغرض، بل يكون وافياً بمرتبة منه، فيكون ملزماً مع مراعاة الوقت، فكان المقدار الفائت لازم الاستيفاء، فيشمله دليل: <من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته>( )، وإن قلنا بأنّ المصلحة الملزمة الفائتة واجبة الاستيفاء.
ولكن قد ذكرنا بأنّ ما يجب امتثاله إنّما هو ما طلب تحصيله لأجل المصلحة.
وأمّا ما ذكره المحقّق النائيني بقوله:
<وأمّا على الوجه الثاني؛ فلأنّه وإن فات من المكلّف مقدار من المصلحة، إلّا أنّ ذلك المقدار ممّا لا يمكن استيفاؤه؛ لأنّ استيفاءه إنّما يكون في طيّ استيفاء المصلحة الصلاتيّة وفي ضمنه، والمفروض: أنّ المكلّف قد استوفى المصلحة الصلاتيّة في ضمن الطهارة الترابيّة، فلا يمكنه استيفاء مصلحة الطهارة المائيّة؛ إذ ليست مصلحتها قائمة بنفسها، بل في ضمن الصلاة، مع أنّ القضاء لا يدور مدار فوت المصلحة، بل يدور مدار فوت المكلّف به، والمفروض أنّه قد أتى به في وقته، فلا يمكن قضاؤه>( ).
وتوضيحه: أنّ الفاقد ـ على فرض عدم وفائه بتمام مصلحة الواجد، وفوت مقدار منها ـ لا يلزم إعادته؛ لأنّه لا يمكن استيفاء ذلك المقدار؛ لعدم إمكان تحصيلها منفرداً؛ لأنّ حصولها لابدّ وأن يكون في ضمن مصلحة أصل المأمور به، والمفروض: أنّ أصل مصلحة المأمور به قد حصل، وتحصيل الحاصل محال.
فيرد عليه: أنّه ولو لم يكن واجباً استيفاؤه منفرداً، إلّا أنّه يمكن في ضمن أصل العمل، وتكرار العمل يكون ـ حينئذٍ ـ من باب المقدّمة لحصول المقدار الفائت، والمقدور بالواسطة مقدور.
نعم، لو دلّ دليل على عدم جواز تكرار أصل العمل، فكلامه تامّ حينئذٍ، ولكنّ هذا الفرض خارج عن محلّ الكلام.
الرابع: لو فُرِض أنّ الجزء له ملاك في الواقع، ولكن ما دام الشارع لم يطلبه، فهو غير واجب الاستيفاء، فالعقل إنّما يحكم بحسن إطاعة العبد وامتثاله فيما أمر المولى به، والغرض والمصلحة ليسا هما ما حكم الشارع بهما. نعم، إذا انكشف من الخارج أنّ الملاك موجود، وأنّ المولى يريده، ولكن لم يكن قادراً على إنشاء الحكم به لجهة وجود مانع خارجيّ، فحينئذ: يجب عليه الامتثال بعد رفع المانع، لكي يحصل على ما يريده المولى.
الخامس: أنّ دليل الاضطرار في عمومه وخصوصه هو كدليلي الضرر والحرج، من الأدلّة الواقعيّة النافية للحكم، فيكون رافعاً للحكم المتعلّق بالجزء أو الشرط، بلا فرق بين أن تكون القدرة شرطاً للملاك والخطاب معاً أم شرطاً للخطاب فقط.
السادس: بعد أن عرفنا حكومة دليل الأمر الاضطراريّ، ينكشف لنا أنّ الإتيان بالمأمور به بهذا الأمر الاضطراريّ يكون هو تمام الوظيفة.

وأمّا الكلام في المسألة الثالثة: وهي إجزاء المأمور به بالأمر الظاهريّ عن المأمور به بالأمر الواقعيّ:
لا يخفى: أنّ المُراد من الحكم الواقعي هو ما يستنبطه المجتهد من الأدلّة الاجتهاديّة.
فإذا قلنا: بأنّ الأمارات تكون حجّة من باب الطريقيّة المحضة، كانت من الأدلّة الاجتهاديّة، وكان الحكم المأخوذ منها حكماً واقعيّاً، بخلاف الحكم في مورد الاُصول، فإنّه يكون ظاهريّاً، فيكون الفرق بينهما ظاهراً.
وأمّا إذا قلنا بجعل الحكم في مورد الأمارات، وتنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فهو حكم ظاهريّ، كما أنّ ما يستنبط من الاُصول العمليّة يكون حكماً ظاهريّاً، فحينئذٍ: يكون بينهما اشتراك في جهة، وهي: عدم إجزائهما عن الواقع لو انكشف الخلاف، ولكن يختلفان: في أنّ الأوّل يستخرج من الأمارات، والثاني من الاُصول.
والكلام في هذه المسألة إنّما هو في إجزاء المأمور به بالأمر الظاهريّ عن المأمور به بالأمر الواقعيّ لو انكشف الخلاف، كما لو قام أصل أو أمارة على عدم وجوب السورة، فأتى بالصلاة بلا سورة، وانكشف له لاحقاً أنّ الإتيان بالسورة كان واجباً، فهل تكون هذه الصلاة التي جيء بها بدون السورة مجزية عن الواقع أم لا؟
ولا يخفى: أنّ انكشاف الخلاف تارةً يكون قطعيّاً، وأُخرى يكون ظنّيّاً، بالظنّ المُعتَبر أو بمطلق الحجّة المعتبرة شرعاً.
والكلام فيها يقع في صور ثلاث:
الصورة الأُولى: أن يكون المأمور به بالأمر الظاهريّ مفاد القطع.
والصورة الثانية: أن يكون المأمور به بالأمر الظاهريّ مفاد الأمارات.
والصورة الثالثة: أن يكون المأمور به بالأمر الظاهريّ مفاد الاُصول العمليّة.
وقبل الخوض في محلّ الكلام لابدّ من التنبيه على ما هو موضوع البحث هنا، فنقول:
إنّما يأتي بحث الإجزاء فيما إذا كان للحكم الظاهريّ ثبوت واقعيّ انقطع بانكشاف الواقع وانتهى أمده بمعرفة الواقع، وامّا إذا لم يكن له ثبوت واقعيّ، بل كان له وجود تخيّليّ يتّضح انتفاؤه من أوّل الأمر بانكشاف الواقع، بل في الواقع، لم تقم حجّة واقعيّة في حقّه، بل تخيّل أنّه حجّة، وفي الواقع لم يكن إلّا جهلاً مركّباً، فهذا يكون خارجاً عن محلّ البحث؛ إذ لم يثبت الحكم الظاهريّ في حقّ الجاهل جهلاً مركّباً وإن كان معذوراً حين العمل لجهله المركّب، وهو لا يستلزم ثبوت الحكم الظاهريّ، ومعه: فلا تصل النوبة إلى الحديث عن أنّ هذا الحكم الظاهريّ المتخيّل هل يكون مجزياً عن الحكم الواقعيّ أم لا؟
وفي هذا يقول صاحب الكفاية:
<ولا ينبغي توهّم الإجزاء في القطع بالأمر في صورة الخطأ؛ فإنّه لا يكون موافقة للأمر فيها، وبقي الأمر بلا موافقة أصلاً، وهو أوضح من أن يخفى>( ).
ولا يخفى: أنّ تبدّل رأي المجتهد وانكشاف كون الحكم الواقعيّ خلاف ما كان يرتئيه أوّلاً، تارةً يتصوّر بالنسبة إلى عمل نفسه، وأُخرى بالنسبة إلى مقلّديه.
أمّا بالنسبة إلى عمل نفسه، فهذا لا يدخل في موضوع البحث؛ لأنّ الحكم الظاهريّ الثابت في نظره أوّلاً بواسطة الاستناد إلى حجّة حكم تخيّليّ، ثمّ بعد العمل به انكشف أنّه قد اشتبه في استفادة الحكم المزبور؛ إمّا لاشتباهه في دلالة الدليل، فكان يتخيّل ظهوره في شيء، ثمّ يظهر له أنّه ظاهر في غيره، أو من جهة الخطأ في سند الدليل بتخيّله أنّ المخبر ثقة فانكشف خلافه.
