في تنبيهات البراءة

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

في تنبيهات البراءة


وهي سبعة:

التنبيه الأوّل:
أنّ الاُصول الموضوعيّة مقدّمة على الاُصول الحكمية: إمّا حكومة أو وروداً، فلا يجري الأصل الحكميّ مع وجود الأصل الموضوعيّ لوروده عليه وارتفاع موضوعه ـ الذي هو الشكّ ـ بسببه، فلو شكّ في حلية حيوان بسبب الشكّ في قبوله للتذكية، حُكِم عليه بالحرمة؛ لأصالة عدم التذكية؛ لأنّها مشروطة بقابليّة المحلّ، والفرض أنّها مشكوكة، فيحكم بعدمها، فيكون الحيوان ميتة بناء على المشهور.

التنبيه الثاني:
أنّه لا فرق في تقدّم الأصل الموضوعي على الحكمي بين كونه مخالفاً له ـ كما مثّلنا ـ أو موافقاً كذلك، فإذا كان هناك حيوان جلّال وشككنا في الجلل كان هذا الشكّ موجباً لارتفاع قابليته للتذكية فيحرم، فاستصحاب قابليته للتذكية من قبل زمان الجلل يوجب حليته، فلا يبقى مجال لجريان أصالة البراءة وإن كان الأصلان متوافقين في النتيجة.
وكذا الحال بالنسبة إلى الشبهة الموضوعيّة؛ فإنّه بعد الفراغ عن كون الجلل في الحيوان ممّا يرفع قابليّته للتذكية فيحرم، فإذا شككنا في حصول الجلل ووطئه استصحب العدم، ولم يبقَ مجال لجريان أصالة الحلّ والإباحة، وإن توافقتا معه في النتيجة.

التنبيه الثالث:
أنّ المراد من الميتة هل هو الميّت حتف أنفه؟ أو الأعمّ منه فتشمل مطلق غير المذكّى على الوجه الشرعي؟
الظاهر من الآية الشريفة هو الأوّل، دون مطلق غير المذكى، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله ِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلّا مَا ذكَّـيْتُمْ﴾( )، فإنّ إفراد التذكية بالذكر يدلّ على أنّ غير المذكّى ليس بميتة.

التنبيه الرابع:
أنّ لمعنى التذكية ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أن تكون أمراً بسيطاً متحصلاً من فري الأوداج بالحديد إلى القبلة والتسمية مع كون الذابح مسلماً والحيوان قابلاً للذبح.
الثاني: أن تكون مركّبة من مجموع تلك الاُمور.
الثالث: أنّها عبارة عن مجرّد الأفعال الخاصّة، ولكن بقيد ورودها على المحل القابل، فالقابلية مأخوذة بنحو الشرطيّة وخارجة عن مفهوم التذكية.

التنبيه الخامس:
أن الشبهة على قسمين: موضوعية وحكمية، والحكمية تنشأ تارةً عن قابليّة الحيوان للتذكية، فلذلك يشكّ في حلّيته، كالحيوان المتولّد من الغنم والكلب ولم يشبه أحدهما، فلا يلحق أيّاً منهما بالاسم.
وتارةً أُخرى تكون قابلية الحيوان للتذكية معلومة كما في الأرنب، ولكن يقع الشكّ في حلّيّة أكل لحمه ذاتاً أو لا.
وكذلك الشبهة الموضوعيّة؛ فإنّه تارة يُشكّ في حلّيّة لحم الحيوان لأجل الشكّ في تحقّق التذكية، وأُخرى يُشكّ في أنّ اللّحم هل هو من الحيوان المحلّل أكله كالغنم، أو لا، مع علمنا بقبولهما التذكية.

التنبيه السادس:
أنّ جريان هذا الأصل يكون في موردين:
الأوّل: إذا كان هناك عموم أو إطلاق دالّ على قبول كل حيوان للتذكية، وإلّا لكفى التمسّك بهذا العموم لإثبات قابليّة ما شكّ في قابليّته.
الثاني: إذا فرض أنّ موضوع حرمة اللّحم أمر عدميّ، وهو غير المذكّى، ولا يجري فيما لو كان الموضوع وجوديّاً، كالميتة، بناء على القول بأنّها أمر وجوديّ.
