التجرّي

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

التجرّي


والكلام يقع فيه في اُمور:

الأمر الأوّل: في معنى التجرّي.
الظاهر: أنّ التجرّي أعمّ من العصيان بحسب اللّغة، كما أنّ الانقياد أعمّ من الإطاعة.
وأمّا بحسب الاصطلاح، فهو مباين للعصيان، كمباينة الانقياد للإطاعة؛ وذلك لأنّه يطلق عندهم على خصوص مخالفة الحجّة غير المصيبة للواقع، فيما يطلق العصيان على مخالفة الحجّة المصيبة للواقع، وأمّا موافقة الحجّة، فإن كانت ـ هي ـ مصيبةً للواقع، سمّيت إطاعةً، وإلّا، انقياداً.
ومن ثمّ وقع البحث في أنّ المتجرّي هل هو كالعاصي في استحقاق العقاب عقلاً أم لا؟

الأمر الثاني: هل تعدّ هذه المسألة من المسائل الاُصوليّة أم لا؟
لا يخفى: إمكان عدّ هذه المسألة من المسائل الاُصوليّة تارةً، ومن المسائل الفقهية ثانيةً، وثالثةً من المسائل الكلاميّة؛ بداهة اختلاف الجهة المبحوث عنها بحيث تصبّ في الغرض التدوينيّ لكلّ فنّ.
وكذا لا يخفى: عدم جواز بحثها ـ ها هنا ـ إلّا من جهة كونها اُصوليّة؛ ضرورة أنّه لا معنى لالتزام الاستطراد فيها فيما لو بحثت من جهتها الكلاميّة أو الفقهيّة مع إمكان عدّها من مسائل هذا الفن.
فأمّا صحة كونها مسألة كلاميّة: فلأنّه يقع البحث في علم الكلام عن استحقاق العقاب وعدمه، فتندرج ـ حينئذٍ ـ مسألة أنّ المتجرّي هل هو كالعاصي في استحقاق العقاب أو لا؟ تحت مسائل علم الكلام.
وليس البحث عنها من هذه الجهة بحثاً اُصوليّاً، كما قد يتوهّم؛ ضرورة أنّ المناط في اُصوليّة المسألة إنّما هو وقوعها كبرى في قياسٍ تُنتج من ضمّ الصغرى إليها حكماً شرعيّاً كلّيّاً، والبحث في كون المتجرّي مستحقّاً للعقاب كالعاصي أو لا، لا يستنتج منه هذا الحكم الكلّيّ.
وكذا ليست مسألةً فقهيّة؛ لأنّ البحث عنها في علم الفقه إنّما يكون من جهة أنّ القطع بمبغوضيّة شيء أو محبوبيّته هل يكون سبباً لاتّصافه بالحرمة أو الوجوب؛ لأنّها إذ ذاك تندرج تحت فعل المكلّف من حيث اتّصافه بأحد الأحكام التكليفيّة الخمسة، كما هو موضوع علم الفقه، والبحث عن التجرّي من جهة استحقاق العقاب وعدمه أجنبيّ عن موضوع علم الفقه فيكون خارجاً عن مسائله لما هو واضح من أنّ موضوع كلّ علم هو الجامع بين موضوعات مسائله.
نعم، مسألة التجرّي إنّما تكون اُصوليّةً إذا كان البحث عنها من جهة أنّ قيام الأمارة والحجّة غير المصادفة للواقع هل توجب حدوث مصلحة أو مفسدة في الفعل بحيث تقتضي وجوبه أو حرمته، أو أنّ الفعل بعدها يكون باقياً على المحبوبيّة والمبغوضيّة الموجودة فيه واقعاً، فلا يكون لتعلّق الحجّة به أثر في تغيّر حكمه، بل هو باقٍ على حكمه الواقعيّ.
وعليه: فلا يكون نفس شرب الماء ـ مثلاً ـ مبغوضاً عند الشارع وإن تعلّق به القطع بخمريّته، وكذا لا يكون قتل ولد المولى محبوباً، وإن قطع العبد بكونه عدوّاً له.

الأمر الثالث:
وهو في أنّ التجرّي، هل هو من أفعال القلب، حيث إنّه عنوان ينطبق على إرادة الشخص المتجرّي، أو لا؟
فإن كان من أفعال القلب، فمعناه: العزم على العصيان والقصد على مخالفة المولى مع إتيان ما يعتقد بكونه معصيةً.
وإن لم يكن منها، بل كان عنواناً ينطبق على الفعل الخارجيّ، فمعنى التجرّي ـ حينئذٍ ـ هو العمل الذي يعتقد أنّه مخالفة لأمر المولى.
فعلى الأوّل: يكون قبحه عقليّاً؛ لأنّه من جهة سوء سريرته وخبث باطنه وسوء قصده وإرادته.
وعلى الثاني: القبح فعليّ؛ لأنّه من جهة مذموميّة عمله.
ومن ثمّ يقع البحث في أنّ كلا القبحين هل يكون موجباً للحرمة الشرعيّة أو لا؟
قد يقال: إنّ فعل المتجرّي معصية وموجب للعقاب، إمّا لأنّ الخطابات الأوّليّة تشمل صورة المصادفة وعدم المصادفة، أو باعتبار حدوث خطابٍ آخر بواسطة طروّ عنوان التجرّي على الفعل المتجرّى به.
أمّا الأوّل: فمرجعه إلى أنّ الخطابات الأوّليّة ﻛ (صلِّ) و(لا تشرب الخمر) إنّما تتعلّق بالوجود الواقعيّ للشيء، فالخمر بوجوده الواقعيّ دخيل وشرط في التكليف، ولا دخل للعلم والجهل فيه.
فعُلِم من ذلك: أنّ الأحكام تتعلّق بنفس موضوعاتها الواقعيّة سواء قامت عليها الحجّة أم لا؟ ولكن لمّا كان الغرض من الأمر والنهي هو الانبعاث إلى الماُمور به، والانزجار عن المنهيّ عنه، والانبعاث إنّما يكون دخيلاً بوجوده العلميّ لا الواقعيّ.
ففي الحقيقة: ليس الأمر إلّا عبارة عن طلب اختيار المكلّف وانبعاثه نحو فعل الشيء، كما أنّ النهي ليس إلّا طلب اختيار المكلّف ترك الشيء وانزجاره عن فعله، وقد عرفت: أنّه لا يعقل اختيار فعل الشيء بعنوان انبعاثه عن الأمر أو اختيار تركه بعنوان انزجاره عنه بواسطة النهي، من دون قيام الحجّة من علمٍ أو علميّ، بلا فرقٍ بين ما إذا كانت تلك الحجّة مصادفةً للواقع أم لا.
وإذا كان متعلّق التكليف هو الاختيار والانبعاث الناشئ عن العلم بالموضوع، فهو موجود في كلتا الصورتين: الموافقة والمخالفة، وحينئذٍ: فلابدّ من القول بأنّ الأمر والنهي، وإن كانا يتعلّقان بحسب ظاهر الأدلّة بنفس الواقع، ولكن لا أثر لوجود التكليف من دون العلم وقيام الحجّة، بل يكون لغواً، فلابدّ من تقييدها بقيام الحجّة، ولا شكّ أنّ قيام الحجّة على حرمة الخمر ممّا يشمل المتجرّي أيضاً.
والحاصل: أنّه بعدما ثبت أنّ الواجب والحرام هو الذي قامت الحجّة على وجوبه وحرمته، علميّةً كانت أو ظنّيةً، وأنّ المصادفة وعدمها ليست تحت قدرة المكلّف، فلا يمكن تخصيص الموضوع بخصوص الحجّة التي تكون مصادفة للواقع؛ ضرورة أنّ هذا التخصيص ليس إلّا إحالةً إلى أمر غير مقدور؛ إذاً فلابدّ أن يكون موضوع التكاليف الأوّليّة الواقعيّة هو مطلق ما قامت الحجّة على حرمته أو على وجوبه، سواء كانت هذه الحجّة مطابقةً للواقع، كما في المعصية والإطاعة، أم مخالفة له، كما في التجرّي والانقياد.