وبعبارة أُخرى: فإنّه بالنسبة إلى عمل المجتهد نفسه، فليس للحكم الظاهريّ المتخيّل الذي عمل به وجود واقعي في حقّه؛ لأنّه لم يكن مستند هذا الحكم إلى حجّة، وإذ لم ينشأ الحكم عن قيام الحجّة، كان حكماً تخيّليّاً انكشف عدمه من أوّل الأمر بانكشاف عدم حجّيّة ما استند إليه في مقام الحكم، فلا يَصدق عليه الحكم الظاهريّ، فلو قلنا بإجزاء الحكم الظاهريّ عن الواقعيّ، فهو لا يشمل هذا الفرد قطعاً.
نعم، يتأتّى بحث الإجزاء في الفرض بالنسبة إلى عمل مقلّديه، بعدما كان قول المجتهد بالنسبة إليه حجّة واقعاً، فيكون الحكم الأوّل ثابتاً عليهم في مرحلة الظاهر واقعاً، وهو وإن كان قد ارتفع بالحكم الثاني المستنبط أخيراً، إلّا أنّه ارتفع من حين حصول الرأي الثاني، لا من أوّل الأمر.
فتحصّل: أنّه يُشكل الإجزاء بالنسبة إلى عمل نفسه، وأمّا بالنسبة إلى عمل مقلّديه فيتأتّى البحث بالإجزاء وعدمه؛ لأنّ قول المجتهد حجّة للمقلّد، فالحكم يكون ثابتاً من الأوّل في حقّهم، أي: مرحلة الظاهر واقعاً، فارتفاع الحكم الأوّل بالحكم المستنبط أخيراً كان من حين الرأي الثاني، لا من أوّل الأمر.
وملخّص القول: أنّه لا وجود للحكم الظاهريّ في صورة القطع بالواقع، إذا كان هذا القطع من قبيل الجهل المركّب، وإذا لم يكن هناك من حكم ظاهريّ، فمن الواضح: أنّه لا يتأتّى فيه البحث أصلاً في أنّه هل يكون مجزياً عن الواقع أم لا؟
وإنّما يبحث فيما إذا كان للحكم الظاهريّ ثبوت واقعيّ في زمان محدود يتحدّد بانكشاف الخلاف، بحيث يكون انكشاف الخلاف رافعاً للحكم الظاهريّ من حينه، لا من أوّل الأمر، فهو لا يكشف عن عدم ثبوت الحكم الظاهريّ، بل يكون رافعاً له.
وأمّا المأتيّ به بالأمر الظاهريّ الشرعيّ، فهو تارةً يكون كاشفاً عن الخلاف القطعيّ، كما إذا قام خبر الواحد على عدم وجوب السورة في الصلاة، فأفتى به المجتهد، وعمل هو ومقلّدوه عليه مدّة من الزمن، ثمّ بعد ذلك عثر على خبر متواتر قطعيّ يدلّ على وجوب السورة، ففي مثل هذه الصورة:
الحقّ عدم الإجزاء، سواء كان بالنسبة إلى الإعادة أو بالنسبة إلى القضاء، إلّا إذا كان مؤدّى دليله هو جعل الحكم وإنشاؤه، كإنشاء الحلّيّة والطهارة. فإنّه في هذا الفرض، لا يمكن أن نلتزم بالإجزاء إلّا بعد الالتزام بحدوث مصلحة في متعلّق الأمارة عند قيامها على الخلاف، وهذا، كما ترى، عين القول بالتصويب.
ثمّ إنّ صاحب الكفاية التزم بعدم الإجزاء في موارد الأمارات الجارية في تنقيح ما هو الموضوع أو المتعلّق بناءً على الطريقيّة، وبالإجزاء بناءً على السببيّة.
وأمّا الاُصول والأمارات الجارية في نفس الأحكام الشرعيّة، فقد التزم بعدم الإجزاء في مواردها مطلقاً، قيل بالطريقيّة أو السببيّة.
وإليك نصّ كلامه ـ ننقله بطوله لما فيه من الفائدة ـ:
<والتحقيق: أنّ ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلّقه، وكان بلسان تحقّق ما هو شرطه أو شطره، كقاعدة الطهارة أو الحلّيّة، بل واستصحابهما في وجه قويّ، ونحوها، بالنسبة إلى كلّ ما اشترط بالطهارة أو الحلّيّة، يجزي؛ فإنّ دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط ومبيّناً لدائرة الشرط، وأنّه أعمّ من الطهارة الواقعيّة والظاهريّة، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجباً لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل. وهذا بخلاف ما كان منها بلسان أنّه ما هو الشرط واقعاً، كما هو لسان الأمارات، فلا يجزي، فإنّ دليل حجّيّته حيث كان بلسان أنّه واجد لما هو شرطه الواقعيّ، فبارتفاع الجهل ينكشف أنّه لم يكن كذلك، بل كان لشرطه فاقداً. هذا على ما هو الأظهر الأقوى في الطرق والأمارات من أنّ حجّيّتها ليست بنحو السببيّة، وأمّا بناءً عليها، وأنّ العمل بسبب أداء أمارة إلى وجدان شرطه أو شطره يصير حقيقةً صحيحاً كأنّه واجد له، مع كونه فاقده، فيجزي لو كان الفاقد معه ـ في هذا الحال ـ كالواجد في كونه وافياً بتمام الغرض، ولا يجزي لو لم يكن كذلك، ويجب الإتيان بالواجد لاستيفاء الباقي، إن وجب، وإلّا، لاستحبّ. هذا مع إمكان استيفائه، وإلّا فلا مجال لإتيانه كما عرفت في الأمر الاضطراريّ. ولا يخفى: أنّ قضيّة إطلاق دليل الحجّيّة ـ على هذا ـ هو الاجتزاء بموافقته أيضاً، هذا فيما إذا أحرز أنّ الحجّيّة بنحو الكشف والطريقيّة، أو بنحو الموضوعيّة والسببيّة. وأمّا إذا شك فيها ولم يحرز أنّها على أيّ الوجهين، فأصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف مقتضية للإعادة في الوقت، واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليّاً في الوقت لا يُجدي، ولا يُثبت كون ما أتى به مسقطاً إلّا على القول بالأصل المثبت، وقد علم اشتغال ذمّته بما يشكّ في فراغها عنه بذلك المأتيّ.
وهذا بخلاف ما إذا علم أنّه مأمور به واقعاً وشكّ في أنّه يُجزي عمّا هو المأمور به الواقعيّ الأوّليّ، كما في الأوامر الاضطراريّة أو الظاهريّة، بناءً على أن يكون الحجّيّة على نحو السببيّة، فقضيّة الأصل فيها، كما أشرنا إليه، عدم وجوب الإعادة، للإتيان بما اشتغلت به الذمّة يقيناً، وأصالة عدم فعليّة التكليف الواقعيّ بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف.
وأمّا القضاء، فلا يجب، بناءً على أنّه فرض جديد، وكان الفوت المعلّق عليه وجوبه لا يثبت بأصالة عدم الإتيان، إلّا على القول بالأصل المثبت، وإلّا فهو واجب كما لا يخفى على المتأمل، فتأمّل جيّداً.
ثمّ إنّ هذا كلّه فيما يجري في متعلّق التكاليف، من الأمارات الشرعيّة والاُصول العمليّة، وأمّا ما يجري في إثبات أصل التكليف، كما إذا قام الطريق أو الأصل على وجوب صلاة الجمعة يومها في زمان الغيبة، فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة الظهر في زمانها، فلا وجه لإجزائها مطلقاً. غاية الأمر: أن تصير صلاة الجمعة فيها أيضاً ذات مصلحة لذلك، ولا ينافي هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة كما لا يخفى، إلّا أن يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد>( ).
وبالجملة: فليس مفاد الأمارة إلّا الحكاية عن الواقع، أو المنجّزيّة والمعذّريّة، فالمجعول فيها ليس إلّا الطريقيّة، من دون أن توجب حدوث مصلحة أو مفسدة في المتعلّق، بل المتعلّق باقٍ على ما كان عليه قبل قيام الأمارة، ولم يكن ما دلّت عليه الأمارة إلّا السراب؛ إذ ـ كما ذكرنا مراراً ـ ليس لنا أمر ظاهريّ، بل ظاهر الحكم وإتيانه بهذا العمل الذي هو مؤدّى الأمارة لا يُفيد، لكونه لم يأتِ بالمأمور به الواقعيّ.
