في أدلة الأخباريّين على وجوب الاحتياط

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

في أدلة الأخباريّين على وجوب الاحتياط


واستدلّوا له بالكتاب والسنّة والعقل.

أمّا الكتاب: فبآيات:
منها:
ما دلّ على حرمة الإلقاء في التهلكة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيـْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُـكَةِ﴾( ).
وفيه: أنّه إن كان المراد من التهلكة هو العقاب الأخروي فهو منفيّ بدليل البراءة، وهو وارد على الآية كوروده على قاعدة دفع الضرر المحتمل. وحينئذٍ: يقبح العقاب مع عدم البيان، ولا يمكن إثبات البيان بنفس النهي؛ لأنّ موضوعه التهلكة، ولا يمكن إثبات الموضوع بواسطة بالحكم.
وبعبارة ثانية: لابدّ من إثبات التهلكة قبل النهي عن الإلقاء فيها، وإثباتها بنفس النهي دور باطل.
وإن كان المراد من التهلكة المفاسد المترتّبة على فعل الحرام وترك الواجب، فهذا لم يقل به أحد إلّا الأوحدي، بل البعض لا يلتزم بتعلّق الأحكام بالمصالح والمفاسد، ويكتفي بوجود مصلحة في السلوك، وعليه: لا يمكن حمل هذه الخطابات على المعنى الدقيق الذي لا يعرفه إلّا الأوحدي بمقتضى البرهان العقليّ.
فلا تحمل التهلكة في الاُخرى على الضرر الدنيوي؛ ضرورة أنّه ليس كلّ ضرر دنيوي يعد تهلكة، ولا على الأخروي؛ لنهوض الدليل على جواز الارتكاب.
ومنها:
ما دلّ على النهي عن القول بغير علم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾( )، حيث إنّ الحكم بالترخيص وجواز الاقتحام فيها قول بغير علم.
ولكنّ الحقّ: أنّ القول بالبراءة إذا استند إلى دليل فإنّه لا يكون قولاً بغير علم، بل قول بالدليل والحجّة.
ومنها:
ما دلّ على لزوم التقوى وجهاد النفس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله َ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾( )، ومعلوم: أنّ الاقتحام في الشبهات منافٍ للتقوى الماُمور بها.
وفيه: أنّ العمل على طبق البراءة إنّما يكون منافياً للتقوى إذا لم يكن دليلها تاماً، والمفروض تماميّته كما عرفناه في المباحث السابقة.
فتحصّل: أنّ القول بالبراءة إن كان مستنداً إلى الحجّة المعتبرة وهي قبح العقاب بلا بيان، لم يكن من القول بغير علم، ولا من الإلقاء في الهلكة، ولا من المخالفة للتقوى بشيء؛ فإنّ معنى التقوى إنّما هو الإتيان بما أمر به من الواجباب والمحرمات، ولا يمكن إثبات أصل الحكم بأدلة التقوى؛ لاستلزامه الدور، كما مرّ في آية التهلكة.

وأمّا السنّة: فبطوائف:

الطائفة الاُولى: الأخبار الآمرة بالتوقف:
وادّعى المحقّق النائيني تواترها حيث قال: <وهي كثيرة مستفيضة، بل تبلغ حدّ التواتر>( ).
وهذا عجيب منه ؛ فإنّ الظاهر أنّها لم تبلغ حدّ الاستفاضة فضلاً عن التواتر.
منها: ما رُوي من قول أبي عبد اﷲ : <الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة>( ).
ومنها: رواية مسعدة بن زياد عن الصادق عن آبائه عن النبي  أنّه قال: <لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة ـ إلى أن قال: ـ فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة>( ).
ومنها: خبر أبي سعيد الزهري عن أبي جعفر أنّه قال: <الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة>( )، وغيرها من الروايات.

الطائفة الثانية: الأخبار الدالّة على وجوب الاحتياط:
وهي ـ أيضاً ـ كثيرة:
فمنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: <سألت أبا الحسن  عن رجلين أصابا صيداً وهما محرمان، الجزاء بينهما؟ أو على كلّ واحد منهما جزاء؟ قال: لا، بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد، قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدرِ ما عليه، فقال: إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا>( ).
ومنها: موثّقة عبد اﷲ بن وضّاح أنّه كتب إلى العبد الصالح  يسأله عن وقت المغرب والإفطار، فكتب إليه: <أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك>( ).
ومنها: ما عن أبي هاشم داوود بن القاسم الجعفري عن الرضا  أنّ أمير المؤمنين  قال لكميل بن زياد: <أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت>( ).