ويمكن الجواب عن هذه المغالطة: بأنّ الأحكام الواقعيّة تابعة للمصالح والمفاسد، حيث إنّ الشارع لا ينهى عن شيء إلّا إذا رأى فيه مفسدةً، وكذا لا يأمر بما ليس فيه مصلحة. وإذا كان كلٌّ من التكليف والإرادة تابعين للمفسدة والمصلحة من حيث السعة والضيق، فلا يمكن أن تكون دائرتهما أوسع ممّا فيه المصلحة والمفسدة، وإلّا، ترتّب على ذلك تالٍ فاسد، وهو أن يتخلّف المعلول عن علّته.
وحينئذٍ: فإن فرض أنّ العلم كانت له مدخليّة ما في المفسدة والمصلحة، كان لابدّ من أخذه في الموضوع، إمّا تماماً، أو جزءاً، وهذا خارج عن مفروض الكلام.
وأمّا لو لم يكن كذلك، بل كان المتعلّق فيه هو نفس المصلحة أو المفسدة، من دون أن يكون للعلم دخل فيهما ـ أصلاً ـ فلا يمكن فرض تعلّق الإرادة بالمقيّد بالعلم أو العلميّ؛ ذلك أنّ تبعيّة الإرادة لما هو ذو المصلحة أو المفسدة ثابتة بحكم العقل، وإلّا، لزم تخلّف المعلول عن علّته.
فإذا فرضنا أنّ المفسدة قائمة بذات شرب الخمر ـ مثلاً ـ فكيف يمكن أن يقال ـ عندئذٍ ـ بأنّ متعلّق التكليف هو شرب الخمر المعلوم؟!
فإن قلت: إنّ الغرض من التكليف ليس إلّا الانبعاث، وهو غير ممكن إلّا إلى ما هو معلوم وواصل.
قلت: العلم يكون شرطاً في التنجّز فيما لم يصل إليه التكليف ولم يحرزه، فيكون معذوراً ولا يعاقب على مخالفته، فيكون الوصول شرطاً في تنجّز التكليف، لا في تحقّقه.
ثمّ لو سلّمنا أنّ الموضوعات الواقعيّة القائمة بها المصالح والمفاسد كانت مقيّدة بصورة الوصول إلى المكلّف، فالنتيجة ـ حينئذٍ ـ أنّ الخمر الحرام هو الواصل ـ أي: الخمر الذي قامت الحجّة على خمريّته ـ لا مطلق ما قامت الحجّة على خمريّته، ولو لم يكن خمراً في الواقع. فلا يمكن إثبات حرمة التجرّي بواسطة دعوى اختصاص الحكم بالعالم بالخمريّة.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني  أفاد في الكفاية:
<أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به ـ بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب ـ لا يكون فعلاً اختياريّاً، فإنّ القاطع لا يقصده، إلّا بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعيّ الاستقلاليّ، لا بعنوانه الطارئ الآليّ، بل لا يكون ـ غالباً ـ بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً؟ ومن مناطات الوجوب والحرمة شرعاً؟ ولا يكاد يكون صفة موجبةً لذلك إلّا إذا كانت اختياريّة>( ).
والذي يظهر من كلامه هذا: هو أنّه قائل بنفي الحرمة عن الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع، وأنّ المتجرّي قد لا يصدر عنه فعل اختياريّ أصلاً؛ نظراً لأنّ ما وقع لم يُقصد وما قُصد لم يقع.
وأمّا ما قد يقال: من حدوث خطابٍ تحريميّ متعلّق بالفعل المتجرّى به بواسطة عنوان التجرّي، بحيث يكون طروّ هذا العنوان جهة وحيثيّة تعليليّة لحدوث ذلك الخطاب الذي هو متعلّق بنفس الفعل المتجرّى به، فتقريبه بأن يقال:
لا شكّ في أنّ من الأفعال ما هو قبيح في نفسه ولا يقبل التغيير، كالظلم، ومنها ما هو قبيح كذلك، ولكنّه يقبل التغيير، كالكذب إذا اندرج تحت عنوان الإصلاح.
وكذا لا شكّ في أنّ من الأفعال ما لا حسن فيه في حدّ ذاته، ولا قبح فيه كذلك أيضاً، كالقيام، ولكنّه يكون بحيث إذا تعنون بعنوان الاحترام يحسن، كما أنّه إذا تعنون بعنوان الهتك يقبح.
وفيما نحن فيه، فشرب الماء ـ مثلاً ـ فعل من الأفعال التي لا قبح ولا حسن فيها في حدّ ذاتها، إلّا أنّه إذا فرض صدوره من المكلّف بعد قطعه بكونه خمراً، أو فقل: بعد أن تعنون لديه بعنوان مقطوع الخمريّة، فيمكن أن تحدث فيه مفسدة، توجب هذه المفسدة له القبح عقلاً والحرمة شرعاً.
هذا فيما يتعلّق بمقام الثبوت.
وأمّا في مقام الإثبات، فمقتضى قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ـ وهي القاعدة القائلة بأنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ـ أنّه إذا حكم العقل بقبح الفعل المتجرّى به، فلابدّ أن يحكم الشرع بحرمته ـ أيضاً ـ.
ولكن فيه: أنّ إمكان ذلك ليس هو محلّ الكلام، وإنّما الكلام في أنّ قيام القطع، أو قيام سائر الحجج، هل هو من هذا القبيل أيضاً أم لا؟ فإذا قامت الحجّة على أنّ المائع الفلانيّ خمر، مع عدم كونه خمراً واقعاً، فهل يكون هذا القيام موجباً لحدوث المفسدة في المتعلّق، بحيث يستتبع حكماً شرعيّاً بالحرمة، أو لا يكون موجباً له؟
والكلام في القطع الطريقيّ المحض:
والظاهر: أنّ قيام الحجّة ليس من شأنه إلّا إظهار ذلك الموضوع أو الحكم. وأمّا تغييره عمّا هو عليه، بأن يجعل ما ليس فيه مصلحة ذا مصلحة، أو ما ليس فيه مفسدة ذا مفسدة، فلا يمكن استفادته منها.
وما قد يقال: من أنّ قيام الحجّة على وجوب شيء يوجب إحداث مفسدة أو مصلحة فيه، ولو لم يكن هو واجباً أو حراماً في الواقع.
فممّا يحتاج إلى دليل، بل هو باطل؛ لأنّه بناءً على عدم كونه رافعاً للحكم الواقعيّ، يلزم منه التصويب المعتزليّ المجمع على بطلانه، وبناءً على كونه رافعاً يلزم منه التصويب الأشعريّ الذي نقول باستحالته.
فإن قلت: إنّ محذور اجتماع المثلين أو الضدّين أو التصويب، إنّما يلزم فيما لو قلنا بأنّ قيام الحجّة من علمٍ أو علميّ هي التي توجب حدوث المصلحة أو المفسدة في المتعلّق، وليس كذلك؛ بل نقول: إنّ عنوان التجرّي هو الذي يوجب حصول المفسدة أو المصلحة في الفعل الذي تتحقّق به المخالفة، ثمّ يستتبع تلك المفسدة الحرمة الشرعيّة، بناءً على ما هو الحقّ من أنّ الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد.
قلت: إنّ مخالفة الحجّة لو كانت موجبة لحدوث المفسدة فيما يتحقّق به المخالفة في الحجّة غير المصادفة للواقع، تكون موجبة في المصادفة أيضاً بطريقٍ أولى؛ لأنّ مخالفة اليقين ـ وهو المصادفة ـ أشدّ وأعظم من مخالفة الجهل المركّب ـ وهو المخالفة ـ.