وفي الواقع: فإنّ حال الأمارات ليس إلّا كحال العلم، وإنّما الفرق بينهما أنّ حجّيّة العلم ذاتيّة له، وحجّيّة الأمارة إنّما تثبت لها بالجعل، ولكن في كلتا الحالتين: فلو انكشف الخلاف، فلا يكون مجزياً، حتى على القول بالمصلحة السلوكيّة، ولو كان نوعاً من التصويب أيضاً، ولكن، ومع ذلك، فلا يمكن القول بالإجزاء؛ إذ حتى بناءً على ذلك، فليس المراد أنّها توجب حدوث مصلحة في المتعلّق، فلا تكون مفيدة للإجزاء عند كشف الخلاف.
ولك أن تقول: إنّ حجّيّة الأمارات إمّا أن تكون على نحو الطريقيّة، وامّا أن تكون على نحو السببيّة. وعلى السببيّة، فإمّا أن تكون المصلحة في المتعلّق أو السلوك أو الحكم. وإن كانت على نحو الطريقيّة، بأن تكون طريقاً إلى الحكم أو إلى موضوع الحكم، فإنّ معنى الطريقيّة أنّه لابدّ من الإتيان بالعمل الواقعيّ، والمطلوب إنّما هو حصول المصلحة الواقعيّة، فعلى تقدير خطأ الأمارات وانكشاف الخلاف، لم يكن قد أتى بما هو المطلوب منه، ولم يكن ممتثلاً للتكليف المتوجّه إليه، فلو فُرِض أنّه كان في الواقع مكلّفاً بصلاة الظهر في يوم الجمعة، فأتى بالجمعة، ثمّ انكشف له الخلاف، فالذي كان عليه واجباً في الواقع هو الظهر، فلم يكن المكلّف في هذه الحالة ممتثلاً للتكليف المتوجّه إليه في الواقع، فكان ما أتى به سراباً، ولم يكن ماءً، مع أنّ المطلوب منه هو إتيان الماء. فلو قامت الأمارة المعتبرة على وجوب شيء، ثمّ انكشف الخلاف، لم يكن مجزياً.
فإن قلت: بناءً على المعنى الآخر للطريقيّة ـ وهو أنّ لسان الحجّيّة في الأمارات هو لسان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ـ نستكشف: أنّ مصلحة الجعل تكون وافيةً بمصلحة الواقع، فيقال ـ حينئذٍ ـ بالإجزاء. نعم، إذا كان الجعل بلسان تتميم الكشف، أو وجوب العمل على طبق المؤدّى، فلا يكون مجزياً حينئذٍ؛ لأنّ معنى الجعل هو أن يكون الشيء ذا مصلحة، بحيث يكشف عن أنّ تلك المصلحة تكون وافيةً بمصلحة الواقع.
قلت: الصحيح في الفرض المذكور هو القول بعدم الإجزاء؛ إذ حتى لو فُرِض في الأمارة مصلحة، ولكنّ جعل تلك المصلحة لم يكن إلّا من باب التسهيل على المكلّفين، وبين المصلحتين ـ أعني: مصلحة التسهيل ومصلحة الحكم الواقعيّ ـ مباينة، ومعه: فكيف يتصوّر أن تفي إحداهما عن الأُخرى؟ هذا أوّلاً.
وثانياً: إنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يكون نظير خطاب المولى للمكلّف بالعمل على طبق الواقع، فكما أنّ التعبّد بالعمل على طبق المؤدّى لا يستلزم أن يكون العمل ذا مصلحة تكون وافية بمصلحة الواقع عند الفوت، فكذلك المصلحة في تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، لا يلزم أن تكون وافية أيضاً.
وبعبارة أُخرى: فإنّ الأمارات إن كانت حجّة من باب تتميم الكشف، وجعل ما فيها من الكشف الناقص بمنزلة الكشف التامّ بواسطة الاعتبار، فعند قيام الأمارة لم تحدث في المتعلّق مصلحة من طرفها، وليس هناك من جعل شرعيّ في البين، فيكون حال الأمارات عين حال القطع، فكما أنّه بواسطة قيام القطع لا تحدث مصلحة في المتعلّق حتى نقول بإجزائه، حيث لم يكن هناك جعل من الشارع، فلم يكن هناك وجه للقول بالإجزاء، فكذلك بالنسبة إلى قيام الأمارات والاُصول مطلقاً، سواء كانت تنزيليّة أم غيرها.
وحيث لم يكن هناك مصلحة في المتعلّق ولا جعل، فيكون حال الأمارات والاُصول حال القطع عند انكشاف الخطأ، بلا فرق بين أن تكون الأمارات قائمة على الحكم الشرعيّ، وضعيّاً كان أو تكليفيّاً، أو على موضوع حكم شرعيّ؛ إذ لو قامت الأمارة على موضوع ما، واعتبره الشارع موضوعاً لحكم شرعيّ، أو على موضوع خارجيّ كان ذا حكم شرعيّ، فحالها ـ إذ ذاك ـ حال الحكم الشرعيّ في عدم الإجزاء؛ لعدم جعل شرعيّ هناك من قبل الشارع، وعدم تغيّر الموضوع الخارجيّ عمّا هو عليه بواسطة الأمارة.
ثمّ إنّه قد يقال بالإجزاء في الأمارات التي تجري في الموضوعات؛ لحكومة دليل حجّيّة الأمارة على ما دلّ على اعتبار الموضوعات الواقعيّة، فالشيء الفلاني ولو كان بحقيقته الواقعيّة جزءاً، إلّا أنّ دليل حجّيّة الأمارة، بما أنّه كان حاكماً، فيكون سبباً في التوسعة في الجزء والشرط، فيترتّب على ذلك: أن يكون المراد من الجزء والشرط ما هو أعمّ من الجزء والشرط الواقعيّ. فالوضوء الذي قامت الأمارة على طهارة مائه مثلاً، يكون ـ بناءً عليه ـ واجداً لشرائط الوضوء الواقعيّ، فيكون انكشاف الخلاف موجباً لارتفاع الموضوع.
ولكنّ الحقّ: أنّه لا إجزاء، وليس هناك ارتفاع للموضوع أصلاً، وبما أنّ جعل الأمارة هو من باب الطريقيّة، فلا يكون سبباً لتغيّر الموضوع الواقعيّ عمّا كان عليه.
فلو فُرِض أنّ موضوع الوضوء كان هو الماء، ودلّت الأمارة على أنّ المائع الفلاني ماء، فبقيام الأمارة على ذلك المائع الذي هو ماء الرمّان أو الزبيب ـ مثلاً ـ لا يصبح هذا المائع ماءً، لا حقيقةً، كما هو واضح، ولا تنزيلاً؛ لأنّ هذا التنزيل لم يدلّ على أكثر من ترتيب الآثار الواقعيّة على مؤدّى الأمارة. ولا دلالة له على أنّ العمل على طبق الأمارة يكون سبباً لحدوث مصلحة له تفي بمصلحة الواقع حتى في حال الشكّ.
نعم، لو ثبت هذا التنزيل وقلنا بالسببيّة والموضوعيّة في الأمارات التي قامت على الموضوعات، فنلتزم بالإجزاء، وكذا نلتزم بأنّ التصويب المجمع على بطلانه هو التصويب في الأحكام، لا الموضوعات، ولكن أنّى لهذا القول أن يكون صحيحاً مع ما نراه من أنّ لسان أدلّة حجّيّة الأمارات في الأحكام والموضوعات ليس إلّا التسهيل، ومصلحة التسهيل ـ كما عرفت ـ مباينة لمصلحة الواقع، فلا تفي بها.
هذا كلّه بناءً على الطريقيّة.
وأمّا بناءً على السببيّة، فهل يجزي عن الواقع مطلقاً، سواء كان مؤدّى الأمارة حكماً أو موضوعاً أم لا يجزي عنه؟
فنقول: إنّ السببيّة والموضوعيّة على أقسام أربعة:
الأوّل: وهو كون الأحكام الواقعيّة تابعة لآراء المجتهدين، وليس هناك في الواقع أحكام واقعيّة محفوظة بحيث قد يصيبها المجتهد ويصل إليها بتوسّط الأمارات والأدلّة، وقد يخطئ، بل إذا تبدّل رأيه إلى رأي آخر كان من باب تبدّل الموضوع؛، لانقلاب الحكم بانقلابه، ولا يُعقَل انكشاف الخلاف أصلاً؛ لأنّ ما هو الواقع إنّما هو ما توصّل إليه برأيه، وليس وراء رأيه شيء. وهذا هو التصويب الأشعريّ، وهو باطل شرعاً وعقلاً؛ إذ هو محال مجمع على بطلانه.
