مقدّمة الواجب

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

مقدّمة الواجب


ولابدّ قبل الدخول في محلّ البحث من بيان اُمور :

الأمر الأوّل: في أنّ هذه المسألة هل هي من المسائل الاُصوليّة أم لا؟
ولا يخفى: أنّها من المسائل الاُصوليّة، وليست من المسائل الفقهيّة ولا الكلاميّة؛ فإنّ المسألة الاُصوليّة هي ما تقع كبرى لقياس يستنتج منه الحكم الفرعيّ الكلّيّ، والبحث في هذه المسألة هو في الملازمة بين وجوب الشيء شرعاً وبين وجوب مقدّمته، فالمبحوث عنه في المقام هو الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، وليس بحثاً عن وجوب المقدّمة كي تكون المسألة فقهيّة نظراً إلى كون موضوعها هو فعل المكلّف، أعني: المقدّمة، ومحمولها، أعني: الحكم الشرعيّ. نعم، ثبوت الوجوب للمقدّمة هو نتيجة إثبات الملازمة.
قال صاحب الكفاية ما لفظه:
<الظاهر أنّ المهمّ المبحوث عنه في هذه المسألة البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء ووجوب مقدّمته، فتكون مسألة اُصولية، لا عن نفس وجوبها، كما هو المتوهّم من بعض العناوين كي تكون فرعيّة، وذلك لوضوح أنّ البحث كذلك لا يناسب الاُصوليّ، والاستطراد لا وجه له بعد إمكان أن يكون البحث على وجه تكون عن المسائل الاُصوليّة>( ).
وبالجملة: فلمّا كان البحث في هذه المسألة عن ثبوت الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، فإنّها بذلك تكون من المسائل الاُصوليّة؛ لأنّ نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعيّ، وهو وجوب المقدّمة المعيّنة كالوضوء مقدّمةً للصلاة، ونحوه.
وقد يمكن فرض دخولها في الفقه من حيث إنّ المبحوث عنه فيها هو أفعال المكلّفين من جهة الاقتضاء والتخيير، وبما أنّ المقدّمة من أفعال المكلّف، فالبحث عن وجوبها يكون بحثاً فقهيّاً.
ومن هنا ظهر الحال فيما ذكره المحقّق النائيني لإخراج المقدّمة من المسائل الفقهيّة بقوله:
<وأمّا جعلها من المسائل الفقهيّة، ففي غاية البعد؛ فإنّ علم الفقه متكفّل لبيان أحوال موضوعات خاصّة، كالصلاة والصوم وغيرهما، والبحث عن وجوب كلّيّ المقدّمة التي لا ينحصر صدقها بموضوع خاصّ لا يتكفّله علم الفقه أصلاً>( ).
إذ فيه: أنّ ما أفاده إنّما يتمّ في مقام التفريق بين المسائل الفقهيّة والقواعد الفقهيّة، حيث يقال: إنّ موضوع المسألة إن كان عنواناً خاصّاً كانت من المسائل، وإن كان عامّاً دخلت هي في القواعد.
مضافاً: إلى أنّ مجرّد كون الموضوع عنواناً عامّاً لا يوجب خروج المسألة عن المسائل الفقهيّة، لما نراه من أنّ كثيراً من المسائل الفقهيّة يكون الموضوع فيها قابلاً للتبدّل والاختلاف؛ كما في النذر ـ مثلاً ـ فإنّه تارةً يتعلّق بالصلاة، وأُخرى بالصوم، وثالثة بالحج، ورابعة بالزيارة، وهكذا، ومثله: العهد واليمين، ومع ذلك، فلم يكن هذا الاختلاف في المتعلّق والموضوع موجباً للخروج عن حيّز المسائل الفقهيّة.
على أنّ خروجها عن المسائل الفقهيّة، لو سُلِّم، لا يكون ـ بمجرّده ـ موجباً لدخولها في المسائل الاُصوليّة؛ لأنّ دخولها في المسائل الاُصوليّة هو فرع صدق تعريف المسائل الاُصوليّة عليها وشموله لها.
وقد يقال: بأنّه يمكن دخولها في المسائل الكلاميّة، على اعتبار أنّ البحث فيها إنّما يرجع ـ في الحقيقة ـ إلى البحث عن استتباع المقدّمة فعلاً أو تركاً للثواب أو العقاب، ومثله يكون داخلاً في الأبحاث الكلاميّة.
ولكن فيه: أنّ ترتّب الثواب ليس على امتثال المقدّمة، وكذلك استحقاق العقاب، ليس على عصيانها؛ لأنّ وجوبها ـ على القول به ـ إنّما يكون وجوباً غيريّاً، فليس فيها من مصلحة نفسيّة؛ لأنّ الوجوب الغيريّ ينشأ عن مصلحة في الغير، لا عن مصلحة في نفس متعلّقه، فالثواب المترتّب على الإتيان بالمقدّمة إنّما يترتّب في واقع الأمر على قصد إطاعة ذي المقدّمة مطلقاً، ولو لم نقل بالملازمة، وكذلك استحقاق العقاب، فهو إنّما يترتّب ـ أيضاً ـ على مخالفة الأمر بذي المقدّمة، لا على مخالفة وجوب المقدّمة من حيث هو.
وممّا تقدّم عُلم: أنّ مقتضى التحقيق هو القول بدخول هذه المسألة في المسائل الاُصوليّة، وأنّها ليست من المسائل الفقهيّة؛ لأنّ البحث عنها ليس عن وجوب المقدّمة، وإن أوهمت ذلك بعض العبارات، وإنّما هو بحث عن الملازمة، والوجوب المذكور يكون نتيجتها.
وأمّا ما قد يقال: من أنّ هذه المسألة هي من المبادئ الأحكاميّة، كما نُسب إلى العضديّ تبعاً للحاجبيّ وشيخنا البهائيّ( )، بتقريب إنّ تلك المبادئ عبارة عن حالات الأحكام الشرعيّة من حيث تنويعها إلى التكليفيّة والوضعيّة، وكون الأحكام التكليفيّة بأسرها متضادّة فيما بينها، واستلزام بعضها لحكم الآخر.
أو فقل: إنّ المعروف من المبادئ الأحكاميّة عند الاُصوليّين هي المسائل التي تكون محمولاتها من عوارض الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة، كالتضادّ بين الأحكام واستلزام بعضها لبعض. فلمّا كان البحث في مسألة المقدّمة عن الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، كانت ـ لا محالة ـ من المبادئ الأحكاميّة.
فيرد عليه: أنّ حال مسألة مقدّمة الواجب يكون كحال بعض المسائل التي من جهة، تكون داخلة في المسائل الاُصوليّة، ومن جهة أُخرى، تكون داخلة في المسائل الكلاميّة، ومن جهة ثالثة، في الفقهيّة، وهكذا... وحينئذٍ: فلا ضير في أن يكون لمسألتنا جهتان أو أكثر، فمن كلّ جهة يُبحث عنها تكون تدخل في واحدة من الجهتين أو أكثر.
فمن الجهة المذكورة، لا مانع من دخول المسألة في المبادئ، وهذا لا ينافي أنّها من جهة أُخرى، وهي كون نتيجتها تقع في طريق الاستنباط، يصحّ أن تكون داخلة في المسائل الاُصوليّة.
ومن هنا يظهر: ما في كلام بعض المحقّقين المعاصرين، من <أنّ المسألة ليست من المسائل الاُصوليّة ولا الفقهيّة، وإنّما هي من مبادئ الاُصول>( ).
أمّا أنّها ليست من المسائل الاُصوليّة فقد عرفت الحال فيه. وأمّا ما ذكره من أنّها ليست من المسائل الفقهيّة فهو حقّ.
وأمّا ما قد يقال: من أنّ هذه المسألة هي من المبادئ التصديقيّة لعلم الاُصول، بناءً على ما اشتهر بينهم من أنّ موضوع علم الاُصول هي الأدلّة الأربعة، والبحث في هذه المسألة إنّما هو عن تحقّق الملازمة، التي هي حكم العقل، أو عدم تحقّقها، وليس بحثاً عن ما هو من عوارض أحد الأدلّة الأربعة، فلا محالة، تكون خارجةً عن المسائل، داخلةً في المبادئ التصديقيّة لهذا العلم.
فيرد عليه:
أوّلاً: إنّ موضوع علم الاُصول ليس هو الأدلّة الأربعة، حتى يقال بأنّ من جملتها العقل، حتى يرد الإشكال.
وثانياً: على فرض التنزّل، فأيّ مانع ـ كما أشرنا ـ من أن يكون للمسألة جهات متعدّدة؟ فهي بإحدى الجهات تكون داخلة في هذا العلم، وبجهات أُخرى تكون داخلة في علوم أُخرى.

الأمر الثاني:
أنّ محلّ النزاع في هذه المسألة ليس هو اللّابدّيّة العقليّة، والملازمة التي يقضي بها العقل بين وجود المقدّمة ووجود ذيها؛ لأنّ ذا المقدّمة لا يمكن حصوله عقلاً إلّا بعد فرض وجود المقدّمة، فوجودها علّة لوجود ذي المقدّمة، ولا سبيل إلى إنكار هذا، ولا اختصاص لها بالمقدّميّة الشرعيّة، بل هذا ثابت حتى لدى المنكرين للحسن والقبح العقليّين، فمورد النزاع إنّما هو الملازمة من جهة الوجوب الشرعيّ، والمراد من الوجوب الذي يبحث عن ثبوته للمقدّمة هو الوجوب الغيريّ.

الأمر الثالث :أنّ وجوب المقدّمة ـ كما عرفنا ـ وجوب عقليّ لا لفظيّ :
وفي هذا يقول صاحب الكفاية:
<ثمّ الظاهر ـ أيضاً ـ أنّ المسألة عقليّة، والكلام في استقلال العقل بالملازمة وعدمه، لا لفظيّة كما ربّما يظهر من صاحب المعالم حيث استدلّ على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث، مضافاً إلى أنّه ذكرها في مباحث الألفاظ، ضرورة أنّه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشي‏ء ووجوب مقدّمته ثبوتاً محلّ الإشكال، فلا مجال لتحرير النزاع في الإثبات والدلالة عليها بإحدى الدلالات الثلاث، كما لا يخفى>( ).
ومحصّل ما أفاده: أنّ أصل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته محلّ إشكال، فلابدّ من إيقاع البحث فيه ثبوتاً، ولا معنى لإيقاع البحث في مقام الإثبات؛ إذ ليس وجوب المقدّمة مدلولاً للّفظ بأيّ نحوٍ من أنحاء الدلالة، حتى يتأتّى البحث والنزاع في كون هذا الوجوب مدلولاً للّفظ أو ليس مدلولاً له.
وحيث كان وجوبها عقليّاً، فالبحث في هذه المسألة إنّما هو في استقلال العقل في الحكم بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، بحيث إذا وجب شيء ما شرعاً استقلّ العقل بوجوب مقدّمته كذلك، أي: شرعاً أيضاً، وليس البحث عنها حول دلالة الأمر بالشيء على وجوب مقدّمته، كما ربّما يظهر من كلام صاحب المعالم، حتى تصبح المسألة لفظيّة( ).
فإنّ استدلاله على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث ضعيف ـ كما أشار إليه بعض شرّاح الكفاية( ) ـ؛ لأنّ الأمر بالشيء هب أنّه لا يدلّ بشيءٍ من الدلالات الثلاث على وجوب المقدّمة ـ أمّا عدم المطابقة والتضمّن فواضح، وأمّا عدم الالتزام، فلما يُشترط في دلالة اللّفظ على الخارج التزاماً من اللّزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، بحيث يستحيل تصوّر الملزوم بدون اللّازم، إمّا عقلاً كما في العمى والبصر، وإمّا عرفاً كما في الجود والحاتم، ومن المعلوم انتفاء اللّزوم كذلك في المقام ـ، إلّا أنّ عدم دلالة اللّفظ التزاماً ممّا لا يتنافى مع وجود الملازمة عقلاً بين وجوب الشيء شرعاً ووجوب مقدّمته كذلك.

الأمر الرابع: أنّ الوجوب ينقسم إلى أقسام:
1ـ الوجوب النفسيّ.
2 ـ والوجوب الطريقيّ.
3 ـ والوجوب الغيريّ.
والظاهر: أنّ الوجوب المترتّب على المقدّمة ليس من قبيل الوجوب النفسيّ؛ إذ ليس فيها ـ بما هي مقدّمة ـ مصلحة في نفسها، حتى نقول بأنّها واجبة بالوجوب النفسيّ.
كما أنّ المراد من الوجوب هنا ليس هو الوجوب الطريقيّ؛ لأنّ الوجوب الطريقيّ هو بمعنى تنجيز الواقع عند الإصابة، ووجوب المقدّمة ليس كذلك، فإنّه ـ على القول به ـ يكون تحقّقه متوقّفاً على تحقّق وجوب ذيها، فلا محالة يكون النزاع هنا في الوجوب الغيريّ.

الأمر الخامس: ينقسم الوجوب باعتبارٍ آخر إلى الأصليّ والتبعيّ:
والمراد من الأصليّ:
تارةً يكون هو الواجب المستقلّ في الخطاب، في قبال التبعيّ الذي هو غير مستقلّ فيه.
وأُخرى: هو الواجب الذي لا ينشأ عن إرادة أُخرى، بل هو مراد بإرادة مستقلّة غير تابعة لإرادة أُخرى، فإن كان مراداً بإرادة أُخرى، فهو واجب تبعيّ.
ومحلّ البحث هو الثاني، فهل الوجوب المتعلّق بالمقدّمة يكون ناشئاً من نفس الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة وتترشّح منه هي بعينها إلى المقدّمة أم لا؟ وأمّا الوجوب الأصليّ بالمعنى الأوّل فليس مبحوثاً عنه أو متنازعاً فيه هنا؛ لأنّ إيجاب المقدّمة بخطاب مستقلّ قليل جدّاً.

الأمر السادس: تنقسم المقدّمة إلى خارجيّة وداخليّة:
وكلّ منهما ينقسم إلى قسمين: بالمعنى الأخصّ وبالمعنى الأعمّ. والمراد بالمقدّمة الداخليّة أجزاء الماهيّة المركّبة، وبالخارجيّة: الاُمور الخارجة عن الماهيّة التي يتوقّف وجود المأمور به عليها.
والمراد ﺑ <المقدّمة الداخليّة بالمعنى الأخصّ>، فهي ما يكون دخيلاً في ماهيّة المركّب قيداً وتقييداً، ويعبّر عنها بالأجزاء، وتكون دخيلة بذاتها في المركّب، واقعة تحت نفس الطلب والإرادة النفسيّة المتعلّقين به.
وفي قبالها ما يُعرف ﺑ <المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأعمّ>، وهي ما لا تكون دخيلة في ماهيّة المأمور به، أعمّ من أن يكون التقييد داخلاً أو غير داخل. فمثال الأوّل: الشرائط الشرعيّة، كالوضوء، ومثال الثاني: الاُمور التي يكون وجود الواجب متوقّفاً عليها.
والمراد ﺑ <المقدّمة الداخليّة بالمعنى الأعمّ> ما يكون التقييد فيها داخلاً في ماهيّة المأمور به سواء كانت ذاتها داخلة أيضاً أم لم تكن.
وأمّا <المقدّمة الخارجيّة بالمعنى الأخصّ> فهي ما لا تكون داخلةً في ماهيّة الواجب، لا قيداً ولا تقييداً، وإنّما يكون لها دخل فيه عقلاً أو عادةً، لتوقّف وجود الواجب عليها، كما أنّ الصعود إلى السطح يكون متوقّفاً على نصب السلّم.
وقد تعرّض صاحب الكفاية إلى البحث عن المقدّمة الداخليّة من جهتين:
الجهة الأُولى: في صحّة إطلاق المقدّمة عليها:
إذ قد يستشكل في ذلك بأنّ المقدّميّة تتوقّف على كون المقدّمة سابقة على ذي المقدّمة، والأجزاء غير سابقة على المركّب؛ لأنّ الكلّ هو عين الأجزاء، ونفس الشيء لا يكون سابقاً عليه.
وقد أجاب عن هذا الإشكال بأنّ الأجزاء بالأسر لها جهتان واقعيّتان، إحداهما مترتّبة على الأُخرى، فإنّ في كلّ جزء جهة ذاته وجهة اجتماعه مع غيره من الأجزاء. ولا يخفى: أنّ جهة الذات متقدّمة على جهة اجتماع الذات مع الذات الأُخرى تقدّم المعروض على العارض؛ لأنّ جهة الاجتماع عارضة على الذوات.
وعليه فنقول: إنّ الأجزاء إذا لوحظت بجهة ذاتها كانت المقدّمة، وإذا لوحظت بوصف الاجتماع والانضمام كانت الكلّ، فالمقدّمة سابقة على الكلّ وذي المقدّمة سبْقَ المعروض على العارض. وهذا السبق هو ما يصحّح إطلاق المقدّميّة عليها.
قال في الكفاية:
<الأمر الثاني: أنّه ربّما تقسّم المقدّمة إلى تقسيمات:
منها: تقسيمها إلى الداخليّة، وهي الأجزاء المأخوذة في الماهيّة المأمور بها، والخارجيّة، وهي الاُمور الخارجة عن ماهيّته ممّا لا يكاد يوجد بدونه.