ومنها: قوله: <ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط>( ).

الطائفة الثالثة: أخبار التثليث:
ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد اﷲ  في حديث قال: <ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه>( ).
ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة أيضاً عن أبي عبد اﷲ في حديث قال: <وإنّما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يردّ علمه إلى اﷲ ورسوله، قال رسول اﷲ: حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم>( ).
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في المقام.
ولا يذهب عليك: أنّ احتمالات وجوب الاحتياط أربعة:
1ـ الوجوب النفسيّ المولويّ، كوجوب الصلاة وأمثالها.
2ـ الوجوب الغيريّ المقدّمي.
3 ـ الوجوب الطريقيّ المحض.
4 ـ الإرشاد إلى حسن الاحتياط.
ولا ينبغي الشكّ في أنّه ليس المراد من الوجوب هنا هو الوجوب النفسيّ المولويّ الذي يستتبع الثواب والعقاب؛ ضرورة أنّ المتبادر عندهم هو الطريقيّة المحضة كما هو حال جميع الطرق والأمارات.
قال المحقق الأصفهاني ما هذا لفظه:
<لا مجال للنفسيّة وإلّا لترتب العقاب على مخالفته من حيث هو زيادة على العقاب على مخالفة التكليف الواقعيّ المفروض ثبوته من حيث ظهور الهلكة في العقوبة، فيلزم أن يكون ارتكاب الشبهة أسوأ من ارتكاب الحرام المعلوم>( ).
وأمّا الوجوب الغيريّ المقدّميّ: فمتوقّف على وجوب ذي المقدّمة، وهو منحصر بأطراف العلم الإجمالي أو الشبهة البدويّة قبل الفحص، وليس مقامنا هكذا، كما لا يخفى.
وأمّا الوجوب النفسيّ الطريقيّ المحض: فقد عرفت عدم وجود ملاك النفسيّة فيه بوجه.
والتحقيق: أنّ وجوبه إرشاد محض إلى حسن الاحتياط، وهذا الحسن قد يصل إلى حدّ الوجوب، كما في الشبهات البدويّة قبل الفحص، أو أطراف العلم الإجمالي، وقد لا يصل، فيبقى على حسنه، كما في المقام.
فظهر: أنّ طريقيّة الاحتياط لا تزيد عن طريقيّة الأمارات.
فإن قلت: كيف لا يبيّن الواقع ويأمر بالاحتياط مع كونه عالماً به؟ فكتمان الواقع ليس من شأنه؛ لاستلزامه الجهل بالواقع.
قلت: لعلّ عدم بيانه في الخبر لمصلحةٍ أقوى من مصلحة البيان، أو لأجل عدم إمكان البيان؛ لقصور في فهم المخاطب أو غير ذلك.
أمّا الجواب عن الطائفة الاُولى من الروايات:
فعن شيخنا الأنصاري أنّ المراد من <التوقّف المطلق السكون وعدم المضيّ، فيكون كناية عن عدم الحركة>( ) وعدم الإقدام على الفعل، فهو بمعنى: وجوب الاحتياط في موارد الشبهة، وعدم التحرّك نحو الفعل المحتمل حرمته؛ فإنّه موجب للاقتحام في الهلكة والعقاب الأخرويّ. فالإقدام على الفعل المحتمل حرمته موجب لثبوت العقاب وإن لم يكن حراماً في الواقع؛ لأنّه تجرٍّ حينئذٍ.
وفيه: أنّه لا عموميّة لهذا الخبر وأمثاله، فلا تكون تلك الأوامر المتعلّقة بالتوقف موجبة لثبوت العقاب؛ لمجيئها من قبل الهلكة كما هو مقتضى التعليل في الأخبار، فلو كان الحكم الجائي من قبلها منشأً لثبوتها للزم الدور.
ومن هنا يظهر: اختصاص هذه الطائفة من الأخبار بموارد قيام الحجّة على الواقع على تقدير ثبوتها، كالشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ، والشبهة البدويّة قبل الفحص. وأمّا الشبهات البدويّة بعد الفحص وعدم وجدان الدليل فلا يعدّ ارتكابها اقتحاماً في الهلكة، فلا يجب التوقّف.