فظهر ممّا بيّنّاه: أنّه لو قامت حجّة ودلّت على الحرام الواقعيّ، ثمّ خالفها المكلّف، فإنّه يكون قد ارتكب معصيتين اثنتين؛ إذ المفروض أنّ هناك مفسدتين، وأنّ كلّ واحدةٍ منهما تستتبع حرمةً شرعيّة، فيترتّب على ذلك: لزوم اجتماع المثلين.
ولا يذهب عليك: أنّه لا يمكن القول بالتأكّد ها هنا؛ لمكان أنّ الرتبة في المفسدتين والحكمين ليست واحدة، بل هي مختلفة؛ لأنّ إحداهما واقعة في الرتبة السابقة على العلم، والاُخرى متأخّرة عنه وعن مخالفته.
والسرّ في ذلك: هو أنّ المقام ليس من قبيل (أكرم العالم)، و(أكرم عالماً هاشميّاً)، حيث إنّ كلّاً من هذين الحكمين لمّا كان صالحاً بذاته للباعثيّة، ولو في موارد افتراقهما، كان لابدّ من القول بلزوم التأكّد في صورة الاجتماع؛ إذ لا مانع من تشريع الحكمين. وإنّما مفروض المقام هو ترتب وجوب الاجتناب على ذات الخمر.
وحينئذٍ: يمتنع القول بالتأكد؛ لأنّه، وإن فرض للخمر حكم، ولمفروض الخمريّة حكم، إلّا أنّه متى ما علمنا بحرمة شيء منهما علمنا ـ أيضاً ـ بوجوب الاجتناب عنه، لمكان فرض ترتّبه على ذات الخمر، كما عرفت، فيكون هو المحرّك والباعث للاجتناب، بينما يصبح الحكم الآخر ـ الذي هو بحسب الفرض مترتّب على معلوم الخمريّة ـ لغواً؛ لأنّه لا يكون باعثاً ولا محرّكاً.
فاتّضح: أنّ العلم بالخمريّة في نظر العالم يكون ملازماً دائماً لوجوب الاجتناب المترتّب على الخمر الواقعيّ، بعد أن كانت المخالفة غير محتملة لديه، فلا يمكن توجّه خطاب آخر إلى معلوم الخمريّة؛ وذلك لامتناع القول بالتأكّد؛ ضرورة أنّ تصوير حصول التأكّد مع فرض الاختلاف في الرتبة لا يكاد يكون ممكناً البتّة.
ويبطله: أنّ القول باختلاف الرتبة لا يصلح جهة اجتماع المثلين أو الضدّين، لأنّ المفروض أنّ المخالفة جهة تعليلية لا تقييدية، وأنّ الحرمة ترد ذات الفعل ونفسه، فسواء في صورة الموافقة أو المخالفة يلزم من اجتماع مفسدتين حصول حرمتين على ذات الشيء، فيلزم اجتماع الضدين أو المثلين.
أمّا صاحب الكفاية فقد ذهب إلى بقاء الفعل المتجرّى به على ما هو عليه من الحسن والقبح، والمبغوضيّة والمحبوبيّة، بلا تغيّرٍ فيه بواسطة القطع؛ لوضوح أنّ القطع بالعنوان المحرّم ليس من العناوين الموجبة للحسن والقبح، أو المبغوضيّة والمحبوبيّة.
مضافاً إلى أنّ القطع في مقام الجعل يلحظ طريقاً إلى الواقع لا مستقلّاً، فالإرادة والقصد إنّما يتعلّقان بشرب الخمر لا بشرب معلوم الخمريّة، بل المعلوميّة مما لا يلتفت إليها غالباً.
ومعه: فلا يمكن تعلّق الإرادة فيها لأنّها فرع الالتفات، وإذا لم يكن الفعل المتجرىّ به اختياريّاً لم يعد من موجبات الحسن والقبح؛ لأنهما من صفات الأفعال الاختياريّة.
وهذا نصّ كلامه :
<ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرّى به على ما هو عليه من الحسن أو القبح والوجوب أو الحرمة واقعاً، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلّق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة، ولا يغيّر جهة حسنه أو قبحه بجهته أصلاً؛ ضرورة أنّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن والقبح عقلاً، ولا ملاكاً للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعاً؛ ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من المبغوضيّة والمحبوبيّة للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له، فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له، ولو اعتقد العبد بأنّه عدوّه، وكذا قتل عدوه مع القطع بأنّه ابنه، لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً.
هذا مع أنّ الفعل المتجرى به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريّاً، فإنّ القاطع لا يقصده إلّا بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعيّ الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآليّ، بل لا يكون غالباً بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن والقبح عقلاً؟ ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلّا إذا كانت اختياريّة>( ).
والحقّ في المسألة: أنّ العقل إنّما يحكم بتساوي المتجرّي والعاصي في استحقاق المذمّة من حيث شقاوة الفاعل وخبث سريرته مع المولى، لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع بكونه معصية.
ومن هنا يظهر الوجه: في فساد ما قد يقال: من استحقاق المتجرّي للعقاب؛ لأنّ المناط في إيجاب المعصية الحقيقيّة لاستحقاق العقاب ليس إلّا هتك المولى ومبارزته والتمرّد عليه، ولا ريب في تحقّق ذلك كلّه في مورد التجرّي بشهادة العقلاء كافة، فيتشكّل قياس من الشكل الأوّل، حاصله: التجرّي هتك للمولى، وكلّ هتك له يوجب استحقاق العقاب، فينتج: أنّ التجرّي يوجب استحقاق العقاب.
وجه الفساد: أن المناط في الحرمة هو وجود مفسدة في الفعل، والهتك والتمرّد على المولى إنّما يشكّلان ملاكاً للحرمة فيما لو تحقّق الهتك والتمرد حقيقةً، والحال أنّ المتجرّي لم يهتك مولاه ولم يخالفه، غاية الأمر أنّه خالف ما يعتقد بأنّه أمر المولى.
وأمّا ما قد يستدلّ به على عدم حرمة التجرّي، من أنّ الأخبار التي دلّت على المؤاخذة على قصد المعصية إنّما تصلح دليلاً على الحرمة فيما لو فرض أنّ المتجرّي قصد المعصية حقيقة، وليس كذلك، بل إنّما قصد ما يعتقد بكونه معصية، وهذا معفوّ عنه بطريق أولى.
وقد يستشهد لما ذكر من استحقاق المتجرّي العقاب بمثل قوله تعالى: ﴿وَ إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَ يُعَذّبُ مَن يَشَاءُ﴾( ).
وكذلك الحديث الوارد عن رسول اﷲ: <إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّةٍ، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول اﷲ، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: لأنّه أراد قتلاً>( ).
ولكنّ كلّ ذلك وارد فيما إذا قصد الحرام لا إذا قصد ما قطع بحرمته ولم يكن حراماً واقعاً.
وتحقيق الحال بأن يقال:
إنّ للفعل المتجرّى به عناوين ثلاثة:
الأوّل: عنوان الشرب، من حيث هو شرب، وبلا إضافته إلى أيّ شيء آخر.
الثاني: كون هذا الشرب مضافاً إلى الخمر، بحيث يصحّ أن يحمل عليه بالحمل الشائع عنوان (شرب الخمر) الذي هو عنوان مبغوض لدى المولى.
الثالث: كونه مخالفة لما نهاه الشارع عنه، بعد فرض تنجّزه عليه.
