مباحث الأمارات غير العلميّة

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

مباحث الأمارات غير العلميّة


والكلام يقع فيها في اُمور:

الأمر الأوّل: في عدم كون الحجّيّة من لوازم الأمارات:
أنّ الحجّيّة في باب الأمارات غير العلميّة، كخبر الثقة وظواهر الكلام والإجماع المنقول، وغير ذلك، ليست من لوازم الأمارات، كما هو الحال في باب القطع، لا بنحو العلّيّة، ولا بنحو الاقتضاء؛ إذ لو كان في الأمارة غير العلميّة اقتضاء الحجّيّة لكان يكفي في اعتبارها وجواز الأخذ بها مجرّد عدم ثبوت المنع عنها، بأن لا يرد من الشارع المقدّس ما يدلّ على منعه عن العمل بها، وذلك لوجود المقتضي ـ حينئذٍ ـ وفقد المانع من تأثيره.
مع أنّ مجرّد عدم ثبوت المنع عن العمل والأخذ بها لا يكفي قطعاً، كما لا يخفى، بل يحتاج جواز ذلك إلى جعلٍ من الشارع، أو إلى طروء بعض الحالات التي تكون مستلزمةً لحجّيّتها عقلاً، بناءً على القول بالحكومة في نتيجة دليل الانسداد؛ لأنّ الظنّ ـ بناء على القول بالكشف ـ يكون طريقاً مجعولاً من قبل الشارع.
هذا كلّه في مقام الثبوت.
وأمّا في مقام الامتثال وسقوط الحكم:
فقد يقال: بإمكان الاكتفاء بالظنّ بالفراغ، نظراً إلى عدم لزوم دفع الضرر المحتمل.
وفي هذا يقول صاحب الكفاية:
<أحدها: أنّه لا ريب في أنّ الأمارة الغير العلميّة ليست كالقطع في كون الحجّيّة من لوازمها ومقتضياتها بنحو العلية، بل مطلقاً، وأنّ ثبوتها لها محتاج إلى جعل أو ثبوت مقدمات وطروء حالات موجبة لاقتضائها الحجّيّة عقلاً، بناء على تقرير مقدّمات الانسداد بنحو الحكومة، وذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجّيّة بدون ذلك ثبوتاً، بلا خلاف، ولا سقوطاً، وإن كان ربّما يظهر فيه من بعض المحقّقين الخلاف والاكتفاء بالظنّ بالفراغ، ولعلّه لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل، فتأمّل>( ).
ولعلّ الوجه في ما أمر به من التأمّل، هو أنّ الاكتفاء بالظنّ بالفراغ بدعوى عدم لزوم دفع الضرر المحتمل لا ربط له ـ أصلاً ـ بحجّيّة الظنّ في مقام السقوط، فإنّ شأن الحجّة أن يقطع معها بعدم الضرر، لا أنّه يحتمل معها الضرر، ولا يجب دفعه بحكم العقل.

الأمر الثاني: في إمكان التعبّد بالأمارات.
اعلم أنّ الإمكان على أقسام:
الأوّل: الإمكان الذاتيّ: وهو الذي لا ينافي الوجود والعدم بحسب ذاته، ويقابله الامتناع الذاتيّ، كاجتماع الضدّين وارتفاع النقيضين.
الثاني: الإمكان الوقوعيّ: والمراد منه ما لا يلزم من فرض وجوده محذور عقليّ، كما يقال: المعراج الجسمانيّ أو المعاد الجسمانيّ ممكنان، فإنّ وقوعه في الخارج يكون أقوى دليل على إمكانه. ويقابل الإمكان الوقوعيّ: الامتناع الوقوعيّ، وهو الذي يلزم من وقوعه محذور عقليّ، إمّا بسبب كونه ممتنعاً ذاتاً: كاجتماع الضدّين أو ارتفاع النقيضين، أو عرضاً: كامتناع الظلم، بالنسبة إلى الحكيم جلّ وعلا.
الثالث: الإمكان الاحتماليّ، والمراد منه ما يحتمل وقوعه، ومن هنا ما يقال: <كلّ ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان ما لم يقم عليه ساطع البرهان>( ).
ولا يخفى: أنّ الإمكان بالمعنى الأوّل خارج عن حيّز البحث الاُصوليّ؛ إذ لم يحتمل أحد كون التعبّد بغير العلم عين اجتماع الضدّين أو المثلين حتى يكون ممتنعاً ذاتاً، فيبقى النزاع فيه من شأن أهل الفلسفة والمعقول.