وربّما يشكل في كون الأجزاء مقدّمة له وسابقة عليه: بأنّ المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء بأسرها، والحال أنّ المقدّمة هي نفس الأجزاء بالأسر، وذو المقدّمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع، فيحصل المغايرة بينهما، وبذلك ظهر: أنّه لابدّ في اعتبار الجزئيّة أخذ الشي‏ء بلا شرط، كما لابدّ في اعتبار الكلّيّة من اعتبار اشتراط الاجتماع>( ).
أمّا المقدّمات الخارجيّة، بحيث يكون القيد خارجاً والتقييد داخلاً، كالشرط والمعدّ وعدم المانع، فهذه ممّا لا شكّ في دخولها في محلّ النزاع، وأنّ النزاع في ثبوت الملازمة بين الحكم العقل والشرع فيها أو عدم ثبوتها متأتٍّ، حيث كان لها وجود وللواجب وجود آخر.
وأمّا المقدّمات الداخليّة، فهل تقع محلّاً للنزاع أم لا؟
الحقّ عدم دخولها في محلّ البحث؛ فإنّ المقدّمة يجب أن تكون سابقة على ذي المقدّمة، والأجزاء لا تكون سابقة عليه، بل هي نفس ذي المقدّمة، كما أنّه على القول بالملازمة، فلكي يمكن أن يترشّح إلى المقدّمة وجوب غيريّ من ذي المقدّمة، فلابدّ من المباينة والاثنينيّة بينهما، ولكنّ الأجزاء عين ذي المقدّمة.
تفصيل ذلك: أنّ المركّب على قسمين: حقيقيّ وحكميّ.
فأمّا الحقيقيّ: فإمّا أن تكون أجزاؤه عقليّة أو خارجيّة، فالأوّل: كالجنس والفصل، والثاني: كالصورة والمادّة. وأمّا الحكميّ: فكالمركّب الاعتباريّ.
وفي كلا القسمين، لا يمكن جريان النزاع؛ لأنّ النزاع إنّما يجري إذا فُرض كون الأجزاء متقدّمة على المركّب وسابقة عليه. وفي محلّ البحث، فإنّ الأجزاء هي عين الكلّ في جميع الأقسام؛ أمّا الجنس والفصل فهما أجزاء تحليليّة عقليّة، ولا وجود لهما في الخارج في قبال المركّب كي يأتي النزاع فيهما. وأمّا المادّة والصورة، فكذلك، فإنّهما وإن كانا من الأجزاء الخارجيّة في الخارج، إلّا أنّ وجودهما في الخارج هو عين وجود المركّب، ولا امتياز لهما في الوجود الخارجيّ عن المركّب منهما، ليكون المركّب متوقّفاً في وجوده عليهما.
وأمّا المركّب الاعتباريّ فقد يتوهّم دخوله في محلّ النزاع؛ لأنّ بين الأجزاء وبين الكلّ تغايراً اعتباريّاً، وهذا المقدار من التغاير كافٍ، كما نسب إلى شيخنا الأنصاري في التقريرات، من أنّ <الجزء له اعتباران: أحدهما: اعتباره لا بشرط، وهو بهذا الاعتبار عين الكلّ ومتّحد معه؛ إذ لا ينافي ذلك انضمام سائر الأجزاء إليه، فيصير مركّباً منها، ويكون هو الكلّ. وثانيهما: اعتباره بشرط لا، وهو بهذا الاعتبار يغاير الكلّ>( )، وهذا المقدار في التغاير كافٍ.
ولكنّك خبير بأنّ هذا التغاير الاعتباريّ غير مفيد؛ لأنّه لا يوجب تعدّد الوجود المعتبر في الواجب ومقدّمته، وليس هناك في الخارج وجودان حتى يعدّ أحدهما نفسيّاً والآخر مقدّميّاً، فلا يفيد التعدّد الاعتباريّ مع الاتّحاد الخارجيّ، فالإشكال باقٍ بحاله.
ولكن قد أُجيبَ عن هذا بأنّ الفرق بين الجزء والكلّ حاصل، فإنّه <إذا لوحظت الأجزاء بجهة ذاتها كانت المقدّمة، وإذا لوحظت بوصف الاجتماع والانضمام كانت الكلّ، فالمقدّمة سابقة على الكلّ وذي المقدّمة سبق المعروض على العارض، وهذا السبق يصحّح إطلاق المقدّميّة عليها. ويمكن التعبير عن الفرق بين الأجزاء والكلّ بحسب اصطلاح المعقول بأنّ الأجزاء ما لوحظت لا بشرط، والكلّ ما لوحظ بشرط شيء>، وهذا كما هو الفرق بين الأجزاء الخارجيّة، كالمادّة والصورة، والأجزاء التحليليّة، كالجنس والفصل؛ لعدم صحّة الحمل في الأجزاء الخارجيّة، فلا يمكن حمل المادّة على الصورة؛ لأنّها أُخذت فيها بشرط لا، وأمّا الأجزاء التحليليّة، فلمّا كانت مأخوذة لا بشرط، فيصحّ الحمل وليس ثمّة ما يمنع منه.
وقد يستشكل هنا: بأنّ أخذ الجزء بشرط لا، لا يلائم الجزئيّة؛ لأنّ الأجزاء عين الكلّ في الخارج، ومعه: فكيف يمكن تصوّره بشرط لا؟! فكون الجزء الخارجي مأخوذاً بشرط لا إنّما هو بلحاظ الحمل، لا بلحاظ الجزئيّة والكلّيّة، فإنّ كون الجزء مأخوذاً بشرط لا، لايتلاءم مع كونه جزءً للكلّ؛ لأنّ الجزئيّة والكلّيّة متضايفان.
ولكن يمكن الجواب عنه: بأنّ لحاظ الشيء بشرط لا له معنيان:
فتارةً: يكون المراد من لحاظه بشرط لا: لحاظ الشيء في قبال غيره، بحيث لا يُرى غيره.
وأُخرى: يكون المراد من لحاظه كذلك لحاظه بشرط عدم الغير، بحيث يُرى عدم الغير.
والمراد هنا هو الأوّل؛ إذ كما أنّ المراد من ملاحظة الأجزاء بشرط شيء هو ملاحظتها بشرط الانضمام، فإنّ ملاحظة الأجزاء بشرط لا تعني ملاحظتها لا بشرط الانضمام، وملاحظتها بهذا الاعتبار لا تنافي اعتبارها مع الكلّ، بخلاف ما لو اُريد من ملاحظتها بشرط لا ملاحظتها بشرط عدم الانضمام، وقد فرضنا أنّها ـ أي الأجزاء ـ هي عين الكلّ في الخارج، ومعه: فكيف يمكن تصوّرها بشرط عدم الانضمام مع أنّها بهذا الاعتبار ليست بأجزاء للكلّ؟!
وممّا ذكرنا ظهر مقصود صاحب التقريرات من قوله: <إنّ الجزء له اعتباران: أحدهما: اعتباره لا بشرط... >، إلى آخر ما جاء في كلامه المتقدّم؛ فإنّ مراده من اعتبار الجزء بشرط لا: ملاحظة الأجزاء بنفسها في قبال الكلّ، بحيث يكون الجزء بهذا الاعتبار مغايراً للكلّ، كما صرّح به هو نفسه. وليس المراد من بشرط لا، أي: عدم الانضمام.
وعليه: فما أورده عليه بعض المحقّقين المعاصرين من أنّ <جواب صاحب التقريرات في بيان الفرق بين الجزء والكلّ بأنّ الجزء مأخوذ بشرط لا، غفلة منه بأنّ ذلك لا يتلاءم مع كونه جزءاً للكلّ؛ لأنّ الكلّيّة والجزئيّة متضائفان، وأخذ الجزء الخارجيّ بشرط لا بلحاظ الحمل، لا بلحاظ الجزئيّة والكليّة>، غير تامّ( ).
ومن هنا، ثبت بطلان ما أفاده الاُستاذ المحقّق من أنّ لحاظ الجزء <بشرط لا، مع كونه جزءاً، متباينان لا يجتمعان؛ لأنّ الشيء ـ مقيّداً بعدم انضمامه مع غيره ـ محال أن يكون جزءاً للمركّب>. إلى أن يقول: <فالفرق بين الكلّ والجزء هو أنّ الأجزاء إذا لوحظت بشرط الاجتماع كانت كلّاً، وإذا لوحظت لا بشرط عن الاجتماع والانضمام كانت أجزاءً>( ).
إذ قد ذكرنا أنّه يصحّ القول بأنّ الأجزاء إذا لوحظت بشرط لا كانت أجزاءً، ولكن على أن يكون المراد من ملاحظتها بشرط لا هو المعنى الأوّل، أي: لا بمعنى ملاحظتها بشرط عدم الانضمام.
ولكن بالرغم من كلّ ما ذكرناه، فالإشكال يبقى على حاله؛ لأنّ مقدّميّة شيء لشيء تستلزم وجود المقدّمة بوجود مغاير لوجود ذي المقدّمة، وصرف المغايرة الاعتباريّة بينهما لا يستلزم مغايرة وجود أحدهما لوجود الآخر، كما هو أوضح من أن يخفى.
وأمّا الإشكال الثاني ـ وهو عدم إمكان ترشّح الأمر الغيريّ من الكلّ إلى الجزء بعد أن كان للأجزاء وجوب نفسيّ ضمنيّ لكونها مقدّمات داخليّة ـ فقد أشار إليه صاحب الكفاية في حاشيةٍ له في المقام، ونصّ ما أفاده:
<وجهه: أنّه لا يكون فيه أيضاً ملاك الوجوب الغيريّ، حيث إنّه لا وجود له غير وجوده في ضمن الكلّ يتوقّف على وجوده، وبدونه لا وجه لكونه مقدّمة كي يجب بوجوبه أصلاً، كما لا يخفى. وبالجملة: لا يكاد يُجدي تعدّد الاعتبار الموجب للمغايرة بين الأجزاء والكلّ في هذا الباب، وحصول ملاك الوجوب الغيريّ المترشّح من وجوب ذي المقدّمة عليها، لو قيل بوجوبها، فافهم>( ).
وحاصله: أنّه لا مقتضي للوجوب الغيريّ فيها؛ وذلك لأنّ ما يدلّ على وجوب المقدّمة وترشّح الوجوب عليها من ذي المقدّمة إنّما هو الارتكاز العقلائيّ العرفيّ، وهو غاية ما يدلّ على ثبوت الوجوب والترشّح في مورد تعدّد الوجود ومغايرة وجود المقدّمة لوجود ذيها، وأمّا إذا لم يكن هناك مغايرة وجوديّة بين المقدّمة وذيها، بل كانا متّحدين في الوجود، وتصحيح المقدّميّة بوجه من الوجوه الدقيقة العقليّة، كما في الكلّ والجزء، فالدليل قاصر عن إثبات وجوبها وترشّح الوجوب من ذيها عليه.
وبعبارة أُخرى: فالمقدّمات الداخليّة حيث لا وجود لها غير وجود الكلّ، فهي واجبة بالوجوب النفسيّ الذي هو عين وجوب الكلّ، فلا مجال ـ حينئذٍ ـ لأن يترشّح الوجوب من ذي المقدّمة عليها حتى تكون واجبة بالوجوب الغيريّ. فعدم وجوبها بالوجوب الغيريّ هنا إنّما يستند إلى عدم وجود المقتضي، وعدم قابليّة المحلّ، وليس ناشئاً من وجود المانع.
نعم، يمكن الإشكال من جهةٍ أُخرى، يكون الامتناع فيها مستنداً إلى وجود المانع، وهو اجتماع المثلين. وقد أشار إلى هذا الإشكال في متن الكفاية، حيث قال:
<ثمّ لا يخفى: أنّه ينبغي خروج الأجزاء عن محلّ النزاع ـ كما صرّح به بعض ـ وذلك لما عرفت من كون الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتاً وإنّما كانت المغايرة بينهما اعتباراً، فتكون واجبةً بعين وجوبه، ومبعوثاً إليها بنفس الأمر الباعث إليه، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر، لامتناع اجتماع المثلين‏>( ).
وتوضيح ما أفاده: أنّ الأجزاء لمّا كانت عين الكلّ في الوجود، كان الأمر النفسيّ المتعلّق بالكلّ متعلّقاً بها حقيقةً، فهي متعلّقة للوجوب النفسيّ، وعليه: فيلزم من تعلّق الوجوب الغيريّ ـ بناءً على ثبوت مقتضيه ـ اجتماع حكمين على موضوعٍ واحد، وهو محال؛ لأنّه من باب اجتماع المثلين، وهو في المنع كاجتماع الضدّين، فالأجزاء لا تكون متعلّقة للوجوب الغيريّ، وإن ثبت مقتضيه فيها، وذلك لوجود المانع، وهو استلزامه المحال.
إن قلت: إنّ تعدد الجهة كافٍ في ورود الأمر الغيريّ، ومع تعدّدها لا يلزم الاجتماع، والمفروض هنا تعدّدها؛ لأنّ متعلّق الوجوب النفسيّ هو الأجزاء من حيث كونها عين الكلّ، ومتعلّق الوجوب الغيريّ هو الأجزاء من حيث كونها مقدّمة لوجود الكلّ، ومع تعدّد الجهة لا يلزم اجتماع المثلين، كما لم يلزم اجتماع الضدّين في مثل الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة بسبب تعدّد الجهة، فإنّها من حيث كونها صلاةً تكون واجبةً، ومن حيث كونها غصباً تكون حراماً.
قلت: تعدّد الجهة إنّما يكون مفيداً ويرفع محذور الاجتماع لو فرضنا الجهة الملحوظة تقييديّة، وهي التي تقع موضوعاً للخطاب، بلا فرق بين أن يكون الموضوع خارجيّاً، كالفقير والغنيّ وأمثال ذلك، أو فعلاً، كالصلاة والغصب. فإذا كانت الجهة تقييديّة كانت موجبة لتعدّد الموضوع، فتعدّدها حينئذٍ يكون مجدياً في رفع غائلة الاجتماع ومحذوره. وأمّا لو كانت تعليليّة، فإنّ تعدّدها حينئذٍ لا يكون مجدياً، ويتأتّى فيه الإشكال بلزوم اجتماع المثلين، وأمّا في مسألة الغصب والصلاة، فإنّما لم يتأتّ محذور اجتماع الضدّين؛ لأنّ الحكم لم يتعلّق بالجهة التعليليّة.
وعليه: فحيثما تكون المقدّميّة من الجهات التعليليّة، فإنّ معروض الوجوب الغيريّ يكون هو ذات المقدّمة، لا بعنوان كونها مقدّمة، والمفروض أنّها عين الكل. فالوجوب العارض إنّما هو الوجوب النفسيّ الضمنيّ، وقد عرض لها وجوب آخر، فيكون ـ حينئذٍ ـ من باب اجتماع المثلين؛ وذلك لأنّ المتوقّف عليه وجود ذي المقدّمة إنّما هو ذات المقدّمة، لا عنوانها، أعني: المقدّميّة. نعم، تكون المقدّميّة علّة لترشّح الحكم من ذي المقدّمة إليها.
وقد أجاب المحقّق النائيني عن هذا الإشكال بقوله:
<فتلخّص: أنّ حيثيّة الانضمام الطارئة على ذوات الأجزاء أوجبت كونها أمراً آخر في قبال نفس ذواتها التي هي مقدّمة لهذا الأمر الواحد اعتباراً في مقام التشريع والامتثال، وبذلك يندفع إشكال ترشّح الأمر الغيريّ بشي‏ء من الأمر النفسيّ المتعلّق بذاك الشي‏ء بعينه. نعم، حيث إنّ ذوات الأجزاء موجودة في ضمن المركّب لا بوجودٍ آخر، فيبقى إشكال اجتماع المثلين بحاله، وقد عرفت أنّه ليس فيه كثير إشكال، للزوم مثله في العبادات الواجبة التي هي مقدّمة لواجبٍ آخر، وإنّه يمكن الجواب عنه بالالتزام بالاندكاك والتأكّد>( ).
وحاصله: أنّه لا بأس بورود وجوبين على شيءٍ واحد؛ فإنّ الوجوب الغيريّ لا بأس بوروده على الأجزاء، ولو كان الوجوب النفسيّ قد تعلّق بالأجزاء أيضاً؛ وذلك لأنّ هذا الوجوب الغيريّ الذي يتعلّق بها يكون مؤكّداً للوجوب النفسيّ، فليس هناك وجوبان مستقلّان حتى يلزم اجتماع المثلين، ومع القول بالتأكّد يرتفع محذور اجتماع المثلين.
وذلك نظير ما نلتزم به في غير الأجزاء من الواجبات النفسيّة، كصلاة الظهر تكون مقدّمة لصلاة العصر، بمعنى: أنّه لابدّ من الإتيان بها قبلها، فهي، بالرغم من أنّها واجبة بالوجوب النفسيّ، إلّا أنّ وجوبها هذا يتأكّد بثبوت ملاك الوجوب الغيريّ فيها أيضاً، ومعه: فلا يلزم اجتماع المثلين، كما هو واضح. ففي ما نحن فيه، وهو الأجزاء، يكون الأمر أيضاً من هذا القبيل.
ولكنّ نفس المحقّق النائيني استشكل في هذا الوجه، بما لفظه:
<هذا، ولكنّ الإنصاف أنّ ما ذكرناه من التقدّم والتأخّر، وإن كان صحيحاً بالنظر إلى لحاظ الجزء والمركّب في نفسيهما، إلّا أنّه لا يصحّح اتّصاف الأجزاء بالوجوب الغيريّ الذي ملاكه توقّف أحد الوجودين على الآخر، وبما أنّه ليس في مفروض الكلام مغايرة بين الوجودين، فلا يُعقل ترشّح الوجوب الغيريّ المتعلّق بالأجزاء من الوجوب النفسيّ المتعلّق بالمركّب الذي هو نفس الأجزاء في الخارج على الفرض>( ).