والثاني: أن تحدث في مؤدّى الأمارات والاُصول ـ بواسطة قيامهما على الحكم الشرعيّ ـ مصلحة أو مفسدة تكون غالبة على مصلحة الواقع أو مفسدته، فيكون الحكم مجعولاً على طبقهما دون الواقع، فيكون الحكم الواقعيّ الفعليّ هو مؤدّى الأمارات والاُصول، ويبقى الحكم الواقعيّ الأصليّ في مرتبة الشأن، وهذا هو التصويب المعتزليّ، وليس بمحال، ولكنّ الإجماع من الطائفة منعقد على خلافه، وإن كان يظهر من كلام شيخ الطائفة وبعضٍ آخر تصديق هذا القسم من التصويب( ).
والثالث: وهو من التصويب أيضاً، بمعنى القول بالمصلحة السلوكيّة، أي: بأنّ المصلحة تكون في السلوك، وهذا ـ أيضاً ـ باطل وتصويب؛ لاستلزامه اجتماع المصلحتين المتضادّتين، كما سنذكره في محلّه، إن شاء اﷲ تعالى.
والرابع: ما ورد عن المحقق العراقيّ( ) من أنّ المتعلّقات وموضوعات الأحكام لها مصالح ومفاسد في الرتبة السابقة على الجهل بتلك الأحكام، وهي مناطات الأحكام الواقعيّة، ولها ـ أيضاً ـ مصالح ومفاسد في الرتبة المتأخّرة عن الجهل بها، وهي مناطات الأحكام الظاهريّة.
وقد يُتوهّم أنّ هذا القسم الرابع هو نفس القسم الثاني المتقدّم، ولكنّ الصحيح أنّ بينهما فرقاً؛ إذ في القسم الثاني ـ كما مرّ ـ تتبدّل المصالح والمفاسد الواقعيّة، فلا تقتضي جعلاً على طبقها، فليس في البين إلّا تلك الأحكام الظاهريّة. وأمّا في هذا القسم، فلكلّ متعلّق وموضوع جُعِل حكمان: واقعيّ وظاهريّ، ولا تناقض في البين؛ لاختلاف رتبة هذين الحكمين، فإذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة ـ مثلاً ـ وفرضنا أنّ الواجب في الواقع هو صلاة الظهر، فلم توجب الأمارة تغييراً للواقع ولا انقلاباً له، ولم تؤدّ إلى جعل غير الواجب واجباً، بل إنّما تكون الأمارة سبباً لحدوث مصلحة في السلوك ويتدارك ما فات من مصلحة الواقع، ومعنى اختلاف الرتبة: أنّه لا الحكم الواقعيّ ينزل إلى مرتبة الظاهريّ، ولا الحكم الظاهريّ يصعد إلى رتبة الحكم الواقعيّ، بل كلّ واحد منهما يقف على موضوعه.
ولكنّ هذا أيضاً من التصويب الباطل؛ لما يأتي في مبحث الجمع بين الحكمين الظاهريّ والواقعيّ، حيث نقول: بأنّ الحكم الظاهريّ ولو لم يصعد إلى رتبة الحكم الواقعيّ، ولكنّ الحكم الواقعيّ بإطلاقه يشمل حتى هذه المرتبة ويكون ناظراً إليه، فيحصل اجتماع الضدّين.
فظهر مما ذكرنا: أنّ التصويب يأتي في جميع هذه الأقسام، وهو باطل إمّا عقلاً وإمّا إجماعاً وإمّا حقيقةً.
وإذا عرفت ذلك، نقول:
أمّا على القول الأوّل: وهو القول بأنّ الحكم ينحصر في مؤدّى الأمارة، أو أنّ الحكم الواقعيّ ينقلب بعد قيام الأمارة إلى ما هو مؤدى الأمارة، فلا شكّ في أنّه ـ بناءً على صحّة هذا القول ـ يكون مجزياً، فلا يحتاج إلى القضاء ولا إلى الإعادة.
وأمّا على القول الثاني: وهو أنّ قيام الأمارة يوجب حدوث مصلحة في مؤدّاها تجبر ما فات من مصلحة الواقع، كمن صلّى أوّل الوقت، أو مصلحة تمام الواقع مع انكشاف الخلاف، في آخر الوقت أو خارجه، فإن قلنا بأنّ الصلاة ـ مثلاً ـ مشروطة بالطهارة المائيّة، وعلم بأنّ الماء كان نجساً، إمّا في داخل الوقت، أي: في الشق الأخير من الوقت، أو في خارجه، فلا شكّ في الإجزاء حينئذٍ أيضاً.
وأمّا على القول الثالث: وهو أنّ قيام الأمارة على شيء يكون موجباً لحدوث مصلحة تكون غالبة على مصلحة الواقع، كما إذا قامت الأمارة على طهارة ماء، وكان في الواقع نجساً، فتوضّأ به المكلّف وصلّى، فبقيام هذه الأمارة تحدث في الوضوء مصلحة تكون غالبة على الإتيان بالوضوء بالماء الطاهر، وهذا النوع من السببيّة وإن لم يكن من التصويب المجمع على بطلانه أو الفاسد، عقلاً أو شرعاً، ولكنّه على خلاف ظاهر الأدلّة.
وأمّا على القول الرابع: وهو أن تكون المصلحة في نفس الأخذ بالشيء ـ كما مرّ ـ، أي: في السلوك، لا المتعلّق، وهذه المصلحة السلوكيّة تحافظ على الواقع باقياً على حاله في صورتي الخطأ والإصابة.
غاية الأمر: أنّه في صورة الخطأ يتدارك ما يفوت من مصلحة الواقع بسبب سلوك الأمارة، أي: بمقدار ما فات منه، وبسبب مخالفتها للواقع، فيجب عليه تدارك ما بقي عند انكشاف الخلاف؛ فلو أفتى بوجوب القصر في مكان عملاً بأمارة وردت بذلك، وكان في الواقع يجب عليه الإتمام، ثمّ انكشف له خطأ الأمارة، فحينئذ: إذا كان الانكشاف في الوقت، وجبت الإعادة لإحراز المصلحة الواقعيّة والوقتيّة، حتى وإن كانت المصلحة الوقتيّة الفائتة متداركة بسلوكه الأمارة؛ فالقول بالسببيّة بهذا المعنى هو عين القول بالطريقيّة.
وأمّا بالنسبة إلى القضاء، فلا، بل هو مقتضٍ للإجزاء، ولا تجب عليه الإعادة؛ لأنّ سلوك الأمارة في مجموع الوقت إذا فرض وفاؤه بمصلحة الصلاة في الوقت ـ كما هو مقتضى القول بالسببيّة ـ كان ذلك موجباً للإجزاء، كما إذ لم ينكشف الخلاف أصلاً، وكانت مصلحة الصلاة الفائتة متداركة بسبب سلوك الأمارة، فحينئذٍ: لا شيء على المكلّف أصلاً.
ولا يخفى: أنّ هذا النوع ـ أيضاً ـ من التصويب، كما سبق، لتأديته إلى رجوع الواجب التعيينيّ إلى التخييريّ؛ إذ بناءً عليه: فإنّ مصلحة صلاة الظهر ـ مثلاً ـ في وقتها الواقعيّ تكون قائمةً بأحد الشيئين: إمّا بصلاة الجمعة، أو بما كان مؤدّى للأمارة، فيما لو لم ينكشف الخلاف في الوقت. ولا يخفى: أنّ انقلاب التعيينيّ إلى التخييريّ نوع من التصويب.
وعلى أيّ حال، فغاية ما يمكن أن يتصوّر في الإجزاء ـ بناءً على القول بالسببيّة ـ هو: أن يكون في المتعلّق مصلحة مسانخة لمصلحة الواقع، بحيث لا تبقى للواقع مصلحة بعد قيامها، أو يكون وافياً بمصلحته عند فوتها.
وأمّا ما التزم به في الكفاية من القول بالإجزاء في مورد الأمارة الجارية في تحقيق الموضوع أو المتعلّق بناءً على السببيّة، فقد بيّنه بما حاصله:
بأنّه حيث يكون مؤدّى الأمارة بقيام الأمارة ذا مصلحة واقعيّة، فيتأتّى فيه الاحتمالات الثبوتيّة المتأتيّة في المأمور به الاضطراريّ من أنّ المصلحة إمّا أن تكون وافية بتمام مصلحة الواقع أو بعضها، ولم يمكن تدارك الباقي، أو أمكن، وكان لازم التدارك، أو غير لازم التدارك، وقد تقدّم أنّ جميع الاحتمالات الثبوتيّة ـ غير الاحتمال الثالث ـ ملازم للإجزاء، كما عرفت أنّ مقتضى الإطلاق نفي الاحتمال الثالث المستلزم لثبوت الإجزاء( ).