وأمّا الطائفة الثانية:
فالجواب عن الرواية الاُولى منها هو أنّ قوله <إذا أصبتم مثل هذا> فهو أنّه لابدّ من تحقيق أنّ الإشارة فيه هل هي إشارة إلى نفس الواقعة أو إلى حكمها؟ وأنّ المراد من المثل هل هو كون الشبهة وجوبيّة على الإطلاق؟ أو أنّها وجوبيّة دائرة بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين أو الارتباطيّين؟ فالأوّل: بناءّ على لزوم القيمة في جزاء الصيد، والثاني: بناء على وجوب البدنة. وحينئذٍ: لا يمكن شمول الاستدلال بها للشبهة التحريميّة.
قال بعض المحقّقين المعاصرين في المقام:
<ثمّ لو قلنا بكون المشار إليه هو حكم الواقعة، إمّا أن يراد من قوله: (فعليكم الاحتياط)، الاحتياط في الفتوى، أو الفتوى بالاحتياط، أو الفتوى بالطرف الذي هو موافق للاحتياط. ومع ذلك فبما أنّه ذيّل قوله: (فعليكم بالاحتياط) بقوله: (فلم تدروا)، وقوله (حتى تسألوا عنه فتعلموا)، فالمتبادر من الأمر بالاحتياط هو الاحتياط في الفتوى وعدم التقوّل على اﷲ تعالى، ولأجل ذلك يترجّح حمل الرواية على الفتوى قبل الفحص، مع إمكان التفحص عن مورده، كما هو مفروضها، ودلالتها على مقالة الأخباري يتوقف على مطلق الشبهات: تحريمية أو وجوبية، ثمّ إخراج الوجوبية منها لقيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط فيها، مع أنّه من قبيل إخراج المورد المستهجن، كما لا يخفى>( ).
وأفاد الشيخ ما حاصله:
أنّ المشار إليه في قوله: (بمثل هذا)، هو إمّا الموضوع المشتبه حكمه، أي: نفس واقعة الصيد ، أو السؤال عن حكم ما لا يعلم حكمه، نظراً إلى أنّ فرض الخبر هو أنّ الراوي يجهل حكم الصيد المذكور.
فعلى الأوّل: إمّا أن يكون المورد من قبيل الشكّ في الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين، أو الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
فإن كان هو الأوّل، نظير الدين الذي يكون مردّداً بين الأقلّ والأكثر، ففيه:
أوّلاً: أنّه ممّا اتفق الفريقان: الأخباريّون والاُصوليّون، على عدم وجوب الاحتياط فيه؛ لأنّ هذا المورد من الشبهات الوجوبية، فلا يجب الاحتياط فيها بالاتّفاق.
وثانياً: لو سلّم الاحتياط في موارد الدوران بين المتباينين، يصبح وجوب الاحتياط ـ حينئذٍ ـ أجنبيّاً عن محلّ البحث؛ ضرورة انتفاء التكليف رأساً، فلا يكون مورد الرواية ممّا ثبت التكليف فيه في الجملة.
وإن كان من قبيل الأقلّ والأكثر الارتباطيّين: فهو بالإضافة إلى كونه محلّ خلاف بين الاُصوليّين ـ حيث ذهب بعضهم إلى الاشتغال فيه ـ خارج عن محلّ البحث؛ لأنّ الكلام إنّما هو في مورد الشكّ في التكليف، لا في المكلّف به مع إحراز أصل التكليف.
وأمّا إذا كان المشار إليه هو السؤال عما لم يعلم حكمه: فإمّا أن يراد بالاحتياط: الفتوى بالاحتياط، أو الاحتياط بالفتوى بأنْ لا يفتي بشيء احتياطاً.
والرواية ـ على كلا التقديرين ـ أجنبيّة عن محلّ البحث؛ إذ ظاهر الرواية هو التمكّن من استعلام حكم الواقعة فيما بعد بالسؤال والتعلّم، ولا مضايقة عن القول بوجوب الاحتياط في هذه الواقعة الشخصيّة.
وأين هذا من محلّ البحث؟! حيث لا مجال للتعلّم فيما بعد، بعد تحقّق الفحص بالمقدار اللّازم على المكلّف وعدم الوصول إلى نتيجة معلومة.
ثمّ لو سلّم كون المورد من الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين، وأنّ الوظيفة هي الاحتياط، فهي ـ أيضاً ـ خارجة عن محلّ البحث؛ بداهة أنّ التكليف بالأكثر ـ حينئذٍ ـ يكون معلوماً في الجملة، ووجوب الاحتياط فيه إنّما هو بمقتضى الرواية، فلا يمكن تعديته إلى الشبهة البدويّة التي يكون التكليف فيها مجهولاً.