وتوضيحه: أنّ التأكّد ها هنا ممنوع؛ بل التأكّد إنّما يتصوّر في غير المورد الذي يكون الوجوب الغيريّ فيه معلولاً للوجوب النفسيّ، نظير مثال صلاة الظهر. وأمّا إذا كان الوجوب الغيريّ معلولاً لنفس الوجوب النفسيّ، كما هو الحال في محلّ البحث، وهي الأجزاء، فإنّ وجوبها الغيريّ يترشّح من وجوبها النفسيّ، فلا يمكن فرض التأكّد فيه.
وأمّا المحقّق العراقيّ فقد أورد على دعوى التأكّد بما هذا لفظه:
<وتوهّم التأكّد في مثل المقام غلط؛ إذ الوجوب الغيريّ معلول الوجوب النفسيّ ومتأخّر عنه بمقدار تخلّل الفاء الحاصل بين العلّة والمعلول، وهذا الفاء مانع عن اتّحاد وجودهما، ولو بالتأكّد>( ).
ولكن فيه:
أوّلاً: أنّه ليس هناك فاصلة بين العلّة والمعلول بالفاء، بل هما واحد خارجاً، ويكونان في زمان واحد، وإنّما العقل هو الذي يرى تقدّم العلّة على المعلول، ومن هنا يقال: إنّ تقدّم العلّة على المعلول تقدّم بالرتبة.
وثانياً: أنّ المناط في التأكّد إنّما هو اجتماع الحكمين زماناً على مورد واحد، سواءً اتّحداً بالرتبة أيضاً أم لا، فمن نذر بأن يأتي بصلاة الظهر ـ مثلاً ـ فلا ينبغي الإشكال في تأكّد وجوبها النفسيّ بالوجوب الطارئ بالنذر.
وأورد عليه اُستاذنا الأعظم بما نصّه:
<ولنأخذ بالنقد عليه، وهو أنّ ما أفاده مبتنٍ على الخلط بين تقدّم حكمٍ على حكمٍ آخر زماناً وبين تقدّمه عليه رتبةً، مع مقارنته له كذلك، بيانه: أنّ الاندكاك بين الحكمين إنّما لا يُتصوّر فيما إذا كانا مختلفين زماناً، بأن يكون أحدهما في زمانٍ والآخر في زمانٍ آخر، بحيث لا يجتمعان في زمانٍ واحد، ففي مثل ذلك لا يُعقل الاندكاك والتأكّد، وأمّا إذا كانا مقارنين زماناً ومجتمعين فيه، وإن كانا مختلفين رتبةً، فلا مناص من الالتزام بالتأكّد والاندكاك>( )، إلى آخر ما جاء في كلامه.
وحاصل ما أفاده: أنّ امتناع التأكّد إنّما يتمّ لو كان أحدهما سابقاً على الآخر زماناً، بمعنى أنّ وجود أحدهما بعد وجود الآخر، لا ما كان أحدهما متقدّماً على الآخر رتبةً مع تقاربهما في الوجود، كما فيما نحن فيه، إذ العلّة لا تنفكّ عن المعلول وجوداً، والسبق واللّحوق بينهما رتبيّ لا زمانيّ، فلا مانع من التأكّد.
وأمّا ما قد يقال: من أنّه لا ثمرة لهذا الوجوب؛ لأنّه بعد ثبوت الوجوب النفسيّ على الأجزاء، فهو يغني عن وجوبها بالوجوب الغيريّ.
فقد يُجاب عنه: بأنّ وجوب الأجزاء بالوجوب النفسيّ محلّ كلام كما ربّما يظهر من التقريرات، حيث قال:
<وربّما يتوهّم: أنّ وجوب الكلّ مركّب من وجوباتٍ متعلّقة بأجزائه، وهو فاسد جدّاً؛ ضرورة أنّ الوجوب المتعلّق بالكلّ أمر بسيط، وهي الحالة الطلبيّة والإرادة الفعليّة، ولا يُعقل التركيب فيها>( ).
ولكنّ هذا الكلام محلّ تأمّل؛ لأنّ الأجزاء لها وجوب نفسيّ، ووجوب الكلّ مركّب من هذه الوجوبات المتعدّدة، بل هناك وجوب واحد تعلّق بالأجزاء، ويتجزّأ هذا الوجوب ويتحصّص، لترد كلّ حصّة منه على واحدٍ من الأجزاء، فالأجزاء، وفي حين أنّ لها وجوباً نفسيّاً، إلّا أنّ كلّ تلك الوجوبات تكون في ضمن وجوبٍ واحد، إذ الوجوب النفسيّ الذي يتعلّق بالأجزاء هو من قبيل الوجوب الضمنيّ لا الاستقلاليّ.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ الوجوب النفسيّ على قسمين:
أوّلهما: أن يكون من قيام مصلحةٍ واحدةٍ بجميع أجزاء المركّب بحيث لا تترتّب تلك المصلحة إلّا على وجود جميعها، كتحريك عدّة من الأشخاص ـ كالعشرة ـ الحجر الثقيل، بحيث لا يتحرّك إلّا بتحريكهم، فحركة الحجر، في حين إنّها أمر واحد، موقوفة على جميع ذلك.
والثاني: أن يكون لكلّ واحدٍ من الأجزاء مصلحة مستقلّة، غاية الأمر: أنّ شرط استيفائها هو الإتيان بغيره من الأجزاء، كما لو فرض أنّ المصلحة في القراءة ـ مثلاً ـ هي غرس مائة نخلة في الجنّة، ومصلحة الركوع بناء بيتٍ كذائيّ فيها، وهكذا سائر الأجزاء، ولكن كانت هذه المصلحة مشروطة بالإتيان بما بعد كلٍّ من القراءة والركوع، أي: بالإتيان بالأجزاء إلى تماميّة الصلاة، وهكذا...
غير أنّ هذه الوجوبات المتعدّدة المتعلّق بالأجزاء، والتي هي ناشئة عن تلك المصالح المتعددة، تكون ـ في حقيقة الأمر ـ ناشئة عن مصلحة واحدة، ومندرجة تحت أمر واحد.
فليس لهذه الوجوبات أوامر متعدّدة مستقلّة، بل جميعها تندرج تحت أمرٍ واحد، وليست كالعموم الاستغراقيّ، كما في مثل: <أكرم العلماء>، بحيث يكون للإكرام المتعلّق بكلّ عالمٍ عالم وجوب مستقلّ ليترتّب على تركه معصية مستقلّة أيضاً.

الأمر السابع: تنقسم المقدّمة إلى عقليّة وشرعيّة وعاديّة:
1) فالمقدّمة العقليّة: هي ما يستحيل وجود ذي المقدّمة بدونها عقلاً، أو فقل: هي ما يتوقّف وجود الشيء عليه، كالمعلول التكوينيّ المتوقّف وجوده على وجود العلّة التكوينيّة، فهذا التوقّف ـ أعني: توقّف المعلول على العلّة ـ يكون عقليّاً، حيث إنّ العقل يدرك ذلك بنفسه، ومن دون حاجةٍ إلى بيان الشارع.
2) وأمّا المقدّمة الشرعيّة: فهي ما يتوقّف عليها وجود الشيء شرعاً، بمعنى: أنّ الشارع يأخذ بعض الأشياء مقدّمة للواجب، على نحوٍ يكون التقيّد بذلك الشيء دخيلاً في الواجب، ولكنّ نفس القيد يكون خارجاً، كحكم الشارع بتوقّف الصلاة على مطلق الطهارة الحدثيّة والخبثيّة. ويكون هذا التوقّف شرعيّاً بلحاظ نفس هذا الجعل الصادر من الشارع وأخذه ذلك القيد قيداً في الواجب، وإلّا، فبعد فراغ الشارع من الجعل، فلا محالة يكون التوقّف عقليّاً؛ لأنّ وجود التقيّد بدون القيد يكون محالاً.
فإن قلت: فبناءً على هذا يكون مرجع المقدّمة الشرعيّة إلى العقليّة؛ لأنّ ما أخذه الشارع شرطاً وقيداً لشيء يستحيل ـ عقلاً ـ وجود ذلك الشيء بدونه، ضرورة أنّ المشروط والمقيّد يستحيل بحكمٍ من العقل أن يوجد بدون قيده وشرطه.
قلنا: إنّ المقدّمة العقليّة هي ما يدركها العقل بنفسه، من دون حاجة إلى بيانٍ وجعلٍ من الشارع، وأمّا المقدّمة الشرعيّة فلابدّ من أخذها شرطاً أو قيداً في الواجب من قبل الشارع، وإن كانت النتيجة، أي: بعد أخذ الشارع لها شرطاً أو قيداً، هي استحالة وجود المشروط بدونهما عقلاً.
3) وأمّا المقدّمة العاديّة: فهي التي يتوقّف وجوده عليها عادةً، بأن جرت العادة على ذلك، من دون توقّفٍ عليه وجوداً، بحيث يمكن تحقّق ذي المقدّمة بدونه، وذلك كجريان العادة حين الخروج من الدار على لبس العمّة والرداء والحذاء، فإنّه يُحكم بالتوقّف العاديّ بين الخروج وبين اللّبس، وإنّما كان توقّفاً عاديّاً لإمكان تحقّق ذي المقدّمة بدونها.
ولا يخفى: أنّ المقدّمة العاديّة تكون خارجةً عن محلّ النزاع، لعدم توقّف وجوديٍّ بين المقدّمة وذيها، كي يتأتّى ترشّح الوجوب منه إليها.
وإذا عرفت ذلك نقول:
لا يخفى أنّ مرجع جميع هذه المقدّمات إلى المقدّمة العقليّة:
أمّا المقدّمة الشرعيّة؛ فلأنّه لو قلنا بكون المقدّمة معتبرة شرطاً في المأمور به كقوله: <صلّ عن طهارة>، فمعناه: أنّه يمتنع حصول المشروط والمقيّد بدون الشرط والقيد، على فرض أنّه لم يكن قيداً شرعيّاً مأخوذاً في المأمور به، ولكنّ الشارع لإحراز تحقّق الإطاعة في الأوامر الواقعيّة كشف عن توقّف المأمور به عليه، كتوقّف الصلاة على الطهارة، فإنّ هذا أيضاً حكم عقلي؛ لأنّه يكشف عن أنّ الفعل التامّ الذي يفي بتمام المصلحة لا يمكن أن يحصل من دون الإتيان بالمقدّمة.
وأمّا المقدّمة العادّيّة؛ فلأنّه لو لم يكن هناك توقّف لذي المقدّمة على المقدّمة ـ كما مرّ ـ فهذا لا يكون من المقدّمة أصلاً؛ لأنّ معنى المقدّمة العاديّة حقيقةً إنّما هو التوقّف واستحالة وجود ذي المقدّمة من دونها عادةً، وإن لم يكن مستحيلاً عقلاً، كالصعود على السطح ـ مثلاً ـ فإنّه وإن لم يكن مستحيلاً من دون نصب سلّم للصعود لمن كان قادراً على الطيران، إلّا أنّه بالنسبة إلى غير القادر عليه يكون محكوماً بالاستحالة الفعليّة، وإن كان طيرانه محكوماً بالإمكان الذاتيّ.
فهذا ـ أيضاً ـ مردّه إلى الوجوب العقليّ؛ لأنّ العقل ـ نفسه ـ هو من يحكم بأنّه إذا أردت الصعود على السطح، فلابدّ لك من نصب السلّم.

الأمر الثامن: تنقسم المقدّمة إلى مقدّمة الصحّة ومقدّمة الوجود ومقدّمة الوجوب ومقدّمة العلم:
1) أمّا مقدّمة الصحّة: فهي ما تتوقّف عليه صحّة العمل، من دون أن يكون أصل العمل متوقّفاً عليه، كالصلاة التي تتوقّف صحّتها ـ لا أصل تحقّقها ـ على الطهارة.
2) وأمّا مقدّمة الوجود: فهي ما يتوقّف عليه ذو المقدّمة في أصل وجوده، كطيّ المسافة، المتوقّفة عليه نفس أعمال الحج.
ولا يخفى: أنّ مقدّمة الصحّة ترجع إلى مقدّمة الوجود على القول بوضع أسامي العبادات للصحيح؛ إذ ـ بناءً على قول الصحيحيّ ـ فإنّ غير الصحيح لا يكون فرداً للماهيّة أصلاً؛ لأنّ مرجع صحّة الشيء يكون إلى نفس وجوده؛ فإنّ فقدان الطهارة ـ التي هي شرط الصحّة، وبفواتها تفوت الصحّة ـ مانع من وجود تلك الخصوصيّة المأخوذه في الواجب، وهي التقييد؛ ومحال أن يُحكم على الشيء بالصحّة إذا لم يكن واجداً لجميع خصوصيّاته.
وكذا بناءً على قول الأعمّي؛ وذلك لأنّ محلّ البحث هنا إنّما هو مقدّمة الواجب، ومعلوم أنّ الواجب هو خصوص الصلاة الصحيحة، لا ما هو المسمّى باسم (الصلاة)، والصلاة الصحيحة بجميع أجزائها لا يُعقل أن توجد من دون جميع خصوصيّاتها، كما هو أوضح من أن يخفى.
3) وأمّا مقدّمة الوجوب: فهي ما يتوقّف عليه الوجوب نفسه؛ فإنّ الوجوب النفسيّ لا يتحقّق إلّا بعد تحقّق المقدّمة، وهي قد تكون من الشرائط العامّة، كالبلوغ والعقل، وقد تكون من الشرائط الخاصّة، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ.
ولا يخفى: خروج هذا القسم من محلّ النزاع أصلاً؛ إذ لا يكون للواجب وجوب أصلاً قبل تحقّق مقدّمته، أي: مقدّمة وجوبه ـ كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ ـ كي يترشّح الوجوب منه إليها، وبعد تحقّقها، فلا معنى لترشّح الوجوب إليها، كما هو واضح، إذ يكون تعلّق الوجوب بها بعد فرض حصولها من قبيل طلب ما هو حاصل.
وبعبارة أُخرى: فإنّ مقدّمة الوجوب خارجة عن محلّ البحث؛ لأنّ كلامنا هنا إنّما هو بعد ثبوت ذي المقدّمة في الخارج، فيُبحث ـ حينئذٍ ـ عن ترشّح الوجوب منه إلى المقدّمة؛ والمفروض أنّ الوجوب لا يتحقّق إلّا بعد وجود مقدّمته وتحقّقها، كما في قيد الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، ومعه: فكيف يمكن تصوير الترشّح من ذي المقدّمة إليها؟! فإنّ لازمه إمّا تحصيل الحاصل، أو تقدّم الشيء على نفسه، وكلاهما غير معقول.
4) وأمّا مقدّمة العلم: فهي ما لا يتوقّف الواجب عليها، لا في وجوده ولا في وجوبه، وإنّما يتوقّف عليها العلم بوجود الواجب، كما في الإتيان بالصلاة في الثوبين المشتبهين عند اشتباه الطاهر بالنجس، وكذا الإتيان بالصلاة إلى الجهات الأربع عند اشتباه القبلة، فإنّ العلم بتحقّق المأمور به في الخارج وحصول الامتثال والإطاعة متوقّف عليه. فهل هذه المقدّمة داخلة في محلّ البحث أم لا؟
لا يخفى: أنّ كلامنا إنّما هو في المقدّمة التي يتوقّف عليها العلم بوجود الواجب، لا ما يتوقّف عليها العلم بتحقّق الامتثال. فإنّ هذه المقدّمة تنقسم على قسمين:
أحدهما: وهي التي تكون أجنبيّةً وخارجةً عن حقيقة الواجب، كما لو أراد أن يحصّل اليقين بحصول غسل تمام اليد ومقدار الواجب من الوضوء بغسل ما فوق المرفق.
والثاني: هو الإتيان بجميع أطراف العلم الإجماليّ لحصول العلم بتحقّق الواجب، بلا فرق بين الشبهة الحكميّة، كما إذا شكّ في يوم الجمعة بأنّ الواجب عليه هو صلاة الظهر أو الجمعة، أو الموضوعيّة، كما لو علم إجمالاً بوجود القبلة إلى إحدى الجهات الأربع، فيجب عليه ـ حينئذٍ ـ الإتيان بالصلاة إلى الجهات الأربع، في كلا القسمين. والعقل هو من يحكم بوجوب المقدّمة العلميّة؛ لأنّ الاشتغال اليقينيّ يستدعي البراءة اليقينيّة، وهي لا تحصل إلّا بغسل مقدار زائدٍ ممّا فوق المرفق، كما في مثال الوضوء، أو الإتيان بجميع أطراف العلم الإجماليّ؛ بداهة أنّ اليقين بالفراغ متوقّف على إتيان جميع المقدّمات.