والحاصل: أنّ في المسألة ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّ موضوع النجاسة والحرمة أمر وجوديّ وهو الميتة.
الثاني: أنّ موضوعهما أمر عدميّ.
الثالث: التفصيل بين حرمة الأكل وبين النجاسة، فموضوع الحرمة عدمي، وموضوع النجاسة وجودي، ولذا ذهب اُستاذنا الأعظم في مثل اللّحوم المستوردة المشكوك في تذكيتها، إلى أنّه يجوز شرب مائها إذا طبخها، ولكن لا يجوز أكلها؛ لأصالة عدم التذكية، فإنّها لا تثبت الميتة؛ لأنّها أمر وجوديّ، اللّهمّ إلّا إذا قلنا بالأصل المثبت، ولا نقول به( ).
وأمّا إذا كان موضوع الحرمة أمراً وجوديّاً، فلا تثبت الحرمة ولا النجاسة؛ لأصالة عدمهما.
فإن قلت: إنّ في الماء دسومة وأجزاء صغيرة من اللّحم، فكيف لا يحرم شربه؟
قلت: تشخيص الموضوع تابع لما يراه العرف، وهو يراه ماءً وإن لم يكن كذلك بالدقّة العقليّة، ولذا نسب إلى بعضهم القول بحرمة أكل الحيوان المتولّد من حيوانين: أحدهما محلّل الأكل كالغنم، والآخر: محرّمه كالكلب، ما لم يلحق ذلك المتولد أحدهما في الاسم، مع القول بطهارته أيضاً.
أمّا إذا فرض أنّ موضوع الحرمة أمر وجودي، فلا تنفع أصالة عدم التذكية ـ على تقدير جريانها ـ لإثبات الحرمة إلّا بناءً على الأصل المثبت. فلابدّ لترتّب الحرمة من فرض أنّ الموضوع هو عدم التذكية.

التنبيه السابع:
أنّ من الحيوانات ما ليس لتذكيته أثر، لا في الحلّيّة ولا في الطهارة، بل يكون حراماً ونجساً وإن ذكّي كالكلب.
ومنها: ما لتذكيته أثر في الطهارة دون الحليّة، كالسباع.
ومنها: ما لتذكيته أثر في الطهارة والحليّة، كالأنعام الثلاثة وغيرها، فإنّها تنجس بالموت ويحرم أكلها إلّا أن تذكّى فيجوز وتطهر.
وعليه: فلو كان معنى التذكية بسيطاً، وشكّ في حصول التذكية من جهة الشكّ في اعتبار كونها بالحديد أو إسلام الذابح وبلوغه أو لا، ولم يكن في المقام إطلاق، فإنّه ـ حينئذٍ ـ تجري أصالة عدم التذكية؛ للشكّ في حصول ذلك المعنى البسيط. ويظهر من الآية الشريفة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ...﴾ أنّ الشارع لم يُبح إلّا ما ذكي.
ولا تجري أصالة عدم التذكية فيما لو أريد من التذكية نفس الاُمور التي تقدّم ذكرها؛ لعدم وجود حالة سابقة.
وأمّا لو قيل بجريان استصحاب العدم الأزلي؛ لعدم الملازمة بين حكم الشرعيّ وملاكه، فلا يترتّب الحكم بإثبات الملاك، بل إنّما يترتب بين الموضوع والحكم، فمتى وجد وجد.
وكذا لا تجري أصالة عدم التذكية فيما ليس قابلاً لها؛ لعدم الحالة السابقة كذلك، بل تجري أصالة استصحاب الحرمة؛ ضرورة أنّ حرمة أكل اللحم قبل التذكية مسلّمة.
وممّا يدلّ على ذلك: موثّقة عمار بن موسى عن أبي عبد اﷲ في حديث: <أنّه سأله عن الشاة تذبح فيموت ولدها في بطنها؟ قال: كلْه فإنّه حلال لأنّ ذكاته ذكاة أمه، فإن هو خرج وهو حيّ فاذبحه وكل، فإن مات قبل أن تذبحه فلا تأكله وكذلك البقر والإبل>( ).