وكذلك، فليس المراد من الإمكان ها هنا الإمكان الاحتماليّ، وهو أن يكون الترديد والشكّ حاصلاً لشخصٍ وغير حاصل لآخر؛ لأنّ احتمال الإمكان جارٍ في الكلّ، وهذا غير مفيد.
وإنّما الكلام في مقتضي الشكّ في الإمكان فيما إذا لم يقع دليل على الإمكان ولا على الاستحالة، فإنّ الشيخ بعد ما نقل كلام ابن قبة على عدم جواز التعبّد بخبر الواحد، قال ـ ما لفظه ـ:
<واستدلّ المشهور على الإمكان بأنّا نقطع بأنّه لا يلزم من التعبّد به محال>( ).
ومراده بذلك: أنّ الإمكان أصل عند العقلاء ـ في حدّ ذاته ـ مع احتمال الامتناع وعدم قيام الدليل عليه، فيرتّب العقلاء آثار الممكن على مشكوك الامتناع.
واعترض عليه صاحب الكفاية باعتراضين:
الأوّل: منع سيرة العقلاء على الحكم بالإمكان وترتيب آثاره عند الشك، ومنع حجّيّة سيرتهم لو سلّم ثبوتها كذلك.
الثاني: عدم قيام دليل قطعيّ على اعتبارها، وأمّا الدليل الظنّيّ كذلك: فهو لو قام، فإنّما يكون دليلاً على إمكانه، وعلى أنّه لا يستلزم أيّ محذور؛ إذ لو كان ممتنعاً لما وقع، والوقوع من طرق إثبات الإمكان، وحينئذٍ: فيكون من الممكن في مقام الاستدلال على الإمكان أن يستدلّ بالوقوع ـ أي: بوقوع التعبّد بالأمارات غير العلميّة ـ وإذا لم يكن هناك دليل على الوقوع، فلا ثمرة في البحث عن إمكانه.
ونصّ كلامه كالتالي:
<وليس الإمكان بهذا المعنى، بل مطلقاً، أصلاً متّبعاً عند العقلاء في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع؛ لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشكّ فيه، ومنع حجّيّتها ـ لو سلّم ثبوتها ـ لعدم قيام دليل قطعيّ على اعتبارها، والظنّ به، لو كان، فالكلام الآن في إمكان التعبّد بها وامتناعه، فما ظنّك به؟>( ).
وأمّا ما ذكره المحقق النائيني في مناقشة أصالة الإمكان: من أنّ <المراد من الإمكان المبحوث عنه في المقام هو الإمكان التشريعيّ، بمعنى: أنّ التعبّد بالأمارة هل يلزم منه محذور في عالم التشريع أم لا؟ وليس المراد منه الإمكان التكوينيّ المختصّ بالاُمور الخارجيّة حتى يبحث في أنّ الأصل العقلائيّ هل هو الحكم بالإمكان حتى يثبت الامتناع أم لا؟ كما هو واضح>( ).
فقد ردّ عليه بعض المحقّقين المعاصرين بما لفظه:
<فهو مما لا نكاد نفهمه بأكثر من صورته اللّفظيّة، وذلك فإنّ التشريع وجعل الحكم فعل تكوينيّ للمولى كسائر الأفعال التكوينيّة له وإن اختصّ باسم التشريع، فيقع البحث في أنّه يستلزم المحال أو لا ومع الشكّ ما هو الأصل والقاعدة؟>( ).
وفيه: فإنّ الاُمور التشريعيّة والجعليّة وعاؤها الاعتبار، وعلى هذا الأساس: فهي إنّما تكون واقعيّةً بعد الجعل والاعتبار، وليست هي اُموراً تكوينيّة؛ لأنّ الاُمور التكوينيّة إنّما تحتاج إلى جعلٍ تكوينيّ، لا اعتباريّ.
وكيف كان، فقد استدلّ المانع بوجهين:
الأوّل: أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النبيّ، لجاز التعبّد به في الإخبار عن اﷲ تعالى، والتالي باطل بالإجماع، فيكون المقدّم مثله في البطلان.
وفيه: أنّه قياس مع الفارق جدّاً؛ ضرورة أنّ الإخبار عن النبيّ ممكن لكلّ أحد، وأمّا الإخبار عن اﷲ تعالى فهو مختصّ بأصحاب الأنفس القدسيّة.
