في حجّيّة مطلق الظنّ

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

في حجّيّة مطلق الظنّ


­­­­­­­­­وأدلّته أربعة:

الدليل الأوّل:
وحاصله: أنّ الظنّ بالحكم يلازم الظنّ بالضرر على مخالفته، ودفع الضرر المظنون لازم عقلاً، يعني: أنّ العقل ممّا يستقلّ بلزوم دفع الضرر المظنون، بل الضرر المشكوك والموهوم كذلك إذا كان الضرر المحتمل من سنخ العقاب الأخرويّ.
فها هنا صغرى وكبرى:
أمّا الصغرى: فلأنّ مخالفة التكليف تستلزم العقوبة، كما تستلزم الوقوع في المفسدة بناءً على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، فالظنّ بالتكليف ملازم للظنّ بالعقوبة والمفسدة في مخالفته.
وأمّا الكبرى: فلحكم العقل بدفع الضرر المظنون، وحكمه بذلك لا يستند إلى حكمه بالحسن والقبح، بل مع إنكار التحسين والتقبيح العقليّين يلتزم بثبوت لزوم دفع الضرر المظنون؛ إذ لا ينكر الأشعريّ المنكر لهما عدم إقدام العاقل على مظنون الضرر، خلافاً للحاجبيّ ومن تبعه، على ما نسب إليه من منع الكبرى، وأنّ دفع الضرر المظنون بناءً على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين مستحسن وليس واجباً.
واعترض عليه صاحب الكفاية بما حاصله:
أنّ ملاك حكم العقل غير منحصر بالتحسين والتقبيح كي يبتني استقلاله بدفع الضرر المظنون على القول بهما، واستشهد لذلك بأنّ كافّة العقلاء مع اختلافهم في التحسين والتقبيح سواء في إيجابهم دفع الضرر المظنون( ).

الدليل الثاني:
وحاصله: أنّه لو لم يؤخذ بالظنّ للزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهو قبيح.
فإن قلت: العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان.
قلت: حكمه كذلك ليس على نحو الإطلاق، بل إنّما هو في خصوص ما إذا فحص المكلّف عن مراد المولى ولم يعثر عليه، فيقبح ـ حينئذٍ ـ عقابه، من غير فرق بين ما إذا كان للمولى مراد في الواقع أو لم يكن؛ ضرورة أنّ المراد من البيان في قاعدة قبح العقاب إنّما هو البيان الواصل إلى العبد، لا البيان الواقعيّ، فليس للبيان الواقعيّ أثر، ولا يكون سبباً لتحرّك العضلات ما لم يصل إلى العبد.
ثمّ إنّ كون المراد من البيان ما هو أعمّ من الحكم الواقعيّ والبيان الواصل إنّما يصحّ فيما لو كانت قاعدة قبح العقاب بلا بيان مستفادة من دليل لفظيّ؛ فإنّه ـ إذ ذاك ـ يمكن أن يحكم بإطلاقها؛ لإطلاق دليلها، ولكنّها ليست كذلك، بل هي حكم عقليّ.
نعم، إذا عمل العبد بوظيفته من الفحص والسؤال ولم يعثر على مراد المولى، يقبح عقابه، من غير فرق بين ما إذا كان القصور من جانب المولى لكونه قد أخلّ بوظيفته ولم يبيّن مراده بأيّ طريق يمكن أن يصل إلى العبد، أو كان المولى قد بيّن مراده ولكن لم يصل إلى العبد لأجل تقصير الوسائط في إيصال مراده إليه.
وحكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل إنّما يكون في موردين:
الأوّل: مورد العلم الإجماليّ.
والثاني: في الشبهات البدويّة قبل الفحص، أي: إذا لم يعمل العبد بوظيفته من الفحص والسؤال.
ومنع صاحب الكفاية من وقوع الصغرى ببيان أنّ الظنّ بالتكليف لا يستلزم الظنّ بالضرر( ).
وأجاب عنه الشيخ بما لفظه: <وربما يجاب عنه: بمنع قبح ترجيح المرجوح على الراجح، إذ المرجوح قد يوافق الاحتياط، فالأخذ به حسن عقلاً>( ).
ثمّ أورد على الجواب المذكور بما حاصله:
أنّ العمل بالمرجوح المطابق للاحتياط يكون جمعاً بين الراجح والمرجوح، لا ترجيحاً للمرجوح على الراجح، فإذا ظنّ بعدم وجوب شيء، فإنّ الإتيان به احتياطاً لا يكون أخذاً بالوهم وطرحاً للظنّ حتى يكون من باب ترجيح المرجوح على الراجح، بل هو جمع بينهما.

الدليل الثالث:
ما عن الطباطبائي، من أنّه لا ريب في وجود واجبات ومحرّمات كثيرة بين المشتبهات، ومقتضى ذلك هو وجوب الاحتياط التامّ بالإتيان بكلّ ما يحتمل الوجوب، ولو موهوماً، وترك ما يحتمل الحرمة كذلك، ولكنّ مقتضى قاعدة نفي العسر والحرج عدم وجوب الاحتياط، فيقتصر على الاحتياط في المظنونات فقط دون المشكوكات والموهومات؛ لئلّا يلزم الإتيان بالعسر الأكيد والحرج الشديد، على أنّ الجمع بين القاعدتين على غير هذا الوجه يكون باطلاً بالإجماع( ).
ولكن فيه: أنّه انسداد ناقص، فلابدّ من ضم مقدّمات اُخرى إليه، كانسداد باب العلم والعلميّ، وعدم جواز الرجوع إلى الاُصول العمليّة والتقليد؛ وإلّا لم يكن منتجاً.
ولكن مع ضمّها لا يكون دليلاً برأسه، بل يرجع إلى دليل الانسداد التالي، كما قال صاحب الكفاية:
<ولا يخفى ما فيه من القدح والفساد، فإنّه بعض مقدّمات دليل الانسداد، ولا يكاد ينتج بدون سائر مقدّماته، ومعه لا يكون دليل آخر، بل ذاك الدليل>( ).