فإنّ أمر الإمام بذبح الولد الخارج حيّاً ظاهر في حرمة أكل الحيوان حيّاً. هذا، ولا يقاس الحديث على جواز أكل السمك الصغير حيّاً؛ لأنّ ذكاته هي إخراجه من الماء حياً.
فإن قلت: الاستصحاب متعذّر هنا؛ لعدم كون الموضوع موجوداً في كلا الحالتين؛ ضرورة أنّ حرمة أكله حياً ثابتة للحيوان المتقوم بالحياة، وما شك في حليته هو اللحم، وهو غير الحيوان.
قلت: الموضوع هنا هو اللّحم، وأما الموت والحياة فهما من الحالات المتبادلة، فيجري الاستصحاب.
فانقدح: أنّ ما ذكره اُستاذنا المحقق من أنّه لا وجه للتفكيك بين النجاسة وحرمة الأكل بل <إذا جرت أصالة عدم التذكية، فيُحكم بالنجاسة وحرمة أكل لحمه، وإن لم تجرِ فالمرجع قاعدة الحلّ والطهارة، ولا وجه للتفكيك بينهما، فما ذهب إليه بعض الأساطين من التفكيك بينهما والقول بالطهارة وحرمة الأكل لا يستقيم، لا مع جريان أصالة عدم التذكية، ولا مع عدم جريانها>؛ في غير محله.
هذا إذا كان الكلام في الشبهة الحكمية مع فقدان النصّ، أمّا في إجمال النص:
فالكلام هو الكلام؛ لعمومية الأدلّة. وأمّا في صورة تعارض النصّين: فإن كان هناك مرجّح في أحد الطرفين أخذ به وترك الآخر، كما إذا كان هناك خبران دلّ أحدهما على حرمة لحم الأرنب، والثاني على حليته، فحينئذٍ: لابدّ من الرجوع إلى المرجّحات، ولمّا كان الخبر الدال على الحرمة موافقاً للمشهور مخالفاً للعامة، وكان كلاهما من المرجحات المنصوصة، لا جرم وجب الأخذ به وطرح الخبر الآخر.
فإن لم يكن هناك ترجيح، فمقتضى القاعدة هو التخيير، كما في باب الأمارات بناءً على الطريقيّة.
وإن قيل بالتساقط، كان مجراه الأصل؛ لفقدان النصّ حينئذٍ.
هذا، وقد يقال: إنّ تعارض النصّين في الشبهة التحريمية يكون مجرىً للاحتياط، كما ورد في الحديث: <أخوك دينك فاحتط لدينك>، ولكن لمّا كانت الرواية مرفوعة ولم يكن الكتاب معتبراً، لم يمكن الأخذ به.
أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية ـ وهي التي يكون الشكّ فيها في الاُمور الخارجيّة ـ فالمآل هو الأصل أيضاً باتّفاق كلا الفريقين: من الأخباريّ والاُصوليّ.
ثمّ إنّ وجوب الفحص مختصّ بالشبهات الحكمية، وأمّا الشبهات الموضوعية: فلا يجب الفحص في الشبهة التحريمية إجماعاً، إلّا في بعض فروع النكاح، كما إذا لم يعلم أنّ هذه زوجته أو زوجة غيره.
وأمّا الشبهات الوجوبيّة: فالظاهر عدم وجوب الفحص فيها أيضاً، إلّا إذا توقّف امتثال التكليف غالباً على الفحص، كما إذا كان موضوع التكليف من الموضوعات التي لا يحصل العلم بها إلّا بالفحص عنه. كالاستطاعة في الحجّ والنصاب في الزكاة؛ فإنّ العلم بحصول أوّل مرتبة الاستطاعة لمن كان فاقداً لها يتوقّف دائماً على الفحص، وفي مثل هذا يبعد القول بعدم وجوب الفحص؛ لأنّه لو لم يفحص لوقع في مخالفة التكليف كثيراً.
وعلى هذا: يمكن دعوى الملازمة بين تشريع مثل هذه الحكم وبين إيجاب الفحص عن موضوعه، فإطلاق القول بعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية في غير محلّه، بل الأقوى: وجوب الفحص عن الموضوعات التي يتوقف العلم بها غالباً على الفحص.