الثاني: أنّ العمل بخبر الواحد موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال، والتعبّد بغير العلم لا يكون دائم الإصابة؛ إذ لا يأمن أن يكون ما أخبر بحلّيّته حراماً واقعاً، وبالعكس، فيلزم منه نقض الغرض.
وفيه: أنّ القطع أيضاً ليس دائم الإصابة، فما يرد هنا يراد هناك.
وقد ذكر صاحب الكفاية في بيان تصوير استحالة التعبّد بالظنّ وجوهاً ثلاثة بقوله:
<فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبّد بغير العلم من المحال أو الباطل ولو لم يكن بمحال أمور:
أحدها: اجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين ـ مثلاً ـ فيما أصاب، أو ضدّين من إيجاب وتحريم، ومن إرادة وكراهة، ومصلحة ومفسدة ملزمتين، بلا كسر وانكسار في البين، فيما أخطأ، أو التصويب، وأن لا يكون هناك غير مؤدّيات الأمارات أحكام.
ثانيها: طلب الضدّين فيما إذا أخطأ وأدّى إلى وجوب ضدّ واجب.
ثالثها: تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فيما أدّى إلى عدم وجوب ما هو واجب، أو عدم حرمة ما هو حرام، وكونه محكوماً بسائر الأحكام>( ).
والمراد من قوله: <ما قيل> هو إشكال ابن قبة، ومن قوله: <من المحال> لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين، ومن <الباطل> الإلقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة.
وتوضيح هذه الوجوه مجملةً بأن يقال:
إنّه لما كانت الأحكام التكليفية الخمسة متضادّة فيما بينها ولا يمكن اجتماعها في مورد واحد، فحينئذٍ نقول: لو فرض جواز التعبّد بخبر الواحد ووجوب العمل به، وقامت الأمارة ـ مثلاً ـ على وجوب صلاة الجمعة: فلا يخلو:
فإمّا أن يكون مفادها مخالفاً للواقع، بأن كانت صلاة الجمعة محرّمة.
وإمّا أن يكون موافقاً له.
فعلى الأوّل: يلزم اجتماع الوجوب والحرمة على موضوع واحد، وهو صلاة الجمعة، أو فقل: يلزم اجتماع الحبّ والبغض، أو المصلحة والمفسدة، في مورد واحد، وهو من اجتماع الضدّين.
وعلى الثاني: يجتمع عليها وجوبان ـ وجوب ظاهريّ، وآخر واقعيّ ـ فيلزم اجتماع المثلين، فيكون المحال لازماً على كلا الشقّين.
بل وحتى لو فرض عدم الاستحالة، كما في صورة اجتماع المصلحة والمفسدة، فلا أقلّ من لزوم البطلان؛ وذلك لأنّ الأمارة إن كانت تؤدّي إلى إباحة ما هو المحرّم واقعاً، كان ذلك من الإلقاء في المفسدة، وإن كانت تؤدّي إلى جواز ترك ما هو الواجب واقعاً، لزم منه تفويت المصلحة، وكلاهما باطل، كما هو واضح.
وقد أجاب صاحب الكفاية عن هذه الوجوه بما لفظه:
<إنّ ما ادّعي لزومه: إمّا غير لازم، أو غير باطل؛ وذلك لأنّ التعبّد بطريقٍ غير علميّ إنّما هو بجعل حجّيّته، والحجّيّة المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكامٍ تكليفيّة بحسب ما أدّى إلى الطريق، بل إنّما تكون موجبة لتنجّز التكليف به إذا أصاب، وصحّة الاعتذار به إذا أخطأ، ولكون مخالفته وموافقته تجرّياً وانقياداً مع عدم إصابته، كما هو شأن الحجّة الغير المجعولة.
فلا يلزم اجتماع حكمين، مثلين أو ضدّين، ولا طلب الضدّين، ولا اجتماع المفسدة والمصلحة، ولا الكراهة والإرادة، كما لا يخفى.
وأمّا تفويت مصلحة الواقع أو الإلقاء في مفسدته، فلا محذور فيه أصلاً، إذا كانت في التعبّد به مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء>( ).