فانقدح: أنّ ما ذكره الشيخ من الاحتياط بالأكثر هو التام الذي يقتضيه نظر الأعلام، وإلّا كان موارد انحلال التكليف، فيكون الأكثر مشكوكاً فيه والأقل متيقناً، فلا يمكن تعديته من محل الرواية إلى الشبهة البدوية التي لا يعلم بها ولو إجمالاً( ).
وأمّا الرواية الثانية ـ وهي موثقة عبد اﷲ بن وضاح ـ ففيها:
أنّها وإن وصفها الشيخ بالموثّقة( ) إلّا أنّ في سندها سليمان بن داوود، وهو مردّد بين الخفّاف والمروزي المجهولين. وأمّا المنقري فقد وثّقه النجاشي( ).
ثمّ إنّ هذه الرواية إنّما تدلّ على الاحتياط بقول مطلق فيما إذا كان قوله: <وتأخذ بالحائطة لدينك> تعليلاً لقوله: <أرى لك أن تنتظر>؛ فإنّها ـ حينئذٍ ـ تدلّ على الاحتياط في عامّة الشبهات، وسجّل عليها الشيخ اعتراضات ثلاثة:
الأوّل: ظهور الرواية في استحباب الاحتياط دون وجوبه، كما هو مفاد كلمة (أولى).
الثاني: ظهورها في الاحتياط في خصوص الشبهة الموضوعيّة؛ فإنّ ارتفاع الحمرة فوق الجبل مشكوك في أنّها هل هي علامة على عدم استتار القرص حقيقة؟ فلا يتحقّق الغروب ما زالت الحمرة موجودة، أو لا؟ فيتحقّق.
ولا يمكن أن يكون مورد الرواية هي الشبهة الحكمية؛ وذلك لأنّه لو كان المشكوك هو أن الغروب شرعاً هل هو عبارة عن استتار القرص المفروض تحقّقه؟ أو هو الحمرة المشرقيّة؟ لكان على الإمام رفعه، وليس من شأنه أن يأمر بالاحتياط في مثل هذا المورد.
فحيث لم يظهر منه بيان حقيقة الغروب شرعاً نستكشف منه عدم كون الشكّ في مورد الرواية شكاً في الشبهة الحكميّة؛ لأنّ استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدّم، فلابدّ ـ حينئذٍ ـ من حمل الرواية على الشبهة الموضوعيّة؛ على أنّ الاحتياط في الشبهة الموضوعيّة غير واجب باتّفاق الفريقين، فاستفادة وجوبه تفتقر إلى خصوصيّة تقتضيه وهي: أنّ المورد هو استصحاب بقاء الوقت، أو أنّ الاشتغال اليقينيّ هو بمعنى: اشتغال الذمة بالتكليف مع الشكّ في الخروج منه، فإنّ الإفطار عند استتار القرص يوجب ـ لا محالة ـ الشكّ في فراغ الذمّة من الصوم المعلوم اشتغال الذمّة به قطعاً، فالتعدّي عن مورد الرواية إلى ما لا يشترك معه في الخصوصيّة المزبورة ممّا لا وجه له( ).
الثالث: لو سلمّ أن الشكّ فيها شكّ في مورد الشبهة الحكمية، وأن وظيفته رفع هذه الشبهة، وفرض أنّ الغروب شرعاً هو زوال الحمرة المشرقية، ولكن لم يتصدّ لبيان هذا الحكم لأجل التقيّة من المخالفين حيث كان الغروب عندهم هو استتار القرص، فأراد أن يوصل الحكم الواقعي ولو بصورة غير مستقيمة، فأوجب الاحتياط لكي يتوهّم المخالفون أنّ الانتظار إنّما هو لأجل العلم باستتار القرص في حين أنّه بحسب الواقع لأجل زوال الحمرة المشرقية المحققة للغروب شرعاً.
ففيه مع بعده: أنّه لا يدلّ ـ حينئذٍ ـ إلّا على رجحان الاحتياط، لا على وجوبه، لمكان قوله: <أرى لك> الدالّة على الاستحباب، مضافاً إلى أنّ الرواية حينئذٍ تكون مختصة في موردها فلا تدلّ على وجوب الاحتياط في جميع التقادير( ).
وأمّا الرواية المنقولة عن أمير المؤمنين:
فالجواب عنها ـ مضافاً إلى ضعفها سنداً ـ بما أفاده الشيخ الأعظم وذلك:
أوّلاً: أنّ الأمر بالاحتياط في الرواية يدور أمره بين الحمل على الإرشاديّة أو المولويّة الجامع بين الوجوب والاستحباب؛ ضرورة أنّ حمله على الوجوب نحو كلّي مستلزم للتخصيص بالأكثر، وهو مستهجن.