ثم إنّ عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إنّما هو فيما إذا لم تكن مقدمات العلم حاصلة بحيث لا يحتاج حصول العلم بالموضوع ـ كطلوع الفجر ـ إلى أزيد من النظر إلى تلك المقدمات. فإنّه حينئذ: يجب النظر ولا يجوز الاقتحام، بل لا يجوز الأكل والشرب اعتماداً على الاستصحاب، ولذا لو شككنا في المائع الموجود في الإناء بين كونه خلّاً أو خمراً، فإنّ حصول العلم به متوقف على النظر فلا يجوز ـ حينئذٍ ـ الاقتحام أيضاً، بل لابدّ من النظر والسؤال.
نعم، يمكن القول بعدم وجوب الفحص في خصوص باب النجاسة والطهارة؛ وذلك لما علم من التوسعة فيها التي لا تكون في غيرها.
وأمّا مقدار الفحص، فليس عليه من الشارع دليل، والظاهر: أنّ الواجب منه هو حصول اليأس عن الظفر بالدليل، فإنّ العطشان يفحص عن الماء حتّى يحصل له اليأس عنه، وهكذا سائر الموضوعات.
ولا يذهب عليك: أنّ أصالة الطهارة في الحيوان، وأصالة استصحاب الحرمة، إنّما تجريان فيما إذا لم يكن هناك أمارة تدل على التذكية من يد مسلم أو سوق المسلمين. فإن وجدت كانت حاكمة على الأصلين.
والفرق بين الأمارة والأصل في المقام: هو أنّ في الأمارة جهتين ليستا في الأصل:
الاُولى: الكاشفيّة الذاتية الموجودة فيها، فإن ما لا يكون كاشفاً بذاته، ليس للشارع إعطاؤه صفة الكاشفية، لأنّها صفة تكوينية.
والثانية: أنّ اعتبارها إنّما هو لأجل كاشفيّتها، فتكون متمّمة للكشف. وأمّا الأصل فليس له كاشفية أصلاً، كأصالة البراءة والحل، أو له، ولكن اعتباره ليس من جهتها، بل تكون كاشفيّته ملغاةً في نظر الشارع، ولذا لو شُكّ في كونه أمارة أو أصلاً مع العلم بجهة الاعتبار يحمل حينئذٍ على أنّه أصل وإن لم يعلم ذلك من الدليل.
وتشارك الأمارة الأصل في إثبات المؤدّى.
نعم، لما كانت الأمارات مثبتات وكانت لوازمها حجة دون الأصل، فالشك في الزائد شك في إثبات اللوازم والملزومات، فتجري أصالة البراءة دون الأمارة.
وكيف كان فقد استدلوا على حجيّة الأمارة بوجوه:
الأوّل: الإجماع.
وفيه: أنّه محتمل المدركية، وليس إجماعاً تعبدياً.
الثاني: السيرة العقلائية.
الثالث: السيرة المتشرعية.
الرابع: الأخبار المستفيضة، الدالّة عليه عموماً أو خصوصاً، من غير فرق بين يد المسلم والكافر، إلّا في اللحوم وما يتعلّق بها؛ فإنّه لا عبرة بيد الكافر فيها، ولا يحكم له بالملكيّة.
فمن تلك الأخبار: صحيحة البزنطي قال: <سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء، لا يدري أذكيّة هي أم غير ذكية، أيصلي فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك>( ).
ومنها: ما عن الحلبي قال: <سألت أبا عبد اﷲ عن الخفاف التي تباع في السوق؟ فقال: اشتر وصل فيها حتى تعلم أنّه ميت بعينه>( ).
ومنها: ما عن إسحاق بن عمار عن العبد الصالح  أنّه قال: <لا بأس بالصلاة في الفرا اليماني، وفيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس>( ).
فظهر: أنّ بناء العقلاء وعمل الناس كان على اعتبار اليد وترتيب آثار الملكيّة على ما في اليد لصاحبها، وليس في طريقتهم هذه ما يقتضي التعبد بالملكيّة، بل عملهم على ذلك إنّما هو لكشف اليد في نوعها على الملكية؛ ضرورة أنّ الغالب في موردها هو الكشف عن ملكيّة صاحب اليد، حيث يتصرف في ما يستولي عليه تصرف المالك، ويكون احتمال غصبيّة ذي اليد لما في يده احتمالاً ملغىً في نظرهم، فيتعاملون معه معاملة سائرالطرق العرفيّة والكواشف العقلائية.
