تأسيس الأصل عند الشكّ في التعبّد بالأمارة

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

تأسيس الأصل
عند الشكّ في التعبّد بالأمارة


والكلام يقع في اُمور:

الأمر الأوّل:
أنّ المراد من الإمكان هو الإمكان الوقوعيّ كما مر، أي: الذي لا يلزم من إمكان تعبدّه محال، في مقابل الامتناع الوقوعي الذي يستلزمه، وليس المراد منه الإمكان الذاتي في مقابل الامتناع الذاتي.

الأمر الثاني:
أن المراد به هو انتسابه إلى الشارع، لا بالنسبة إلى مرحلة الاقتضاء، ضرورة أنّه لا معنى في هذه المرحلة للقول بجريان الأصل فيما فيه الاقتضاء.

الأمر الثالث:
قد استُدلّ لحرمة التعبد بالأمارة التي لم يعلم التعبّد بها بوجوه أربعة:
الأوّل: الكتاب، قال تعالى: ﴿قُلْ ءآللهُ أَذنَ لَـكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾( ).
وليس المراد من الافتراء: إسناد الشيء إلى الشارع مع العلم بعدم كونه منه كما ربّما ينسبق إلى بعض الأوهام، بل يعمّ صورة عدم العلم بكونه منه كما يظهر من الآية: ﴿ءآللهُ أَذنَ لَـكُمْ﴾، فتدل على أنّه ما لم يأذن اﷲ فهو افتراء، مضافاً إلى أنّ العرف يعتبر الكلام المنسوب إلى شخص لم يقله افتراءً وإن لم يكن الناسب عالماً بكذبه.
الثاني: السنّة: كقوله: «رجل قضى بالحق وهو لا يعلم»( ).
وفي هذه الرواية إشكالان:
الأوّل: قصور السند؛ لأنّها مرفوعة، والانجبار بالعمل غير مفيد.
والثاني: أنّ هذه الرواية إنّما تصلح للاستدلال إذا ثبت أنّ المراد من القضاء فيها: القضاء بما لا يعلم، ولكنّها ظاهرة بمعنى آخر، هو: التصدّي للقضاء مع عدم كونه أهلاً لذلك.
وما ذكر في مقام بيان التفصيل بين قضاة الجور والعدل من أنّ المراد من قوله: «رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم»: من لا يعتقد الحقّ، ومن قوله: «رجل قضى بالحقّ وهو يعلم»: من يعتقده؛ مخالف لظاهر الرواية، والمعنى حينئذٍ: إذا قضى الرجل بالحقّ وهو لا يعلم فهو في النار، سواء كان من قضاة الجور أو العدل؛ لأنّه افتراء على اﷲ.
الثالث: الإجماع، وقد نسب إلى المحقق البهبهاني أنّ حرمة العمل بما لا يعلم من البديهات عند العوام فضلاً عن العلماء.
وقد عرفت مراراً حال هذه الإجماعات من النقل واحتمال المدركيّة، فليس إجماعاً تعبدياً.
الرابع: العقل، وحاصله: أنّ الاستناد إلى شيء ونسبته إلى شخص أمر قبيح بين العقلاء ما دام لم يعلم أنّه منه، فيكون الشك في الحجيّة والاعتذار كافياً في عدمها، تماماً كما أنّ الشك في صحة الانتساب كافٍ في عدمها عند العقلاء.
ومذهب الآخوند أصالة عدم الحجيّة، ببيان: أنّ آثار الحجيّة إنّما تترتّب على الاعتبار بوجوده العلمي، فمع الشك في الاعتبار يقطع بعدم ترتب الآثار على المشكوك للقطع بعدم الموضوع.