ولا يخفى ـ أيضاً ـ أنّها خارجة عن محلّ النزاع؛ لأنّ وجوبها ليس من باب الملازمة وترشّح الوجوب الغيريّ من ذي المقدّمة عليها، وذلك لعدم توقّف وجود الواجب عليها حتى يحكم العقل بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب ما يتوقّف عليه وجوده؛ وإنّما المتوقّف عليها هو العلم بالواجب؛ وقد يمكن حصول الواجب من دونها، من باب الصدفة، كما إذا صلّى إلى واحدةٍ من الجهات الأربع، وصادفت هذه الجهة القبلة الواقعيّة، فلمّا لم يكن وجوبها من باب الملازمة، بل من باب استقلال العقل بوجوبها تحصيلاً للأمن من العقوبة، فهذه ـ أيضاً ـ خارجة عن محلّ النزاع لا محالة.

الأمر التاسع: تنقسم المقدّمة إلى المتقدّمة والمقارنة والمتأخّرة:
أمّا المتقدّمة: فهي التي تكون متقدّمةً زماناً على ذي المقدّمة، كالوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة، فإنّهما متقدّمان على ذي المقدّمة زماناً، ولكن بعنوانهما المصدريّ، وأمّا بعنوانهما الاسم المصدريّ، فهما يخرجان عن المقدّمة المتقدّمة ويدخلان في المقارنة.
وأمّا المقدّمة المقارنة: فهي التي يكون وجودها مقارناً لوجود ذيها، وذلك كالستر واستقبال القبلة بالنسبة إلى الصلاة.
وأمّا المقدّمة المتأخّرة: فهي التي تكون متأخّرة عن وجود ذيها، كأغسال الليلة الآتية المعتبرة في صحّة صوم اليوم الماضي للمستحاضة، وكالإجارة في بيع الفضوليّ بناءً على الكشف الحقيقيّ.
وقد يأتي الإشكال في إمكان المقدّمة المتأخّرة، بل وفي المتقدّمة أيضاً، فما صنعه الاُستاذ المحقّقمن حصر الإشكال في المقدّمة المتأخّرة، وقوله: <والمقدّمة المتأخّرة المسمّاة عند الاُصوليّين بالشرط المتأخّر هي التي وقع الكلام في إمكانها وامتناعها، وأمّا المقدّمة المقارنة والمتقدّمة فلا كلام فيهما>( )، في غير محلّه.
فإنّ صاحب الكفاية قد صرّح بأنّه <ليس إشكال انخرام القاعدة العقليّة مختصّاً بالشرط المتأخّر في الشرعيّات كما اشتهر في الألسنة، بل يعمّ الشرط والمقتضي المتقدّمين المتصرّمين حين الأثر>( ).
وحاصل المطلب: أنّه لا إشكال في أنّ المؤثّر في المعلول هو العلّة، فلكي تكون العلّة مؤثّرة في المعلول فلابدّ أن يكون وجوده في حين وجودها، وعليه: فالعلّة بعد انصرامها لا يُعقل أن تكون مؤثّرة في المعلول، بل حال العلّة بعد انصرامها حالها كما لو كانت معدومة، فكما أنّها قبل وجودها لا يمكن أن تؤثّر في وجود المعلول، فكذلك إذا وجدت ثمّ انعدمت؛ فإنّ تأثيرها في المعلول يكون ممتنعاً بعد انعدامها. فالوصيّة في ملكيّة الموصى به للموصى له لا تكون سبباً ومؤثّراً في الملك؛ لأنّها معدومة حين الموت، وهكذا العقد في كلٍّ من بيع الصرف وبيع السلم، لا يكون مؤثّراً في حصول الملكيّة؛ إذ لا وجود للعقد حينه، فيلزم لو قلنا بتأثير العقد ودخالته في الملكيّة دخالة المعدوم في الموجود وتأثيره فيه.
بل ويتوسّع البحث ويأتي الإشكال في كلّ عقد؛ لأنّه لابدّ من مقارنة جميع أجزاء العلّة للمعلول من حيث الزمان، مع أنّنا نرى تقدّم بعض أجزاء العقد على البعض، حيث إنّ كلّ عقد يكون مركّباً من الإيجاب والقبول، وأجزاؤهما من الاُمور التدريجيّة، أي: فلا محالة يحصل جزء وينعدم، ليوجد بعده جزء آخر، فليست جميع الأجزاء مقارنة للمعلول والأثر، وهي الملكيّة، بل المقارن له إنّما هو الجزء الأخير خاصّةً، دون سائر الأجزاء من الإيجاب وسائر الشروط المعتبرة، فليس المقارن ـ إذاً ـ إلّا الجزء الأخير؛ وأمّا بقيّة الأجزاء، فتكون معدومة حال صدور الأثر، فلو قلنا بمدخليّتها في حصوله كان ذلك من باب تأثير المعدوم في الوجود، وإنّه محال.
ولكن لا يخفى: أنّ هذا الإشكال إنّما يرد على العقود، لو قلنا بأنّ الكلام من الاُمور غير القارّة، التي تكون أجزاؤها بحيث لا يأتي جزء إلّا بعد انعدام الجزء السابق، وأمّا إذا قلنا بأنّها من الاُمور القارّة، فلا يأتي هذا الإشكال أصلاً.
وقد يجاب عن الإشكال في المقدّمة المتقدّمة: بأنّه إنّما يأتي فيما لو كانت المقدّمة المتقدّمة من قبيل العلّة التامّة، بناءً على اتّحاد العلّة والمعلول زماناً، وتبعيّة وجود المعلول لوجود العلّة. وأمّا إذا كانت من قبيل العلّة التي تقرّب المعلول إلى صدور وجوده، المسمّاة ﺑ <المعدّ>، فلا يشترط التقارن الزمانيّ بينها وبينه، بل يجوز انفكاكها عن المعلول وتقدّمها عليه من حيث الزمان، كما في طيّ المسافة للوصول إلى المقصد، فإنّ نقل الأقدام مقدّمة للوصول، بمعنى أنّه مجرّد معدٍّ ومقرّب لتحقّق الوصول إلى المكان الذي قصده.
وإن شئت فقل: إنّ الذي لابدّ أن يؤثّر في حال وجوده، ولا يجوز انفكاكه عن المعلول زماناً، إنّما هو العلّة التامّة، وأمّا المعدّ فلا يعتبر الاتّحاد الزمانيّ بينه وبين المعلول، فالإشكال المذكور لا يشمل الشرط المتقدّم، ولا تنخرم في مورده القاعدة العقليّة، وهي: عدم جواز انفكاك العلّة عن المعلول زماناً، وعدم جواز تأثير المعدوم في الموجود، كما ذهب إليه الفلاسفة، من لزوم المقارنة بين الشرط والمشروط، وامتناع تقدّمه عليه وتأخّره عنه.
وبالجملة: فإذا قلنا بأنّ لزوم المقارنة إنّما يكون في العلّة التامّة دون المعدّ، فلا يرد الإشكال في الشرط المتقدّم. وكذا لو قلنا بلزوم التفصيل بين الاُمور التكوينيّة والشرعيّة، وبأنّ هذه القاعدة إنّما تجري في الاُمور التكوينيّة، دون الشرعيّة.
ولكنّ الحقّ: أنّه ليس هناك فرق ـ فيما نحن فيه ـ بين التكوينيّات وبين الاُمور التشريعيّة، بل العلّة في أيّ وعاءٍ كانت، يستحيل أن تنفكّ عن المعلول، فلا فرق بين تقدّم العلّة وتأخّرها في ترتّب القاعدة وامتناع الانفكاك في أيّ وعاءٍ كان. وبالتالي: فالصحيح في الجواب أن يقال: بناءً على أنّ الشرط المتقدّم من المعدّات، فيكون الإشكال منحصراً في الشرط المتأخّر.
والوجه في الإشكال في مورد الشرط المتأخّر ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ: أنّه كيف يُعقل أن يكون للمتأخّر دخل في وجود المتقدّم وأن يكون واحداً من أجزاء علّته؟! فإنّ هذا يستوجب أن يكون المعلول متأخّراً عن جميع أجزاء علّته، والحكم لابدّ وأن يكون متأخّراً عن جميع أجزاء وشرائط موضوعه، والعلّة والموضوع لابدّ من تقدّمهما على المعلول والحكم.
وبعبارةٍ أُخرى: فبعدما عرفنا أنّ مردّ شرائط الحكم ومرجعها إلى موضوع الحكم، بلا فرق بين أن يكون الحكم تكليفيّاً أو وضعيّاً، كالاستطاعة، فإنّها بعد أخذها شرطاً للوجوب، رجعت إلى الموضوع، فمرجع قولنا: (حجّ إذا استطعت) إلى قولنا: (أيّها المستطيع يجب عليك الحجّ).
هذا في الحكم التكليفيّ.
وأمّا في الحكم الوضعيّ، فكشرطيّة الغليان في نجاسة العصير، فإنّ مردّ مثل هذا الجعل إلى مثل قولنا: (العصير المغلي نجس)، فلابدّ للموضوع ـ بجميع أجزائه وشروطه ـ أن يكون متقدّماً حتى يترتّب عليه الحكم، فالصوم الذي يُشترط الغسل في صحّته ـ مثلاً ـ لا محالة يجب أن يكون متقدّماً بجميع أجزائه وشرائطه على الحكم، الذي هو الوجوب، فلو كان بعض شروطه متأخّراً عن الحكم لزم تأخّره هو نفسه عن الحكم، وهذا خلف.
وقد أُجيب عن الإشكال على الشرط المتأخّر:
أوّلاً: بنفس ما أُجيب في الشرط المتقدّم.
وثانياً: بأنّ المراد من الشرطيّة إنّما هو دخل الشرط في الموضوع، ومدخليّة الشرط في الموضوع إنّما هي بما له من الوجود العلميّ والتصوريّ، لا ذلك الأمر الخارجيّ.
قال في الكفاية: <فكون أحدهما شرطاً له ليس إلّا أنّ للحاظه دخلاً في تكليف الأمر، كالشرط المقارن بعينه، فكما أنّ اشتراطه بما يقارنه ليس إلّا أنّ لتصوّره دخلاً في أمره، بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر، كذلك المتقدّم والمتأخّر>( ). ومعلوم أنّ تصوّر الشرط والعلّة يكون مقارناً للمعلول، والذي يكون متأخّراً إنّما هو ذات الشرط.
وبعبارةٍ أُخرى: فإنّ كلّ فعل اختياريّ يكون معلولاً للإرادة، والتكليف لا يتعلّق إلّا بما هو فعل اختياريّ، وهذه الإرادة لا تتعلّق إلّا بما فيه المصلحة، وتلك المصلحة قد تترتّب على ذات الشيء وأجزائه وقد تترتّب عليه مضافاً إلى غيره المتأخّر عنه، لأجل أنّ ذلك الغير يكون دخيلاً في الصلاح، فالأمر بلحاظه يُجعَل ويُحكم به.
ومن المعلوم: أنّ هذا اللّحاظ والإرادة يكونان متقارنين، والذي يكون متأخّراً إنّما هو ذات الملحوظ، وعليه: فما يكون مؤثّراً فإنّما هو الشيء بوجوده اللّحاظيّ، لا بوجوده الخارجيّ، ومن هنا، فيمكن أن يكون نفس الشرط متأخّراً، ولا تنخرم القاعدة العقليّة في مورده أيضاً. هذا.
ولكنّ الصحيح في الجواب أن يقال:
إنّ المقام يكون من باب المعدّ ـ أيضاً ـ. فإنّ الشرط لا يكون علّةً ومؤثراً في إيجاد المعلول بما له من الوجود الخارجيّ، بل إنّما المؤثّر هو الخصوصيّة الحاصلة من جهة إضافة ذات الشرط إلى المشروط والمعلول، والشرط غير المقتضي، بل المقتضي ما يوجده المعلول، وليس نوع المقتضي مؤثّراً، بل الحصّة الخاصّة منه، فليس نوع النّار هو الذي يوجب الإحراق، بل المؤثّر هو خصوص الحصّة من النار التي يكون لها مماسّة مع الشيء، مع كون الشيء يابساً وقابلاً للاحتراق، وهذه الحصّة الخاصّة إنّما صارت مقتضياً ومؤثّراً من قبل الإضافة، وهي المماسّة في المثال، فالإضافة ـ إذاً ـ هي التي تكون محصّلةً للخصوصيّة التي بها يكون المقتضي هو المؤثّر، فمن الجائز ـ لذلك ـ أن ينفصل ذات الشرط عن المعلول زماناً.
فالحقّ: جواز تقدّم الشرط على المشروط، ولا تشمله قاعدة عدم جواز الانفكاك، وهذا الذي ذكرناه يأتي بعينه في الشرط المتأخّر، بل يأتي فى جميع المقدّمات بلا استثناء، بلا فرق بين المتقدّمة منها والمقارنة والمتأخّرة.
وعليه: فحيث إنّ الشرائط الشرعيّة كلّها من قبيل المعدّات المقرّبة، لم يمتنع تقدّمها على المشروط، وكونها منعدمة عند وجوده، هذا ما يُستفاد من كلامٍ للمحقّق الأصفهاني( ).
ولكن يرد عليه: أنّه إنّما يتمّ ويكون رافعاً للإشكال في خصوص الشروط المتقدّمة لا المتأخّرة. مضافاً إلى أنّه لو قلنا بأنّ المؤثّر هو لحاظها، لا نفس وجودها الخارجيّ، لامتناع تصوّر الخارجيّات في الإرادة، فالشرط في الحقيقة إنّما هو وجودها العلميّ واللّحاظيّ، لا ذات المقدّمة، أي: المقدّمات الخارجيّة، ولمّا كان هذا اللّحاظ مقارناً للمعلول، فلا يكون من باب تأثير المعدوم في الموجود، أو تقدّم المعلول على بعض أجزاء علّته في شيء، ولمّا كانت هذه المقدمات ملحوظة بوجودها الخارجيّ، وكانت بهذا اللّحاظ مطابقة لما هو الشرط في الحقيقة سُمّيت شروطاً، وإلّا، فالشرط في الحقيقة هو لحاظها لا نفس وجودها الخارجيّ.
فظهر ممّا ذكرناه: أنّ الذي يكون دخيلاً ومأخوذاً في التكليف على نحو الشرط ـ بناءً على الكلام المتقدّم ـ، إنّما هو الوجود اللّحاظيّ للمقدّمة، وهو مقارن للتكليف أبداً، وليس متقدّماً عليه ولا متأخّراً عنه، فلا انخرام للقاعدة أصلاً. ففي مثال العقد الفضوليّ ـ مثلاً ـ الذي هو دخيل على سبيل الشرط إنّما هو لحاظ الاجازة، لا ذاتها، واللّحاظ مقارن للملكيّة أو الزوجيّة، ولو كانت الإجازة نفسها متأخّرةً عنهما. هذا.
ولكنّ ما ذكروه غير تامّ؛ بل هو ـ في الواقع ـ ناشئ من الخلط بين شرائط الجعل وشرائط المجعول، فإنّ الذي يكون دخيلاً في الحكم في مرحلة الجعل إنّما هو لحاظ الشرط؛ لأنّ مرجع شرائط الجعل إلى العلّة الغائيّة، والعلّة الغائيّة للشيء علّة غائيّة له بماهيّتها، أي: بوجودها الذهنيّ والعلميّ، وهو معلول لماهيّتها، لا لوجودها الخارجيّ. ذلك أنّ العلّة الغائيّة هي عبارة عن الصورة العلميّة، فالجاعل المشرّع بما أنّه حكيم، فهو بعد أن يرى المصلحة، يتصوّر الشيء بجميع ما له دخل فيه، من الشروط، متقدّمة كانت أم متأخّرة، وعدم المانع، ثمّ بعد ذلك يجعل الحكم ويرتّبه عليه، فلحاظ الشروط في مرحلة الجعل ـ لا محالة ـ يكون مقارناً للمشروط، الذي هو الجعل.
وأمّا شروط المجعول ـ وهي الشروط الراجعة إلى الموضوع وفعليّة الحكم ـ، فليست من هذا القبيل، فإنّ فعليّة الحكم إنّما تتوقّف على وجود الموضوع بجميع أجزائه وشرائطه.
فالنتيجة: أنّ هذا الكلام المتقدّم ناظر إلى شرط الجعل، لا المجعول، ومورد البحث إنّما هو شرط المجعول، فالإشكال بلزوم المحال وانخرام القاعدة العقليّة باقٍ على حاله، ولا يصلح الكلام المتقدّم لرفعه.
محاولات للجواب:
وقد وجدت في المقام محاولات عديدة للجواب عن هذا الإشكال:
منها:
ما نُسب إلى صاحب الجواهر من أنّ <استحالة تخلّف المعلول عن علّته وتقدّمه عليها، إنّما تكون في العلل والمعلولات التكوينيّة، دون الاُمور الاعتباريّة، التي منها: الأحكام الشرعيّة؛ لأنّ كيفيّة اعتبارها ـ كأصله ـ تابعة لاعتبار معتبرها، فله اعتبار الملكيّة ـ مثلاً ـ في الصرف والسلم والوصيّة مع شرطيّة القبض والموت المتأخّرين عن العقد لها، واعتبار وجوب الحجّ ـ مثلاً ـ قبل الموسم، مع كونه شرطاً متأخّراً>( ).
ولكنّ الحقّ ـ كما ذكرنا آنفاً ـ: أنّه لا فرق بين الاُمور التكوينيّة والاعتباريّة؛ فإنّ الأمر المتأخّر إمّا أن يكون دخيلاً أو لا، فإن كان دخيلاً، فيمتنع تخلّفه ـ أي: المشروط ـ عنه، ولا يمكن أن يتحقّق المشروط والموضوع قبل وجود شرطه، وإن لم يكن دخيلاً لم يكن شرطاً أصلاً، سواء كان تكوينيّاً أم تشريعيّاً.