بيان الملازمة: أنّ الشبهات الموضوعيّة مطلقاً والشبهة الحكمية والوجوبية خارجة، فكذا تخرج الشبهات الوجوبية؛ للاتفاق على عدم وجوب الاحتياط في هذه الموارد، ولا يمكن الحمل على الاستحباب؛ لوجوب الاحتياط في بعض الفروض كما في موارد العلم الإجمالي، فلابدّ ـ حينئذٍ ـ من حمله على الإرشاد، فيكون اللّزوم وعدمه تابعين للمرشد إليه كما مرّت الإشارة إليه سابقاً؛ أو يحمل على الجامع بين الوجوب والاستحباب، والنتيجة: أنّه لا دلالة لها على العموم والوجوب بالكلّيّة.
وثانياً: ظهور كون الأمر بالاحتياط في الرواية أمراً استحبابياً مولويّاً، بقرينة قوله فيها: <بما شئت>، فإنّها تستعمل في موردين:
المورد الأوّل: التخيير في مراتب الشيء، والتخيير في مقامنا في مراتب الاحتياط، كما يقال: (قل ما شئت)، أي: أنت في الخيار في ما تقول قليلاً كان أو كثيراً.
المورد الثاني: بيان المرتبة العالية من الشيء، كما تقول (هذا الكلام كان حسناً)، أي: كان في مرتبة الحسن، والمرتبة في مقامنا هي المرتبة العالية من الاحتياط.
فإن اُريد بقوله: <ما شئت> التخيير: كان اللّازم هو حمل الأمر بالاحتياط إمّا على الإرشاد أو على الجامع بين الوجوب والاستحباب ـ أي: مطلق الرجحان ـ؛ لأنّ بعض مراتب الاحتياط يكون واجباً دون البعض، فلا يمكن حمله على الوجوب التخييريّ في جميع المراتب.
وإن كان الثاني: لم يكن من حمله على الاستحباب مانع؛ ضرورة عدم تماميّة حمله على الوجوب حينئذٍ؛ لأنّ المرتبة العالية من الاحتياط لم تكن واجبةً قطعاً، وتشبيهه الدين بالأخ في قوله: <أخوك دينك> يقتضي الحمل على الثاني، إذ الإخوة هم أعلى مراتب الاحتياط بين أفراد البشر، لقوّة الصلة بينهما، فجعل الدين بمنزلة الأخ معناه رجحان المراتب العالية من الاحتياط بشأن الدين( ).
وأمّا الرواية الرابعة:
فمضافاً إلى ضعف سندها أيضاً، لا يمكن الحكم عليها بالعموم، وإلّا لجرت في الشبهة الوجوبيّة مع اتّفاقهم على عدم الوجوب فيها.
وأمّا الطائفة الثالثة:
وهي ما دلّ على التثليث من استشهاد الإمام بكلام رسول اﷲ: <حلالٌ بيّن، وحرام بيّن، وشبهات بين ذلك..>.
فأمّا البيّن من الحلال والحرام، فمتّفق على حلّيّته وحرمته.
وأمّا الشبهات التي بين ذلك فتفيد فيها رجحان الاحتياط بالاجتناب.
ويشهد لذلك: تعليله في ذيل الحديث: <فمن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات>، حيث جعل الأخذ بالشبهات أخذاً بالمحرّمات؛ وذلك لأنّ ارتكاب الشبهة مظنة للوقوع في الحرام والهلاك من حيث لا يعلم، فهو سبب للجرأة على ارتكاب للمحرمات.
هذا، ولا يخفى أن ارتكاب الشبهات ليس محرماً بنفسه، بل بما هو سببٌ لارتكاب المحرّم، ولذا كان الاحتياط فيه أولى، وهذا نظير تشبيهه في بعض الروايات مرتكب الشبهات بالراعي حول الحمى، فإنّه لا يؤمَن من هجوم القطيع على الحمى، وإلّا، فالرعي حول الحمى من دون دخوله ممّا ليس فيه شبهة الحرام.
قال المحقّق النائيني: <إن الأمر فيها لا يصلح إلّا للإرشاد، فإنّ الظاهر من قوله: (ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات) هو الملازمة بين التعرض للشبهات والوقوع في المحرمات، فالأخذ بالشبهات بنفسه ليس من المحرمات، بل يستلزم ذلك الوقوع فيها، فيكون النهي عن الأخذ بالشبهات للإرشاد إلى عدم الوقوع في المحرمات؛ لأنّ التجنب عن الشبهات يوجب حصول ملكة الردع عن المحرمات، كما أنّ الاقتحام فيها يوجب التجرّي على فعل المحرمات.