ولا يخفى: عدم إمكان القول بأن استحقاق العقاب مترتّب على صدق عنوان الشرب من دون إضافته إلى مائع خاصّ؛ لأنّه لو كان كذلك، للزم استحقاق العقاب على شرب كلّ مائع؛ لصدق عنوان الشرب بما هو شرب على تناول كل مائع، وهو بديهيّ الفساد.
وكذلك، فليس مناط استحقاق العقاب هو العنوان الثاني، أعني: كون هذا الشرب مضافاً إلى الخمر بحيث يحمل عليه عنوان شرب الخمر بنحو الحمل الشائع؛ ضرورة استحقاق العقاب ـ حينئذٍ ـ على هذا الشرب، وإن كان المكلّف جاهلاً بخمريّته، لصدق عنوان الشرب في الجميع.
وأمّا العنوان الثالث: وهو شرب ما تعلّق به النهي، فهو ـ أيضاً ـ لا يكون موجباً لاستحقاق العقاب؛ لأنّه لم تتحقّق مخالفة المولى، إذ المفروض أنّ ما شربه لم يكن خمراً حقيقة، فليس هناك من نهيٍ من قبل المولى حتّى يصدق عليه عنوان المخالفة.
نعم، هذا لا ينافي كون المتجرّي مستحقّاً للمذمّة واللّوم على ما قد انكشف من سوء سريرته وتحدّيه للمولى، وأمّا نفس الفعل فلا يترتّب عليه شيء أصلاً.
ومن هنا يظهر: بطلان ما ذكره صاحب الكفاية من أنّ المتجرّي يستحقّ العقاب إذا صار بصدد مخالفة قطعه( ).
ومذهب الشيخ الأنصاريّ أنّه لا يوجد في مورد التجرّي سوى سوء السريرة، وهو غير ملازم للعقاب؛ لأنّ العقاب إنّما يترتّب على القبح الفعليّ لا الفاعليّ.
قال ما لفظه: <لأنّ استحقاق المذمّة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل، ومن المعلوم أنّ الحكم العقليّ باستحقاق الذمّ إنّما يلازم استحقاق العقاب شرعاً إذا تعلّق بالفعل، لا بالفاعل>( ).
وفي قباله ذهب صاحب الكفاية إلى أنّ العقاب لا يثبت في مورد التجرّي إلّا على الجري النفسيّ على طبق الصفة الكامنة في النفس، والذي عبّر عنه بالقصد إلى العصيان.
قال:<العقاب إنّما يكون على قصد العصيان، والعزم على الطغيان، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار>( ).
والحقّ: صحّة ما ذهب إليه الشيخ، من أنّ التجرّي من الصفات النفسيّة غير الاختياريّة، وأنّ نفس الفعل المتجرّى به لا يكون قبيحاً؛ وذلك لخلوّه عن المفسدة، فلا يكون معصية، ومن الواضح: أنّه لا معنى ـ أصلاً ـ للعقاب على الصفة النفسيّة.
نعم، غاية ما يمكن أن يقال: إنّه يستحقّ الذم؛ لأنّ تجرّيه كاشف عن سوء سريرته وهي صفة نفسانيّة قبيحة، لا لأنّ الذم من جهة نفس الفعل المتجرّى به، فلا يكون العقاب ملازماً للفعل؛ بل لأنّه إنّما يكون ملازماً للقبح الفعليّ دون الفاعليّ.
قال الآخوند في حاشيته على الرسائل ما نصّه:
<وبالجملة: صفتا التجرّي والانقياد ما دامتا كامنتين في العبد ولم يصر بصدد إظهارهما وترتيب الأثر عليهما لم يستحق إلّا اللوم والمدح كسائر الصفات الذميمة والأخلاق الحسنة، وإذا صار بصدد الإظهار استحق ـ مضافاً إلى ذلك ـ العقوبة والمثوبة على أوّل مقدّمة اختياريّة من المقدّمات التي يفعلها القلب ويتوقف عليها صدور الأفعال بالاختيار ...>( ).
ثمّ إنّه يلزم ممّا ذكره الآخوند ـ من استلزام القصد إلى المعصية للعقاب ـ أن يحكم العقل في مورد المعصية الحقيقية باستحقاق عقابين؛ لحصول سببين له، وهما: القصد إلى المعصية، ونفس المعصية، وهو ممّا لم يقل به أحد.
وعلى فرض القول بتعدّد العقابين، لا يعود لما ذكره صاحب الفصول من تداخل العقابين معنى محصّل( )، بل ولا يلزم اجتماع المثلين؛ بداهة اختلاف الجهتين حينئذٍ، فإنّ جهة الطغيان التي هي مورد الاستحقاق غير جهة واقع الفعل المتجرّى به ولا ربط بينهما.
ولا يذهب عليك: فساد ما قد يدّعى من انعقاد الإجماع على حرمة التجرّي؛ ضرورة أنّ هذه الإجماعات منقولة، فتسقط عن الحجّيّة، مضافاً إلى عقليّة هذه المسألة، فلا معنى لادّعاء الاجماع فيها.
وبهذا ظهر الوجه: فيما ذكره الاُستاذ المحقّق من أنّ مسألة التجرّي يبحث فيها هنا من جهة فقهيّة وهي ثبوت الحرمة ولا ثبوتها.
قال: <وأُخرى يقع التكلّم عنه باعتبار أنّ الفعل المتجرّى به، أو نفس التجرّي، حرام أم لا؟ سواء كان دليله الإجماع أو شيئاً آخر، ولا شكّ في أنّه بهذا الاعتبار مسألة فقهيّة، وذلك واضح>( ).
فلا معنى للقول ـ بعد إمكان التمسّك بالإجماع ـ باُصوليّتها وعقليّتها، بمعنى أنّ التجرّي هل يوجب القبح والعقاب في المتجرّى به أم لا؟ ولو بدليل الملازمة بين حكم العقل والشرع؛ ضرورة أنّه يتكلّم فيها عن الحرمة رأساً. وعلى فرض التنزّل، فالمسألة محلّ خلاف كما ذكرنا، فلا معنى لادّعاء الإجماع فيها.
وكيف كان، فقد ادُّعي الإجماع على كون التجرّي حراماً في موردين:
المورد الأوّل: فيمن سلك طريقاً مظنّون الضرر، فإنّهم ادعوا الإجماع على أنّ سفره سفر المعصية فيستحق العقاب، ولذا رتّبوا عليه وجوب إتمام الصلاة. ولو انكشف بعد ذلك عدم الضرر فيه فقالوا إنّ هذا لا يتم إلّا بناء على حرمة التجرّي.
والتحقيق: أنّ الظنّ هنا مأخوذ على نحو الموضوعيّة؛ لأنّ سلوك الطريق المظنّون الضرر قبيح بنفسه عقلاً، وإن فرض خلوّه عنه في الواقع، فيكون حراماً شرعاً بنفسه بقاعدة الملازمة، ولا يكون لانكشاف الخلاف معنى، وحينئذٍ يكون هذا المورد خارجاً عن مسألة التجرّي.
المورد الثاني: فيمن ظنّ ضيق الوقت وأخّر الصلاة ثمّ تبيّن سعة الوقت، فادّعوا الإجماع على استحقاق العقاب، ومعلوم أنّ هذا لا يتمّ إلّا بناءً على استحقاق المتجرّي للعقاب، وإلّا فإنّه أدرك الوقت ولم يخالف الواقع.
وجوابه: أنّ الظنّ هنا قد أخذ على نحو الموصوف، فتمام الموضوع لاستحقاق العقاب من جهة التأخير هو خوف ضيق الوقت، أو يقال: إنّ تمام موضوع حرمة التأخير هو ظنّ ضيق الوقت لا عدم إدراك الوقت في الواقع. وحينئذٍ: متى ظنّ ضيق الوقت تجب المبادرة إلى الصلاة، سواء كان الوقت في الواقع ضيّقاً كذلك، أم كان واسعاً.