ومنها:
ما عن المحقّق الشاهرودي ـ نقلاً عن بعض تلامذته ـ من <أنّ امتناع تخلّف المعلول عن العلّة إنّما يكون في المؤثّر والمتأثّر الحقيقيّين، دون الأحكام الشرعيّة التي ليست إلّا أحكاماً مجعولةً لموضوعاتها، وليست رشحات لها، لما ثبت في محلّه من امتناع جعل السببيّة، فكلّ من الدلوك والعقد ونحـوهمـا موضـوع للوجوب، أو الملكيّة، أو الزوجيّة، لا سبب لها، ومن المعلوم دوران الحكم مدار موضوعه، فلا يحكم الشارع بالوجوب أو الملكيّة ـ مثلاً ـ إلّا بعد تماميّة الموضوع من الدلوك في الأوّل، والقبض في الثاني، وهكذا.. وبالجملة: فالشرط المتأخّر دخيل في الموضوع، فلا تأخّر في الشرط حقيقة>( ).
وفيه: أنّ الموضوع ـ أيضاً ـ بالنسبة إلى الحكم هو كالعلّة بالنسبة إلى المعلول، والكلام إنّما هو في فعليّة الحكم، فإذا لم يتحقّق الشرط لم يتحقّق الموضوع، ولم يبلغ الحكم مرحلة الفعليّة، وهو معترف بأنّ القيد دخيل في الموضوع.
فكلامه يرجع إلى أنّه لا أثر تكليفي أو وضعي إلّا بعد حصول الشرط، وكلامنا في أنّه مع دخل القيد في الموضوع ودخول المتأخّر في المتقدّم، يحصل الأثر الاعتباريّ قبل وجود الشرط.
ومنها:
ما قد يقال: من أنّ الذي لابدّ من تقدّمه هو وجود المقتضي حيث يترشّح منه المقتضى ـ بالفتح ـ وأمّا الشرائط، فلمّا لم يكن من شأنها ترشّح المعلول منها، فلا مانع من تأخّرها عقلاً.
وفيه: أنّ الشرط حيث كان دخيلاً في الموضوع، فيفرض أنّ له دخلاً في وجود المعلول، فيكون تأخّره عن المشروط من باب تأخّر المقتضي عن المقتضى، فالامتناع موجود في كلا الانفكاكين.
ومنها:
ما يُستفاد من كلام المحقّق النائيني، حيث قال:
<وأحسن ما قيل في المقام من الوجوه: هو أنّ الشّرط عنوان التّعقّب والوصف الانتزاعيّ، وقد تقدّم عدم توقّف انتزاع وصف التّعقّب على وجود المتأخّر في موطن الانتزاع، بل يكفي في الانتزاع وجود الشي‏ء في موطنه، فيكون الشرط في باب الفضوليّ هو وصف التعقّب، وإنّ السبب للنقل والانتقال هو العقد المتعقّب بالإجازة، وهذا الوصف حاصل من زمن العقد>( ).
وحاصله: أنّنا لا نرى بدّاً لدفع الإشكال عن الشرط المتأخّر من القول بأنّ الشرط إنّما هو عنوان التعقّب، وهو عنوان مقارن للمشروط، وليس متأخّراً عنه.
ففي باب الفضوليّ ـ مثلاً ـ المؤثّر في حصول الملكيّة وترتّب النقل والانتقال إنّما هو العقد المتعقّب بالإجازة، وفي صوم المستحاضة المؤثّر في صحّة الصوم هو الصوم المتعقّب للغسل، وكذا الحال في بيع المكره، فإنّ المؤثّر هو البيع المتعقّب بالإذن وطيب النفس، وليس هناك من شرط متأخّر.
ومرجع كلامه: إلى أنّ عالم المجعول والمعتبر مغاير لعالم الجعل والاعتبار، وعليه: فلا مانع من انفكاك الجعل عن المجعول، فيمكن تحقّق الجعل في زمن، على أن يتحقّق المجعول فيما بعد؛ لأنّه غير مرتبط بالاُمور الخارجيّة.
ولكن فيه:
أوّلاً: أنّ المصالح تكون قائمة في نفس المعنون لا العنوان؛ لأنّه أمر انتزاعيّ لا وجود له حقيقةً، فلا يكون دخيلاً، حيث إنّه لا تأثير له، فالمؤثّر إنّما هو ذات المعنون، ولا دخل للعنوان، فلا يكون العنوان هو الشرط.
وثانياً: أنّه خلاف ظاهر أدلّة اعتبار الإجازة وطيب النفس ـ مثلاً ـ، حيث إنّ ظاهر هذه الأدلّة ـ كما يبدو لمن لاحظها ـ أنّ الذي يكون دخيلاً في حصول الملكيّة أو الزوجيّة هو نفس الإجازة وطيب النفس وذاتهما، لا العنوان والأمر الانتزاعيّ، كعنوان التعقّب أو التأخّر أو غير ذلك.
وثالثاً: أنّ ما أفاده لا يصلح لأن يكون دافعاً للإشكال، إذ لو كان عنوان التعقّب ـ مثلاً ـ هو الشرط، لم يكن من قبيل الشرط المتأخّر، بل إنّما يكون من باب الشرط المقارن، كما اعترف به هو، فيكون هذا خروجاً عن محلّ الكلام، واعترافاً منه بامتناع الشرط المتأخّر، فالإتيان بهذا الجواب في مقام دفع الإشكال عن الشرط المتأخّر ليس على ما ينبغي.
ورابعاً: أنّه من المستحيل ـ أيضاً ـ أن ينفكّ المعتبر عن الاعتبار؛ لأنّ وعاءهما واحد، كاستحالة انفكاك العلّة عن المعلول، وذلك كما أنّ الماهيّة المتصوّرة تكون غير قابلة الانفكاك عن التصوّر، بحيث يوجد التصوّر بدون الماهيّة، فكذلك في محلّ البحث، فإنّه يستحيل أن ينفكّ المعتبر عن الاعتبار، والمجعول عن الجعل.
وخامساً: أنّ نسبة الاعتبار إلى المعتبر هي كنسبة المعلول إلى العلّة والإيجاد إلى الوجود، فبما أنّهما متّحدان، فلا يكاد يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر خارجاً.
نعم، العلّة والإيجاد متقدّمان رتبةً على المعلول والوجود، وهذا التغاير بينهما ليس بتغاير حقيقيّ، بل هو تغاير اعتباريّ، وإن أصبح بعد الاعتبار حقيقة. هذا.
وقد التزم صاحب الجواهر بكاشفيّة الإجازة في عقد الفضوليّ، وذكر أنّ استحالة تأثير المتأخّر في المتقدّم، سبباً كان أو شرطاً، تختصّ بالاُمور العقليّة، وأمّا الاعتباريّات، ومنها المجعولات الشرعيّة، فليست مجرى هذه القاعدة، وذكر أنّ الشارع المقدّس كثيراً ما جعل ما يشبه تقديم السبب على المسبّب، كغسل الجمعة يوم الخميس، وإعطاء الفطرة قبل وقته، فضلاً عن تقدّم المشروط على الشرط، كغسل الفجر قبل الفجر للمستحاضة الصائمة، و... ( )
ودفعه الشيخ بأنّه <لا فرق فيما فرض شرطاً أو سبباً بين الشرعيّ وغيره، وتكثير الأمثلة لا يوجب وقوع المحال العقليّ، فهي كدعوى أنّ التناقض الشرعيّ بين الشيئين لا يمنع من اجتماعهما؛ لأنّ النقيض الشرعيّ غير العقليّ>( ).
وأورد عليه المحقّق اليزديّ في حاشيته على المكاسب بما لفظه:
<ودعوى أنّ ذلك من المحال العقليّ، وتكثير الأمثلة لا يوجب وقوعه، مدفوعة:
أوّلاً: بأنّ الوجه في الاستحالة ليس إلّا كونه معدوماً، ولا يمكن تأثير المعدوم في الموجود، وهذا يستلزم عدم جواز تقدّم الشرط ـ أيضاً ـ على المشروط؛ لأنّه حال وجود المشروط معدوم، وكذا تقدّم المقتضي وأجزائه، ولازم هذا التزام أنّ المؤثّر فى النقل (التاء) من قوله: (قبلت)، وأنّ الأجزاء السابقة ليست بمؤثّرة أو أنّها معدّات.
وثانياً: بإمكان دعوى أنّ المؤثّر إنّما هو الوجود الدهريّ للإجازة، وهو متحقّق حال العقد، وإنّما تأخّره في سلسلة الزمان.
وثالثاً: نقول: إنّ الممتنع إنّما هو تأثير المعدوم الصرف، لا ما يوجد ولو بعد ذلك.
ورابعاً: على فرض تسليم الامتناع نقول: إنّ ذلك مسلّم فيما إذا كان المؤثّر تامّاً، لا مجرّد المدخليّة، فإنّ التأخّر في مثل هذا ممّا لا مانع منه، وأدلّ الدليل على إمكانه وقوعه: أمّا في الشرعيّات: ففوق حدّ الإحصاء، وأمّا في العقليّات: فلأنّ من المعلوم أنّ وصف التعقّب ـ مثلاً ـ متحقّق حين العقد، مع أنّه موقوف على وجود الإجازة بعد ذلك، فإن كانت في علم اﷲ موجودة فيما بعد، فهو متّصف الآن بهذا الوصف، وإلّا فلا.
لا يقال: إنّه من الاُمور الاعتباريّة؛
لأنّا نقول: لو لم يكن هناك معتبر ـ أيضاً ـ يكون هذا الوصف متحقّقاً، وكذا الكلام في وصف الأوّليّة والتقدّم. مثلاً: يوم أوّل الشهر متّصف الآن بأنّه أوّل، مع أنّه مشروط بوجود اليوم الثاني بعد ذلك، ومتّصف بالتقدّم فعلاً، مع أنّه مشروط بمجيء التأخّر، وهكذا الجزء الأوّل من الصلاة، متّصف بأنّه صلاة إذا وُجد ـ في علم اﷲ ـ بقيّة الأجزاء. وكذا لو اشتغل بتصوير صورة من أوّل الشروع، يقال: إنّه مشتغل بالتصوير بشرط أن يأتي ببقيّة الأجزاء، وهكذا إمساك أوّل الفجر صوم لو بقي إلى الآخر، وكذا لو هيّأ غذاءً للضيف، يقال: إنّه فيه مصلحة، وليس بلغو إذا جاء الضيف بعد ذلك، وإلّا، فهو من أوّل الأمر متّصف بأنّه لغوٌ، وكذا لو حفر بئراً ليصل إلى الماء، فإنّه متّصف من الأوّل بعدم اللّغويّة إن وصل إليه، وإلّا، فباللّغويّة، وهكذا إلى ما شاء اﷲ من اتّصاف شيء بوصف فعليٍّ مع إناطته بوجودٍ مستقبليّ.
بل أقول: لا مانع من أن يدّعي مدّعٍ أنّ النفوس الفلكيّة والأوضاع السماويّة والأرضيّة، كما أنّ كلّ سابقٍ معدٌّ لوجود اللّاحق، كذلك كلّ لاحق، له مدخليّةٌ في وجود السابق.
بل يمكن أن يقال: إنّ جميع أجزاء العالم مرتبطة، بمعنى: أنّه لولا هذا لم يوجد ذاك، وبالعكس، فلو لم يوجد الغد لم يوجد اليوم، وهكذا... فجميع العالم موجود واحد تدريجيّ، ولا يمكن إيجاد بعضه من دون بعض. والإنصاف: أنّه لا سادّ لهذا الاحتمال، ولا دليل على بطلان هذا المقال>( ).
وفي كلامه مواضع للنظر:
إذ يرد على ما أفاده أوّلاً: أنّه من باب الدليل النقضيّ، وقد ذكرنا أنّ البعض قد استشكل بالنسبة إلى الشرط المتقدّم أيضاً، وذكرنا هناك في دفع هذا الإشكال: أنّ الذي يكون تقدّمه محالاً إنّما هو تقدّم العلّة التامّة على المعلول، أي: الجزء الذي يكون سبباً وعلّةً تامّة للمعلول، وأمّا الأجزاء السابقة فهي تكون من باب المعدّات، ولا يضرّ تقدّمها.
ويأتي على ما أفاده ثانياً: أنّا قد أجبنا عنه سابقاً.
ويأتي على ما أفاده ثالثاً: إشكال عدم جواز انفكاك المعلول عن العلّة زماناً.
ويرد على ما أفاده رابعاً: أنّا إذا قلنا باستحالة وقوعه، فإذا رأينا مورداً ما من الشرع ظاهره الوقوع، كان لابدّ من التأويل.
وأمّا ما ذكره من الأمثلة، فهو من قبيل المعدّ، وليس بينهما علّيّة ومعلوليّة.
وقوله: < فجميع العالم موجود واحد تدريجيّ>، أي: في وعاء الدهر، وقد أجبنا عنه سابقاً.
وقوله: <كلّ سابقٍ معدّ لوجود اللّاحق، كذلك كلّ لاحق، له مدخليّةٌ في وجود السابق>، تامّ في شقّه الأوّل، أي: بالنسبة إلى معدّيّة السابق للّاحق، وليس تامّاً في شقّه الثاني، أعني: ثبوت مدخليّة اللّاحق في السابق، وقياسه على الأوّل قياس بلا دليل.
ومنها:
ما عن المحقّق الشيرازي، وهو <أنّ الشرط في هذه الموارد ليس المتقدّم أو المتأخّر بوجوده الكونيّ الزمانيّ، لكي يلزم المحذور، بل بوجودهما الدهريّ المثاليّ، وهما بهذا الوجود لا يكونان إلّا مقارنين للمشروط؛ فإنّ المتفرّقات في سلسلة الزمان مجتمعات في وعاء الدهر>( ).
وفيه: أنّ الاجتماع في وعاء الدهر لايرفع غائلة استحالة تقدّم المعلول على العلّة زماناً؛ ولا غائلة محذور تأثير المعدوم في الموجود فعلاً، إلّا أن يقال: إنّه وإن كان معدوماً بحسب الزمان، إلّا أنّه يكون موجوداً بحسب الوجود الدهري، فلا يؤثّر المعدوم في الموجود.
ولكنّ الحمل عليه تأويل في الأدلّة بلا موجب، فلا يمكن المصير إليه، بل ما يظهر منها هو الوجود الزمانيّ.
ومن هنا ظهر الحال فيما ذكره السيّد في حاشية المكاسب ـ ونقلناه سابقاً ـ، من إمكان أن يُدَّعى أنّ المؤثّر إنّما هو الوجود الدهريّ للإجازة، وهو متحقّق حال العقد، وإنّما تأخّره في سلسلة الزمان.
ومنها:
ما أفاده المحقّق العراقي بقوله:
<ثمّ إنّه ممّا ذكرنا من المناط في مقدّميّة الشرائط والموانع يظهر لك اندفاع الإشكال المعروف في الشرائط المتأخّرة، وعدم لزوم انخرام قاعدة عقليّة: من لزوم تحقّق المعلول قبل وجود علّته، إذ نقول: بأنّ ذلك إنّما يرد إذا كان دخل الشرائط ـ أيضاً ـ كالمقتضي بنحو المؤثّريّة، إذ حينئذٍ يتوجّه الإشكال المزبور في شرطيّة الوجودات المتأخّرة، وإلّا، فبناءً على ما قرّرناه من كون دخلها من باب دخل منشأ الاعتبار في الأمر الاعتباريّ لا يكاد مجال للإشكال المزبور، حيث أمكن ـ حينئذٍ ـ تصوير الشرطيّة للوجودات المتأخّرة بعين تصويرها للوجودات المقارنة والمتقدّمة، إذ حينئذٍ كما يمكن أن يكون الشي‏ء بوجوده المقارن محدّداً للماهيّة بحدٍّ خاصّ تكون بذلك الحدّ قابلة للتحقّق عند وجود مقتضيها، كذلك يمكن ذلك في الوجود>( ).
وتوضيحه: أنّ حقيقة الشرط ليس كما يقال من أنّه المتمّم لتأثير المقتضي كي يمتنع تأخّره؛ لامتناع أن يؤثّر المعدوم في الموجود، وإنّما حقيقته هو كونه طرفاً لإضافة المقتضي إليه، فيتحدّد بها ويتحصّص بواسطتها، فيكون بهذه الإضافة مؤثّراً من دون أن يكون لنفس الشرط أيّ تأثير في وجود المعلول، بل المؤثّر ليس إلّا المقتضي، لكنّه الحصّة الخاصّة منه، فالمؤثّر في الإحراق ليس هو مطلق النّار، بل الحصّة الخاصّة منها، وهي النار المجاورة للشيء، أو يكون طرفاً لإضافة المعلول إليه، فيكون بتلك الإضافة قابلاً للتأثير.
فليس الشرط كما يُدّعى هو المتمّم لفاعليّة الفاعل أو قابليّة القابل، بل هو طرف إضافة وتحديد بها تحصل الفاعليّة للفاعل والقابليّة للقابل، ومن الواضح: أنّه لا يمتنع أن يكون طرف الإضافة من الاُمور المتأخّرة بعد أن كانت الإضافة مقارنة، ولم يكن للأمر المتأخّر أيّ تأثير.