وحاصله: أنّ الأماريّة هنا بمعنى الطريقيّة، وليس المجعول في موارد الأمارة حكماً شرعيّاً، فهي ـ لذلك ـ تكون كاشفةً عن الواقع، ولا تكون سبباً لحدوث مصالح ومفاسد في متعلّقاتها وراء المصالح والمفاسد الواقعيّة.
وإذا اتّضح أنّه ليس هناك أيّ حكم ظاهريّ مجعول في مورد الأمارات، وأنّها ليس لها إلّا أن تنجّز أو تعذّر، فلا يعود هناك حكمان مجتمعان، من وجوبين، أو من وجوب وحرمة، حتى يلزم من اجتماعهما محذور.
فإن قلت: هذا لا يدفع محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، كما إذا دلّت الأمارة على الإباحة وكان الحكم في الواقع هو الوجوب، أو دلّت على عدم حرمة صلاة الجمعة وكانت حراماً واقعاً.
قلت: هذان المحذوران يرتفعان بوجود المصلحة الموجودة في التعبّد بالظنّ، وهي غالبة على مفسدة التفويت أو الإلقاء.
هذا كلّه، فيما إذا كانت الأمارات بمعنى الطريقيّة، وأمّا لو كانت بمعنى السببيّة، فلا محيص عن ورود الإشكال وتأتّيه؛ بداهة أنّ معنى السببيّة ليس إلّا أنّ قيام الأمارة يكون سبباً لحدوث مصالح ومفاسد في متعلّقات الأحكام غير المصالح والمفاسد الواقعيّة.
ثمّ إنّ القائلين بالسببيّة فريقان:
فبين فريقٍ يذهب إلى أنّ المصالح والمفاسد تستتبعها أحكام شرعيّة من دون أن يكون للجاهل أحكام واقعيّة ما وراء المؤدّيات. وعلى هذا: تكون الأحكام الواقعيّة مختصة بالعالمين بها دون الجاهلين.
وبين فريق آخر يقول بأنّ قيام الأمارة يكون سبباً وموضوعاً لحدوث مفاسد أو مصالح في متعلّقات الأحكام، تكون هذه المصالح والمفاسد مستتبعة لجعل أحكام شرعيّة على طبقها، مع الاعتراف بأنّ هناك تكاليف وأحكاماً واقعيّةً يشترك فيها العالم والجاهل، إلّا أنّ هذه التكاليف الواقعيّة تكون فاقدةً لفعليّتها لدى قيام الأمارة على خلافها.
وقد يورد على الأوّل بجملة من الإشكالات:
الأوّل: شمول الأحكام الواقعيّة للعالم والجاهل، وهما فيها سواء.
الثاني: لزوم الدور؛ لأنّ الأحكام الواقعيّة لو كانت مختصّة بالعالمين، للزم أن يتوقّف وجودها على العلم بها، توقّف كلّ حكم على موضوعه، مع أنّ العلم بها متوقّف عليها.
الثالث: أنّه من التصويب الباطل عند الإماميّة.
الرابع: لو فرض أنّه لا حكم واقعيّ للجاهل، فعن ماذا يبحث المجتهد حال اجتهاده؟ وفي أيّ شيء يجتهد؟
ويورد على الثاني:
بأنّ حجّيّة الأمارات ـ كما ذكرنا ـ لا تكون إلّا بمعنى الطريقيّة، فلا يرد شيء من تلك الإشكالات، ولا يكون هناك حكم في مورد الأمارات أصلاً، بل هو منحصر بالواقع، فالحكم، سواء في صورة الإصابة أم في صورة عدمها، يكون واحداً، ولا موضوع للمثلين أو الضدّين، فلا يكون من التصويب في شيء.
فانقدح: أنّ الأحكام الواقعيّة الإنشائيّة البالغة مرتبة الإبلاغ والإعلام موجودة في الواقع ومشتركة بين الجاهل والعالم، وورود أمارات على خلافها غير مزاحمة لها بما هو أهمّ منها وأقوى كذلك غاية ما يوجبه هو سقوط تلك الأحكام عن التنجّز لا سقوطها من أوّل.
وكذا لو قلنا بوجود حكمٍ ظاهريّ تكليفيّ في مورد الأمارات، إمّا بادّعاء أنّ جعل الحجّيّة مستتبع لذلك، أو بمعنى أنّ جعل الحجّيّة ليس إلّا جعل الحكم التكليفيّ؛ فلا يرد شيء من المحذور المزبور، أعني: لزوم اجتماع الضدّين أو النقيضين من الإرادة والكراهة والوجوب والحرمة.