فانقدح: خروج هذا المورد أيضاً عن مسألة التجرّي، بل الظانّ المزبور لو تأخّر يكون عاصياً وإن انكشف سعة الوقت فيما بعد.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني تعرّض إلى بيان تقريب استحقاق المتجرّي للعقاب بمقدّمات أربع:
الاُولى: أنّ الحكم بوجوب الإطاعة عقليّ، لا شرعيّ.
الثانية: أن الحكم العقليّ بوجوب الإطاعة معلول للحكم الشرعيّ، فهو يختلف عن مثل حكم العقل بقبح الظلم، فإنّه علّة للحكم الشرعيّ.
الثالثة: أنّ تمام موضوع الحكم بوجوب الإطاعة واستحقاق العقاب هو العلم، سواء صادف الواقع أم لم يصادفه.
الرابعة: أنّ القبح الفاعليّ هو ملاك استحقاق العقاب لا القبح الفعليّ، وهو موجود في صورة التجرّي، فيثبت العقاب في مورده ـ أيضاً ـ.
وإليك نصّ كلامه ـ بتلخيص منّا ـ قال:
<الاُولى: أنّه لا إشكال في أنّ وظيفة المولى هو جعل الأحكام وإيصالها إلى المكلّفين بالطرق المتعارفة من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وأمرهم بتبليغها إلى أوصيائهم، وأمرهم بالتبليغ إلى الرواة، وهكذا، إلى أن تنتهي الأحكام إلى المكلّفين بها، وبالوصول إليهم تنتهي سلسلة البعث، ويحكم العقل بوجوب الانبعاث. وحكم العقل بذلك ـ أعني: حكمه بوجوب الطاعة وحسنها وقبح المعصية وحرمتها ـ حكم استقلاليّ يستحيل وجود حكمٍ شرعيّ في مورده؛ إذ المفروض أنّ مرتبة حكمه هي مرتبة الانبعاث، ففرض البعث في هذه المرتبة خلف محال، فوجوب الانبعاث عن تكاليف المولى ـ المنحلّ إلى وجوب الطاعة وحرمة المعصية ـ هو الوجوب الذاتيّ الذي ينتهي إليه وجوب كلّ واجب، كما أنّ طريقيّة القطع كانت ذاتيّة، وإليها كانت تنتهي طريقيّة كلّ طريق.
الثانية: أنّه قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية يغاير الأحكام العقليّة الأُخر، مثل حكمه بقبح التشريع وقبح التصرّف في مال الغير، ونحوهما، في أنّ مرتبة هذا الحكم العقليّ هي مرتبة المعلول من الحكم الشرعيّ؛ ضرورة أنّ مرتبة الانبعاث من البعث هي مرتبة المعلول من العلّة، وأمّا بقيّة الأحكام العقليّة، فمرتبتها من الأحكام الشرعيّة مرتبة العلّة من معلولها.
الثالثة: أنّ العلم المأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية، لابدّ وأن يكون هو تمام الموضوع، صادف الواقع أم لا.
الرابعة: أنّ الملاك لحكمه بوجوب الطاعة إذا استحال كونه هو القبح الفعليّ، وإلّا لزم استحقاق العقاب في موارد الجهل أيضاً، فلابدّ وأن يكون الملاك له هو القبح الفاعليّ؛ لانحصار الملاك في أحدهما وعدم قابليّة شيءٍ آخر للملاكيّة، وإذا كان هو الملاك، فلابدّ من الالتزام باستحقاق المتجرّي للعقاب كالعاصي؛ لثبوت القبح الفاعليّ في كليهما...>( ).
انتهى كلامه ملخّصاً.
ولكنّ الحقّ: كفاية المقدّمة الثالثة لإثبات الحرمة، وهي أنّ موضوع استحقاق العقاب هو القطع، صادف الواقع أم لم يصادفه.
فقد عرفت بما لا مزيد عليه: أنّ العقاب مترتّب على نفس الخمر الواقعيّ لا على معلوم الخمريّة، وأنّ القبح المستلزم له لابدّ أن يكون في الفعل، لا في الفاعل، من غير فرق بين كونه من جهة صدور الفعل عن خبث في الباطن، أو من جهة نفس سوء السريرة وخبث الباطن، ولذا نفى الشيخ العقاب عليه؛ لأنّه وصف غير اختياريّ.
ثمّ إنّ بعضهم حكم باستحقاق المتجرّي للعقاب بحكم العقل من دون أن يكون هناك أيّ خطاب شرعيّ في البين، لا على عنوان التجرّي، ولا على نفس الفعل المتجرّى به، وأنّ العقل لا يفرّق في حكمه باستحقاق العقاب بين المعصية الحقيقية والتجرّي؛ لوحدة المناط فيهما؛ لأنّ مناط حكم العقل باستحقاق العقاب في المعصية الحقيقيّة ليس إلّا مخالفة العبد لما اعتقد أنّه الماُمور به أو المنهي عنه.
فبعد وصول أمر المولى أو نهيه إليه ـ إمّا من جهة قطعه أو قيام أمارة أو حجّة اُخرى عليهما ـ يتنجز كلا الحكمين من الوجوب أو الحرمة عليه، ويحكم العقل باستحقاقه العقاب لو هتك حرمة المولى وتجرأ عليه، فكلما أحرز إرادة المولى لشيء أو كراهته له حكم العقل بلزوم الامتثال وعدم جواز المخالفة، سواء كان ذلك الإحراز مطابقاً للواقع أم لا، فإحراز أمر المولى ونهيه هو تمام الموضوع عند العقل في حكمه بلزوم الامتثال وعدم جواز المخالفة.
وفيه: أنّ حكم العقل بقبح المعصية إنّما هو من جهة مخالفة المكلّف لمولاه المنعم وعدم اعتنائه بأمره أو نهيه. وأمّا إذا لم يكن من قِبَله أمر أو نهي بل كان هناك مجرد تخيل للأمر والنهي كما هو مفروض التجرّي، فليس للعبد أيّة مخالفة تسجل في حقه فلا يكون مستحقاً للعقاب؛ بداهة أنّ صرف تخيل الأمر والنهي غير كونهما موجودين في حقّه واقعاً.
نعم، في صورة وجودهما واقعاً وعدم اعتنائه بهما بعد وصولهما إليه، يكون كافراً بنعمة مولاه غير شاكر له، بعد حكم العقل بوجوب شكر المنعم، فيكشف هذا عن سوء سريرته وخبث باطنه ولكن لا يكون هناك أي مخالفة وعصيان؛ لعدم وجود أمر من قبل المولى أو نهيٍ كذلك حتى يصدق في حقّه مخالفته.
فظهر: أنّ مناط المعصية في نظر العقل إنّما هو مخالفة الحكم الواقعيّ التي لا يمكن تحقّقها في التجرّي بحال.
ولا يخفى هنا: أنّ الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد سعةً وضيقاً، بلا فرق في ذلك بين الأوامر والنواهي، فإن كان في متعلّق الحكم مصلحة أو مفسدة لتعلّق أمر أو نهي من غير فرق بين كونهما ملزمتين أو لا، خلافاً للأشاعرة الذين أنكروا الحسن والقبح العقليّين، فالحسن عندهم ما حسّنه الشارع والقبح ما قبّحه كذلك، فجوّزوا الترجيح بلا مرجّح الذي هو اختيار أحد الشيئين بلا مرجّح، بل ـ أيضاً ـ جوّزوا الترجّح بلا مرجّح، وهو إيجاد الشيء بلا سبب، والأوّل عندنا ممكن، ولكنّه قبيح عقلاً، وأمّا الثاني فمحال.