ولكن فيه: أنّ الإضافة من الاُمور الاعتباريّة والتصوّريّة، فلا معنى للقول بدخالتها في التأثير في إيجاد المعلول؛ فإنّ تأثير النار في الإحراق ـ مثلاً ـ وقابليّة الشيء للاحتراق ليس له أي دخل بعالم اللّحاظ والإضافات، بل هو مرتبط بعالم الخارج وناشئ عن الجهات الخارجيّة، ومن هنا، فلو اشتغل بتصوير صورة ـ مثلاً ـ فمن أوّل الشروع يقال: إنّه مشتغل بالتصوير، ولكن بشرط أن يأتي ببقيّة الأجزاء، وهكذا الحال في الإمساك من أوّل الفجر، فإنّه يقال له صوم منذ ذلك الحين لو بقي إلى غسق الليل.
فالمؤثّر ـ إذاً ـ إنّما هو الشرط الخارجيّ، فدعوى: تأثير نفس الإضافة في القابليّة بحيث لا يكون المضاف قبل اللّحاظ الخاصّ قابلاً للتأثّر أو التأثير لا ترجع إلى معنى محصّل.
قد يقال: بأنّه يمكن أن يراد من الإضافة في كلامه: الإضافة الواقعيّة الحقيقيّة التي لها تقرّر واقعيّ.
ولكن فيه: أنّ هذه الإضافة تحتاج إلى تحقّق طرفيها فعلاً، كالفوقيّة والتحتيّة والأماميّة والخلفيّة وغيرها من الإضافات المقوليّة التي تحتاج في حصولها إلى وجود كلا طرفيها، والمفروض أنّه بصدد تصحيح كون أحد طرفيها معدوماً وغير متحقّق فعلاً.
مع أنّ القول بأنّ للمأمور به جهة إضافة يرد عليه الإشكال بعدم إمكان التمسّك بالبراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ لأنّه لو لم يكن المأمور به هو نفس الأجزاء، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق والبراءة عند الشكّ في جزئيّة شيء للشكّ في حصول تلك الحصّة الخاصّة، ولا تحصل إلّا بإتيان تلك الحصّة والجزء المشكوك.
فظهر من جميع ما ذكرناه: أنّ جعل الأحكام لمّا كان على نحو القضايا الحقيقيّة، ولمّا كانت شرائط الأحكام ترجع إلى شرائط الموضوع، كان لابدّ أن يكون الموضوع موجوداً في الخارج بجميع أجزائه وشرائطه في رتبة سابقة؛ لأنّ فعليّة الحكم منوطة بوجود الموضوع. نعم، بما أنّ الشرط في مقام الجعل ليس هو ذات الشرط، بل صورته الذهنيّة، ولمّا كان اللّحاظ الذهنيّ للشرط هو الذي يكون دخيلاً، وهو ليس من باب الشرط المتأخّر، بل من الشرط المقارن، كان لا محالة ممكناً ولا مانع منه. وأمّا في مقام المجعول فبما أنّ الشرط بذاته هو الدخيل فيكون محالاً.
فظهر ممّا ذكرناه ما في كلام صاحب الكفاية، الذي فرّق في مقام الجواب عن المحاذير الواردة في هذا المقام بين شرائط المأمور به وشرائط الأحكام من جهة التكليف والوضع:
فأجاب عن القسم الأوّل بقوله:
<والتحقيق في رفع هذا الإشكال أن يقال: إنّ الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها، لا يخلو: إمّا أن يكون المتقدّم أو المتأخّر شرطاً للتكليف أو الوضع، أو المأمور به.
أمّا الأوّل: فكون أحدهما شرطاً له ليس إلّا أنّ للحاظه دخلاً في تكليف الأمر، كالشرط المقارن بعينه، فكما أنّ اشتراطه بما يقارنه ليس إلّا أنّ لتصوّره دخلاً في أمره بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر، كذلك المتقدّم أو المتأخّر.
وبالجملة: حيث كان الأمر من الأفعال الاختياريّة، كان من مبادئه بما هو كذلك تصوّر الشي‏ء بأطرافه ليرغب في طلبه والأمر به، بحيث لولاه لما رغب فيه ولما أراده واختاره، فيسمّى كلّ واحد من هذه الأطراف التي لتصوّرها دخل في حصول الرغبة فيه وإرادته: شرطاً؛ لأجل دخل لحاظه في حصوله، كان مقارناً له أو لم يكن كذلك، متقدّماً أو متأخّراً، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطاً، كان فيهما كذلك، فلا إشكال، وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقاً، ولو كان مقارناً، فإنّ دخل شي‏ء في الحكم به وصحّة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلّا ما كان بلحاظه يصحّ انتزاعه، وبدونه لا يكاد يصحّ اختراعه عنده، فيكون دخل كلٍّ من المقارن وغيره بتصوّره ولحاظه، وهو مقارن، فأين انخرام القاعدة العقليّة في غير المقارن؟! فتأمّل تعرف>( ).
وحاصله: أنّه يحصل للمتقدّم بواسطة تقدّمه وتعقّبه بالمتأخّر وإضافته إليه عنوان حسن يفي به للغرض، بحيث لولاه لما كان كذلك، ولا يخفى: أنّ الحسن والقبح والأغراض تختلف باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإضافات، والإضافة كما تكون إلى المقارن، تكون إلى المتقدّم والمتأخّر، بلا تفاوت أصلاً.
ولكن قد أجبنا عنه سابقاً، وقلنا بأنّه لا يرد إشكال في كون المتأخّر شرطاً للمأمور به بوجوده الخارجيّ أصلاً حتى يحتاج إلى مثل هذا الجواب.
وأمّا ما أجاب به عن القسم الثاني، بما لفظه:
<وأمّا الثاني: فكون شي‏ءٍ شرطاً للمأمور به، ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجه وعنوان به يكون حسناً أو متعلّقاً للغرض، بحيث لولاها لما كان كذلك، واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإضافات ممّا لا شبهة فيه ولا شكّ يعتريه، والإضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخّر أو المتقدّم بلا تفاوتٍ أصلاً، كما لا يخفى على المتأمّل، فكما تكون إضافة شي‏ء إلى مقارنٍ له موجباً لكونه معنوناً بعنوانٍ يكون بذلك العنوان حسناً ومتعلَّقاً للغرض، كذلك إضافته إلى متأخّر أو متقدّم؛ بداهة أنّ الإضافة إلى أحدهما ربّما توجب ذلك أيضاً، فلولا حدوث المتأخّر في محلّه لما كانت للمتقدّم تلك الإضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه والأمر به، كما هو الحال في المقارن أيضاً، ولذلك أطلق عليه (الشرط) مثله، بلا انخرامٍ للقاعدة أصلاً؛ لأنّ المتقدّم أو المتأخّر كالمقارن، ليس إلّا طرف الإضافة الموجبة للخصوصيّة الموجبة للحسن، وقد حقّق في محلّه: أنّه بالوجوه والاعتبارات، ومن الواضح: أنّها تكون بالإضافات.
فمنشأ توهّم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخّر، وقد عرفت أنّ إطلاقه عليه فيه كإطلاقه على المقارن، إنّما يكون لأجل كونه طرفاً للإضافة الموجبة للوجه الذي يكون بذاك الوجه مرغوباً ومطلوباً، كما كان في الحكم لأجل دخل تصوّره فيه، كدخل تصوّر سائر الأطراف والحدود، التي لولا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف، أو لما صحّ عنده الوضع>( ).
وملخّص ما أفاده:
أنّ الشرط للتكليف والوضع هو لحاظ الأمر المتأخّر، وذلك من جهة أنّ الآمر أو الجاعل للحكم الوضعيّ لابدّ له من ملاحظة الموضوع بجميع أجزائه وخصوصيّاته وأطرافه ليرغب في طلبه ويأمر به، بالنسبة إلى الحكم التكليفيّ، أو يجعل الحكم ويخترعه بذلك اللّحاظ، بالنسبة إلى الحكم الوضعيّ، فالذي نسمّيه بالشرط في كلا الموردين، أي: في الحكم التكليفيّ والوضعيّ، ليس إلّا للّحاظ وللوجود العلميّ، وهو مقارن للأمر والجعل، فليس المتأخّر بوجوده الخارجيّ المتأخّر شرطاً حتى ترد تلك الإشكالات؛ فهو تامّ ولا غبار عليه.
وإذا عرفت هذا، فهل هناك ملازمة بين وجوب ذي المقدّمة نفسيّاً ووجوب مقدّماته غيريّاً؟
الحقّ: ثبوت الملازمة؛ لأنّ إرادة الشيء ملازمة لإرادة ما يتوقّف عليه وجود ذلك الشيء، ولا يكاد يتخلّف إرادة المقدّمة عن إرادة ذيها، بعد الالتفات إلى أنّ كون الشيء مقدّمة يجعل حال إرادة الآمر كحال إرادة الفاعل، فهل ترى لو أردت شيئاً، وكان ذلك الشيء يتوقّف على مقدّمةٍ ما، فهل بمقدورك أن لا تريد تلك المقدّمة، مع أنّ الشيء المراد متوقّف عليها؟! بل لابدّ أن تترشّح وتتولّد من إرادة ذي المقدّمة إرادة إلى المقدّمة.
أو فقل: بأنّ الإرادة التشريعيّة تقاس على التكوينيّة؛ إذ لا فرق بين الإرادتين إلّا في أنّ الثانية يكون متعلّقها نفس الفعل للمريد، وأمّا التشريعيّة، فمتعلّقها فعل الغير.
ومن هنا يأتي الإشكال في التشريعيّة كالتكوينيّة، بأنّ فعل الغير إن لم يكن تحت اختياره، فكيف تتعلّق الإرادة به؟! فإنّه حينما يرى أنّ الإرادة الأصليّة (التكوينيّة) متوقّفة على شيء، فتتعلّق إرادته بإيجاد ما يتوقّف عليه ـ أيضاً ـ، ففي التشريعيّة أيضاً كذلك.

تنبيهات:
وهنا ينبغي التنبيه على اُمور:
الأمر الأوّل:
لا يخفى: أنّه إذا قلنا بأنّ وجوب المقدّمة يتولّد من وجوب ذي المقدّمة ومعلول لوجوب ذي المقدّمة، فوجوبها يتبع وجوبه في الإطلاق والاشتراط والسعة والضيق، ولا يمكن أن يكون وجوبها مغايراً لوجوبه، وإلّا، يلزم تخلّف المعلول عن علّته، ولو فرض في بعض الموارد أنّ وجوب المقدّمة يكون قبل وجوب ذيها، فإنّما هو بملاكٍ آخر، لا بملاك الملازمة كملاك حفظ القدرة أو حكم العقل بوجوب إتيان شيء، إذا كان عدم الإتيان سبباً لتفويت غرض المولى، أو بملاك التهيّؤ لإطاعة أمر مولاه، أو يكون له وجوب نفسيّ، ولو كان له وجوب مقدّميّ بالنسبة إلى أمرٍ آخر، كالإتيان بصلاة الظهر مقدّمةً للتمكّن من الإتيان بصلاة العصر.
والأمر الثاني:
هل يكون تعلّق الوجوب بالمقدّمة بأيّ نحوٍ من الأنحاء ومن دون أيّ شرط أم لا؟ في المسألة أقوال:
الأوّل: أنّ معروض الوجوب هو ذات المقدّمة مطلقاً، مجرَّداً عن كلّ قيدٍ ولا شرط، كما ذهب إليه صاحب الكفاية( ) ووافقه عليه المحقّق النائيني( ).
والثاني: أنّه الذات بقيد الإيصال إلى ذي المقدّمة، كما ذهب إليه صاحب الفصول( ) والمحقّق العراقي( ).
والثالث: أنّه الذات عند إرادة ذي المقدّمة، كما عليه صاحب المعالم( ).
والرابع: أنّه الذات بشرط قصد التوصّل بها إلى ذي المقدّمة، كما عليه الشيخ الأنصاريّ، على ما في التقريرات( ).
والأمر الثالث:
لو فرضنا أنّ الواجب هو ذات المقدّمة، فهذا لا ينافي الالتزام بلزوم قصد الإيصال في بعض الموارد في موضوع الواجب لجهةٍ خارجيّة، كما لو فرض أنّ إنقاذ الغريق توقّف على خصوص التصرّف في ملك الغير. فنقول: إنّ الواجب من ناحية الإنقاذ هو التصرّف بقصد الإنقاذ؛ إذ لا إشكال في عدم جواز التصرّف في ملك الغير، ولكن بما أنّ وجوب الإنقاذ أهمّ وأولى، فحينئذٍ: يجوز له التصرّف في ملك الغير بشرط قصد الإنقاذ، فلو لم يقصد الإنقاذ لم يجز له التصرّف.
فإذن الشارع هنا في الدخول إلى الأرض المغصوبة، مع أنّه يُعَدّ تصرّفاً في المغصوب، فإنّما هو من جهة أهمّيّة الإنقاذ، إذ لمّا كان فعل الإنقاذ أهمّ من فعل الغصب، أجاز الشارع الدخول إليها؛ لأنّ الضرورات تبيح المحظورات، وهي تتقدّر بقدرها. فالإذن يجوز ـ ولو مع المزاحمة بحرمة الغصب ـ شريطة أن يكون في التصرّف المقصود منه الإنقاذ، وأمّا التصرّف غير الإنقاذيّ، فليس جائزاً البتّة. ومن هنا يُعلم: أنّ قصد الإنقاذ يكون دخيلاً.
وخلاصة الكلام: أنّ منشأ اعتبار القيود والشروط هو أنّ المقدّمة في حدّ ذاتها، ومع قطع النظر عن المشروط، كانت واجبةً ومن غير اعتبار شيء، ومع أنّه قد يكون محرّماً بالذات، ولكن يتوقّف وجوبه على الإتيان بواجبٍ أهمّ، كما مرّ، في إنقاذ الغريق، فبما أنّه أهمّ من التصرّف في الأرض المغصوبة، وجب التصرّف فيها مقدّمةً لإنقاذ الغريق، فلابدّ من أن يتحقّق لديه هذا القصد.
ومن هنا، فالقول بأنّ التصرّف في الأرض المغصوبة واجب مطلقاً ولو من غير قصد إنقاذ الغريق، بل عدواناً أو نزهةً ـ مثلاً ـ لا يقبله الذوق السليم، ولا يساعد عليه الوجدان. وهذا ما دفع صاحب المعالم إلى القول بتقيّد وجوب المقدّمة بقيد إرادة ذيها. وأيضاً، هذا ما جعل الشيخ الأعظم ـ في المحكيّ عنه ـ يقيّد وجوب المقدّمة بما إذا قصد التوصّل بها إلى ذي المقدّمة. وهو ـ أيضاً ـ وما أدّى بصاحب الفصول إلى القول بوجوب المقدّمة الموصلة، أي: في صورة كونها موصلة إلى ذيها.
ولكنّ الحقّ: أنّ المعروض إنّما هو ذات المقدّمة، من دون أيّ قيد ولا شرط؛ لأنّ حكم العقل بالملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، إنّما هو لأجل أنّ الغرض من ذلك هو التمكّن من الإتيان بالواجب؛ لأنّ ذات الواجب متوقّفة عليها، ومن المعلوم: أنّ هذا يتحقّق إذا جيء بذات المقدّمة من دون دخلٍ لأيّ قصد، ولذا ترى من يقول باعتبار القصد المزبور يقول بالاكتفاء بالمقدّمة التي يؤتى بها بدون القصد. ولا يخفى: أنّ اعتبار القصد إنّما يكون من جهة قيام الدليل عليه، ومقامنا ممّا لم يقم عليه دليل، أو يكون من العناوين القصديّة التي يتحقّق عنوان المأمور على القصد، نظير التعظيم أو التأديب، وأنت ترى: أنّ مقامنا ليس من هذا القبيل، أي: ليس من العناوين القصديّة.
فإن قلت: الواجب هو عنوان المقدّميّة، فلابدّ من قصد ذلك العنوان.
قلنا: إنّ العنوان ليس موضوعاً للحكم، بل الموضوع للوجوب إنّما هو ذات المقدّمة، لا مقدّميّتها، والمقدّميّة تكون واسطة في العروض، أي: أنّ المقدّمة تكون علّة لثبوت الحكم على الذات، وأما جهة المقدّميّة فهي من الجهات التعليليّة لا التقييديّة، وبناءً على ذلك، فهي واسطة في الثبوت لا العروض. فالقول بأنّ المقدّمة هي الذات مع قصد الإتيان والإرادة، ممّا لا دليل عليه.
وأيضاً: فقد مرّ مراراً أنّ تابع للملاك سعة وضيّقاً، فكلّ قيدٍ أوجبت دخله في المأمور به لابدّ من دخله في الملاك، وإلّا، يلزم أن تكون دائرة الملاك أوسع من دائرة الحكم مع أنّه تابع له سعة وضيّقاً. وفي محلّ البحث، بعدما ذكرنا بعدم دخل العنوان في الملاك، أعني: عنوان التوقّف والمقدّميّة والتمكّن من المأمور به، أي: من ذي المقدّمة، فإذا اعتبر قصد التوصّل في الواجب، أعني: المقدّميّة، لزم أن تكون دائرة الملاك أوسع من دائرة الحكم بوجوب المقدّمة، وثبوت الحكم بدون الملاك ممتنع؛ لامتناع دخل ما لا يكون فيه الملاك.
وأيضاً: فهذا يكون من باب تحصيل الحاصل؛ إذ لو كان الواجب هو المقدّمة بقصد التوصّل، فالأمر الوارد عليها من قبل ذي المقدّمة كذلك؛ لأنّ الغرض من هذا الأمر هو إحداث الداعي في العبد لإيجاد الداعي في متعلّقه، وبعد وجود الداعي، وهو قصد التوصّل، فلا معنى لورود الأمر والبعث.