فانقدح: أنّ ما ورد من الدليل على حجّيّة اليد عند الشارع إنّما هو إمضاء لما عليه عمل الناس طريقتهم، وليس مفاد تلك الأدلّة تأسيس أصل عملي بحيث يلاحظ فيه الشارع جهة الكاشفية، فإنّه بعيد غاية البعد.
فقوله: <لولا هذا ما قام للمسلمين سوق> ليس إلّا إمضاءً لما عليه العقلاء، وليس مسوقاً لبيان التعبّد، ومن أمعن النظر في طريقة العقلاء في باب اليد قطع ـ لا محالة ـ بأنّها من الأمارات لا من الاُصول.
وحينئذٍ: تكون اليد حاكمة على الاستصحاب، ولو سلّم فإنّها تكون مقدّمة عليه لورودها مورد الاستصحاب غالباً، والموارد التي لا يكون الاستصحاب فيها مخالفاً لليد قليلة جداً، فلو قدّم الاستصحاب لم يبق مورد لليد، فنقع في مخالفة التعليل الوارد في الآية من أنّه: لولاها لما قام للمسلمين سوق.
ثمّ إنّ اليد التي لا يعلم حالها تكون موجبة لنقل ما في اليد من الأملاك القابلة للنقل في حدّ نفسها، من غير حاجة إلى أمر يكون هو الموجب للنقل والانتقال، كما لو لم يكن ما في اليد من الأراضي الموقوفة ولا من الأراضي المأخوذة عنوة العامرة حال الفتح، فإنّها لا يجوز نقلها، إلّا إذا رأى ولي المسلمين المصلحة في نقلها.
فتحصّل: أنّ اليد إن كانت مجهولة الحال من أوّل حدوثها بحيث لم يعلم أنّها يد مالكة أو عادية أو يد أمانة شرعيّة، كاللقطة، أو أمانة مالكيّة، كالإجارة والعارية والوديعة، ولم يقرّ ذو اليد بخروجها عن ملكيّته، كانت حجّيّة اليد ـ حينئذٍ ـ من المسلّمات؛ لاحتمال انتقالها إلى ملكه.
وهذا القسم هو المتيقّن من موارد اعتبار اليد وحكومتها على استصحاب بقاء الملك لصاحبه؛ لأنّه استصحاب مثبت، ولا يثبت استصحاب بقاء الملك دليليّة اليد على ملك الغير.
هذا فيما كانت اليد من الاُصول.
وأمّا إذا كانت من الأمارات، فلا إشكال في عدم وصول النوبة إلى الاستصحاب؛ لأنّ حالها ـ حينئذٍ ـ يكون كحال سائر الأمارات في حاكميّتها على الاستصحاب.
وأمّا إذا كان حالها معلوماً من الأوّل، أنّها يد عارية أو أمانة أو إجارة ونحو ذلك، ثمّ احتمل انتقال المال إليه من أول حدوث يده عليه، فحينئذٍ قد يقال: لا إشكال في سقوط اليد والعمل على ما يقتضيه الاستصحاب؛ بداهة أنّ اليد إنّما تكون أمارة على الملك فيما إذا كانت مجهولة الحال غير معنونة بأحد العنوين المزبورة من الإجارة ونحوها، واستصحاب حال اليد يوجب تعنونها بأحدها فلا تكون كاشفة عن الملكية، ولا يبقى مجال لحكومتها باعتبار أماريّتها.
ولكن يمكن أن يقال: هذا إنّما يتم إذا كانت اليد من الاُصول، وكان دليلها شاملاً لمجهول العنوان، فإنّه يصبح معلوم الغصبية أو الأمانية ببركة الاستصحاب.
وأما على القول بأماريّتها، بأن كانت اليد من الأول يد أمانة أو غصب، ولكن احتمل انتقاله إليه، فإنّ لازم أماريتها إذ ذاك هو رفع دليل اعتبارها، ومقتضى رفع الجهل عن ملكية ما في يده هو تطبيق الملكية وبيان عدم غصبيتها ولا أمانتها كذلك، فيرتفع الاستصحاب لارتفاع موضوعه وهو الشك.