ولو قلنا باستحالة الترجيح بلا مرجّح، فهل يكفي الترجيح النوعيّ أم لابدّ من الترجيح الشخصي؟
حاصل الكلام: أنّهم قد اختلفوا في إمكان الحسن والقبح العقليين، فنفاه الأشاعرة بدعوى أنّه ليس للأفعال في حدّ ذاتها حسن ولا قبح في نظر العقل قبل حكم الشارع بحسنها أو قبحها.
ولذا اشتهر بينهم أنّ الحسن ما حسّنه الشارع والقبح ما قبحه كذلك، كما عرفت، وأثبتته العدليّة، ذاهبين إلى أنّ للأفعال حسناً وقبحاً بحسب ذواتها، وقبل حكم الشارع.
وفي هذه المرتبة وقع النزاع بين الاُصوليّين والأخباريّين في أنّه لو فرض للأحكام حسن وقبح بحسب ذواتها ـ كما هو مختار العدليّة ـ فهل للعقل أن يدرك هذا الحسن أو القبح مستقلّاً ومن دون بيان الشارع لهما أم لا؟
نُسِب إلى بعض الأخباريّين أنّهم ذهبوا إلى إنكار إدراك العقل للحسن والقبح العقليّين بنحو الموجبة الجزئيّة.
إلّا أنّ القبول بمثل هذا الكلام محلّ إشكال؛ ضرورة أنّه بعد فرض حكم العقل بأنّ للأحكام حسناً وقبحاً، وأنّ له أن يدرك ذلك، وبعد فرض الملازمة بين الحكمين، أي: بعد القول بأنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، إذ العقل هو رسول الباطن، كما أنّ الشرع هو الرسول الظاهر، تصبح هناك ملازمة بين ما استقلّ العقل بحسنه ووجود المصلحة الملزمة فيه وبين ما استقلّ العقل بقبحه وبين المفسدة الملزمة فيه.
وبعد ثبوت الملازمة وحصول القطع بأنّ الشارع لابدّ أن يحكم على طبق ما حكم به العقل، يقع الكلام في حجّيّة هذا القطع وعدمه.
وبعبارة اُخرى: هل يمكن للشارع النهي عن حجّيّة هذا القطع أم لا؟ بل تكون حجّيّته ذاتيّة لا تقبل الجعل ولا الرفع.
فعلى تقدير إمكان النهي عن تلك الحجّيّة فهل نهى عنها فعلاً أم لا؟ كما ورد في الخبر: <إنّ دين اﷲ لا يصاب بالعقول>( ).
وعلى تقدير عدم الإمكان، فهل معنى حكم العقل بذلك هو إدراكه بأنّ الفعل مما ينبغي فعله أو تركه، أم هو أمره ونهيه.
قال الاُستاذ المحقّق:
<الإنصاف أنّ عزل العقل بالمرّة عن درك الحسن والقبح ليس كما ينبغي، بل ربّما يلزم منه إفحام الانبياء؛ إذ بناءً على هذا: يمكن صدور المعجزة على يد الكاذب، ولا قبح فيه، فلا يكون صدور المعجزة منه وعلى يده دليلاً على نبوّته، هذا مع أنّ بداهة العقل والفطرة تحكم بحسن بعض الأفعال، كإطاعة المنعم وشكره، وقبح بعضها الآخر، كعصيانه وكفرانه، فإذا عزلنا العقل بالمرّة عن الإدراك، فينسدّ باب إثبات الصانع، ويبطل جميع العلوم العقليّة، بل النقليّة أيضاً>( ).
والحاصل: أنّك عرفت أنّ الترجيح بلا مرجّح قبيح، وقد ذهب المحقّقون من الأشاعرة إلى أنّه لابدّ لترجيح أحد الشيئين على الآخر من مرجِّح، ولكنّهم اكتفوا بالترجيح النوعي، وكفاية المفسدة أو المصلحة النوعيّة القائمة بالطبيعة في تعلّق الحكم ببعض الأفراد، وإن كان هذا الترجيح بلا مرجّح شخصي.
واستدلّوا له برغيفي الجوعان وكأسي العطشان وطريقي الهارب، وإن لم يكن في نفس الرغيف والكأس والطريق المختار أيّ مرجّح شخصيّ؛ إذ المفروض أنّهما متساويان وليس لأحدهما مرجّح في حصول الغرض، بل المرجّح فيهما نوعيّ وهو رفع العطش أو الجوع الذي هو قائم بالطبيعة، والجامع بين الكأسين كافٍ في اختيار أحدهما و ترجيحه على الآخر.
والحقّ: عدم تفريق العقل في قبح الترجيح بلا مرجح بين كون المرجّح نوعيّاً أو شخصيّاً؛ لوحدة المناط فيهما، فلا يمكن أن تتعلّق الإرادة التكوينيّة بما لا مصلحة فيه.
وبهذا يظهر: فساد ما قد يقال: من أنّه لو سلّم تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، ولكن تكفي المصلحة والمفسدة النوعيّة؛ لما عرفت من أنّ النوعية والشخصية سواء في الاستحالة والقبح.
ومثله في الفساد: ما قد يدّعى من كفاية وجود مصلحة ومفسدة للأوامر والنواهي في أنفسها من دون أن يكون هناك مصلحة أو مفسدة في المتعلّق، ومثّلوا لها بالأوامر الامتحانيّة؛ وذلك غير تامّ:
أوّلاً: لأنّ معنى كون المصلحة أو المفسدة في نفس الأمر أو النهي هو أنّ المصلحة الناشئة من الأمر معلولة له، وكذا تكون المفسدة معلولة للنهي، فكيف يمكن أن تكون المصلحة مقتضيةً للأمر والمفسدة مقتضية للنهي؟ فإنّه ـ حينئذٍ ـ يلزم تقدّم المتأخّر وتأخّر المتقدم.
وثانياً: لو كانت المصلحة موجودة في الأمر، للزم تحقّق الغرض بمجرد وجود الأمر، وبالتالي: سقوط الأمر من دون الامتثال، وهو كما ترى.
فظهر: أنّ المصلحة ليست قائمة بنفس الأمر في إظهار العبد الاطاعة وكونه بصدد امتثال الأوامر الصادرة من المولى، وهذا لا يكون إلّا بالجري على طبق ما تعلّق به الأمر.
فانقدح: أنّه لا إشكال في أنّ المصالح والمفاسد التي تكون الأحكام تابعة لها إنّما هي المصالح والمفاسد الموجودة في المتعلّق بحدّ ذاتها مع قطع النظر عن ورود الأمر أو النهي من الشارع، كما لا إشكال في إدراك العقل لحسن الشيء وقبحه ولو بنحو الموجبة الجزئيّة، فإنّ عزل العقل بالمرّة ـ كما ذكره اُستاذنا المحقّق فيما نقلناه عنه سابقاً ـ موجب لورود الإشكال في أصل إثبات الصانع ونبوّة النبي كما مر، فينهدم أساس الشريعة.

تنبيهات:
التنبيه الأوّل:
لو قلنا بثبوت العقاب في التجرّي، وكان القطع مصادفاً للواقع، ففي المسألة أقوال أربعة:
الأوّل: مختار صاحب الكفاية من وحدة العقاب لوحدة سببه وهو كون العبد في مقام الطغيان. قال ما لفظه:
<ثمّ لا يذهب عليك: أنّه ليس في المعصية الحقيقية إلّا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة، وهو هتك واحد، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهّم، مع ضرورة أنّ المعصية الواحدة لا توجب إلّا عقوبة واحدة>( ).
الثاني: ما ربما يستظهر من كلام المحقّق الأصفهاني من وحدة العقاب لوحدة سببه، وهو الهتك المعنون به الفعل، سواء في التجرّي أو المعصية الحقيقيّة.