الدليل الرابع: دليل الانسداد.
وهنا اُمور لابدّ من بيانها:
الأوّل: أنّ الإطاعة العمليّة هي التمكّن من الإتيان بكلّ واجب واقعيّ وترك كلّ حرام واقعيّ.
الثاني: أنّ الإطاعة العلميّة الإجماليّة هي الاحتياط التامّ في المشتبهات بإتيان كلّ ما ظنّ أو شك أو وهم وجوبه، وترك كلّ ما ظنّ أو شكّ أو وهم حرمته.
الثالث: أنّ الإطاعة الظنّيّة هي الإتيان بكل ما ظنّ وجوبه وترك كلّ ما ظنّ حرمته من بين المشتبهات، في قبال الإطاعة الشكّيّة والوهميّة.
هذا. ولا يخفى: أنّه مع العلم بوجوب الواجبات أو ترك المحرّمات أو العلميّ كذلك، لا تصل النوبة إلى العمل بالظنّ، كما لا يخفى: أنّ الاحتياط التامّ ـ وهو العمل بكلٍّ من المظنونات والمشكوكات ـ يوجب الإخلال بالنظام أو العسر والحرج.
وكذا العمل بالمشكوكات والموهومات وترك المظنونات، فإنّه من باب ترجيح المرجوح على الراجح، وهو كما ترى.
الرابع: أنّ الانسداد تارةً يكون بمعنى الكشف، وأُخرى بمعنى الحكومة.
فعلى الأوّل: مقتضى مقدّمات الانسداد هو استكشاف كون الظنّ طريقاً منصوباً من قبل الشارع، فحاله حال الظنون الخاصّة الوافية بمعظم الأحكام عند الانفتاحيّ.
وعلى الثاني: يحكم العقل بعد تماميّة مقدّماته بحجّيّة الظنّ في حال الانسداد كاستقلاله بحجّيّة العقل في حال الانفتاح.
وقد ذهب في الكفاية إلى أنّ دليل الانسداد مؤلّف من مقدّمات خمس، إذا تمّت يستقلّ العقل بكفاية الإطاعة الظنّيّة حكومة أو كشفاً، وإلّا، فلا. وهذه المقدّمات هي:
الاُولى: أنّا نعلم بوجود واجبات ومحرّمات كثيرة في مجموع المشتبهات، وهذه التكاليف فعليّة في الشريعة.
الثانية: أنّه قد انسدّ باب العلم والعلمي، أي: الظنّ الذي قام الدليل القطعيّ على اعتباره وثبتت حجيّته بالعلم واليقين، ويعبّر عنه بالظنّ الخاص.
الثالثة: أنّه لا يجوز إهمال تلك الأحكام وعدم التعرّض لامتثالها أصلاً، والاكتفاء في الإطاعة بالتكاليف المعلومة بالتفصيل، و بالظنّ الخاصّ القائم مقام العلم.
الرابعة: أنّه لا يجب الاحتياط في أطراف هذا العلم، بل لا يجوز في الجملة؛ ضرورة أنّه موجب للعسر أو الإخلال بالنظام، كما لا يجوز الرجوع إلى الأصل في المسألة، ولا إلى مجتهد آخر انفتاحيّ.
الخامسة: أنّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، فإذا دار الأمر في مقام امتثال التكاليف المعلومة بالإجمال بين الأنحاء الثلاثة من الظنّ والشكّ والوهم، تعيّن الامتثال الظنّيّ؛ لرجحانه على الشكّيّ والوهمي. هذا هو مختار صاحب الكفاية( ).
وأمّا المحقّق النائيني فهو قد أسقط مقدّميّة وجود العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف الفعلية في الشريعة، فجعل المقدّمات أربعاً تبعاً للشيخ الأعظم، فقال:
<وعلى كلّ حال: دليل الانسداد يتألّف من مقدّمات أربع. وقيل: إنّها خمس، بجعل العلم بالتكاليف من جملة المقدّمات، والشيخ أسقط هذه المقدّمة نظراً إلى أنّ المراد من العلم بثبوت التكاليف، إن كان هو العلم بثبوت الشريعة وعدم نسخ أحكامها فهذا من البديهيات التي لا ينبغي عدّها من المقدّمات، فإنّ العلم بذلك كالعلم بأصل وجود الشارع.
وإن كان المراد من العلم بثبوت التكاليف العلم الإجماليّ بثبوتها في الوقايع المشتبهة التي لا يجوز إهمالها، فهو أيضاً ليس من مقدّمات دليل الانسداد، بل هو من أحد الوجوه الثلاثة التي تبتني عليها المقدّمة الثانية، فالاُولى الاقتصار على ما ذكره الشيخ من المقدّمات الأربع>( ).
واستشكل المحقّق الأصفهاني في حذف هذه المقدّمة من قبل الشيخ بأنّ إسقاط هذه المقدّمة <إن كان لأجل عدم المقدّميّة، فمن الواضح أنّه لولاها لم يكن مجال للمقدّمات الأخر إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.
وإن كان لوضوح هذه المقدّمة لدلالة سائر المقدّمات عليها، فمن الواضح أنّ وضوحها لا يوجب عدم مقدّميتها ولا الاستغناء بذكر الباقي عن ذكرها، وإلّا كان بعضها الآخر كذلك، بل بعضها أوضح>( ).
ولا يخفى: أنّ هذا النزاع بينهم لفظيّ؛ فإنّ دخالة العلم الإجماليّ بوجود الأحكام وتأثيره في تماميّة الدليل ممّا لا ينكره أحد، وإنما وقع الخلاف في أنّه هل هو مقدّمة برأسه، أم هو يستفاد من طيّ الكلام؟
وذهب المحقّق العراقي إلى أنّ أخذ العلم الإجماليّ في جملة المقدّمات ينتج ما لا ينتجه الغضّ عنه وإهماله من المقدّمات، حيث ذهب إلى أنّه إذا فرض أخذ العلم الإجماليّ كانت النتيجة هي التبعيض في الاحتياط، لا حجّيّة الظنّ ـ حكومةً أو كشفاً ـ، وهذا بخلاف ما إذا لم يؤخذ العلم الإجماليّ في المقدّمات، فإنّ النتيجة ـ حينئذٍ ـ هي حجّيّة الظنّ، لا التبعيض في الاحتياط.