وقد مرّ شرح هذه الاحتمالات آنفاً عند الحديث عن إجزاء الإتيان المأمور به بالأمر الاضطراريّ.
ولكن قد أُورد عليه: بأنّ هذا إنّما يتم بناءً على السببيّة التي يلتزم بها المصوّبة وأهل الخلاف، دون التي يلتزم بها أهل الحقّ المخطّئة( ).
وأمّا في صورة الشكّ في أنّه هل هذا يكون على نحو الاستيفاء التامّ، أي: أنّ ما دلّت عليه الأمارة بعد الإتيان بالمتعلّق يكون مجزياً عن تمام الواقع، فهل يمكن التمسّك بالإطلاق أم لا؟ فنقول:
أمّا الإطلاق اللفظيّ، فغير ممكن؛ لأنّ التغيير غير ممكن، إذ كما يمكن في صورة العلم أن يقول المولى: اعمل بالأمارة، أو: اعمل على طبق الواقع، أو اعمل بهما جميعاً، إلّا أنّه في حالة الجهل لا يمكن أخذ القيد وعدله، ومعه: فكيف يصحّ لنا أن نتمسّك بالإطلاق وأن نقول بكفاية العمل بمؤدّى الأمارة وإجزائه عن إتيان الواقع.
وأمّا الإطلاق المقاميّ، فعلى فرض إمكان التمسّك به، يمكن للمولى أن يقول: اعمل بالأمارة؛ لأنّه كان في مقام البيان، فلو انكشف الخلاف، فيمكنه الأمر بالعمل على طبق الواقع، فلمّا لم يبيّن، أمكن التمسّك بالإطلاق، ولكن التمسّك به هنا غير مفيد؛ إذ يمكن التمسّك بإطلاق أدلّة الأحكام الواقعيّة؛ إذ يمكن أن يقال: بأنّ هذه الأدلّة تكون بياناً، وبالاستفادة من إطلاقها يثبت أنّه لابدّ في صورة الخطأ من الإتيان بما هو الواقع، إعادةً في الوقت، وقضاءً خارجه.
وعلى فرض عدم إمكان التمسّك بالإطلاق، فلابدّ من الإعادة عند كشف الخلاف؛ لأنّ أصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف موجبة للإعادة.
فإن قلت: الأصل عدم كون التكليف بالواقع فعليّاً.
قلت: هذا غير مفيد؛ لأنّه لا يُثبت كون ما أتى به مسقطاً للتكليف إلّا بناءً على الأصل المثبت، بعد العلم باشتغال ذمّته، ومعلوم أنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ.
ولكنّ المحقّق الخراساني، فرّق في المقام بين ما إذا كان الحكم الظاهريّ ـ أعني: مؤدّى الأمارة الذي هو حكم ظاهري شرعيّ ـ قد جُعل موضوعاً لحكم آخر، أو قيداً لموضوع حكم آخر، كالطهارة المجعولة قيداً للماء والتراب مع كونها شرطاً في صحّة الدخول في الصلاة، وبين ما إذا كان حكماً شرعيّاً غير مجعول لحكم آخر، فهو موجب للإجزاء في الصورة الاُولى دون الثانية( ).
والوجه في الإجزاء في الصورة الأُولى، هو أنّ الشارع نزّل الطهارة الظاهريّة، أي: التي أدّت إليها الأمارة، منزلة الطهارة الواقعيّة، فعند قيام أمارة على طهارة الماء النجس في الواقع، فالقيام يكون سبباً لجعل الطهارة له شرعاً في حال الجهل بنجاسته، فيكون طاهراً واقعاً في هذه الحال، فإذا فرض أنّ الطهارة الظاهريّة نزّلت منزلة الطهارة الواقعيّة، فالعمل المشروط بالطهارة، وهي الصلاة، تكون واجدة لما هو شرطها، فالإجزاء يستفاد من إطلاق دليل الأمارة، فيكون دليل الأمارة حاكماً على الأدلّة التي دلّت على أنّ الصلاة لابدّ أن تكون مع الوضوء بالماء الطاهر واقعيّاً.
وأمّا إذا كان مؤدّى الأمارة حكماً شرعيّاً، ولكنّه كان غير مجعول موضوعاً لحكم آخر، أو قيداً لموضوع حكم آخر، ففي هذه الصورة لا يثبت الإجزاء؛ لأنّ قيام الأمارة، وإن كان يُحدث مصلحة في المتعلّق كما هو مقتضى بعض الأقوال المتقدّمة، ولكن لم تكن هذه المصلحة مصلحة الواقع مع أنّ الدليل على وجوب أصل المشروط يدعو إلى الإتيان بنفس الواجب، بعدما كانت المصلحة الفائتة منه غير متداركة، فحينئذٍ: لا يكون الإتيان بمؤدّى الأمارة موجباً للإجزاء، إلّا أن يدلّ دليل من الخارج على كفاية مؤدّى الأمارة عن الواقع.
ولكن لا يخفى: أنّ ظاهر الأدلّة الواقعيّة هو أنّ الشرط هو الطهارة الواقعيّة. فحتى لو كان ظاهر دليل الأمارة ـ بناءً على السببيّة ـ هو ترتّب آثار الواقع على المؤدّى من جهة مصلحة حدثت بسبب قيام الأمارة، إلّا أنّ الذي يستفاد من الأمارة مع ذلك هو أنّ الشرط هو الطهارة الواقعيّة، لا ما نزّل منزلتها.
وأمّا بالنسبة إلى الاُصول العمليّة، فالظاهر ـ أيضاً ـ هو عدم الإجزاء فيها، بلا فرق بين ما كان منها من قبيل الاُصول المحرزة، كالاستصحاب وقاعدة التجاوز والفراغ، أو من قبيل الاُصول غير المحرزة، كبقيّة الاُصول العمليّة؛ فإنّ الاُصول العمليّة ما هي إلّا وظائف عمليّة ممهّدة من قبل الشارع ليرجع إليها عند الشكّ، لا أنّها أحكام ظاهريّة، وهذه الوظائف مجعولة من قبل الشارع للشاكّ في تكليفه، كما في قاعدتي الطهارة والحلّ؛ إذ ليس فيهما حكم ظاهريّ، بل في الكلّ يكون ظاهر الحكم مخصوصاً بمورد الشكّ؛ لأنّ القاعدتين تقرّران وظيفة للمكلّف يعمل بها عند التحيّر والشكّ في حلّيّة شيء وطهارته، فتكون وظيفة المكلّف في ظرف الشكّ هي العمل على طبق هذا المشكوك بأن يحسبه طاهراً أو حلالاً.
وما ذكرنا من عدم الإجزاء في الإتيان بما هو مؤدّى الأصل العمليّ، لا يُفَرّق فيه بين أن يكون متعلّق الاُصول حكماً شرعيّاً، أو موضوعاً لحكم شرعيّ، ففي الكلّ لا يمكن القول بالإجزاء عند انكشاف الخلاف؛ لأنّ الاكتفاء بمؤدّى الأمارة عن الواقع، إنّما هو فيما إذا بقيت الأمارة على حجّيّتها، وأمّا لو انكشف الخلاف بأمارة أقوى، امتنع الاكتفاء بمؤدّى الاُولى؛ لأنّ غاية ما تدلّ عليه الأمارة ـ بناءً على الطريقيّة ـ ليس إلّا المعذريّة والمنجزيّة، وهي عدم صحّة المؤاخذة على ترك الواقع إذا لم ينكشف الخلاف، ولكن قد انقطعت بقيام الأمارة الأقوى، فلابدّ وأن تترتّب الآثار الواقعيّة التي تقضي بها الأُخرى، وهو وجوب الإعادة، إذا كان الانكشاف في الوقت، والقضاء إذا كان خارجه.

تنبيهان:
وينبغي التنبيه هنا على أمرين:
الأمر الأوّل: أنّه لو عمل المكلّف عملاً على مدى سنين، وأهمل بعض أجزائه وشرائطه لعذر، بأن كان قاطعاً بأنّ هذا الجزء ليس بواجب، وكان تركه في الحقيقة عن دليل، فليس هنا ما يوجب توهّم الإجزاء بعد كشف الخلاف؛ لأنّه لا دليل على الإجزاء، والقاعدة تقتضي عدم الإجزاء.