وقد حاول الشيخ الأعظم رفع هذا المحذور بما حاصله:
أنّ الموضوع في الحكم الظاهريّ مغاير لموضوع الحكم الواقعيّ؛ لأنّ موضوع الحكم الظاهريّ هو الشكّ في الحكم الواقعيّ، والحكم الواقعيّ لم يؤخذ في موضوعه الشكّ، واختلاف الموضوع يوجب رفع التضادّ والتناقض من البين.
قال في الفرائد في أوّل مباحث التعادل والتراجيح ـ على ما في بعض النسخ ـ:
<ومنه يعلم: أنّه لا تعارض بين الاُصول وما يحصّله المجتهد من الأدلّة الاجتهاديّة؛ لأنّ موضوع الحكم في الاُصول: الشيء بوصف أنّه مجهول الحكم، وفي الدليل: نفس ذلك الشيء من دون ملاحظة ثبوت حكمٍ له، فضلاً عن الجهل بحكمه، فلا منافاة بين كون العصير المتّصف بجهالةٍ حكمه حلالاً على ما هو مقتضى الأصل، وبين كون نفس العصير حراماً، كما هو مقتضى الدليل الدالّ على حرمته>( ).
وردّه المحقّق النائيني بما نصّه:
<وفيه: أنّ الحكم الواقعيّ وإن لم يؤخذ في موضوعه الشكّ، إلّا أنّه محفوظ في حالة الشكّ، ولو بنتيجة الإطلاق، كانحفاظه في حالة العلم، فإنّ الحكم الواقعيّ إذا كان مقيّداً بغير صورة الشكّ فيه ـ ولو بنتيجة التقييد ـ رجع ذلك إلى التصويب الباطل، ولم يكن وجه لتسمية مؤدّيات الأمارات والاُصول ﺑ (الأحكام الظاهريّة)، بل كانت من الأحكام الواقعيّة، إذ المفروض أنّه لا حكم في الواقع إلّا المؤدّيات.
والحاصل: أنّ الإشكال إنّما هو بعد فرض انحفاظ الحكم الواقعيّ في حالة الشكّ، فيلزم اجتماع الضدّين في تلك الحالة>( ).
ولكن يمكن أن يقال: بعدم وجود التضادّ في المقام؛ وذلك لاختلاف الموضوع؛ فإنّ الحكم إنّما هو الواقع بما هو واقع، والموضوع إنّما هو ملاحظة المصالح الظاهريّة، وإذا كان الموضوعان متغايرين، فلا تضادّ؛ لأنّه إنّما يكون في موضوع واحد، بل بناءً على قول بعض المصوّبة من سقوط الحكم الواقعيّ أو تبدّله، لا يكون هناك اثنينيّة في البين، فلا يلزم اجتماع المثلين أو الضدّين.
وبعبارة اُخرى: الحكم الظاهريّ حكم طريقيّ ناشئ عن مصلحة في نفسه، والحكم الواقعيّ حكم فعليّ ناشئ عن مصلحة في متعلّقه، والأوّل يكون منجّزاً، والثاني فعليّ غير منجّز، وحينئذٍ: ترتفع غائلة اجتماع الضدّين؛ لاختلاف مورد الإرادة والكراهة الناشئتين عن المصلحة والمفسدة؛ لأنّ ما فيه المصلحة في الحكم الظاهريّ هو نفس الحكم، وما فيه المفسدة في الحكم الواقعيّ هو متعلّق الحكم.
نعم، يرد عليه أنّه لو كانت المصلحة أو المفسدة في متعلّق الفعل، لا في نفسه، للزم تحقّقها بمجرّد إنشائها وجعلها من دون لزوم الإتيان بمتعلّقاتها، علماً بأنّ المقصود من جعلها في مورد الأمارات ليس إلّا الوصول بسببها إلى الواقعيّات، ولذا سمّيت بالطريقيّة.
فظهر: أنّ المصلحة في الأحكام الظاهريّة الطريقيّة لو كانت في متعلّق الفعل، كالمصلحة النفسيّة التي أوجبت إنشاء الأحكام الواقعيّة، فيلزم على فرض إصابتها للواقع اجتماع المثلين، وعلى فرض المخالفة اجتماع الضدّين، واللّازم باطل، فكذا الملزوم.