وملخّص ما ذكره في بيان عدم إمكان الانتهاء إلى حجّيّة الظنّ لو أخذ العلم الإجماليّ بالتكليف في جملة المقدّمات، هو أنّه لو كانت النتيجة هي حجّيّة الظنّ لزم الوقوع في محذورين:
الأوّل: أنّ العلم الإجماليّ منجّز لأطرافه، فقيام الحجّة على بعض أطرافه محال؛ وذلك لاستلزامه تنجّز المنجّز، مع أنّ المتنجّز لا يتنجّز ثانياً، فلا يمكن أن يكون الظنّ حجّة في أطراف العلم الإجماليّ.
الثاني: أنّ الظنّ إذا كان حجّةً كان مستلزماً لانحلال العلم الإجماليّ وارتفاعه، وهو منافٍ لفرض كونه مقدّمة لحجّيّة الظنّ، كما لا يخفى( ).
وأمّا الاستدلال على تلك المقدّمات:
فأمّا المقدّمة الاُولى: فهي بالنسبة إلى باب العلم الوجدانيّ مسلّمة لا كلام فيها؛ وذلك لأنّ ما يوجب العلم الوجدانيّ التفصيليّ بالحكم من الخبر النصّ المتواتر أو المحفوف بالقرائن القطعيّة من جهة الظهور والصدور مع سائر ما يتوقّف عليه الاستنباط، لا يفي إلّا بقليل قليلٍ من الأحكام.
وأمّا بالنسبة إلى باب العلميّ فالمحقّق النائيني على أنّه:
<للمنع عنه مجال واسع، فإنّ ما تقدّم من الأدلّة الدالة على حجّيّة الخبر الموثوق به ظهوراً وصدوراً ـ سواء حصل الوثوق به من وثاقة الراوي أو من سائر الأمارات الأخر ـ ممّا لا سبيل إلى الخدشة فيه، بل ينبغي عدّها من الأدلّة القطعيّة؛ ومعها لا يبقى مجال لدعوى انسداد باب العلميّ في معظم الفقه؛ لأنّ الخبر الموثوق به (بحمد اﷲ) وافٍ بمعظم الأحكام، بحيث لم يلزم من الرجوع إلى الاُصول العمليّة في الشبهات التي لم يكن على طبقها خبر موثوق به محذورُ الخروج من الدين أو مخالفة العلم الإجماليّ وغير ذلك>( ).
وقال صاحب الكفاية ما هذا لفظه:
<أمّا المقدّمة الاُولى: فهي وإن كانت بديهيّة إلّا أنّه قد عرفت انحلال العلم الإجماليّ بما في الأخبار الصادرة عن الأئمة الطاهرين التي تكون فيما بأيدينا، من الروايات في الكتب المعتبرة، ومعه لا موجب للاحتياط إلّا في خصوص ما في الروايات>( ).
ومن الواضح: أنّ الاحتياط في موردها بمعنى الأخذ بكلّ خبر منها دلّ على التكليف من الوجوب أو الحرمة ممّا لا يستلزم العسر والحرج، فضلاً عن الاختلال.
وأمّا المقدّمة الثانية: فهي من أهمّ مقدّمات الانسداد، حتى ادّعى البعض أنّها كافية لوحدها لإثبات حجّيّة الظنّ المطلق بلا حاجة إلى سائر المقدّمات، كما ادّعى أيضاً أنّها ضروريّة.
واستدلّوا عليها بوجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: دعوى الإجماع القطعيّ على عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة، وكذا عدم جواز الرجوع إلى البراءة وأصالة العدم في جميع الموارد المشتبهة، وهذا الإجماع يصلح لأن يكون مدركاً مستقلّاً في مقام الدليل على الخروج من الدين.
ودعوى: أنّ هذا الإجماع ليس محصلاً؛ لأنّ المسألة لم تكن تكون مدوّنة عند العلماء أجمع.
مدفوعة بما أفاده المحقّق النائيني من <أنّه يكفي الإجماع التقديري، فإنّه ربّ مسألة لم يقع البحث عنها فى كلمات الأصحاب، إلّا أنّه ممّا يعلم إجماعهم واتفاقهم عليها، فإنّه لا يكاد يمكن إسناد جواز الاعتماد على أصالة العدم وطرح جميع الأحكام في الوقائع المشتبهة إلى أحد من أصاغر الطلبة فضلاً عن أرباب الفتوى>( ).
الوجه الثاني: أنّه يلزم من الرجوع إلى البراءة وأصالة العدم في الوقائع المشتبهة الخروج عن الدين؛ لقلّة الأحكام المعلومة بالتفصيل، فالاقتصار عليها وترك التعرض للوقائع المشتبهة غير تامّ؛ لاستلزامها المخالفة الكثيرة القطعيّة.
الوجه الثالث: العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف الوجوبيّة والتحريميّة في الوقائع المشتبهة، والعلم الإجماليّ ـ كالعلم التفصيليّ ـ يقتضي وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة، فهذه الصورة غير مشمولة لأدلّة البراءة.
والفرق بين هذا الوجه وسابقه هو: أنّ الثاني مبنيّ على لزوم المخالفة القطعيّة الكثيرة، وهو المعبّر عنه ﺑ (الخروج من الدين)، وأمّا هذا الوجه، فهو يستند إلى منجّزيّة العلم الإجماليّ وعدم جواز جريان الاُصول النافية في أطرافه.
وهل تختلف النتيجة من حيث الكشف والحكومة بالنسبة إلى الوجوه الثلاثة أم لا؟ الظاهر ذلك.