نعم، في صورة قيام الدليل كما لو كان جزء الصلاة أو شرطه، فنقول بالإجزاء حينئذٍ تمسّكاً بحديث «لا تعاد» فإنّه دالّ على الاكتفاء به.
والأمر الثاني: بعد أن التزمنا بعدم الإجزاء، فلا يُفَرّق بين عمل المجتهد والمقلّد، فكما أنّ المجتهد إذا انكشف له الخلاف والخطأ في اجتهاده كان مقتضى القاعدة عدم الإجزاء فيما عمل به، ولو كان هذا العمل طبقاً لاجتهاده السابق، فكذلك بالنسبة إلى المقلّد، فإذا قلّد بعض من يقول بعدم وجوب السورة أو عدم كون الارتماس مفطراً، ثمّ رجع المجتهد من رأيه، أو مات ذلك المجتهد وقلّد من يقول بوجوب السورة، أو بمفطريّة الارتماس، فإنّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء حينئذٍ، بل لابدّ من إعادة العمل.

أدلّة القول بالإجزاء:
ثمّ إنّ القائلين بالإجزاء ذكروا له وجوهاً:
الوجه الأوّل:
أنّه لو لم نقل بالإجزاء فإنّه يلزم العسر والحرج، من جهة أنّه لو ربّما يتّفق أنّ إنساناً عمل عملاً مدّة طويلة باجتهاده أو اجتهاد مقلَّده، ثمّ تبدّل اجتهاده أو اجتهاد مقلَّده، فلو لم نقل بالإجزاء يلزم أن يقضي عمل هذه المدّة بطولها. أو كان قد عامل معاملات كثيرة من أنواع مختلفة من العقود والإيقاعات، باجتهاده أو اجتهاد مقلَّده، ثمّ تبدّل اجتهاده أو اجتهاد مقلَّده، فلو قلنا ببطلان تلك المعاملات جميعاً، لزم العسر والحرج الشديدان، وهما منفيّان في لسان الشارع.
وفيه:
أنّ دليل نفي العسر والحرج حاكم على أدلّة الأحكام الواقعيّة ومضيّق لموضوعها، وتكون هذه الحكومة حكومة واقعيّة في جانب المحمول، فمعنى رفع الضرر والحرج أنّ الحكم الحرجيّ مرفوع واقعاً، ولكنّ عدم الإجزاء ليس حكماً واقعيّاً؛ لأنّه ليس مجعولاً للشارع حتى يُرفع بقاعدة رفع العسر والحرج.
نعم، وجوب الإعادة والقضاء لو كان حرجيّاً، يمكن رفعه، ولكن قد ذكرنا مراراً أنّ أدلّة الضرر والحرج إنّما يرفعان الضرر الشخصيّ لا النوعيّ، فيختلف بالنسبة إلى الأحكام وإلى الأشخاص، فالقول بالإجزاء في جميع الموارد بواسطة كون عدم الإجزاء في بعض الموارد لبعض الأشخاص ضرريّاً أو حرجيّاً، لا وجه له.
الوجه الثاني:
أنّه لا وجه لترجيح الاجتهاد الثاني على الأوّل، بل هناك حجّتان، كل واحدة منهما كانت حجّة جب العمل على طبقها في زمانها، فقيام الحجّة الثانية لا يمنع من حجّيّة الاُولى في ظرفها، ولا وجه لتقديم الثانية على الاُولى لكي نلتزم بمقتضاها بعدم الإجزاء؛ لأنّ تقديمها على الاُولى ترجيح عليه بلا مرجّح.
وفيه:
أنّ المقام ليس من قبيل تعارض الأمارتين وترجيح إحداهما على الأُخرى حتى يكون ترجيحاً بلا مرجّح، بل قد يكون من باب ترجيح المرجوح على الراجح في بعض الصور، كما إذا مات المقلَّد الأوّل، وهو أعلم من الحيّ الذي رجع إليه، بناءً على القول بجواز تقليد غير الأعلم في مثل هذه الصورة، فعدم الإجزاء ليس من هذه الجهة، بل من جهة أنّ ما هو الطريق الفعليّ في حقّه ليس إلّا الاجتهاد الثاني، فإنّ الحجّة الثانية ولو لم تكن تنفي الحجّة الاُولى في ظرفها، إلّا أنّها تمنع من حجّيّتها بقاءً، وبالعمل على طبق الاُولى يكون ما أتى به باطلاً، وليس له طريق إلى صحّته فعلاً، فلا تكون الحجّة عليه في الواقع فعلاً إلّا الثانية، وهي تقتضي أنّ الحكم الواقعيّ لم يكن هو ما أدّت إليه الحجّة السابقة، فبمقتضى الحجّة الثانية لابدّ من ترتّب الآثار الواقعيّة بعدما انكشف بأنّ الاُولى كانت سراباً، ومقتضى الحجّة الثانية هو ترتيب آثار عدم الإتيان بالواقع في ظرفه، والحجّة الاُولى قد سقطت بقيام الأمارة الثانية، وليس هناك من حجّة فعليّة تعارض الحجّة الثانية.
وبالجملة: فهو باعتبار الحجّة الفعليّة يرى بطلان العمل الذي عمله أوّلاً، ولو كان مستنداً إلى حجّة في حقّه سابقاً؛ لأنّ الحجّة الفعليّة تكشف عن بُطلان العمل الذي كان قد عمله أوّلاً، وأنّه لم يأتِ بالواقع، فيكون عليه أن يعيد أو أن يقضي، وليس له دليل آخر يعتمد عليه في عدم وجوب القضاء أو الإعادة.
وقد يقال هنا: إنّ الإتيان بالوظيفة الظاهريّة التي هي مخالفة للوظيفة الواقعيّة، لم يكن بلا دليل، بل كان عن استنادٍ إلى ما هو حجّة في ظرفه؛ ومعلوم أنّ مآل الحجّيّة إلى الاكتفاء بما قامت عليه عن الواقع، والحجّة الثانية لا تنفي الحجّيّة عن الاُولى في ظرفها، بل إنّما تمنع عن حجيّتها بقاء واستمراراً، كما مرّ، فيكون مقتضاها هو الاستناد في مقام العمل في ظرفه إلى الحجّة.
ولكن فيه: أنّه بعدما كانت الحجّيّة في باب الأمارات بمعنى المنجّزيّة والمعذّريّة، فإنّ العبد يكون موظفاً بالعمل بما تؤدّي إليه الأمارة، بحيث لو خالف الواقع يكون معذوراً ما دامت الأمارة قائمة ولم ينكشف الخلاف، ويكتفي عن الواقع حال قيامها واستمرارها، وأمّا لو انقطعت حجّيّتها ببركة قيام الحجّة الفعليّة، وانكشف بأنّ الواقع كان على خلاف ما أدّت إليه الحجّة الاُولى، لزم عدم ترتيب آثار الواقعيّة عليها، ونحكم بعد انكشاف الخلاف بأنّ ما أُتي به بناءً عليها لم يكن هو الواقع، ومعه: فلا مجال للاكتفاء بالوظيفة التي عمل بها، وهي الوظيفة الظاهريّة، بعد العلم بأنّها على خلاف الواقع، ببركة الحجّة الثانية.
وبعبارة أُخرى: فإنّ الاكتفاء بمؤدّى الحجّة الاُولى إنّما يثبت ما دامت قائمة وحجّة، وأمّا إذا زالت عنها الحجّيّة، فلا دليل على الاكتفاء بما عمله ظاهراً عن الواقع، والمعذّريّة إنّما هي بمعنى عدم صحّة المؤاخذة على ترك الواقع، وتكون ثابتة لو لم ينكشف الخلاف أصلاً، وأمّا لو انقطعت بقيام الأمارة الاُخرى، فلابدّ ـ حينئذ ـ من ترتيب الآثار الواقعيّة التي تقضي بها الأمارة الثانية، ومن تلك الآثار: الإعادة أو القضاء.
الوجه الثالث:
أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين، كما ادّعاه صاحب الفصول( )، فإذا اجتهد في واقعة واستنبط حكمها لا يبقى مجال للاجتهاد الثاني.