أمّا انحصار ترتّب آثار الحجّة في نظره على الحجّة المعلومة: فلأنّه بدون العلم باعتبار الأمارة لا يتنجّز بها التكليف عقلاً، فلا يصح للمولى العقاب استناداً إليها، كما لا تكون معذّرة للعبد( ).
وقد استدلّ كلّ من الشيخ والمحقق النائيني على نفي حجّية المشكوك بما دلّ على عدم جواز الاستناد والإسناد مع عدم العلم( ).
قال المحقّق النائيني: <ومن العقل: إطباق العقلاء على تقبيح العبد وتوبيخه على تشريعه وإسناده إلى المولى ما لا يعلم أنّه منه، فإنّ ذلك تصرّف في سلطنة المولى، وخروجٌ عما يقتضيه وظائف العبوديّة.
وبالجملة: لا إشكال ولا كلام في قبح التشريع واستتباعه استحقاق العقوبة>( ).
ثمّ إنّ صاحب الكفاية ناقش الشيخ بأنّ جواز الاستناد والإسناد ليس من آثار الحجيّة، بل بينهما عموم من وجه، فقد تثبت الحجّيّة ولا يجوز الاستناد، كموارد الظنّ الانسداديّ، بناء على حجّيّته عقلاً على تقرير الحكومة، كما أنّه لو فرض صحة الاستناد مع الشكّ شرعاً لم يثبت به حجّيّة الظن، وإليك نصّ كلامه:
<وأمّا صحّة الالتزام بما أدّى إليه من الأحكام، وصحّة نسبته إليه تعالى، فليسا من آثارها، ضرورة أنّ حجّيّة الظنّ عقلاً ـ على تقرير الحكومة في حال الانسداد ـ لا توجب صحّتهما، فلو فرض صحّتهما شرعاً مع الشكّ في التعبّد به لما كان يجدي في الحجيّة شيئاً ما لم يترتّب عليه ما ذكر من آثارها، ومعه لما كان يضر عدم صحّتهما أصلاً>( ).
وبعبارة أُخرى: إنّ صحّة الالتزام بما أدّى إليه الظنّ من الأحكام، وصحّة نسبته إليه تعالى، ليسا من آثار الحجّيّة حتى إذا لم يصح الاستناد كشف بطريق الإنّ عن عدم الحجّيّة، كما هو كذلك بالنسبة إلى الظنّ الانسداديّ بناءً على الحكومة؛ فإنّه حجّة عقلاً لنفس العلم في حال الانفتاح مع عدم صحّة نسبته إليه جلّ وعلا؛ وذلك لأنّ المفروض عدم القول بالكشف، فإنّه ليس الظنّ طريقاً منسوباً إلى الشرع حتى يصح الالتزام بمؤدّاه، بل هو حجّة عقلاً.
ولو فرض صحّة الالتزام والنسبة فيما شكّ في اعتباره، لم يُفد ذلك في إثبات حجيّته، ما لم يترتّب عليه آثار الحجيّة من المنجّزيّة والمعذريّة، ومع الترتّب المزبور لم يضرّ عدم صحّتهما، كما في الانسداد على تقرير الحكومة؛ إذ المدار ـ فيما هو الحجيّة وعدمها ـ إنّما هو على ترتّب الآثار وعدم ترتّبها، لا على صحّة الاستناد وعدمها.
وعليه: فمناقشة صاحب الكفاية للشيخ تكمن في بيان أمرين:
أحدهما: كلّيّة أنّ عدم الاستناد لا يلازم عدم الحجّيّة.
والثاني: تطبيق هذه الكلّيّة على موارد الظنّ الانسداديّ، بناءً على الحكومة.
وناقشه المحقق النائيني في كلتا الجهتين:
أمّا في الأُولى: فبما محصّله( ): إنّ عدم الاستناد يلازم عدم الحجيّة، واستناده يلازم الحجيّة؛ لأنّ معنى الحجيّة في الأمارة هو كونها وسطاً في إثبات متعلّقها، فتكون كالعلم، فيترتّب عليها جواز الاستناد كما يترتّب على العلم. وإذا ثبت أنّ جواز الاستناد من لوازم الحجيّة فانتفاؤه يكون كاشفاً عن انتفاء الحجيّة.