ثمّ إنّه قد تقدّم أنّ الملك تارة يكون من قبيل المفتوح عنوة، واُخرى يكون وقفاً.
أمّا في الصورة الأُولى: فإذا حصل الشك في الملكية لصاحب اليد بواسطة انتقالها إلى ذي اليد بنقل شرعي كان لذي اليد حينئذٍ أمارة شرعية ظاهراً.
وهذا بخلاف الصورة الثانية حيث يكون الملك من الأوّل وقفاً، فلا تكون اليد أمارة على الملكية؛ لما عرفته من أنّها إنّما تكون كذلك فيما إذا كان المال بطبعه قابلاً للنقل والانتقال فعلاً، فلابدّ لثبوت الملكيّة حينئذٍ من طرو أحد الاُمور التي يجوز معها النقل والانتقال. فظهر أنّ استصحاب عدم طرو ما يجوز معه النقل يقتضي بقاء الملك على مالكه الأوّل وسقوط اعتبار اليد.
فإن قلت: قد يكون الوقف قابلاً للبيع في بعض الموارد، فيتحقق الشك.
قلت: لا يخفى ضعفه لندرة مثل تلك الموارد.
فإن قلت: إنّ اليد وإن كانت أمارة على ذيها، إلّا أنّ لازم ذلك طروّ ما يسوّغ النقل إليه، وشأن الأمارة إثبات اللوازم والملزومات، فاليد كما تثبت النقل تثبت طروّ المجوّز للنقل أيضاً.
قلت: إنّما يتمّ إذا كانت قابلية النقل والانتقال من اللوازم، والحق أنها بمنزلة الموضوع، والأمارة لا تثبت الموضوع. ولذا لو كان في اليد مائع ولم نعلم أنّه خل أو خمر، مع علمنا أنّه كان خمراً سابقاً، فلا تثبت الأمارة الخلية؛ لأنّ اليد أمارة على الملك، وليس الخمر ممّا يملك، فيكون خلّاً؛ لأنّها الأمارة تثبت اللوازم.
وهذا يدلّ على أنّ المالية ليست من اللّوازم، بل هي موضوع، فاستصحاب بقاء الخمرية في المقام حاكم على اليد، وكذا استصحاب بقاء الوقفية.
فإن قلت: فأيّ فرق بين الوقف والأراضي المفتوحة عنوة؟ مع أنّه لو كان ما في اليد من الأراضي المفتوحة عنوة وادّعى الملكية تقرّ يده عليه، ولا يجري استصحاب بقائها على الحالة السابقة.
قلت: الفرق أنّ الأراضي المفتوحة عنوة وإن كانت ملكاً للمسلمين إلّا أنّها قابلة للنقل والانتقال بالفعل، غاية الأمر أنّ المصلحة العامة اقتضت أن يكون المتصدي للنقل هو ولي أمر المسلمين .
أما الوقف فلا يقبل النقل والانتقال وإن فرض بأنّه ملك للموقوف عليه، إلّا بعد طروّ مسوّغ كما عرفت.
ثمّ إذا لم يدّعِ أحد الملكية في مقابل ذي اليد، ترتبت آثار الملكية وجاز الشراء منه قطعاً. فإن ادّعى في مقابله: فإن أتى ببينة على طبق ما يدّعي أو لم يأت ولكن اعترف صاحب اليد بأنّها للمدعي: اُخذ المال من ذي اليد واُعطي للمدّعي.
وأمّا مع فقد البينة واعتراف صاحب اليد بأنّها كانت للمدّعي أوّلاً ثمّ انتقلت إليه بناقل شرعي، فهل ينتزع المال من ذي اليد ويسلم إلى المدعي أم لا؟ بل هناك تفصيل فتارة ان المال تثبت ملكيته باقرار ذي اليد واعترافه واُخرى تثبت بالبينة وثالثاً بحكم الحاكم.