وفيه:
أنّ هذه الاستحالة إنّما تتصوّر فيما إذا كان هناك واقعة واحدة وحصل اجتهادان من شخص واحد بالنسبة إلى نفس تلك الواقعة ،ولكنّ هذه الصورة أجنبيّة عن محلّ كلامنا؛ لأنّ كلامنا إنّما هو فيما إذا كان هناك تبدّل في الاجتهاد والرأي، ولا محالة يكون الرأي الثاني متأخّراً زماناً عن الرأي الأول، وأمّا لو كان الكلام المذكور ناظراً إلى صدور اجتهادين من شخص واحد في زمانين، أو من شخصين صدر من كلّ منهما فتوى مخالفة لفتوى الآخر، ولو في زمان واحد، فلا استحالة في البين أصلاً.
الوجه الرابع:
وتوضيحه يبتني على بيان معنى النسخ الاصطلاحيّ، وقد عرّفه اُستاذنا الأعظم بأنّه:
<رفع أمر ثابت في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده وزمانه، سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفيّة أم الوضعيّة، وسواء أكان من المناصب الإلهيّة أم من غيرها من الاُمور التي ترجع إلى اﷲ تعالى بما أنّه شارع> إلى أن يقول: <وإنّما قيّدنا الرفع بالأمر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجاً، كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان، وارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها، وارتفاع مالكيّة شخص لماله بسبب موته؛ فإنّ هذا النوع من ارتفاع الأحكام لا يسمّى نسخاً، ولا إشكال في إمكانه وقوعه، ولا خلاف فيه من أحد>( ).
وقال الطريحيّ في مجمع البحرين:
<النسخ الشرعيّ: إزالة ما كان ثابتاً من الحكم بنص شرعيّ>( ).
وإذا اتضح ذلك نقول:
ذكر أصحاب هذا الوجه أنّ الاجتهاد الأوّل مع الثاني هو مثل الدليل الناسخ مع المنسوخ، فكما أنّه كما يجب العمل على طبق الدليل المنسوخ إلى زمان النسخ، ومن زمان وجود الناسخ يجب ترتيب الأثر عليه من دون نفي أثر المنسوخ إلى زمان وجود الناسخ، لا أنّه يكشف عن بطلان العمل من أوّل الأمر، فكذلك في باب الاجتهاد، يجب ترتيب الأثر على ما استنبطه أوّلاً إلى زمان الاجتهاد الثاني، ومن زمن الاجتهاد الثاني يجب ترتيب الأثر عليه من دون نفي آثار الاجتهاد الأوّل إلى زمان الاجتهاد الثاني.
وفيه:
أنّه قياس مع الفارق؛ فإنّ النسخ كالبداء، فكما أنّ البداء هو بمعنى الإبداء، فكذلك النسخ، هو بمعنى انتهاء الأمد؛ فإنّ أمد ذلك الحكم يستمرّ إلى زمان وجود الناسخ، وليس فيه انكشاف للخلاف.
نعم، كان ظاهر الدليل هو استمرار الحكم، فلمّا جاء الناسخ زال ذلك الظهور، بخلاف ما هو محلّ الكلام، بناءً على مسلك جعل الطريقيّة؛ فإنّ مؤدّاه ليس حكماً مجعولاً أصلاً، بل ليس في البين إلّا إدراك الواقع أو الجري العمليّ على طبقه، فإذا تبدّل الاجتهاد، فلا إحراز ولا حكم إثباتيّ في البين. نعم، لو قلنا بمسلك جعل الحكم في مؤدّى الأمارة، كان لهذا الكلام وجه حينئذٍ.
الوجه الخامس:
الإجماع؛ فإنّه منعقد على القول بالإجزاء.
وفيه:
أنّ هذه المسألة ـ كما عرفنا ـ خلافيّة، ومع وجود الخلاف بهذه الدرجة الواضحة، فكيف يمكن أن يُدّعى انعقاد الإجماع؟ فيكون إجماعاً منقولاً، ولا حجّيّة له.
على أنّه لو فُرِض محصَّلاً، لكان محتمل المدركيّة، بل مظنونها، فيكون التعويل عليه مشكلاً غاية الإشكال.
وممّا ذكرنا ظهر الحال فيما يمكن أن يقال: من أنّه في إجزاء الإتيان بما يصحّ الاعتذار به، كما في مورد الأمارات والاُصول والقواعد المعتَبرة عن الواقع عند كشف الخلاف، فهو من لوازم اعتبارها وصحّة الاعتذار بها؛ لأنّها إن طابقت الواقع، فلا ريب في الإجزاء، وإن خالفت، فالمكلّف معذور في ترك الواقع، لعموم أدلّة اعتبارها، وامتنان الشارع على اُمّته في هذا الأمر العامّ البلوى.
إذ فيه: ما ذكرناه سابقاً من أنّه لابدّ من استمرار الدليل للحكم الظاهريّ، وعدم انكشاف الخلاف، وإلّا، فلو انكشف الخلاف، كان لابدّ من الإعادة في الوقت، والقضاء خارجه.
فظهر مما ذكرنا: أنّه يجب القول بعدم الإجزاء، فلا يمكن ترتيب آثار الصحّة على العمل الذي كان على طبق الاستنباط الأوّل، فإذا رأى المجتهد الثاني أنّ العمل على رأي المجتهد الأوّل باطل وعلى خلاف الواقع، فكيف يمكنه، أو للمقلّد، أن يبنيا على الصحّة بالنسبة إلى الأعمال التي كان قد أتى بها على طبقه؟! فالحقّ ـ إذاً ـ عدم الإجزاء.

تنبيهات:
وفي ختام هذا البحث، لا بأس بالتعرّض لبعض التنبيهات تبعاً لجملة من المحقّقين:
التنبيه الأوّل:
وقد أسلفنا الكلام فيه، وهو ما ذكره صاحب الكفاية بقوله:
<لا ينبغي توهّم الإجزاء في القطع بالأمر في صورة الخطأ؛ فإنّه لا يكون موافقة للأمر فيها، وبقي الأمر بلا موافقة أصلاً، وهو أوضح من أن يخفى. نعم، ربّما يكون ما قطع بكونه مأموراً به مشتملاً على المصلحة في هذا الحال، أو على مقدار منها، ولو في غير الحال غير ممكن مع استيفائه استيفاء الباقي منها، ومعه: لا يبقى مجال لامتثال الأمر الواقعيّ، وهكذا الحال في الطرق، فالإجزاء ليس لأجل اقتضاء امتثال الأمر القطعيّ أو الطريقيّ للإجزاء، بل إنّما هو لخصوصيّة اتفاقيّة في متعلّقهما كما في الإتمام والقصر والإخفات والجهر>( ).
وحاصله ـ كما مرّ ـ: أنّ موضوع البحث في الإجزاء ما إذا كان هناك حكم ثابت ظاهريّ أو اضطراريّ، فحينئذ: يبحث عن كونه مجزياً عن الواقع وعدمه.
أمّا إذا لم يكن هناك حكم متقرّر له ثبوت، وإنّما تخيّل ثبوته، فهو أجنبيّ عن بحث الإجزاء؛ إذ لا حكم أصلاً لكي يُبحث عن إجزائه وعدمه، بل عدم الإجزاء في مثله ممّا لا كلام فيه، مثلاً: لو قطع بحكم، ثمّ انكشف خلافه، فلا إشكال في عدم إجزاء ما عمل به بواسطة ما قطع به؛ لأنّ القطع لا يثبت الحكم لا واقعاً ولا ظاهراً، بل بعد انكشاف الخلاف لم يبقَ في البين إلّا تخيّل لثبوت الحكم، فلا يكون المأتيّ به مجزياً، بعد أن لم يكن هو الواقع، ومعلوم أنّ الواجب إنّما هو إتيان ما هو الواقع حقيقةً، لا ما تخيّل أنّه الواقع.
نعم، إذا دلّ دليل على الإجزاء، ولو كان جهله عن تقصير، كما إذا صلّى جهراً في موضع الإخفات وبالعكس، وكما إذا صلّى تماماً في السفر مع الجهل بكون الوظيفة غير ما أتى به؛ فإنّ الدليل هنا دلّ على الاكتفاء بما أتى به، ولا يحتاج إلى الإعادة، وإلّا، فمع عدم قيام دليل إثباتيّ على ذلك، فلابدّ من الإعادة.