وأمّا الثانية: فببيان أنّ مرجع حجّيّة الظن على الحكومة ليس جعل الظنّ حجّة من قبل العقل، بل حقيقته: هي حكمه بجواز الاكتفاء في امتثال التكاليف المعلومة بالظنّ، فيقع الظنّ بناءً على هذاالالتزام في طريق إسقاطه.
وتوضيحه كما عن المحقّق النائيني:
<ليس من وظيفة العقل جعل الظنّ حجّة مثبتاً لمتعلّقه، بل شأن العقل هو الإدراك وليس من وظيفته التشريع، وحكمه باعتبار الظنّ في حال الانسداد ليس معناه كون الظنّ حجّة مثبتاً لمتعلّقه، بل معناه الاكتفاء بالإطاعة الظنّيّة للأحكام المعلومة بالإجمال عند تعذّر الإطاعة العلميّة، وهذا المعنى أجنبيّ عن معنى الحجّيّة؛ فإنّ الحجّة تقع في طريق إثبات التكاليف، والظن بناءً على الحكومة يقع في طريق إسقاط التكاليف>( ).
وهل يمكن استصحاب عدم الحجّيّة فيما إذا شُكَّ في حجيّته؟ قد يقال بإمكانه؛ لأنّ حجيّة الأمارة من الحوادث، فهي مسبوقة بالعدم.
ومنعه الشيخ الأنصاري بما ملخّصه:
أنّه لا ثمرة لجريان هذا الاستصحاب؛ لأنّ عدم المنجّزية لما كان مترتباً على نفس الشكّ في الحجيّة، فيكون إجراء الاستصحاب فيه من باب تحصيل الحاصل، والاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر مترتّباً على الواقع المشكوك فيه، لا على نفس الشك( ).
واعتبره المحقق النائيني أسوأ حالاً من تحصيل الحاصل؛ <فإنّ تحصيل الحاصل إنّما هو فيما إذا كان المحصّل والحاصل من سنخ واحد: كلاهما وجدانيّان، أو كلاهما تعبّديّان، وفي المقام يلزم إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد>( )؛ فإن عدم المنجّزية أمر وجدانيّ، فلا حاجة ولا معنى لإحرازه بالتعبد.
والحقّ هو ما ذكره بعض المحقّقين المعاصرين بقوله:
<الحقّ: صحّة جريان استصحاب عدم الحجّيّة، وليس هو من تحصيل الحاصل.
وبيان ذلك: أنّ تحصيل الحاصل إنّما يلزم لو كان المترتّب على الاستصحاب نفس الأثر المترتّب على الشكّ، أمّا إذا كان غيره وإنْ كانا من سنخ واحد، فلا يلزم تحصيل الحاصل، وما نحن فيه كذلك؛ فإنّ عدم المنجّزيّة المترتّب على الشكّ في الحجّيّة غير عدم المنجّزيّة المترتّب على عدم الحجّة؛ فإنّ الأوّل بملاك الشكّ وعدم قابليّة الموجود للمنجّزيّة، والآخر بملاك عدم الموضوع وعدم المنجّز، ولذا يعبّر بأنّه من باب السالبة بانتفاء الموضوع>( )... إلى آخر كلامه.
وإذا كان الاستصحاب في أحدهما غير الاستصحاب في الآخر، فلا يكون مستلزماً لتحصيل الحاصل، كما في نظير المقام بين قبح العقاب المترتّب على الشكّ في التكليف في البراءة الشرعيّة دون قبح العقاب المترتّب على البراءة العقليّة؛ فإنّ الأوّل بملاك عدم المخالفة لعدم التكليف، والثاني بملاك قبح العقاب بلا بيان.