فإن كان المدرك والمستند بالنسبة إلى عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة وعدم جواز الرجوع إلى الاُصول العمليّة هو الوجه الأوّل والثاني، فالنتيجة هي الكشف؛ وذلك لأنّه لمّا كان مآل الإجماع إلى لزوم الخروج من الدين، وأراد الشارع المقدّس من العباد التعرّض للوقائع المشتبهة ولم يرخّصهم بإهمالها: يحكم العقل حينئذٍ ـ بالضرورة ـ بأنّ للشارع أن ينصب طريقاً للمكلّفين يمكّنهم من امتثال تلك التكاليف في دائرة الوقائع المشتبهة، ولابدّ أن يكون ذلك الطريق واصلاً إليه: إمّا بنفسه، أو بطريقه، والطريق الذي يصحّ جعله في حال انسداد باب العلم والعلميّ إنّما هو الاحتياط ليس غير.
وحال هذا المورد ـ هو بعينه ـ حال الدماء والفروج، فكما أنّ الاحتياط يكون مجعولاً فيها من قبل الشارع فهنا كذلك.
فظهر: أنّ هذا الاحتياط شرعيّ لا عقليّ؛ ضرورة أنّ الاحتياط العقليّ هو ما يحكم به العقل، فيكون في أطراف العلم الإجماليّ.
وعُلم ممّا ذكرناه: أنّه إذا كان المدرك هو الإجماع أو الخروج من الدين، كان الاحتياط طريقاً مجعولاً من قبل الشارع؛ لأنّه لا طريق واصل إلى العباد غيره.
نعم، إذا فرض استلزام الاحتياط للعسر والحرج، وأنّ الشارع لم ينصب الاحتياط طريقاً، تكون النتيجة هي حجّيّة الظنّ طريقاً شرعيّاً.
وأمّا إذا كان المدرك هوالعلم الإجماليّ فالنتيجة هي العقل.
وأمّا المقدّمة الثالثة: فقد عرفت فيها أنّ الرجوع إلى الطرق المقرّرة للجاهل من التقليد ـ أي: الرجوع إلى فتوى غير العالم بالحكم ـ غير جائز.
وكذا لا يجوز الرجوع في كلّ شبهة إلى الأصل الجاري فيها، من البراءة والاشتغال والاستصحاب والتخيير.
كما لا يمكن ـ أيضاً ـ الاحتياط في الوقائع كلّها بالجمع بين المحتملات، فإنّهما من الطرق المقرّرة للجاهل كالتقليد.
وها هنا لابدّ من بيان بطلان هذه الطرق الثلاثة، فنقول:
أمّا بطلان التقليد: فلا يخفى: أنّ التقليد إنّما يكون جائزاً فيما لو لم يكن الشخص معتقداً ببطلان المدرك الذي استند إليه العالم، ومن هنا لم يجز للمجتهد أن يقلّد مجتهداً آخر، وإلّا، كان من باب رجوع العالم إلى الجاهل. وفي محلّ بحثنا، فمن يرى انسداد باب العلم والعلميّ فلا يجوز له الرجوع إلى من يرى انفتاح بابيهما؛ فإنّ القول بحجّيّة ظواهر الكتاب من جهة الصدور والظهور عند من يرى ذلك لا يفيد من يرى انسداد البابين المذكورين شيئاً، ومعه: فكيف يجوز له الرجوع إلى غير القائل بالانفتاح؟
وأمّا بطلان الرجوع إلى الاُصول: فله صورتان؛ لأنّ هذه الاُصول تارة تكون من قبيل الاُصول العدميّة النافية، واُخرى من قبيل الاُصول المثبتة.
أمّا الصورة الاُولى: فيلزم من إعمالها المخالفة القطعيّة للعلم الإجماليّ بثبوت التكليف في موردها، وقد قلنا: إنّ العلم الإجماليّ هو كالعلم التفصيليّ بلحاظ تنجّز التكليف.
وأمّا بالنسبة إلى الاُصول الوجوديّة المثبتة للتكليف، كما في الاحتياط والاستصحاب ـ إذا كانت المسألة من أطراف العلم الإجماليّ في الأوّل، ولم تكن كذلك في الثاني ـ: فالرجوع إليها إنّما كان باطلاً لما يلزم من إعمالها من العسر والحرج المنفيّين لكثرة المشتبهات.
وقد منعه صاحب الكفاية بما حاصله:
أنّ الاحتياط التامّ في أطراف العلم الإجماليّ إذا كان عسره بمقدار يصل إلى الإخلال بالنظام، فهذا غير واجب بلا كلام، بل هو ممنوع. وأمّا إذا كان دون ذلك، بأن كان الاحتياط ممّا يوجب العسر فقط بلا إخلال بالنظام، فعدم وجوبه محلّ نظر، بل منع؛ نظراً إلى أنّ أدلّة الحرج، وهكذا أدلّة الضرر، وإن كانت حاكمةً على أدلّة التكليف والوضع، ورافعةً لهما إذا كانا حرجيّين أو ضرريّين، وموجبة لحصرهما بما إذا لم يلزم منهما حرج أو ضرر، ولكنّ ذلك إنّما هو فيما إذا كان نفس متعلّق التكليف حرجيّاً أوضرريّاً، كالوضوء والغسل بالماء في البرد الشديد.
وأمّا إذا لم يكن متعلّق التكليف بنفسه حرجيّاً، بل كان في كمال السهولة، وإنّما الحرج والعسر يأتيان من جهة الجمع بين محتملات التكليف والاحتياط، كما إذا تردّد الماء المطلق للوضوء بين ألف إناء.
فمذهب الآخوند أنّ أدلّة الحرج ليست حاكمةً على أدلّة الاحتياط؛ ضرورة أنّ العسر هنا مسبّب عن حكم العقل، من جهة الجمع بين المحتملات بعد العلم الإجماليّ بالتكليف، وليس لازماً من جهة التكليف الشرعيّ لكي يُصار إلى رفعه بالحرج والضرر.
نعم، لو كان الاحتياط من جهة الحكم الشرعيّ ولكثرة الأطراف، أمكن ـ حينئذٍ ـ أن يقال بسقوطه؛ لأدلّة العسر؛ لأنّ العسر ينشأ حينئذٍ من التكاليف المجهولة، فيرفعها دليل نفي الحرج، ومعه: فلا يبقى مجال أصلاً لقاعدة الاحتياط( ).