ذهب المحقق النائيني إلى الأوّل حيث قال ما هذا لفظه:
<فالأقوى ـ وفاقاً للمحكيّ عن المشهور ـ انتزاع المال عن ذي اليد وتسليمه إلى المدعي؛ لأنّه بإقراره تنقلب الدعوى ويصير المدعي منكراً والمنكر مدعياً، فإنّه عند إقراره بأنّ المال كان للمدعي إمّا أن يضم إلى إقراره دعوى الانتقال إليه، وإمّا أن لا يضم إلى إقراره ذلك، بل يدعي الملكية الفعلية مع إقراره بأنّ المال كان للمدعي.
فإن لم يضمّ إلى إقراره دعوى الانتقال، يكون إقراره مكذباً لدعواه الملكية الفعلية، فإنّه لا يمكن خروج المال عن ملك من كان المال ملكاً له ودخوله في ملك ذي اليد بلا سبب، فدعواه الملكية الفعلية تكون مناقضة لإقراره، ومقتضى الأخذ بإقراره بطلان يده وعدم سماع دعواه>( ).
ولكن يمكن أن يقال: عدم ضمّ دعوى الانتقال لا يقتضي مكذبية إقراره ليده، وإنّما المكذب له هو دعوى عدم الانتقال، لا عدم دعوى الانتقال، إذ يكفي لصحة هذه مجرد احتمال الانتقال إليه واقعاً، وهو غير دعوى الانتقال. فلا يمكن في هذه الصورة دعوى عدم انتزاع المال من يده لعدم منافاة إقراره مع اليد الكاشفة عن الملكية الفعلية.
ثم قال: <وإن ضمّ إلى إقراره دعوى الانتقال إليه تنقلب الدعوى ويصير ذو اليد مدعياً للانتقال إليه، فإنّه يخالف قولُه الأصلَ المعوّل عليه في المسألة ـ وهو أصالة عدم الانتقال إليه ـ فينطبق على ما ذكرناه في محله في تشخيص المدّعي والمنكر من أنّ المدّعي هو الذي إذا ترك دعواه وأعرض عنها ترك وارتفعت الخصومة من بينهما، فإنّ ارتفاع الخصومة من البين إنّما هو لأجل كون المرجع هو الأصل الجاري في المسألة الموافق لقول أحدهما>( ).
ولكن يمكن أن يقال: إنّ مجرد عدم أماريّة اليد على الانتقال لا تسقط اليد عن الأمارية على نحو الإطلاق، أو فقل: لا يسقطها عن الأمارة على الملكية الصرفة، فتبقى اليد على حجيتها ولا يمكن انتزاع المال من يد ذي اليد.
فإن قلت: إنّ أصالة عدم الانتقال لا تكفي للمدعى.
قلت: لكن يكفي لذي اليد استمساك المال أيضاً، فيكون دليلاً على الملكية، ولا تكون إحدى الحجّتين رافعة للاُخرى، كما لا تفيد دعوى الانقلاب في رفع هذه الشبهة، غايته: أنّ أصالة عدم الانتقال تجعل مدّعيه مدّعياً على خلاف الحجّة في دعواه، ولكن هذا المقدار لا يقتضي انتزاع المال من يد من بيده المال؛ لعدم قصور اليد عن الحجيّة على صرف الملكيّة وإن لم يثبت الانتقال. وحينئذٍ: لا يمكن انتزاع المال بأصالة عدم الانتقال ما لم تنضمّ إليها مقدّمة اُخرى.
نعم، بناءً على الإجماع والشهرة على الانقلاب، يكونان سبباً لحجّية أصالة عدم الانتقال؛ ضرورة أنّ جريان هذا الأصل يجعل المدعي منكراً، فحجيّته بلحاظ ترتب أثر عدم الانتقال من بقاء الملكية عليه. فإذا قامت الأمارة على ملكية الغير لم يترتب الأثر المزبور، ومع عدم ترتبه لا معنى لحجية أصالة عدم الانتقال.
فيستكشف من الشهرة والإجماع عدم حجية اليد، فينتزع المال من ذي اليد، ومع عدم اقتران الأصل بدعوى الانقلاب تبقى اليد على حجيتها، ولازمه عدم حجية الأصل.