وأيضاً: يخرج الواجب عن كونه واجباً؛ لأنّه لو كان قصد التوصّل إلى ذيها دخيلاً، فمعنى ذلك ترتّب إرادة ذي المقدّمة، وبعد أن كان وجوبها معلولاً لوجوب ذي المقدّمة، وكان وجوب ذيها مترتّباً على إرادته، ولم يقصد هذه الإرادة، فلابدّ أن يكون مباحاً مسلوب الوجوب عنه.
نعم، قصد التوصّل يكون دخيلاً في حصول امتثال الأمر، ولو لم يكن دخيلاً في الواجب، ولا في تحصيل الغرض، أي: أنّ المقدّمة هي ـ كسائر الاُمور التوصّليّة ـ لا يشترط في امتثالها قصد أمرها، بل هي واجبة، ولو لم يقصد الإتيان بها بداعي أمرها، أو بقصد التوصّل إلى ذيها، فالواجب ـ إذاً ـ هو ذات المقدّمة. نعم كما ذكرنا أنّ قصد المزبور يكون دخيلاً في الامتثال وترتّب الثواب.
بل يمكن أن نقول: بأنّه في المقدّمة المحرّمة ـ أيضاً ـ لا نحتاج إلى قصد التوصّل، بل في مثال الدخول في أرض الغير بدون إذنه المتوقّف عليه واجب فعليّ منجّز كإنقاذ غريق، فإن لم يكن المكلّف ملتفتاً إلى توقّف الواجب عليه، وكان دخوله في الأرض المغصوبة باعتقاد الحرمة كان متجرّياً؛ لأنّه أتى بما هو واجب واقعاً باعتقاد حرمته.
نعم، في خصوص المقدّمة المحرّمة لابدّ من القصد، ولا تبقى الحرمة إذا كان ذو المقدّمة أهمّ، كما تقدّم. والذي يحكم به العقل إنّما هو لزوم الإتيان بهذه المقدّمة من جهة عروض الواجب الأهمّ، فالمقدار المتيقّن من الجواز هو ما إذا قُصد بها التوصّل، لا عندما يؤتى بها لأيّ غرض آخر، كما لو جيء بها بقصد التفرّج والنزهة.
ولكن لا يقاس المقام بمحلّ البحث، وهو المقدّمة المباحة؛ فإنّ وجوبها ليس لأجل التزاحم، بل هي بذاتها تكون واجبةً من دون أيّ قيد. وأمّا المقدّمة المحرّمة ذاتاً، فبما أنّ الذات هي التي تقتضي الحرمة، فالمقدار الممكن لرفع اليد عنها إنّما هو صورة التوصّل، لا مطلقاً، و لو لم يقصد التوصّل.
وأمّا ما ذهب إليه صاحب الفصولمن القول بالمقدّمة الموصلة وبأنّ وجوب المقدّمة مشروط بأن يترتّب عليها ذو المقدّمة، فيرد عليه:
أوّلاً: أنّ ترتّب ذي المقدّمة على المقدّمة: إمّا أن يعتبر في المقدّمة بنحو شرط الوجوب، أو بنحو شرط الواجب، وعلى كلٍّ من التقديرين: إمّا أن يكون من قبيل الشرط المقارن أو الشرط المتأخّر، فالصور أربع:
الاُولى: أن يكون من قبيل الشرط المقارن للوجوب. وهو مستحيل؛ لأنّ وجود ذي المقدّمة في الخارج لا ينفكّ عن وجود المقدّمة، فلو كان وجوبها منوطاً بوجوده ـ أيضاً ـ لكان ذلك من باب تحصيل الحاصل.
والثانية: أن يكون من قبيل الشرط المتأخّر للوجوب؛ والمحذور المتقدّم وإن لم يكن وارداً عليها، كما هو واضح، إلّا أنّه مستحيل من ناحية أُخرى، وهو أنّه يستلزم التهافت في نظر الآمر؛ إذ بلحاظ أنّ وجود ذي المقدّمة شرط لوجوبها، يراه متقدّماً، وبلحاظ أنّ وجود ذي المقدّمة هو بمنزلة المعلول لوجوب المقدّمة، يراه متأخّراً.
والثالثة والرابعة: أن يكون من قبيل الشرط المقارن والمتأخّر للواجب، ويرد عليه: أنّ الوجوب لو كان مشروطاً بوجود ذي المقدّمة، فلابدّ وأن يكون مشروطاً بوجود نفس المقدّمة ـ أيضاً ـ؛ لأنّ وجود ذي المقدّمة متوقّف على وجودها، وإلّا لم تكن مقدّمة، واشتراط الشيء بوجوده، أو اشتراط الواجب وتقييده بوجود نفسه، ليس إلّا تحصيلاً للحاصل.
وثانياً: أنّه لو كان الإيصال قيداً للواجب، لكان وجود ذي المقدّمة من المقدّمات الوجوديّة لوجود المقدّمة، ووجوب المقدّمة من المقدّمات لوجود ذي المقدّمة، فيصبح كلٌّ منهما مقدّمة للآخر، فيتوقّف وجود كلّ واحدٍ منهما على وجود الآخر، وهذا عين الدور.
وثالثاً: أنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الذي يكون دخيلاً إنّما هو ذات المقدّمة، وهو الذي يكون ملاكاً لوجوبها دون غيره.
ورابعاً: أنّ الذي يكون دخيلاً في وجوب ذي المقدّمة، والغرض الداعي إلى وجوبها، ليس إلّا ما يترتّب على وجودها، ومن الواضح ـ ضرورةً ـ: أنّ جميع أفراد ذي المقدّمة لا تترتّب على مقدّماتها إلّا إذا كانت المقدّمات من قبيل الأسباب والمسبّبات التوليديّة.
نعم، الغرض هو إمكان تحقّق ذي المقدّمة وترتّبه عليها، وهذا لابدّ أن يكون من جهة المقدّمة، أي: أنّ الغرض هو حفظ وجود ذي المقدّمة من ناحية المقدّمة، بحيث ينسدّ عنه باب العدم من هذه الناحية. فالداعي إلى إيجاب المقدّمة هو هذا، والمفروض أنّ الذي له تمام المدخليّة في تحصيل هذا الغرض هو ذات المقدّمة، ولو لم تنضمّ إليها سائر المقدّمات.
وخامساً: أنّ الأمر الغيريّ إذا تعلّق بالمقدّمة، فإنّه يسقط بمجرّد الإتيان بتلك المقدّمة، كما يشهد به الوجدان، فلو كان المتعلّق مقيّداً بما هو خارج عن ذات المقدّمة، لكان سقوط الأمر من دون أن يتحقّق تمام المتعلّق بلا سببٍ يقتضيه.
وقد ذكر المحقّق العراقي بعد هذه الإشكالات ما لفظه:
<والتحقيق في المقام: هو القول بأنّ الواجب ليس مطلق المقدّمة، ولا خصوص المقدّمة المقيّدة بالإيصال، بل الواجب هي المقدّمة في ظرف الإيصال بنحو القضيّة الحينيّة. وبعبارة أُخرى: الواجب هي الحصّة من المقدّمة التوأمة مع وجود سائر المقدّمات، الملازمة لوجود ذي المقدّمة>( ).
وحاصله: أنّه ليس المراد من تقييد الواجب بخصوص الموصلة أنّ التوصّل يكون قيداً للواجب، بل إنّما هو على نحو خروج القيد والتقييد معاً ـ كما ذكر مثل هذا في الفصول( ) في مبحث المعنى الحرفيّ من أنّ التقييد والقيد كلاهما خارجان عمّا وُضِعت له الحروف ـ ولكن مع ذلك، لا يكون الواجب هو الذات مطلقاً، بل المراد: أنّ الواجب هو الذات من حيث الإيصال، أي: الذات في حال الإيصال. فالواجب هو تلك الحصّة من المقدّمة التي تكون توأماً مع وجود سائر المقدّمات.
وبالجملة: فإنّ معروض الوجوب المقدّمي هو الذات، لكن لا بلحاظ انفرادها، ولا بلحاظ التوصّل بها، بحيث يؤخذ التوصّل قيداً، بل بلحاظها في حال كونها ممّا يتوصّل بها، أي: لحاظها ولحاظ ذيها على وجه التوأميّة، وبذلك يسلم عن المحاذير المتقدّمة، فإنّ تلك المحاذير إنّما كانت ترد على تقدير كون التوصّل قيداً، وبعد خروج قيديّة التوصّل لا يكون فيه محذور، فللواجب مقدّمات كثيرة، وهذه الحصّة ليست كبقيّة الحصص في حدّ ذاتها، كما أنّ وجود زيد مغاير لسائر أفراد الإنسان.
نعم، بما أنّ المقدّمات تكون كلّها مطلوبةً من قبل ذي المقدّمة، وكان الغرض من كلّ مقدّمة هو سدّ بابٍ من أبواب عدم ذي المقدّمة، وليس كلّ واحد من السدود مطلوباً على نحو الاستقلال، بل في ضمن المجموع، فكلّ فرد إنّما يكون مطلوباً في حال توفّر سائر القيود، ولكن لا بحيث يكون مقيّداً بها ولا مطلقاً مجرّداً عنها.
وهذا، وإن لم يمكن أن ينطبق عليه مقالة صاحب الفصول، لتصريحه بأخذ التوصّل قيداً، إلّا أنّه يمكن أن ينطبق عليه كلام أخيه المحقّق صاحب الحاشية( )، حيث إنّه قد تكرّر في كلامه نفي اعتبار قيد التوصّل، ومع ذلك يقول بأنّ الواجب هو المقدّمة من حيث الإيصال، فيمكن أن يكون مراده من قيد الحيثيّة ما ذكرنا من خروج كلٍّ من القيد والتقييد على وجه لا يستلزم الإطلاق أيضاً.
وفيه تأمّل؛ فإنّ الظاهر أنّ مراد المحقّق من الحيثيّة التعليليّة، وتكون حيثيّة الإيصال علّة لعروض الوجوب على ذات المقدّمة، ولو لم تكن موصلة.
ولا يخفى: أنّه إن كان المراد من التوأميّة والحيثيّة والحاليّة وغير ذلك ممّا شئت أن تعبّر به، هو نفي التقييد بالموصلة لحاظاً، وإن أوجب التقييد بها نتيجةً، فيرد عليه: أنّ نتيجة التقييد بالموصلة ـ أيضاً ـ لا يمكن كالتقييد اللّحاظيّ.
نعم، لو اُريد أنّها غير مقيّدة لحاظاً ولا نتيجةً، فهو تامّ، ولكنّ مرجعه إلى أنّ المقدّمة تصبح مهملة بعد أن كان التقابل بين الإطلاق والتقييد هو من قبيل التقابل بين الملكة والعدم، فإذا لم يمكن التقييد لم يمكن الإطلاق، وليس التقابل بينهما من تقابل السلب والإيجاب حتى يكون رفع أحدهما موجباً لثبوت الثاني لامتناع ارتفاع النقيضين.
وقد أورد عليه بعض المحقّقين المعاصرين ﺑ <أنّ القضيّة الحينيّة إنّما تكون معقولة في المورد الذي لا يكون الإطلاق معقولاً، سواء كان التقييد معقولاً أو غير معقول؟ إذ لا لزوم للتقييد في حصر الحكم بالحصّة الخاصّة؛ لأنّه بحكم طبعه لا يتعدّى عنها>( ).
وفيه: أنّ معقوليّة الإطلاق إنّما تتصوّر عند عدم معقوليّة التقييد إذا كان التقابل بينهما من قبيل تقابل السلب والإيجاب، وأمّا إذا قلنا بأنّ التقابل بينهما هو من التقابل بين العدم والملكة، فإذا لم يعقل التقييد لم يعقل الإطلاق، كما هو أوضح من أن يخفى.
ولكن مع ذلك، فما ذكره المحقّق العراقي غير تامّ لو قلنا بأنّ الأحكام مجعولة على نحو القضايا الحقيقيّة لا الخارجيّة، إذ يقال: إنّ المولى إذ جعل الحكم ولاحظ متعلّق الأمر ولاحظ القيد، فإمّا أن يقيّده به أو لا يقيّده به: أمّا نفس جعل الحكم مع لحاظ القيد من دون تقييد فهذا لا يستلزم شيئاً، بل يكون من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، فلا أثر له في ثبوت نتيجة التقييد، وما نحن فيه كذلك، فإنّ الأمر الذي يتعلّق بالمقدّمة يتعلّق بها استقلالاً لا ضمناً، والدعوى أنّه يتعلّق بالحصّة التي تلازم الإيصال، فنقول:
نفس لحاظ المقدّمة في ظرف الإيصال لا يستلزم تخصيص الحكم بها إلّا إذا ورد نصّ من قبل المولى على تقييد وتحصيص متعلّق الأمر، وإلّا، يكون الأمر متعلّقاً بذات المقدّمة، ولحاظ ظرف الإيصال معها لحاظ أجنبيّ لا أثر له في أيّ شيء ما دام لا يغيّر من واقع الأمر وكيفيّة الإرادة، والتحصيص من دون التقييد يكون محالاً.
وبعبارة ثانية: فإنّ تحصّص الطبيعة وتميّزها عن سائر الحصص، سواء كان في الذهن أم في الخارج، لا يكاد يكون ممكناً إلّا إذا تقيد بقيد، ومن دون ذلك فهي باقية على إطلاقها، وفيما نحن فيه، فالتوأميّة إذا صارت سبباً لصيرورتها حصّة خاصّة، فلابدّ أن تتقيّد الطبيعة بها، وهذا لا يكون إلّا بتبديل الطبيعة، ونفس لحاظ الحصّة حال الأمر لا يستلزم ذلك ما لم يرجع إلى التقييد وإنشاء الحكم على المقيّد، بل يكون اللّحاظ المزبور من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، لا ربط له بالأمر ومتعلّقه بما هو متعلّق الأمر.
تصوير الأصفهاني للمقدّمة الموصلة:
وقد ذهب المحقّق الأصفهاني إلى تصوير المقدّمة الموصلة بتصوير آخر من دون أن يأخذ الإيصال قيداً، وذلك بدعوى: أنّ الواجب هو المقدّمة إذا وصلت في مقام الفعليّة.
توضيح ذلك: أنّ المقدّمات بجميع أنحائها لا تكون مقدّمات فعليّة إلّا إذا ترتّب الواجب عليها، ومن دون ذلك فهي مقدّمات بالقوّة، فالمقتضي الموجود وحده، من دون وجود سائر أجزاء العلّة، يكون فاعلاً بالقوّة، والموجود مع سائر أجزاء العلّة فاعل بالفعل، والشرط الموجود فقط من دون اقتران بالمقتضي مصحّح للفاعل بالقوّة، وأمّا الموجود مع المقتضي فهو مصحّح بالفعل. وهكذا الحال في غيرهما من أجزاء العلّة، فكلّ منها لو وجد من دون انضمام جميع أجزاء العلّة غير مفيد، إذ لا يُنسب إليه أثره ـ والحالة هذه ـ إلّا بالقوّة، ومع انضمام الأجزاء الاُخرى يُنسب إليه الأثر بالفعل.
وحينئذٍ يقال: إنّ متعلّق الوجوب الغيريّ هو المقدّمات الفعليّة، لا مطلق المقدّمات ولو كانت بالقوّة، وهذا المعنى ملازم للإيصال؛ لأنّ الفعليّة لا تتحقّق إلّا بتحقّق الواجب من دون أن يُؤخذ الإيصال قيداً ( ).
وقد استدلّ الاُستاذ الأعظم على وجوب المقدّمة الموصلة بقوله:
<وعلى الجملة، فالغرض بما أنّه قائم بخصوص المقدّمة الموصلة دون غيرها ودون الجامع بينهما، فلا مقتضى لإيجاب غيرها، ولو بإيجاب الجامع، فالنتيجة: أنّ ما أفاده المحقّق صاحب الفصول متين جدّاً ولا مناص عنه لو قلنا بوجوب المقدّمة>( ).
ولكن قد عرفت الإشكال فيه ممّا تقدّم.
ولا يخفى: أنّ ما أفاده المحقّق الأصفهاني إنّما يتمّ بالنسبة إلى الأسباب والمسبّبات التوليديّة، كالإحراق بالنسبة إلى النار، حيث لا يكون هناك واسطة بين الشيء وبين مقدّماته، بل بمجرّد حصول أجزاء العلّة التامّة يحصل المعلول.
وأمّا ما في المقام، وهي الأفعال المباشرة، فحتى لو حصلت جميع المقدّمات لا يلزم منه حصول ذي المقدّمة حتماً، بل تكون جميع المقدّمات من قبيل المعدّ، وليس عمل الأجزاء إلّا المقرّبيّة والتمكّن ليس غير، وهي تتحقّق بإتيان ذات المقدّمات، وأمّا العلّة التامّة فهي الإرادة، وهي تكون مؤثّرة في حصول الواجب، فلا يحصل الواجب إلّا بها، والفعل لا يتخلّف عنها، وبما أنّ الإرادة من أفعال النفس، فلا يؤثّر فيها شيء خارج عن النفس، وحيث إنّ الواجب المراد لا يتخلّف عنه، فلا معنى لورود الوجوب عليه وحده.