وأمّا ما ذكره من دعوى انحلال العلم الإجماليّ بالأحكام الثابتة في الشريعة ببركة جريان الاُصول المثبتة، ثمّ أورد عليه بأنّ العلم الإجماليّ إذا انحلّ ولم يكن منجّزاً، لم تصحّ المؤاخذة على مخالفته؛ لأنّ العقاب حينئذ يكون عقاباً بلا بيان، والمؤاخذة عليه بلا برهان( ).
فقد ردّه المحقّق النائيني بما لفظه:
<والإنصاف: أنّ دعوى انحلال العلم الإجماليّ المتعلّق بأحكام الشريعة بهذا المقدار من الاُصول المثبتة والمعلومات التفصيليّة بمكانٍ من الغرابة، عهدتها على مدّعيها>( ).
والتحقيق: أنّ الحرج والضرر مرفوعان مطلقاً، من غير فرق بين كونهما ناشئين من نفس متعلّق التكليف، أو من الجمع بين محتملاته بحكم العقل؛ لأنّهما على كلّ حال متوجّهان من ناحية التكليف الشرعيّ، وإلّا لم يحكم العقل بوجوب الجمع بين محتملاته كي يلزم منه الحرج والضرر.
ثمّ إنّه بعد صحة جميع مقدّمات الانسداد، واقتضائها لحجّيّة الظنّ، فهل نتيجتها هي حجّيّة الظنّ بالواقع أو الطريق أو كلاهما؟
والمراد من حجّيّة الظنّ بالواقع هو حجّيّة الظنّ بالحكم الشرعيّ الفرعيّ، مثل أن يحصل الظنّ بوجوب غسل الجمعة أو وجوب الاستعاذة في الصلاة. كما أنّ المراد من حجّيّة الظنّ بالطريق الظنّ بالمسألة الاُصوليّة، كأن يحصل الظنّ بحجّيّة خبر الثقة أو حجّيّة الظواهر.
قال المحقّق النائيني:
<إنّ نتيجة مقدّمات الانسداد وإن كانت أعم من الظنّ بالواقع والظنّ بالطريق، إلّا أنّ ذلك فرع سلامة المقدّمات ووصول النوبة إلى أخذ النتيجة، والكلام بعد في سلامة المقدّمة الثالثة، فإنّه لم يثبت بطلان الاحتياط رأساً في جميع الوقائع لينتقل إلى المقدّمة الرابعة، لتكون النتيجة اعتبار الظنّ مطلقاً سواءً تعلّق بالواقع أو بالطريق>( ).
وهذا هو مختار صاحب الكفاية والشيخ؛
أمّا صاحب الكفاية فخلاصة ما أفاده:
هو أنّه لا فرق بين القطع والظنّ في نظر العقل، فكلّما كان القطع به مؤمّناً في حال الانفتاح، كان الظنّ به مؤمّناً في حال الانسداد، وأنّ المؤمّن في حال الانفتاح كان كلاً من القطع بإتيان المكلّف به الواقعيّ والقطع بإتيان بالمكلّف به الظاهريّ الجعليّ ـ بمعنى: مؤدّى الطريق المجعول من قبل الشارع ـ، وكذلك يحكم العقل بأنّ المؤمن في حال الانسداد هو كلّ من الظنّ بإتيان المكلّف به الواقعيّ والظنّ بإتيان المكلّف به الظاهريّ الجعليّ، ومقتضى ذلك هو حجّيّة الظنّ في كلّ من الواقع والطريق معاً( ).
وأمّا الشيخ فملخّص كلامه:
أنّه لا فرق في الامتثال الظنّيّ بين تحصيل الظنّ بالحكم الفرعي الواقعيّ، كأن يحصل من شهرة القدماء الظنّ بنجاسة العصير العنبيّ، وبين تحصيل الظنّ بالحكم الفرعيّ الظاهريّ، كأن يحصل من الأمارة الظنّ بحجّيّة أمر يكون سبباً لحصول الظنّ كالقرعة، فإذا ظنّ بحجّيّة القرعة حصل الامتثال الظنّيّ في مورد القرعة وإن لم يحصل ظنّ بالحكم الواقعيّ( ).
واختار صاحب الفصول القول الأوّل ـ أعني: حجّيّة الظنّ في المسائل الاُصوليّة ـ تبعاً لأخيه المحقّق فقال: <إنّا كما نقطع بأنّا مكلّفون في زماننا هذا تكليفاً فعليّاً بأحكام فرعيّة كثيرة لا سبيل لنا بحكم العيان وشهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع أو بطريق معيّن يقطع من السمع بحكم الشارع على قيامه أو قيام طريقه مقام القطع ولو عند تعذّره، كذلك نقطع بأنّ الشارع قد جعل لنا إلى تلك الأحكام طرقاً مخصوصة وكلّفنا تكليفاً فعليّاً بالرجوع إليها في معرفتها.
ومرجع هذين القطعين ـ عند التحقيق ـ إلى أمر واحد، وهو القطع بأنّا مكلّفون تكليفاً فعليّاً بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة، وحيث إنّه لا سبيل لنا غالباً إلى تحصيلها بالقطع، ولا بطريق يقطع من السمع بقيامه بالخصوص، أو قيام طرقه كذلك مقام القطع، ولو بعد تعذّره، فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنّما هو الرجوع في تعيين الطرق إلى الظنّ الفعلي الذي لا دليل على عدم حجيّته؛ لأنّه أقرب إلى العلم وإلى إصابة الواقع ممّا عداه>( ).
ثمّ قال المحقّق النائيني ـ تعليقاً على كلام صاحب الفصول ـ:
<ولعلّ الذي دعاه إلى اختيار اعتبار خصوص الظنّ بالطريق، هو ما زعمه: من أنّ الوجوه التي استدل بها على حجّيّة الخبر الواحد لو لم تفد القطع بحجيّته بالخصوص فلا أقل من كونها تفيد الظنّ بها، فيكون الخبر الواحد ممّا ظنّ اعتباره طريقاً، ومع تعذّر العلم بكون الشيء طريقاً يتنزّل إلى الظنّ بكونه طريقاً؛ لانّه أقرب إلى العلم>( ).