التنبيه الثاني:
وقد ذكره صاحب الكفاية أيضاً، بقوله:
<لا يذهب عليك: أنّ الإجزاء في بعض موارد الاُصول والطرق والأمارات ـ على ما عرفت تفصيله ـ لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد؛ فإنّ الحكم الواقعيّ بمرتبته محفوظ فيها، فإنّ الحكم المشترك بين العالم والجاهل والملتفت والغافل ليس إلّا الحكم الإنشائيّ المدلول عليه بالخطابات المشتملة على بيان الأحكام للموضوعات بعناوينها الأوّليّة بحسب ما يكون فيها من المقتضيات، وهو ثابت في تلك الموارد كسائر موارد الأمارات، وإنّما المنفيّ فيها ليس إلّا الحكم الفعليّ البعثيّ، وهو منفيّ في غير موارد الإصابة، وإن لم نقل بالإجزاء، فلا فرق بين الإجزاء وعدمه إلّا في سقوط التكليف بالواقع بموافقة الأمر الظاهريّ، وعدم سقوطه بعد انكشاف عدم الإصابة. وسقوط التكليف بحصول غرضه، أو لعدم إمكان تحصيله، غير التصويب المجمع على بطلانه، وهو خلوّ الواقعة عن الحكم غير ما أدّت إليه الأمارة، كيف؟! وكان الجهل بها بخصوصيّتها أو بحكمها مأخوذاً في موضوعها، فلابدّ من أن يكون الحكم الواقعيّ بمرتبته محفوظاً فيها، كما لا يخفى>( ).
ومحصّل ما أراده: هو بيان عدم الملازمة بين الإجزاء والتصويب، فإنّه قد يتوهّم وجود ملازمة بينهما؛ لأنّ مرجع الإجزاء ومآله إلى كون الواقع هو مؤدّى الأمارة، الذي هو التصويب.
والذي يدّعيه صاحب الكفاية في هذا المقام، هو القول بنفي ملازمة بين الإجزاء والتصويب، بل بعدم معقوليّته أصلاً؛ لاستلزامه عدم الشيء من وجوده.
بيان ذلك: أنّ الحكم في نظر صاحب الكفاية له مراتب أربع، وهي: مرتبة الاقتضاء، ومرتبة الإنشاء، ومرتبة الفعليّة، ومرتبة التنجيز، وشرح مقصوده من هذه المراتب، وبيان الصحّة أو السقم فيها موكول إلى محلّه.
والذي يرتبط بمحلّ الكلام فعلاً من هذه المراتب، هو مرتبة الفعليّة والإنشاء، دون مرتبتي: الاقتضاء والتنجّز؛ فإنّه لا ربط لهما بمحلّ الكلام، فلا نبحث عنهما هنا.
ثمّ إنّ الذي ذهب إليه صاحب الكفاية في الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ، أنّ الحكم الواقعيّ في موارد الطرق والأمارات إنشائيّ، بحيث لو حصل العلم به يصبح فعليّاً، بلا فرق بين القول بالطريقيّة أو بالسببيّة، فإنّ الحكم في الواقع يبقى في مرتبة الإنشاء، وتكون الأمارة مانعة من فعليّته لا أكثر. ولا يخفى: أنّ الحكم الذي دلّت الأدلّة على كونه مشتركاً بين العالم والجاهل هو الحكم الإنشائيّ، وأمّا الحكم الفعليّ فهو مختصّ بالعالم؛ لأنّ موضوعه هو العلم بالحكم الإنشائيّ.
وإذا عرفت ذلك، ظهر:
أنّ القول بالإجزاء لا يلازم التصويب بمعنى: ارتفاع الحكم الواقعيّ؛ لأنّ الحكم الواقعيّ يبقى على ما هو عليه بناءً على السببيّة، وكذا الحال لو قلنا بالإجزاء بناءً على الطريقيّة، بل التصويب في مورد الأمارة والحكم الظاهريّ غير معقول؛ لأنّ الجهل بالحكم الواقعيّ مأخوذ في موضوع الحكم الظاهريّ، فلابدّ أن يفرض ثبوت واقع يتعلّق به العلم والجهل، فلو فُرِض ارتفاع الحكم الواقعيّ بقيام الأمارة، فحينئذٍ: يرتفع الشكّ في الواقع، فيلزم ارتفاع موضوع الحكم الظاهريّ، وذلك محال؛ لأنّه يلزم من وجود الحكم الظاهريّ عدمه.
وفيه: أنّه إن قلنا بأنّ الأحكام الواقعيّة أحكام إنشائيّة كان الحقّ ما ذهب إليه صاحب الكفاية في المقام، من عدم الملازمة بين الإجزاء والتصويب.
وأمّا إذا قلنا بأنّ الحكم المشترك بين الجاهل والعالم هو الحكم الفعليّ، وأمّا الحكم الإنشائيّ فلا تقع فيه جهة البعث، وفي الواقع، فالحكم الواقعيّ في موارد الطرق والأمارات، ليس حكماً إنشائيّاً، بل هو حكم فعليّ، فبناءً على الإجزاء والقول بالسببيّة يلزم التصويب؛ لأنّ مآل السببيّة هو إلى رفع الحكم الواقعيّ بعد ثبوت المصلحة المعادلة لمصلحة الواقع في مؤدّى الأمارة، فيكون هذا سبباً لارتفاع الحكم الواقعيّ، فبعد الإتيان بمؤدّى الأمارة الذي فيه مصلحة يستوفى بها مصلحة الواقع، لم يبقَ مجال لامتثال الواقع، بل يرتفع الوجوب التعيينيّ الواقعيّ ويصير الوجوب الثابت تخييريّاً، فيكون المكلّف مخيّراً بين العمل بالواقع والعمل بالأمارة.
التنبيه الثالث:
وقد ذكره المحقّق النائيني بقوله:
<أنّه لا فرق فيما ذكرناه من كون عدم الإجزاء هو مقتضى القاعدة الأوّليّة بين اختلاف الحجّة بالنسبة إلى شخص أو شخصين، كما إذا فرضنا اختلاف المجتهدين في الفتوى، فلا يجزي فتوى أحدهما بالنسبة إلى الآخر، أو لمقلّديه، ولا فرق في ذلك بين المعاملات وأبواب الطهارات والنجاسات وأبواب العبادات، إذا كان أحدهما محلّاً لابتلاء الآخر، مثلاً: إذا كان أحد الشخصين يرى جواز العقد بالفارسيّ وطهارة العصير العنبيّ وعدم جزئيّة السورة للصلاة، فلا يمكن لمن لا يرى تلك الاُمور أن يكون أحد طرفي العقد معه، أو أن يعامله معاملة الطاهر في فرض العلم بملاقاته للعصير، أو يقتدي به في الصلاة، أو يستأجره لها، مع فرض تركه للسورة، فالمسألة في جميع ذلك محلّ إشكال، لعدم تماميّة الإجماع على الإجزاء، مع كون عدمه مقتضى القاعدة، وإشكال الجميع هو باب الطهارة والنجاسة، إلّا أن يقال بكون الغيبة من المطهّرات، ولو مع عدم اعتقاد الغائب لنجاسته، كما أفتى به صاحب الجواهر ومال إليه سيد أساتيذنا المحقق الشيرازيّ، وقد نقل الاُستاذ أنّه كان يفتي به شفاهاً>( ).
وأمّا اُستاذنا الأعظم فقد استثنى من عدم الإجزاء مسألتين: إحداهما: مسألة النكاح، والأُخرى: مسألة الطلاق. قال:
<ولكن يستثنى من ذلك مسألتان: إحداهما: مسألة النكاح، والاُخرى: مسألة الطلاق. أمّا المسألة الاُولى: فقد وجب على كلّ أحد ترتيب آثار النكاح الصحيح على نكاح كلّ قوم، وإن كان فاسداً في مذهبه، فلو رأى شخص صحّة النكاح بالعقد الفارسيّ وعقد على امرأة كذلك، ويرى الآخر بطلانه، واعتبار العربيّة فيها، لزمه ترتيب آثار الصحّة على نكاحه، وإن كان فاسداً في نظره، بأن يحكم بأنّها زوجته، وبعدم جواز العقد عليها، وغير ذلك من الآثار المترتّبة على الزواج الصحيح. ومن هنا، وجب ترتيب آثار النكاح الصحيح على نكاح كلّ ملّة، وإن كانوا كافرين، وبذلك يظهر حال المسألة الثانية حرفاً بحرف>( ).
وبهذا تمّ الكلام في الجزء الثاني، ويتلوه الجزء الثالث إن شاء اﷲ تعالى، والحمد ﷲ ربّ العالمين.