فإذا فرضنا أنّ المقدّمات بأجمعها هي من قبيل المعدّ، ولا يكون الملاك الذي هو حصول الواجب موجوداً فيها، و شأن المعدّ إنّما هو التقريب والتمكين من ذي المقدّمة، فلابدّ أن يكون متعلّق الوجوب هو الإرادة؛ لأنّها هي التي تكون سبباً للإيصال.
وممّا ذكرنا يتّضح الإشكال فيما ذكره صاحب الكفاية من أنّ ما يترتّب على المقدّمة ليس إلّا التمكّن من الواجب دون حصوله، وهو ـ أي: التمكّن ـ يحصل ولو بالإتيان بذات المقدّمة( ).
ولا بأس هنا بذكر ما استدلّ به صاحب الفصول على مبناه( )، وهي اُمور:
الأوّل: أنّ الحاكم بالملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدّماته إنّما هو العقل، ومن الطبيعي أنّه لا يدرك أزيد من الملازمة بين طلب الشيء وطلب مقدّماته التي في سلسلة علّة وجود ذلك الشيء في الخارج، بحيث يكون وجودها فيه توأماً وملازماً لوجود الواجب، وأمّا ما لا يقع في سلسلة علّته، ويكون وجوده مفارقاً عن وجود الواجب، فالعقل لا يدرك الملازمة بين إيجابه وإيجاب ذلك أبداً.
وفيه: أنّ جميع المقدّمات على سنخٍ واحد بعد أن كان الفعل من الأفعال المباشريّة وليست كلّها بعد اجتماعها أيضاً ملازمة لوجود الواجب، بل الذي يكون ملازماً إنّما هو الإرادة، وهي لا يعقل أن تتّصف بالوجوب.
وقد أورد عليه صاحب الكفاية بأنّ العقل لا يفرّق في الحكم بالملازمة بين الموصلة وغيرها، نظراً إلى أنّ ملاك حكمه بالملازمة إنّما هو حصول التمكّن للمكلّف من الإتيان بالواجب من قبل الإتيان بها، وهذا مشترك على الفرض بين تمام أنواع المقدّمة، ولا يُفرّق فيه بين الموصلة وغيرها( ). ولكن قد عرفت ما في جوابه هذا.
والثاني: أنّ العقل لا يأبى عن تصريح الآمر الحكيم بعدم إرادة غير المقدّمة الموصلة، كأن يقول ـ مثلاً ـ: إنّي لا اُريد من المسير إلى الحجّ إلّا المسير الذي يكون موصلاً إلى بيت اﷲ الحرام، ومن الطبيعيّ أنّ عدم إباء العقل عن ذلك وتجويزه دليل قطعيّ على وجوب خصوص المقدّمة الموصلة، دون مطلق المقدّمة، فلو كان الواجب هو مطلق المقدّمة لم يكن وجه لهذا الجواز، فتجويز العقل لذلك دليل على أنّ الوجوب مختصّ بالمقدّمة الموصلة دون غيرها.
ولكن الحقّ: ما عليه صاحب الكفاية من أنّ الغرض إذا كان حاصلاً من جميع المقدّمات ومشتركاً بين الكلّ، وهو التمكّن من الإتيان بالواجب، فليس للمولى النهي عن سائر المقدّمات. وبعبارة أُخرى: فالعقل بعد أن يرى الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، يحكم بوجوب مطلق المقدّمة، لا خصوص الموصلة منها، لاشتراك الجميع في الغرض، وهو حصول التمكّن، إلّا مع ورود الدليل الخاصّ بمنع الإتيان ببعض المقدّمات، وعليه: فلا تتّصف تلك المقدّمة المنهيّ عنها بالوجوب .
الثالث: أنّ الغرض من إيجاب المقدّمة كما يدركه العقل إنّما هو إيصالها إلى الواجب، ووقوعها في سلسلة علّة وجوده، ومن المعلوم، أنّ الواجب تابع للملاك والمصلحة من جهة السعة والضيق، وبما أنّ الغرض الداعي إلى الإيجاب لا يتحقّق إلّا في المقدّمة الموصلة، فيكون الواجب تلك المقدّمة دون غيرها من المقدّمات؛ لأنّ إيجاب غيرها، بما أنّه خالٍ عن الملاك، فلا يكون ممكناً؛ لأنّه بلا داعٍ، فلا يرتكبه الحكيم، فيختصّ الوجوب بخصوص الموصلة.
ولكن قد مرّ مراراً: أنّ الغرض مشترك فيما فيه الملاك، والملاك، وهو التمكّن، موجود في الكلّ.

ثمرات القول بالمقدّمة الموصلة:
الثمرة الاُولى:
أنّ العبادة تصبح فاسدة ومحرّمة إذا وقعت ضدّاً لواجبٍ أهمّ؛ لأنّ ترك العبادة يكون مقدّمة للواجب، فيكون واجباً، فيحرم الفعل، كالصلاة والإزالة، فإنّ ترك الصلاة يكون مقدّمة لفعل الضدّ، وهو الإزالة، فيكون الترك واجباً، فيحرم فعل الضدّ، وهو الصلاة؛ لأنّه منهيّ عنه، والمنهيّ عنه لا يصلح التقرّب به، هذا على القول بأنّ الواجب هو مطلق المقدّمة.
وأمّا بناءً على القول بوجوب المقدّمة الموصلة؛ فلا يكون الفعل حراماً؛ لأنّ الترك الواجب هو الترك الموصل لا مطلق الترك، والفعل ـ وهو الصلاة في المثال ـ ليس نقيضاً للترك الموصل الى ذي المقدّمة، لجواز ارتفاعهما، والنقيضان لا يرتفعان؛ لأنّ عدم الترك الموصل كما يحصل بترك الصلاة يحصل أيضاً بفعلٍ آخر، كالنوم والأكل، ومن المعلوم: أنّ الحرمة لا تسري من أحد المتلازمين إلى الآخر، فضلاً عن مجرّد المتقارنين، فحرمة الضد الذي هو عدم الترك الموصل لا تسري إلى المقارن، وهو الصلاة.
وقد استشكل على هذه الثمرة بأنّها ليست تامّة، وذلك لأنّ الفعل على كلا القولين ليس نقيضاً للترك؛ لأنّ نقيض كلّ شيءٍ رفعه، فيكون نقيض الترك ترك الترك، وترك الترك غير الفعل؛ لأنّ عدم العدم ليس بوجود، غاية الأمر: أنّه على القول بوجوب مطلق المقدّمة ينحصر مصداق النقيض خارجاً في فردٍ واحد هو الفعل فحسب، وأمّا على القول بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة، فيكون للنقيض فردان في الخارج: أحدهما: الفعل، والآخر: الترك غير الموصل، وفي المثال المذكور: الفردان هما: فعل الصلاة وغيره، من النوم والأكل والشرب.
ولكن قد أورد عليه المحقّق الخراساني بما لفظه:
<قلت: وأنت خبير بما بينهما من الفرق، فإنّ الفعل في الأوّل لا يكون إلّا مقارناً لما هو النقيض من رفع الترك، المجامع معه تارةً، ومع الترك المجرّد اُخرى، ولا تكاد تسري حرمة الشي‏ء إلى ما يلازمه فضلاً عمّا يقارنه أحياناً، نعم، لابدّ أن لا يكون محكوماً فعلاً بحكمٍ آخر خلاف حكمه، لا أن يكون محكوماً بحكمه، وهذا بخلاف الفعل في الثاني، فإنّه بنفسه يعاند الترك المطلق وينافيه، لا ملازم لمعانده ومنافيه، فإن لم يكن عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح مفهوماً، لكنّه متّحد معه عيناً وخارجاً، فإذا كان الترك واجباً، فلا محالة يكون الفعل منهيّاً عنه قطعاً. فتدبّر جيّداً>( ).
وحاصله: أنّ هناك فرقاً بين وجوب مطلق الترك وبين الترك الموصل؛ فإنّه على الأوّل، يكون عين ترك الترك مصداقاً، ولو كان مفهوماً غير الصلاة، وأمّا بناءً على وجوب الترك الخاصّ، فنقيضه ترك الترك الخاصّ، وهو غير متّحد مع الصلاة خارجاً، والصلاة ليست من أفراد هذا النقيض بالفرد الشايع، بل هي من المقارنات؛ لأنّ رفع الترك الخاص قد يجامع فعل الصلاة، وقد لا يجامعه، كما إذا ترك الصلاة والإزالة معاً، ومن المعلوم: أنّ النهي لا يسري إلى الملازم فضلاً عن المقارن.
وأمّا ما قد يقال: من أنّ فساد العبادة لا يتوقّف على وجوب تركها من باب المقدّمة، ولو قلنا بأنّ ترك أحد الضدّين مقدّمة للآخر، بل ولو لم نقل بوجوب المقدّمة، أو بمقدّميّة الترك، لكانت العبادة فاسدة، لعدم الأمر بها حيث إنّ ضدّها، وهو الإزالة، يكون ماُموراً به، ولا يمكن الأمر بالضدّين معاً، وعدم الأمر بالصلاة يكفي في الفساد.
فقد أجبنا عنه سابقاً في باب الترتّب، بأنّ الأمر بالمهمّ أيضاً موجود؛ لأنّ الأمر بالأهمّ مطلق، وبالمهمّ مشروط بعصيان الأهمّ، ولا يكون هذا الأمر بالضدّين على نحو الإطلاق.
وأمّا ما أفاده الاُستاذ الأعظم من <أنّ الفعل لا يُعقل أن يكون مصداقاً للترك، لاستحالة كون الوجود مصداقاً للعدم، لتباينهما ذاتاً واستحالة صدق أحدهما على الآخر، كيف؟! فإنّ العدم لا تحقّق له خارجاً لينطبق على الوجود>( ).
فإنّما يتمّ في العدم المطلق، وأمّا العدم الخاصّ والمقيّد فله شائبة من الوجود، فليس العدم مقارناً للوجود، بل هو متّحد معه إذا كان الواجب هو مطلق المقدّمة.
والثمرة الثانية:
برّ النذر بالإتيان بالمقدّمة بناءً على القول بوجوبها فيما إذا تعلّق النذر بإتيان فعلٍ واجب، وعدم حصول البرّ به على القول بعدم وجوبها.
ولكن لا يخفى:
أوّلاً: أنّ مسألة النذر مسألة فرعيّة، وليست باُصوليّة؛ لأنّها غير قابلة لأن تقع كبرىً لقياس بحيث لو انضمّ إليها صغرى لاستنتج منهما الحكم الكلّيّ.
وثانياً: أنّ الوفاء بالنذر يتبع قصد الناذر، فإن قصد من لفظ الواجب خصوص الواجب النفسيّ، لم يكفِ الإتيان بالمقدّمة في الوفاء به، ولو قلنا بوجوبها، وإن قصد منه مطلق ما يلزم الإتيان به ولو عقلاً، كفى الإتيان بها، وإن قلنا بعدم وجوبها.
والثمرة الثالثة:
حصول الفسق بترك الواجب النفسيّ بجميع مقدّماته على القول بوجوبها، وعدم حصوله على القول بعدم وجوبها.
وفيه: أنّ الواجب ليس إلّا شيئاً واحداً، وهو ذو المقدّمة، لا أنّه لو كان للواجب مقدّمات كثيرة فتركها وبالتالي: حصل منه الترك لذي المقدّمة، يكون قد حصل منه عصيان كثير ومخالفات بعدد المقدّمات المتروكة، بل هو عصيان واحد يحصل من حين تركه لاُولى المقدّمات، إذ حينئذٍ حصل الامتناع للواجب الواحد، الذي هو ذو المقدّمة.
نعم، ثمّة فرق بين باب الامتثال وباب العصيان، ففي باب الامتثال بما أنّ هناك أوامر كثيرة ومتعدّدة، فلو حصل الامتثال لبعض تلك الأوامر، فلا يسقط الباقي، وهذا بخلاف باب العصيان؛ فإنّه بعصيان البعض حصل الامتناع للواجب، فتسقط بقيّة الأوامر، ومعه: فلا يبقى مجال لأيّ عصيان آخر.
والثمرة الرابعة:
أنّه لو قلنا بوجوب المقدّمة فلا يجوز أخذ الاُجرة عليها؛ لأنّه من أخذ الاُجرة على الواجبات، وهو لا يجوز.
وفيه: أوّلاً: أنّه لا دليل على عدم جواز أخذ الاُجرة على الواجبات مطلقاً.
وثانياً: سلّمنا عدم جواز أخذ الاُجرة على الواجب، ولكنّ الذي لا يمكن أخذ الاُجرة عليه هو الواجب إذا كان مأخوذاً بنحو معنى الاسم المصدريّ؛ لأنّ الواجب، بل المقدّمات، تكون خارجةً حينئذٍ عن تحت الاختيار، وأخذ الاُجرة على شيء خارج عن الاختيار غير صحيح، وأمّا إذا اعتبرناه بنحو المعنى المصدريّ، جاز أخذ الاُجرة على مقدّماته حينئذٍ بعد أن كانت واقعةً تحت اختياره.
وثالثاً: أنّ هذه الثمرة، لو سُلّمت، فهي لا تصلح لأن تكون ثمرة للمسألة الاُصوليّة التي يُراد لها أن تقع كبرى في قياس الاستنباط.
والثمرة الخامسة:
أنّه على القول بوجوب المقدّمة، فلو كانت المقدّمة محرّمة يلزم اجتماع الأمر والنهي، بخلاف القول بعدم الوجوب.
وقد يقال في الجواب: بأنّه لا يكون من ذاك الباب، بل المورد من باب النهي في العبادة أو المعاملة.
ولكنّ الحقّ أن يقال: إنّه تارةً: تكون المقدّمة في نوعها محرّمة بحيث لا يكون للمكلّف مندوحة، كما إذا انحصر الإنقاذ بالتصرّف في ملك الغير، ففي مثل هذا يقع التزاحم بين وجوب الإنقاذ وحرمة التصرّف، فينبغي مراعاة الأهمّ، أو سائر مرجّحات باب التزاحم، وبما أنّ وجوب الإنقاذ أهمّ فلا يبقى للمقدّمة المحرّمة وجوب فعليّ، فلا يكون المورد مندرجاً إلّا في باب اجتماع الأمر والنهي، لا في باب النهي عن العبادة أو المعاملة.
وأُخرى: لا تكون المقدّمة في نوعها محرّمة، بل كان لها أفراد مباحة، فتارةً يرد النهي عن فردٍ منها بالخصوص، كما إذ نهى عن سيرٍ خاصٍّ إلى الحجّ، فهذا يندرج في باب النهي عن العبادة إن كانت المقدّمة عباديّة، أو المعاملة إن لم تكن كذلك. وأُخرى لا يرد النهي عن فردٍ منها بالخصوص، بل كان المنهيّ عنه عنواناً كلّيّاً انطبق على بعض أفراد المقدّمة، كما في السير على الدابّة المغصوبة في الحجّ، فإنّ الواجب الذي هو السير له أفراد متعدّدة، والمنهيّ عنه، الذي هو الغصب، له أفراد متعدّدة، وقد اجتمع كلّ من السير والغصب في فرد واحد، فهذا يكون من باب اجتماع الأمر والنهي، وليس من باب النهي عن العبادة أو المعاملة، ولكن في المقام، بما أنّ وجوب المقدّمة توصّليّ، فيحصل الغرض منه، ولو بالركوب على الدابّة المغصوبة، سواء قلنا بجواز الاجتماع أو بعدم جواز الاجتماع.
وأمّا لو كانت المقدّمة عباديّة، فإن كانت منحصرة، فتدخل في التزاحم بين الأهمّ والمهمّ، حيث لا تبقى حرمة فعليّة متعلّقة بالمهمّ، فتقع صحيحة، وأمّا لو كان هناك مندوحة، بأن كان لها أفراد مباحة، فالوجوب يترشّح إلى المقدّمة المباحة، ومعه: لا يصح التعبّد بالمنهيّ عنه، بل تدخل المسألة في باب النهي عن العبادات.
والثمرة السادسة:
لو أمر شخص بوجوب شيء له مقدّمات، فلو قلنا بوجوب المقدّمة، وبناءً على الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، فإنّ نفس الأمر بالشيء يكون علّة للأمر بالمقدّمات، فكما يستحقّ الاُجرة على الإتيان بذي المقدّمة، فكذلك يستحقّ الاُجرة ثانية على الإتيان بالمقدّمة؛ لأنّه إنّما فعلها بأمره أيضاً، كما أنّ الإتيان بأصل ذي المقدّمة كان كذلك.
وفيه: بما أنّ هناك لابدّيّة عقليّة، تقضي بعدم إمكان الإتيان بالمقدّمة، لأجل تلك الملازمة واللابدّيّة العقليّة، فإذا شككنا في وجوب المقدّمة وعدمها، فهل هناك أصل يمكن التمسّك به أم لا؟
ولا يخفى: أنّه لا أصل هناك يمكن التمسّك به؛ لأنّه من جهة البحث الاُصوليّ، بما أنّه يبحث عن الملازمة وعدمها، فإنّه لا حالة سابقة لها، بل هي أزليّة، واستصحاب العدم الأزليّ غير صحيح. وأمّا من ناحية المسألة الفقهيّة؛ فلأنّ الوجوب، أعني: وجوب المقدّمة، ولو لم يكن عند عدم وجوب ذيها، ويمكن لنا أن نستصحبه، ولكن لا أثر لهذا الاستصحاب، لعدم وجود الملازمة، ولابدّ منها، ولا يكون هناك فائدة إلّا بجريان استصحاب العدم الأزليّ، ولكنّه ليس بحجّة.