قال: <ثمّ إنّ استحقاق العقوبة هل هو على الفعل، أو على مقدّماته، كالعزم والإرادة ـ وهذا الترديد جارٍ في المعصية الواقعيّة؛ لوحدة الملاك على الفرض ـ؟
والتحقيق: هو الأوّل؛ لأنّ العزم على الظلم من دون تحقّق الظلم ليس بظلم؛ إذ ليس مخلّاً بالنظام، ولا ذا مفسدة نوعيّة توجب تطابق آراء العقلاء على قبحه.
وبالجملة: العبد بفعل ما أحرز أنّه مبغوض للمولى يخرج عن رسم العبوديّة وزيّ الرقّيّة، لا بمجرّد عزمه على الفعل. ويؤيّده: أنّ الهتك أمر قصديّ؛ وإلّا، لم يستحقّ عليه العقاب، ولم يتّصف بالقبح؛ لأنّه من صفات الأفعال الاختياريّة، فلو انطبق الهتك على مجرّد العزم والقصد، لزم: إمّا عدم كون الهتك قصديّاً، أو كون القصد قصديّاً، وإمكان كونه كذلك، وكفايته في ذلك لا يوجب الوقوع دائماً، مع أنّه يستحقّ العقاب على هتكه في جميع موارد التجرّي>( ).
الثالث: وحدة العقاب مع تعدّد السبب من باب التداخل وهو المنسوب إلى صاحب الفصول( )، ولعلّ الذي دعاه إلى هذا القول: أنّه رأى أنّه لا توجد إلّا معصية واحدة، وغفل عن أنّ وحدة المسبّب تكشف بدليل الإنّ عن وحدة السبب.
الرابع: تعدّد العقاب لتعدّد سببه.

التنبيه الثاني: في الثمرة العمليّة لهذا البحث:
والحاصل: أنّه بناءً على قبح التجرّي ومبعديّته وانطباقه على نفس العمل المتجرّى به، لو قامت أمارة على حرمة شيء ذاتاً، كما لو قامت على حرمة صوم هذا اليوم، كيوم العيد، فلا يمكن الإتيان بهذا العمل برجاء المطلوبيّة واقعاً؛ لعدم صلاحية القبيح لأن يكون مقرّباً، إذ الإتيان به تجرٍ فلا يصلح للمقربية ولا يقع عبادة.
وأمّا بناءً على ما ذهب إليه الشيخ من أنّه لا قبح في الفعل المتجرّى به، وإنّما القبح في الصفة الكامنة في النفس التي يكشف عنها التجرّي وهي خبث السريرة وسوء الباطن: فلا مانع من الإتيان بالصوم برجاء المطلوبيّة.

التنبيه الثالث:
وحاصله: أنّ القبح الفاعليّ للتجرّي مسلّم لدى جميع العقلاء، ولا يزول بعروض عنوان حسن أرجح منه مع كونه ملتفتاً إليه؛ فإنّ قبح التجرّي ذاتيّ له.
ومن هنا يظهر: عدم تمامية ما ذكره صاحب الفصول( ) من أنّه إذا <اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل ـ كالكافر الحربيّ مثلاً ـ فحسب أنّه ذلك الكافر، فتجرّأ، ولم يقدم على قتله، فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا التجرّي عقلاً عند من انكشف له الواقع> وذلك لتدارك قبح تجرّيه بحسن حفظ النفس؛ فإنّ التجرّي لا يكاد يعقل أن تعرضه الصفة المحسّنة له من الجهات الواقعيّة أبداً؛
ضرورة أنّ قبحه قد نشأ من القطع بالحرمة، وهذا الطغيان قد صدر منه عن عمد واختيار، فلا يعقل ارتفاع هذا القبح بجهة من الجهات الواقعيّة المجهولة المغفول عنها؛ فإنّ حفظ النفس المحترمة ما دام مغفولاً عنه وغير ملتفت إليه لا يوجب الحسن واستحقاق المدح، فلا يترجّح على القبيح الصادر بالعمد والاختيار، فإنّ الكذب المنجي من الهلكة إنّما يكون محسّناً فيما إذا علم صدوره منه على سبيل الإنجاء، وإلّا لم يرتفع به قبح صدوره أصلاً.

التنبيه الرابع:
للتجرّي ستّ مراتب مختلفة من حيث الشدّة والضعف:
الاُولى: مجرّد القصد.
الثانية: القصد مع ارتكاب بعض المقدّمات.
الثالثة: الإتيان بما يعتقد كونه حراماً.
الرابعة: تحقّقه بمجرّد عدم مبالاته بالدين.
الخامسة: ارتكاب محتمل الحرمة برجاء إصابة الحرام.
السادسة: ارتكاب محتمل الحرمة برجاء عدم الإصابة.
نسب إلى الشيخ الكبير( ) القول بعدم حجّيّة قطع القطّاع، وهو القطع الذي يكون حاصلاً من أسباب وطرق لا تستلزم القطع عند متعارف الناس، وبحسب العادة، كمثل طيران الطير.
والصواب: أنّه لا فرق في حصول القطع فيما إذا كان طريقيّاً بين جميع أفراده وأسبابه، وإن كان قطّاعاً، فيحكم العقل في حجّيّته في جميعها، وإلّا لزم تخصيص حكم العقل.
وإذا كانت الحجّيّة ذاتيّة للقطع، لم يكن من الممكن وضعها ولا رفعها، وذلك لامتناع انفكاك الذاتيّ عن ذاته، فتثبت ـ حينئذٍ ـ الحجّيّة لقطع القطّاع أيضاً؛ لما عرفت من أنّ المناط في حجّيّة القطع هو انكشاف الواقع به، وهو حاصل للقطّاع، بحسب نظره، كحصوله لغيره تماماً.
فعلم ممّا بيّنّاه: أنّ القطع حجّة من أيّ سبب حصل، وفي أيّ زمان كان، ولأيّ شخص حصل، وفي أيّ مورد من الفقه كان، ولذا حكموا بوجوب الإتيان بما قطع بوجوبه، وأنّه لا يبرّر تركه احتمال كون القطع ناشئاً من سبب غير متعارف.
وكذا حكموا بمعذّريّته، فإذا قطع بما يخالف الواقع، فإنّه يكون معذوراً في تلك المخالفة، وليس للمولى الاحتجاج على القاطع الذي عمل بقطعه الذي كان قد حصل له من الأسباب غير المتعارفة.
فإن قلت: إنّ القطع الطريقيّ المحض لا يحصل من الاُمور العقليّة، إذ لم تكن محاطة بالواقعيّات.
قلت: أوّلاً: هذا على خلاف الوجدان، فلا يمكن القول بسلبه بنحو كلّيّ.
وثانياً: لا نسلّم كون الخطأ فيه أكثر من غيره.
وأمّا ما قد يقال: في الاستدلال على عدم اعتباره، ولو حصل منها، بأنّه لم يقرّره الشارع.
ففيه: أنّه ـ كما لا يخفى ـ ينافي ما تقدّم من كون الحجّيّة ذاتيّة للقطع، فلا معنى لمثل هذا الكلام، بل هو مخالف للطريقة العقلائيّة التي تقضي بوجوب اتّباع القطع من أيّ طريق اتّفق حصوله له.
نعم، ذكر الشيخ أنّه لو كان القطع مأخوذاً على نحو الموضوع؛ فإنّه <يُتّبع في اعتباره ـ مطلقاً، أو على وجه خاصّ ـ دليل ذلك الحكم الثابت، الذي اُخذ العلم في موضوعه، فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشيء بشرط العلم به، بمعنى: انكشافه للمكلّف من غير خصوصيّة للانكشاف، كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوباً لمولاه، وقبح ما يقطع بكونه مبغوضاً؛ فإنّ مدخليّة القطع بالمطلوبيّة أو المبغوضيّة في صيرورة الفعل حسناً أو قبيحاً عند العقل لا يختصّ ببعض أفراده، وكما في حكم الشرع بحرمة ما علم أنّه خمر أو نجاسته ـ بناءً على أن الحرمة والنجاسة الواقعيّين إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم لا في نفس الأمر كما هو قول بعض ـ.