وذلك هو الظاهر من قوله: (فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم)، فمفاد أخبار التثليث أجنبيّ عن مقالة الأخباريّين>( ).

وأمّا العقل:
فبوجهين:
الوجه الأوّل:
أنّا نعلم إجمالاً بوجود محرّمات كثيرة في الشريعة المقدّسة، وعلمنا هذا حاصل لكلّ أحد قبل مراجعة الأحكام، ولا طريق لإنكاره إلّا المكابرة.
ومقتضاه: الاحتياط في كلّ شبهة سواء كانت وجوبية أو تحريمية، ومقتضى الاشتغال اليقيني البراءة اليقينية بحكم العقل، وهو لا يحصل إلّا بترك كلّ ما عُلِم أو شكّ في حرمته حتى يحصل له العلم القطعيّ بالامتثال. وإنّما خرج عدم وجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية لأجل الدليل، وأمّا الشبهة التحريمية فتبقى على ما يقتضىه العلم الإجمالي.
إذاً فعندنا علمان وقطعان:
أحدهما: العلم الإجمالي بوجود محرّمات كثيرة في الشريعة.
والثاني: القطع بأنّ الشارع لا يرضى بارتكابها.
وتحصيل اليقين بالبراءة لا يحصل إلّا بترك معلوم ومشكوك الحرمة.
قال الشيخ الأنصاري:
<وأمّا العقل فتقريره بوجهين:
أحدهما: أنّا نعلم إجمالاً قبل مراجعة الأدلّة الشرعيّة بمحرمات كثيرة يجب بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانـتَـهُوا﴾( ) ونحوه الخروج عن عهدة تركها على وجه اليقين بالاجتناب أو اليقين بعدم العقاب؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي اليقين بالبراءة باتفاق المجتهدين والأخباريين، وبعد مراجعة الأدلّة والعمل بها لا يقطع بالخروج عن جميع تلك المحرمات الواقعيّة، فلابدّ من اجتناب كلّ ما احتمل أن يكون منها إذا لم يكن هناك دليل شرعيّ يدلّ على حلّيّته، إذ مع هذا الدليل يقطع بعدم العقاب على الفعل على تقدير حرمته واقعاً>( ).
وقال صاحب الكفاية: <ولا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي إلّا من بعض الأصحاب>( ).
ونسبه الشيخ إلى المشهور حيث قال: <فالحق فيه: وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين وفاقاً للمشهور، وفي المدارك( ): أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب، ونسبه إلى المحقق البهبهاني في فوائده إلى الأصحاب( )، وعن المحقق المقدّس الكاظمي في شرح الوافية: دعوى الإجماع صريحاً( )، وذهب جماعة إلى عدم وجوبه( )، وحكي عن بعض القرعة>( ).
وأجاب صاحب الكفاية عنه بما هذا لفظه:
<إنّ العقل وإن استقلّ بذلك، إلّا أنّه إذا لم ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي، وقد انحلّ ها هنا، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالاً، كذلك علم إجمالاً بثبوت طرق واُصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد، وحينئذٍ: لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية في الموارد المثبتة من الطرق والاُصول العمليّة>( ).
وبعبارة ثانية: بعد قيام الأدلّة على الواجبات والمحرّمات بالمقدار المعلوم بالإجمال، ينحلّ العلم الإجماليّ إلى العلم التفصيليّ والشكّ البدويّ؛ لأنّه بعد الإتيان بما دلّت الأدلّة على وجوبه وترك ما دلّت على تركه، لم يبقَ بعد العلم بالتكليف إلّا ما علم تفصيلاً، ويحتمل انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل.
لا يقال: هو إنّما يتم فيما لو اطلّع على الأدلة قبل العلم الإجمالي، أو مقارناً له.
وعليه: فتارة يكون العلم الإجمالي مقدماً؛ لقيام الطرق، واُخرى مؤخرّاً، وثالثة: يكون مقارناً، وما هو سبب للانحلال هو الصورتان الأخيرتان، دون الاُولى؛ ضرورة أنّه ليس هناك إلّا ما علم تفصيلاً لاحتمال الانطباق.
وأمّا إذا حصل العلم الإجمالي بعد الاطلاع على الأدلة، فلا يكون احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على مداليل الأدلة كافياً؛ بداهة أنّ العلم الإجمالي حينئذٍ يكون منجّزاً، فيجب الامتثال القطعي بحكم العقل.