هذا. ويمكن أن يقال: إنّ الذي دعا صاحب الفصول إلى القول باعتبار خصوص الظنّ بالطريق هو أنّه قد جعل دليل الانسداد من جملة الأدلّة الدالة على حجّيّة الخبر الواحد.
كما ورد في ذيل كلامه: <ولا ريب أنّ الخبر الواحد إن لم يكن من الطرق القطعيّة فهو من الطرق الظنّيّة؛ للوجوه التي ذكرناها، فيجب العمل به، وهو المطلوب>( ).
واعترض عليه الشيخ بجملة إشكالات:
منها: أنّه لو سلّمنا نصب الطريق ووجوده في جملة ما بأيدينا من الطرق الظنّيّة من أقسام الخبر والإجماع المنقول والشهرة وظهور الإجماع والاستقراء والأولويّة الظنّيّة، إلّا أنّ لزوم الرجوع إليها لا يختصّ بما إذا ثبت بالخبر، بل إمّا بكلّ طريق من الطرق، أو بالأخذ بالقدر المتيقّن، فإن وفى معظم الأحكام اقتصر عليه، وإلّا، فالمتيقّن من الباقي مثلاً: الخبر الصحيح والإجماع المنقول متيقّن بالنسبة إلى الشهرة وما بعدها من الأمارات؛ إذ لم يقل أحد بحجّيّة الشهرة وما بعدها دون الخبر الصحيح والإجماع المنقول، فلا معنى لتعيين الطريق بالظنّ بعد وجود القدر المتيقّن( ).
ثمّ قال في تقريب الإشكال الخامس ما هذا لفظه:
<سلّمنا العلم الإجماليّ بوجود الطريق المجعول وعدم المتيقّن وعدم وجوب الاحتياط، لكن نقول: إنّ ذلك لا يوجب تعيين العمل بالظنّ في مسألة تعيين الطريق فقط بل هو مجوّز له، كما يجوز العمل بالظنّ في المسألة الفرعيّة>( ).
ويقرب منه ما ذكره صاحب الكفاية من أنّه لو سلّمنا أنّ مقتضى الدليل المذكور هو لزوم التنزّل إلى الظنّ في تعيين الطرق المعلومة بالإجمال، إلّا أنّه لا وجه لحصر الحجّيّة بالظنّ بالطريق فقط، فإنّه ليس أقرب من الظنّ بكونه مؤدى طريق معتبر إجمالاً من دون ظنّ في الخارج بحجّيّة طريق على التفصيل أصلاً، ولا هو أقرب من الظنّ بالواقع( ).
ثمّ إنّ مقدّمات الانسداد بعد سلامة الجميع وصحة الكل هل اقتضاؤها لحجّيّة الظنّ على نحو القضيّة المهملة أو على نحو القضيّة الكلّيّة؟
والمراد من إهمال النتيجة: أن تكون القضيّة مهملة من حيث السبب والمورد والمرتبة على نحو تحتاج النتيجة إلى معمّم يعمّمها إلى جميع الأسباب والأمارات وإلى جميع مراتب الظنّ: الضعيف والقوي والأقوى، أو إلى مخصّص يخصّصها ببعض الأسباب والموارد والمراتب.
كما أنّ المراد من كلّيّة النتيجة أن تكون القضيّة بحيث لا تحتاج في التعميم إلى شيء أصلاً.
فها هنا وجوه ثلاثة:
الأوّل: أن تكون النتيجة كلّيّة مطلقاً.
الثاني: أن تكون مهملة مطلقاً.
الثالث: التفصيل، بأن تكون النتيجة مهملة بالنسبة إلى المرتبة، وكلّيّة بالنسبة إلى السبب والمورد. أو تكون كلّيّة بالنسبة إلى السبب، ومهملة بالنسبة إلى المورد.
ولا يخفى: أنّ معنى إهمال النتيجة هو أنّ القدر المتيقّن الذي تقتضيه المقدّمات هو الجزئيّة، فلا ينافيه كونها قابلة للكلّيّة.
وبعبارة ثانية: إنّ احتمال كون القضيّة مهملة إلى الآخر بلا معمّم يعمّمها أو مخصّص يخصّصها، أو فقل: من دون أن يكون هناك قدر متيقّن على الإطلاق: ممّا لم يقل به أحد؛ لأنّه يستلزم لغوية دليل الانسداد من أوّل.
وقد ذهب المحقّق القمّي إلى كلّيّة النتيجة من الجهات الثلاث؛ لأنّ بناءه على بطلان الاحتياط في كلّ مسألة مسألة، وعدم جواز الرجوع إلى البراءة كذلك.

ومذهب صاحب الكفاية:
أنّه إذا كانت نتيجة المقدّمات هي الحكومة، فلا إهمال في النتيجة أصلاً، لا من حيث السبب ولا المورد ولا المرتبة؛ لأنّه لا إهمال في حكم العقل لكي يشتبه في سعة الحكم و ضيقه:
أمّا بالنسبة للأسباب: فالنتيجة كلّيّة في جميعها؛ لعدم تفاوتها في نظر العقل.
وأمّا بحسب الموارد: فالنتيجة جزئيّة فيها؛ لأنّ العقل يحكم بحجّيّته في خصوص الموارد التي لا يهتمّ به، بخلاف الموارد التي له فيها مزيد الاهتمام، كما يقال بالنسبة إلى الدماء والفروج، فيستقلّ العقل بوجوب الاحتياط فيها.
وأمّا بحسب المراتب: فجزئيّة أيضاً؛ لأنّ العقل لا يستقلّ إلّا بلزوم التنزّل إلى مرتبة الاطمئنان من الظنّ بعدم التكليف، والخروج عن عهدة التكليف ظنّاً بعد عدم إمكان الخروج عنها علماً، ولا دخل للأسباب المفيدة للظنّ عند العقل كما لا دخل للمراتب كذلك، فمن أيّ سبب حصل الظنّ بالامتثال كان مجزياً عند العقل( ).