وقد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشيء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ، أو شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من عدم جواز العمل في الشرعيّات بالعلم غير الحاصل من الكتاب والسنّة، وما ذهب إليه البعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى>. انتهى كلامه( ).
وتوضيحه: أنّ القطع المأخوذ على نحو الموضوع لا يكون حجّة إلّا إذا كان حاصلاً من الأسباب المتعارفة؛ لأنّ المدار في حجّيّة القطع الموضوع ـ تعميماً أو تخصيصاً ـ إنّما هو دليل اعتباره، وهو غير ظاهر فيما كان حاصلاً من الأسباب غير المتعارفة.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشكّ أو الظنّ، فإنّ الدليل الدالّ على اعتبارهما وأخذهما في الموضوع منصرف عن شكّ كثير الشكّ وظنّ كثير الظنّ.
قد يقال: بما أنّ القطّاع غير ملتفت حين قطعه إلى أنّه كذلك، فمن الجائز ـ حينئذٍ ـ توجيه خطاب إليه مفاده: أنّ قطعك الحاصل من مثل هذا السبب، والذي لا يحصل قطع متعارف الناس عادةً منه، ليس مأخوذاً في الموضوع. وكذلك، فيمكن أن يخاطب كثير الشكّ بما مضمونه: أنّ شكّك هذا غير معتبر.
وجوابه: أنّ القطّاع ـ غالباً ـ يكون ملتفتاً إلى كون قطعه حاصلاً من الأسباب غير المتعارفة، غاية الأمر: أنّ قطعه هذا يتضمّن اعتراضاً على غيره، من جهة أنّه لِمَ لا يحصل لهم القطع من هذه الأسباب أيضاً؟
فظهر من مطاوي ما ذكرنا: فساد ما قد حكي عن كاشف الغطاء من عدم اعتبار قطع القطّاع مطلقاً، وأنّ القطع الطريقيّ المحض حجّة مطلقاً.
وهل القطع الحاصل من الأحكام العقليّة حجّة في الأحكام الشرعيّة؟
المنسوب إلى غير واحد من الأخباريّين هو القول بعدم حجّيّة القطع في باب الأحكام الشرعيّة إذا كان هذا القطع حاصلاً من مقدّمات عقليّة، وأنّ المدرك في الشرعيّات منحصر في السماع عن أهل بيت العصمة والطهارة.
ولعلّ وجه المنع عندهم يعود إلى أنّهم منعوا من ثبوت الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وأنّ العقل قاصر عن إدراك العلّة التامّة للحكم، غاية الأمر: أنّه قادر على أن يدرك بعض الجهات المقتضية للحكم، ومن المعلوم: عدم كفاية ذلك في العلم بالحكم، بل هو يتوقّف ـ مضافاً إلى ذلك ـ على العلم بعدم المانع من جعله، كما هو واضح.
وأيضاً: إنّ الأحكام الشرعيّة مقيّدة، وأنت خبير بأنّ للعقل القدرة على إدراك بعض العلل، ولو على نحو الموجبة الجزئيّة، فلا يمكن ـ لذلك ـ أن يُصار إلى عزله بالكلّيّة، وإلّا، لزم إفحام الأنبياء، وغير ذلك من المفاسد.
وقد يعلّل المنع ـ أي: منع حجّيّة القطع الحاصل من المقدّمات العقلية في الأحكام الشرعيّة ـ عندهم بتوجيه ثانٍ، وهو عدم جواز الاستناد في الأحكام الشرعيّة إلى المقدّمات العقلية؛ لعدم إفادتها العلم، فتكون شرعيّة أخذ الحكم ـ حينئذٍ ـ منحصرةً بطريقٍ واحد، وهو السماع عنهم.
قال المحقّق النائيني في المقام ما هذا لفظه:
<وكما يصحّ أخذ العلم بالحكم شرطاً في ثبوت الحكم، كذلك يصحّ أخذ العلم بالحكم من وجه خاصّ وسبب خاصّ مانعاً عن ثبوت الحكم واقعاً بحيث لا حكم مع العلم به من ذلك السبب، كما في باب القياس، حيث إنّه قام الدليل على أنّه لا عبرة بالعلم بالحكم الحاصل من طريق القياس، كما في رواية أبان في مسألة دية أصابع المرأة؛ حيث نهى عن العمل بالقياس، مع أنّ أبان كان عالماً بأن في قطع أربعة من أصابع المرأة يثبت أربعين من الإبل من طريق القياس.
ومن هنا، تعجّب من حكم الإمام بأنّه يثبت ثلاثين من الإبل، ومع ذلك، نهى الإمام عن العمل بعلمه، فقد أخذ العلم بالحكم من طريق القياس مانعاً.
وليس هذا في الحقيقة نهياً عن العمل بالعلم حتى يقال: إنّ ذلك لا يعقل؛ من جهة أنّ طريقيّة العلم وكاشفيّته ذاتيّة لا يمكن نفيها في عالم التشريع، ولا يعقل التصرّف في ناحية العلم بوجه من الوجوه، بل مرجع ذلك إلى التصرّف في المعلوم والواقع الذي أمره بيد الشارع. فالتصرّف يرجع إلى ناحية المتعلّق، لا إلى ناحية العلم، وبعد الالتفات إلى هذا التصرّف، لا يمكن أن يحصل للمكلّف علم بالحكم من طريق القياس؛ إذ الحكم الواقعيّ قيّد بغير ما أدّى إليه القياس، فكيف يمكن أن يحصل له العلم بالواقع من ذلك الطريق.
نعم، لو لم يلتفت إلى هذا التصرّف يحصل له العلم، كما حصل لأبان العلم بالحكم قبل نهي الامام>( ).
وحاصل ما أرادوه: أنّ العقل، وإن كان يمكنه أن يدرك بمقدّماته جميع الجهات المقتضية للحكم الشرعيّ، إلّا أنّها لا تفيد إلّا الظنّ به دون القطع، والظنّ ممّا لا يجوز الاعتماد عليه سواء كان حصوله من المقدّمات العقليّة، أم من غيرها.
وأمّا ما قد يذكر: من عدم جواز الاعتماد على الأدلّة الظنّية في إثبات الاحكام الشرعيّة، وأنّ عدم جواز الخوض في المقدّمات العقليّة إنّما هو لأجل إفادتها الظنّ الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً.
ففيه: أنّه لا يتمّ إن اُريد به التفصيل بين الحكم الصادر من المقدّمات العقليّة وبين الحكم الصادر من غيرها، بالقول بحجّيّة الثاني، دون الأوّل، بل إنّما يتمّ لو اُريد منه بيان عدم حجّيّة غير القطع.
ومّما يُنسب إلى الأخباريّين ـ أيضاً ـ قولهم بعدم حجّيّة الحكم الذي يصل إلى المكلّف من غير طريق تبليغ أولياء اﷲ، وعلى هذا الأساس، فقد أنكروا حجّيّة القطع الحاصل من المقدّمات العقلية، وادّعوا وجود الأخبار الكثيرة الدّالّة على أنّ أحداً لو قام ليله، وصام دهره، ولم يكن ذلك بدلالة وليّ اﷲ، وبولايته، فلن يقبل منه صوم ولا صلاة( ).
وتلك الروايات التي استدلّ بها الأخباريّون إنّما هي في بيان أنّ الإيمان شرط في صحة العبادات، وسواء فرض عدم اعتقادهم بالملازمة أو لانحصار حجّيّة الأحكام بالوصول عن طريق السماع عن الأئمة، فلا دليل عليه، ويمكن القول بوجوده على خلاف مدّعاهم.