وهنا أمور لابدّ من التنبيه عليها:
الأوّل: أنّ المراد من التشريع ما مرّ من انتساب ما لم يصدر منه إليه، بلا فرق بين ما إذا كان قد صدر منه في الواقع أم لا، بين إذا كان المنسوب إليه قولاً أو عملاً، بعنوان أنّه من الدين بقصد جزميّ.
ولذا لم يكن ما يؤتى به برجاء المطلوبيّة لدى الشارع من التشريع، وكذا ما يترك رجاء المبغوضيّة لديه ليس منه.
وإنّما كان التشريع حراماً لأنّه ظلم وتقوّل على المولى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾( ).
الثاني: هل حكم العقل بقبح التشريع نظير حكمه بقبح المعصية مما لا تناله يد الجعل الشرعيّ، ولا يستتبع خطاباً مولوياً بحرمته؟ أو أنّ حكمه بقبح التشريع يستتبع بالحكم الشرعيّ بحرمته ولو بقاعدة الملازمة؟
اختار المحقق الخراساني الأوّل، وحمل ما ورد في الكتاب والسنّة في هذا البحث على الإرشاد، نظير قوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا الله َ وَرَسُولَهُ﴾( ).
وظاهر كلام الشيخ هو الثاني حيث استدلّ على حرمة التشريع بالأدلّة الأربعة( ).
وبعبارة أُخرى: إذا كان العقل حاكماً بقبح التشريع فهل يحكم بحرمته أيضاً أم لا؟
فالمحقّق النائيني على العدم تبعاً للشيخ حيث قال:
<وهو الأقوى ـ أي: ما ذهب إليه الشيخ ـ لأنّ الأحكام العقليّة التي لا تستتبع الخطابات الشرعيّة إنّما هي فيما إذا كانت واقعة في سلسلة معلولات الأحكام كقبح المعصية وحسن الطاعة، لا فيما إذا كانت واقعة في سلسلة علل الأحكام الراجعة إلى باب التحسين والتقبيح العقليّ الناشئ عن إدراك المصالح والمفاسد؛ فإنّ الأحكام العقليّة الراجعة إلى هذا الباب كلّها تكون مورداً لقاعدة الملازمة، ويستتبعها الخطابات الشرعيّة، ومسألة قبح التشريع من هذا الباب؛ لأنّ حكم العقل بقبحه ليس واقعاً في سلسلة معلولات الأحكام، بل هو حكم ابتدائيّ من العقل لما فيه من المفسدة من تصرف العبد فيما ليس له. وإن شئت قلت: إنّ التشريع من أفراد الكذب الذي يستقل العقل بقبحه والشرع بحرمته>( ).
وخالف في ذلك المحقق العراقي فاختار الأوّل، قال ما نصّه:
<لا غرو في دعوى أنّ التشريع المتجرّي نحوُ طغيان على المولى وجسارة موجبة بنفسه للعقوبة بلا احتياج إلى حكم مولوي، كيف، ولا أظن من ينكر الملازمة كلّيّة إنكار عدم استحقاق المشرّع للعقاب نظير الافتراء على المولى، فتأمّل>( ).
وقد عرفت: أنّه ليس في باب التجرّي إلّا القبح الفاعليّ دون الفعليّ، فلا يكون حراماً، وهنا أيضاً كذلك؛ فإنّ التشريع من أفراد الكذب الذي يستقلّ العقل بقبحه فقط، نعم يحكم الشرع بحرمته.
الثالث: أنّ التشريع هل يغيّر الفعل المتشرّع به ولو لم يكن الفعل بنفسه قبيحاً، لكن يسري إليه قبح التشريع فيجعله قبيحاً عقلاً حراماً شرعاً؟ أو أنّه لا يسري كذلك بل يكون من المقبحات العقلية والآثام القلبية مع بقاء الفعل المتشرّع به على حاله؟
مختار المحقّق الخراساني هو الثاني، وظاهر كلام الشيخ هو الأوّل، بتقريب: أنّه من الممكن أن يكون القصد والداعي من الجهات والعناوين المغيّرة لجهة حسن العمل وقبحه، فيكون الالتزام والتعبّد والتديّن بعمل لا يعلم التعبّد به من الشارع موجباً لانقلاب العمل عما هو عليه.
وهذا التقريب منه غير تامّ؛ لأنّه مجرّد إمكان.
نعم، يمكن استفادة حرمة القضاء واستحقاق العقوبة من ظاهر قوله: <رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم>.