نعم، إذا حصل الظنّ الاطمئنانيّ بالنسبة إلى بعض المراتب وكان وافياً بالمعلوم بالإجمال، كان حينئذٍ مقدّماً عند العقل على غيره؛ بداهة أنّ الظنّ الاطمئنانيّ أقرب إلى العلم.
وهذا بخلاف الموارد، فإنّه لما علم أنّ للشارع مزيدَ اهتمام بها كالفروج والدماء، كان لابدّ من رعايته والحفاظ عليه بأيّ نحو كان، ولذا لابدّ من الاحتياط لحصول الامتثال العلميّ.
فإن قلت: قد تقدّم أنّ الاحتياط باطل، وأنّ حصول نتيجة الانسداد مبنيّة على القول ببطلانه كذلك: إمّا من جهة العسر والحرج، أو غير ذلك.
قلت: بطلان الاحتياط هناك في كلّ مورد مورد إنّما هو من حيث كون المورد محتمل الوجوب أو الحرمة.
وأمّا إذا كان المورد بنفسه ممّا تجري فيه أصالة الحرمة فلا محيص عن الاحتياط فيه، ولا يكفي ـ حينئذ ـ الامتثال الظنّيّ، وإن قلنا بالكشف ـ كما سيأتي ـ أيضاً، فإنّ الظنّ في هذه الموارد لا يكون حجّة؛ ضرورة أنّ العقل بعد العلم باهتمام الشارع بتلك الموارد يمنع من اعتبار الظنّ في المقدّمات شرعاً.
أمّا بناءً على الكشف: فإنّ حال الظنّ المطلق بعد حجّيّته هي حال الظنّ الخاصّ الذي قام الدليل بالخصوص على حجّيّته، فيتبع في العموم والخصوص دليل اعتباره، وحيث إنّ دليل حجّيّة الظنّ المطلق ليس إلّا مقدّمات الانسداد، فإنّ العقل يستكشف من هذه المقدّمات جعل الشارع الحجّيّة للظنّ، وهي لا تقتضي جعله حجّة في الجملة وفي بعض الموارد أو من بعض الأسباب أو بعض المراتب، بل في جميع الموارد والأسباب؛ لأنّ بطلان الاحتياط والبراءة في كلّ مسألة مسألة يقتضي التعميم بالنسبة إلى المسائل، والتعميم فيها مستلزم للتعميم بالنسبة إلى الأسباب والمراتب.
وأمّا بالنسبة إلى الموارد: فحكمه حكم حجّيّة الظنّ بناء على الحكومة؛ لما تقدّم من عدم حجّيّة الظنّ فيما إذا كان للشارع مزيد اهتمام بالنسبة إلى الأعراض والنفوس والأموال، فيمنع العقل من استكشاف حجّيّة الظنّ فيها ولو بنظر الشرع.
وبعبارة ثانية: فإنّ عموميّة الأسباب إنّما هي لأجل عدم رجحان بعض الظنون على بعض، فلابدّ من التعميم، وإلّا، لزم الترجيح بلا مرجّح، ولكن هذا إنّما ينفع فيما يصلح للترجيح من الوجوه الثلاثة، من كون بعض الظنون متيقّناً بالنسبة إلى غيره، وكون بعضها أقوى من بعض، وكون بعضها مظنون الحجّيّة.
أمّا الوجه الأوّل:
فقد ذكر صاحب الكفاية أنّ النتيجة لو لم يكن فيها ما هو المتيقّن <فلابدّ من الاقتصار على متيقّن الاعتبار منها أو مظنونه>( )، وهذا البعض ممّا يقطع باعتباره في حال الانسداد، فيكون هو الحجة ويجب الأخذ به دون غيره.
وفيه: أنّه إنّما يتمّ ويكون حجّة في حال الانسداد إذا كان وافياً بمعظم الفقه، على وجهٍ لا يكون الرجوع إلى الاُصول العمليّة في بقيّة الموارد التي لم تقم عليها المحاذير التي مرّت، ونحن نرى: أنّه ليس في أقسام الظنون ما يكون بهذه المثابة؛ لأنّ المتيقّن الاعتبار هو الصحيح الأعلائيّ، أو فقل: لأنّ القدر المتيقّن من هذه الأمارات هو الخبر الذي زكّي جميع رواته الموجودين في السلسلة بعدلين، ولم يكن في سلسلة السند من هو مشترك بين الضعيف والثقة، ولم يعمل في تصحيح رجاله ولا في تمييز مشتركاته بظنّ أضعف نوعاً من سائر الأمارات الاُخر، ولم يوهن لمعارضة شيء منها، وكان ممّا اعتمد عليه الأصحاب كلّهم أو جلّهم، وكان مع ذلك مفيداً للظنّ الاطمئنانيّ.
فانقدح: أنّ الحجّة إنّما تكون في الخبر الواحد بهذا الاعتبار، وهو الخبر الذي يكون متيقّن الاعتبار بالإضافة إلى غيره من الأمارات في حال الانسداد، وأنت خبير: بأنّه ليس بأيدينا من تلك الأخبار ما يكون بهذه المثابة إلّا أقلّ القليل، وهو غير وافٍ بمعظم الفقه.
وأمّا الوجه الثاني:
وهو كون بعض الظنون أقوى من البعض، فلا بد من الأخذ بما هو أقوى.
وفيه: أنّ القوّة والضعف من الاُمور الإضافيّة، فلا يكاد يمكن ضبط مرتبة خاصّة منها حتى يمكن الإرجاع إليه.
ثمّ إن كانت النتيجة هي الكشف فلا يمكن جعل الظنّ القويّ هو الحجّة، إذ لعلّ الشارع جعل الضعيف حجّة من دونه، فالنتيجة جزئيّة لا كلّيّة. نعم، توجد مرتبة خاصّة، وهي الظنّ الاطمئنانيّ الملحق بالعلم حكماً، لكنّه نادر التحقّق.