وأمّا ما قد يدّعى من حمل الأحكام الواقعيّة على الشأنيّة أو الإنشائيّة، وحمل الأحكام الظاهريّة على الفعليّة، فقد ردّه المحقّق النائيني بما لفظه:
<أمّا الشأنية: فإن كان المراد منها أنّه في مورد قيام الأمارة على الخلاف ليس في الواقع إلّا شأنيّة الحكم ومجرّد ثبوت المقتضي فتكون الأحكام الواقعيّة اقتضائيّة محضة، فهو بمكان من الضعف، فإنّه إن رجع إلى أنّ في مورد الأمارة ليس في الواقع أحكام حقيقيّة بل مجرّد الملاكات وقيام الأمارة على خلافها مانع عن تأثيرها وتشريع الأحكام على طبقها، فهذا يرجع إلى التصويب الباطل؛ لأنّه يلزم خلو الواقع عن الحكم.
وإن رجع إلى أن في مورد قيام الأمارة على الخلاف يكون في الواقع أحكام اقتضائيّة، فنحن لا نتعقل للأحكام الاقتضائية معنى؛ لأنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل في الأحكام بالنسبة إلى الانقسامات السابقة ولا بالنسبة إلى الانقسامات اللاحقة، بل الحكم بالنسبة إلى جميع الانقسامات إمّا مطلق، أو مقيّد بالإطلاق والتقييد اللّحاظيّ، أو بنتيجة الإطلاق والتقييد، ومن جملة الانقسامات اللّاحقة قيام الأمارة على الخلاف.
والحكم الواقعيّ المترتّب على موضوعه الواقعيّ، إمّا أن يكون مطلقاً بالنسبة إلى قيام الأمارة على الخلاف، وإمّا أن يكون مقيّداً بعدم قيام الأمارة على ذلك. فعلى الأوّل: يلزم التضادّ بين الحكم الواقعيّ والحكم الجائي من قبل الأمارة. وعلى الثاني: يلزم التصويب>( ).
فانقدح بذلك: أنّه ليس في الأمارات حكم حتى ينافي الحكم الواقعيّ، فلا يرد إشكال التضادّ أو التماثل أو التصويب، بل ليس حال الأمارة المخالفة للواقع إلّا كحال العلم المخالف كذلك، فلا وجود إلّا للحكم الواقعيّ فقط، بلا فرقٍ بين صورتي إصابة الطريق للواقع وخطئها، فإنّه عند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعيّ فقط، كالعلم المصيب للواقع، فيوجب تنجيز الواقع وصحّة المؤاخذة عليه. وعند الخطأ وعدم الإصابة يوجب المعذّرية، وعدم صحّة المؤاخذة عليه، كالعلم المخالف، من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول.
هذا كلّه في الأمارات.
وأمّا الاُصول:
فهي على قسمين: تنزيليّة وغير تنزيليّة.
أمّا الاُصول التنزيليّة: فهي ـ أيضاً ـ خالية عن حكمٍ آخر في قبال الحكم الواقعيّ، هذا إذا قلنا بأن المجعول فيها هو البناء العمليّ على أنّ المؤدّى هو الواقع، وإلّا، كان إشكال التضادّ وارداً.
أمّا في باب الاُصول المحرزة فإنّ الهوهويّة المجعولة فيه هي الهوهويّة العمليّة، أي: البناء العمليّ على كون المؤدّى هو الواقع، وهي لا تستلزم جعل حكم في المؤدّى، حتى يأتي إشكال التضادّ أو التماثل أو التصويب.
وبهذا يظهر الوجه في ارتفاع الإشكال عن الاُصول غير المحرزة، كأصالة الاحتياط والحلّ والبراءة؛ ضرورة أنّ المجعول فيها هو مجرّد البناء على أحد طرفي الشكّ من دون إلقاء الطرف الآخر والبناء على عدمه، حيث يحكم على أحد طرفي الشكّ بالرفع، كأصالة البراءة، أو الوضع، كأصالة الاحتياط.
فالحرمة المجعولة في أصالة الاحتياط، والحلّيّة المجعولة في أصالة الحلّ، تكون مناقضة مع الحلّيّة والحرمة الواقعيّة على تقدير مخالفة الأصل للواقع.