لأنّه يقال: يشترط لتأثير العلم الإجمالي بقاؤه في الزمان الثاني أيضاً، فلو لم يوجد فيه، بأن انعدمت بعض أطرافه، أو خرج عن محلّ الابتلاء وغير ذلك، لم يكن له أثر، كما إذا شكّ في الزمان الثاني في ثبوت التكليف في الزمان الأوّل، فلم يبق أثر للعلم الأوّل؛ فإنّه ـ حينئذٍ ـ إن تقدّم العلم الإجمالي على أدلّة ورود الأحكام وكان ثابتاً في الزمان الأوّل مع كون دلالة تلك الأدلّة على ثبوت الأحكام من أوّل الأمر، فحينئذٍ: لابدّ في الزمان الحاضر من البناء على مضمون الأدلّة؛ ضرورة انتفاء العلم الإجمالي في الزمان لما تقدّم من ثبوت التكليف في مورد الأدلّة من أوّل الأمر، فيشكّ في الزائد من أوّل الأمر.
فظهر: أنّه لا فرق في انحلال العلم الإجماليّ بين أن يكون مقدّماً على الأمارات، أو مؤخّراً، أو مقارناً كذلك، فحال الأمارات حال ما إذا علم بالتكاليف الواقعيّة من أوّل الأمر، فإنّها توجب الانحلال وإن كان الإتيان بالأمارات الشرعيّة متأخّراً عنها.
ثمّ اعلم أنّ للعلم الإجماليّ صوراً ثلاث:
الاُولى: العلم الإجمالي الحقيقي التكويني، وانحلاله بواسطة العلم التفصيلي، كما إذا كان هناك إناءان، ووقع في أحدهما قطرة دم، ثمّ علم تفصيلاً بوقوع القطرة في هذا الإناء المعيّن، فينحل العلم الإجمالي ويزول قهراً؛ لانتفاء التردّد بعد العلم التفصيلي.
الثانية: الانحلال الحكمي، وهو أن يبقى العلم الإجمالي بنفسه ولكن يزول أثره من جهة التنجيز، كما إذا قامت الأمارة وعيّنت المعلوم بالإجمال بالنسبة إلى أحد الطرفين، فإنّه لا يكون حينئذٍ منجزاً بالنسبة إلى الطرف الآخر.
الثالثة: الانحلال الحقيقيّ، كما إذا تعلّق العلم الإجمالي بكأسين أحدهما محلٌ للابتلاء دون الآخر، فيزول هذا العلم الإجمالي بمجرّد زوال أثره وهو التنجّز.
وبعبارة اُخرى: العلم الإجمالي بدوي لحدوثه كذلك، فإذا كان أحد طرفيه أو أطرافه خارجاً عن محل الابتلاء لم يكن مقدوراً، فلا يتعلّق التكليف الفعلي به، فيزول وينكشف أنّه لا علم إجمالي من أول الأمر، فليس في هذه الصورة انحلال وإن سميّت انحلالاً ، بل يزول العلم الإجمالي فيها بعد انكشاف الخلاف. وكلّ هذه الموارد للعلم الإجمالي غير منجّزة.
وأشار صاحب الكفاية إلى الانحلال التكويني الحقيقي بقوله:
<هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق المثبتة بمقدار المعلوم بالإجمال، وإلّا، فالانحلال إلى العلم بما في الموارد وانحصار أطرافه بموارد تلك الطرق بلا إشكال>( ).
وتوضيحه: أنّ العلم الإجمالي بثبوت تكاليف في ضمن المشتبهات ينحل بالعلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعية في موارد الطرق الشرعية بمقدار المعلوم بالإجمال، فينحلّ العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، ولا يتنجّز سوى موارد الطرق الشرعية دون المشتبهات التي لم يقم طريق شرعي عليها.
كما أنّه التزم بالانحلال الحقيقيّ، وبيانه:
أنّ قيام الأمارة والطريق الشرعيّ على الحكم يمنع من فعليّة الواقع في موردها؛ لامتناع اجتماع حكمين فعليين كما بيّن ذلك في محله.
فمع قيام المنجّز في أحد طرفي العلم الإجمالي ـ سواء كانت أمارة أو أصلاً ـ يخرج العلم الإجمالي عن تمام المؤثّرية بالنسبة إلى جميع الأطراف، حتى في الطرف الذي خرج عن قابليّة التأثير.
وأورد عليه الآخوند:
أنّ الانحلال الحكمي إنّما يكون موجباً للانحلال إذا قلنا بجعل الأحكام الظاهرية في الطرق، وأنّ قيامها سبب في حدوث تكاليف ظاهرية طريقية على طبق مؤدياتها، ويقابله القول أنّ قيامها بسبب حدوث مصلحة نفسية أو مفسدة كذلك موجبة لجعل حكم واقعي نفسي على طبقها، وهو التسبيب.