وأمّا الوجه الثالث:
فالنتيجة هي حجّيّة الظنّ المظنون الحجّيّة؛ لأنّه اُولى من غيره، وتكون النتيجة جزئيّة مع أنّه قد تقدّم أنّ نتيجة الانسداد كلّيّة. وأمّا أولويّة مظنون الحجّيّة والاعتبار: فإمّا لأنّه أقرب إلى الحجّيّة، فيجب صرف القضيّة المهملة إلى ما هو الأقرب؛ أو: لأنّه أقرب إلى إحراز مصلحة الواقع؛ لأنّ الظنّ بحجّيّة ظنّ، من الأمارات التي تفيد الظنّ بالواقع، فيكون ما ظنّ بحجيته للواقع أقرب إلى الواقع.
قال المحقّق النائيني:
<لأنّ الظنّ بحجّيّة ظنّ يلازم الظنّ بحصول المصلحة السلوكيّة على تقدير مخالفته للواقع، فيكون احتمال فوات الواقع وبدله موهوماً في موهوم؛ وهذا بخلاف الظنّ الحاصل من أمارة لم يظنّ بحجيّتها، فإنّه ليس فيه إلّا الظنّ بمطابقة الواقع فقط؛ ولا إشكال أنّه لو دار الأمر بين العمل بما يظنّ معه إدراك الواقع أو بدله وبين العمل بما يظنّ معه إدراك الواقع فقط، يتعيّن العمل بما يظنّ معه إدراك الواقع أو بدله، فتكون النتيجة خصوص مظنون الحجّيّة لا كلّ ظنّ>( ).
وقد اعترض الشيخ الأعظم على هذا الوجه بما حاصله: أنّ ما ذكر من اعتبار مظنون الحجّيّة لا يقتضي تعيين العمل بخصوص مظنون الحجّيّة، بل أقصى ما يفيده هو أنّ العمل بما يظنّ حجيّته اُولى من العمل بما لا يظنّ حجيّته، لا أنّه يتعيّن ذلك( ).
فظهر ممّا تقدّم: أنّ كلاً من الوجوه الثلاثة لا تخلو من خدشة، فالأقوى كون النتيجة هي التعميم.
الإشكال في خروج القياس عن عموم النتيجة:
والكلام فيه مبنيّ على الكشف تارةً، واُخرى على الحكومة.
فأمّا تعميم النتيجة بناء على الكشف: فالقياس حينئذٍ يكون خارجاً عن الحجّيّة؛ لأنّ الأدلّة الدالّة على حرمة العمل بالقياس توجب كون أدلّة الانسداد بمعنى نصب الطريق غير الشامل للقياس المحرّم.
وأمّا تعميمه بناءً على الحكومة: فقد قال في الكفاية:
<قد اشتهر الإشكال بالقطع بخروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة>( ).
وذلك أنّ العقل يستقلّ في الحكم بحجّيّة الظنّ، فحاله كحال حجّيّة العلم في حال الانفتاح، وحينئذٍ: يقع الإشكال في خروج القياس عن عموم حكم العقل بحجّيّة الظنّ، والحال أنّ حكم العقل لا يقبل التخصيص، فلا يمكن رفع حكمه عن موضوعه وإن كان ينتفي الحكم بانتفاء الموضوع.
والعلّة في عدم قبول حكم العقل للتخصيص هي التناقض، فإنّه لو كان حكم العقل على نحو العموم بحيث يشمل الفرد القياسي بعينه، فلو خصّصنا حكمه ورفعناه عن هذا الفرد، يقع التناقض بين حكمه وبين التخصيص.
وأمّا بالنسبة إلى العمومات اللّفظيّة، فالتخصيص فيها لا يستلزم التناقض؛ لأنّ العموم فيها صوريّ، فكذلك التناقض يكون صوريّاً.
ثم أجاب  عن هذا الإشكال بما لفظه:
<وأنت خبير بأنّه لا وقع لهذا الإشكال، بعد وضوح كون حكم العقل بذلك معلّقاً على عدم نصب الشارع طريقاً وأصلاً>( ).
والحاصل: أنّه لا إشكال في أنّ نصب الشارع طريقاً خاصاً ـ وإن لم يكن مقيّداً للظنّ ـ لا ينافي الانسداد، فتجب متابعة هذا الطريق لكونه منصوباً من قبل الشارع، ولا يعتنى بالظنّ بالخلاف الحاصل في مورده من أمارة اُخرى؛ لما عرفت من تعليق حكم العقل بحجّيّة الظنّ على عدم النصب، فإذا نهى الشارع عن الظنّ الحاصل من سبب خاصّ، كالظنّ القياسيّ، يرتفع ـ حينئذٍ ـ موضوع حكم العقل، فلا يبقى له حكومة ولا استقلال بالحجّيّة أصلاً، كما هو مقتضى التعليق.
وربّما أشكل بأنّه كيف يجوز النهي عن الظنّ القياسيّ، ويُخرَج عن عموم نتيجة دليل الانسداد مع احتمال إصابته للواقع؟
وجوابه بما عن المحقّق النائيني حيث قال:
<وحل الإشكال إنّما يكون بأحد أمرين: إمّا الالتزام بأن الأحكام الواقعيّة مقيّدة بما إذا لم يؤد إليها القياس، فلا يكون الحكم الواقعيّ في مورد القياس على طبق ما أدّى إليه القياس فيكون النهي عن العمل به من باب الموضوعيّة.
وإمّا الالتزام بالمفسدة السلوكيّة على عكس المصلحة السلوكيّة التي كانت في باب الطرق والأمارات، فيكون النهي عنه لمكان أنّ في العمل بالقياس وسلوكه وأخذه طريقاً مفسدة غالبة على مصلحة الواقع فتأمّل>( ).
هذا. ولا يخفى: أنّ الروايات الواردة في المنع عن القياس موهن قويّ له، فهي موجبة لارتفاع الظنّ.
نعم، قد يحصل من العمل بالقياس القطع، وهو المسمّى عندهم بتنقيح المناط القطعيّ، كما أنّ العمل بالقياس لا يكون دائماً موقعاً في المفسدة، ولكنّ إثباته ـ كما لا يخفى ـ يحتاج إلى دليل.