وأمّا دعوى: ارتفاع إشكال التضادّ بين الحكمين؛ بسبب اختلافهما في الرتبة، وأنّ رتبة الحكم الظاهريّ هي رتبة الشكّ في الحكم الواقعيّ، والشكّ في الحكم الواقعيّ متأخّر رتبةً عن نفس وجوده. فيكون الحكم الظاهريّ في طول الحكم الواقعيّ لا في عرضه.
ففي غير محلّها: لأنّ الحكم الظاهريّ وإن لم يكن في رتبة الحكم الواقعيّ، إلّا أنّ الحكم الواقعيّ يكون في رتبة الحكم الظاهريّ؛ لانحفاظ الحكم الواقعيّ في مرتبة الشكّ فيه، فإنّ تأخر رتبة الحكم الظاهريّ عن الحكم الواقعيّ لا يرفع غائلة التضادّ مع شمول الحكم الواقعيّ لجميع حالات العلم و الظنّ والشكّ.
ولكنّ الصحيح: هو أنّ البراءة ـ أيضاً ـ ليست بمعنى جعل الحكم في عرض الحكم الواقعيّ المجعول، حتى يلزم التضادّ، بل هي بمعنى سقوط العقاب على ترك الواجب المجهول، وهو مستلزمٌ للترخيص والإباحة الظاهريّة.
قال المحقّق النائيني: <هذا كلّه إذا كانت مصلحة الواقع تقتضي جعل المتمّم من إيجاب الاحتياط. وإن لم تكن المصلحة الواقعيّة تقتضي ذلك ولم تكن بتلك المثابة من الأهمّيّة بحيث يلزم للشارع رعايتها كيفما اتّفق، فللشارع جعل المؤمّن: كان بلسان الرفع كقوله: (رفع ما لا يعلمون)، أو بلسان الوضع كقوله: (كلّ شيء لك حلال).
فإنّ المراد من الرفع في قوله: (رفع ما لا يعلمون)، ليس رفع التكليف عن موطنه حتى يلزم التناقض، بل رفع التكليف عمّا يستتبعه من التبعات وإيجاب الاحتياط، فالرخصة المستفادة من قوله: (رفع ما لا يعلمون) نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فكما أنّ الرخصة التي تستفاد من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لا تنافي الحكم الواقعيّ ولا تضادّه، كذلك الرخصة التي تستفاد من قوله: (رفع ما لا يعلمون)؛ والسرّ في ذلك: هو أنّ هذه الرخصة تكون في طول الحكم الواقعيّ ومتأخّر رتبتها عنه>( ).
ولكنّ هذا الجواب منه غير تامّ؛ والسرّ في ذلك:
أنّ الحكم الظاهريّ وإن كان في رتبة الحكم الواقعيّ، إلّا أنّ هذه الرتبة لا تفيد في رفع غائلة التضادّ؛ لأنّ الحكم الواقعيّ يشمل بنتيجة الإطلاق مرتبة الحكم الظاهريّ، فلا تكون الطوليّة في طرفٍ واحد كافية لرفع التضادّ.
وقد أجاب عنه المحقّق العراقي بأنّ تصوّر الطوليّة في الحكمين على نحوين:
<أحدهما: طوليّة الحكمين في ذات واحدة محفوظة في مرتبة نفسه، كما هو الشأن في عنوان الخمر ومشكوك الخمريّة.
وثانيهما: طوليّة الحكمين الثابتين للذّاتين في رتبتين، كما هو الشأن في فرض الجهل بالحكم من الجهات التعليليّة؛ لطروّ الحكم الظاهريّ على الذات، فإنّه ـ حينئذٍ ـ تُرى الذات في رتبتين، بخلاف ما إذا كان الجهل من الجهات التقييدية؛ لأنّ الذات في هذه الصورة لا تُرى إلّا في رتبة واحدة موضوعاً لحكمين طوليّين، وحينئذٍ: فالذي يثمر لرفع التضادّ هو الطوليّة بالمعنى الثاني، دون الأوّل.
والسرّ فيه: أنّ الذات في هذه الصورة لمّا كان واحداً لا يتحمّل حكمين ولو طوليّين، متماثلين أو متضادّين.
وأمّا في فرض أخذ الذات في رتبتين، فلا يُرى ـ حينئذ ـ إلّا ذاتان، وحيث إنّ معروض الحكم في كلّيّة المقامات هو نفس العنوان لا المعنون، فوحدة المعنون لا يضرّ في تعدّد الحكم لكلٍّ منهما بعنوانٍ غير الآخر...>( )