وأمّا بناءً على أن المجعول هو المنجّزية عند الإصابة والمعذّرية عند الخطأ كما هو رأيه كما هو كذلك في العلم ـ والفرق بين المنجّزيّة في العلم والأمارات أنّها في العلم ذاتيّة، وفي الأمارات بجعل من الشارع ـ فلا يكاد ينحلّ العلم الإجمالي بها؛ لعدم زوال فعليّة الواقع بقيام الأمارة؛ إذ لا حكم مجعول في موردها على طبق مؤدّاها كي توجب انحلاله.
ثمّ أجاب عنه بما حاصله:
أنّ هذا الانحلال حكمي، فقيام الحجة على التكاليف على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف مما يوجب انحلال العلم الإجمالي ولو تعبّداً، ويستلزم صرف تنجز المعلوم بالإجمال إلى ما قامت عليه الحجة إن طابقت العلم الإجمالي، وهي ناقلة لاستحقاق العقاب عليه إلى ما قامت عليه الحجة وخالفها( ).
وأمّا إذا اخطأت وكان ما قامت عليه الحجّة غير المعلوم بالإجمال فهو معذور وإن فات المعلوم بالإجمال، فهو نظير ما إذا علم إجمالاً بوجود غنم موطوء في القطيع، ثمّ قامت الحجّة على أنّ هذا الغنم موطوء، فإنّها تكون سبباً لصرف تنجّز المعلوم بالإجمال إليه، فتنقل استحقاق العقاب من المعلوم بالإجمال إلى هذا الغنم، وأما إذا تكن مصيبة للواقع فتكون معذّرة حيث لم يجتنب عن المعلوم بالإجمال.
الوجه الثاني:
أنّ الأصل في الأفعال غير الضرورية والتي لا يتوقف عليها حفظ النظام هو الحظر، فلا يجوز الاقتحام فيه ما لم يرد ترخيص من الشارع فيه؛ بداهة أنّه تصرف في سلطان المولى، وهو ممّا يحكم العقل بقبحه؛ لأنّه خروج عن زيّ الرقية ومقتضى العبدوية.
قال الشيخ: <الوجه الثاني: أنّ الأصل في الأفعال الغير الضرورية الحظر، كما نسب إلى طائفة من الإمامية، فيعمل به حتى يثبت من الشرع الإباحة، ولم يرد الإباحة في ما لا نص فيه. وما ورد ـ على تقدير تسليم دلالته ـ معارض بما ورد من الأمر بالتوقف والاحتياط، فالمرجع إلى الأصل.
ولو تنزّلنا عن ذلك فالوقف، كما عليه الشيخان ـ المفيد والطوسي( ) ـ. واحتجّ عليه في العدّة: بأنّ الإقدام على ما لا يومن المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم فيه المفسدة>( ).
وأجاب صاحب الكفاية عنه:
أوّلاً: بأنّ المسألة خلافية، بل قد ادّعي الإجماع على خلافها، وإلّا لأمكن التمسك بالبراءة بناءً على أنّ الأصل هو الإباحة الحظر، فكما لا يمكن التمسك بالبراءة بناء على أصالة الإباحة في الأشياء على ما هو المنسوب إلى الصدوق، فكذلك لا يمكن التمسك بالاحتياط بناءً على القول بأصالة الحظر.
وثانياً: لو سلّم أصالة الحظر والوقف في الأفعال غير الضرورية، إلّا أنّه قد ورد الترخيص فيها، كما في الأدلّة المتقدمة الدالة على البراءة كحديث الرفع وأمثاله، فإنّها قد دلّت على الإباحة ولم تدل على الاحتياط، فلا تُعارض ما دلّ على الإباحة.
وثالثاً: أنّه لا ربط لهذه المسألة فيما نحن فيه؛ لأنّه البحث فيها هو عن حكمها قبل الشرع، والكلام في البراءة والاحتياط إنّما هو عن حكمها بعد تكميل الشريعة وانتفاء الدليل على الحكم، والقول بالوقف في تلك المسألة لا يلازم القول به في هذه المسألة، فيحكم العقل بالبراءة مستنداً إلى قبح العقاب بلا بيان( ).
فاتّضح مما تقدّم: قصور ما استدلّوا به على وجوب الاحتياط، فلا يمكن الاستدلال بها على نفي البراءة، لا في موارد الشبهات الوجوبية ولا التحريميّة.