ثم إنّ المحقق النائيني بعد أن ذكر أنّه لا إشكال في أنّ ذا اليد لو ترك دعواه الانتقال إليه بعد إقراره بأن المال كان للمدعي ترتفع الخصومة من البين، وكان المرجع بعد الإقرار أصالة عدم الانتقال ولا يجوز التعويل على اليد؛ لسقوطها بالاقرار...
قال ما إليك نصّه:
<ربما يتوهم المنافاة بين ما ذكرنا: من انقلاب الدعوى في صورة إقرار ذي اليد بأنّ المال كان للمدعي، وبين ما ورد في محاجّة أمير المؤمنين مع أبي بكر في قصة فدك على ما رواه في الاحتجاج( ) مرسلاً عن مولانا الصادق في حديث فدك: (إنّ أمير المؤمنين: قال لأبي بكر تحكم فينا بخلاف حكم اﷲ في المسلمين؟ قال لا، قال: فإن كان في يد المسلمين شيءٌ يملكونه ادّعيت أنا فيه، مَنْ تسأل البينة؟ قال: إيّاك كنت أسأل على ما تدعيه، قال: فإذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي! وقد ملكته في حياة رسول اﷲ وبعده! ولم تسأل المؤمنين على ما ادّعوا عليّ! كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم!) الخبر>( ).
فإنّ مقتضى تلك القاعدة: أنّ على الزهراء الإتيان بالبيّنة؛ لأنّها انقلبت من منكرة إلى مدّعية، مع أن أمير المؤمنين نفى في الخبر كون البينة عليها، بعد البناء على أنّ ما تركه النبي لم ينتقل إلى وارثه بل يكون صدقة للمسلمين لما رووه عنه من قوله: <نحن معاشر الأنبياء لا نورث درهماً ولا ديناراً>( ).
فيكون المسلمون بمنزلة الوارث له، وحيث إنّ أبا بكر ولي المسلمين كان له حق مطالبة البيّنة من الصدّيقة على ما ادّعته من أنّ رسول اﷲ قد ملّكها فدكاً في أيّام حياته.
وحينئذٍ: تكون البيّنة على الطرف الآخر وهو أبو بكر، فبما أنّه يدعي ولاية المسلمين لابدّ له من الإتيان بالبيّنة، فاحتج الأمير على هذه الدعوى.
ولكنّ المحقّق النائيني بعد ادّعائه الانقلاب، أفاد: أنّ الحكم لا ينقلب هنا، بل يكون أبو بكر هو المدّعي، فإقرارها أنّ فدك كان ملكاً للنبي لا يوجب انقلاب الدعوى بعد أن بين أنّ انتقال المال إلى المسلمين ليس كانتقال المال من المورث إلى الوارث؛ ضرورة أن انتقال الملك إلى الوارث يكون بتبدلّ الملك الذي هو أحد طرفي الإضافة، وانتقاله إلى المسلمين إنّما هو بتبدّل أصل الإضافة؛ فإنّ الملكيّة عبارة عن الإضافة الخاصة القائمة بين المالك والمملوك.
فللملكيّة طرفان: طرف المالك وطرف المملوك، ففي البيع تبدل الإضافة يكون من طرف المملوك أما الملك فيبقى على ما حاله من الملكية، غايته: أنّ طرف الإضافة قبل البيع هو المثمن، وبعده هو الثمن، فيقوم مقامه ويصبح هو طرف الإضافة( ).
وأمّا في الإرث، فالتبدّل يكون من طرف المالك مع بقاء المملوك على حاله، غايته: أنّ طرف الإضافة قبل موت المورث هو نفس المورّث، وبعد موته يقوم الوارث مقامه ويصبح هو طرف الإضافة.
وقد يكون بتبدّل أصل الإضافة بمعنى انعدام الإضافة القائمة بين المالك والمملوك، وتحدث إضافة اُخرى لمالك آخر كما في الهبة، فإن انتقال المال إلى المتّهب بالهبة ليس كانتقال المال إلى الوارث ولا من قبيل انتقاله بالبيع، بل انتقاله إليه يكون بإعدام الإضافة بين الواهب والموهوب وحدوث إضافة اُخرى بين المتهب والموهوب.
فظهر: أنّه بناء على ثبوت الخبر المجعول، فلا يكون انتقال المال إلى الوارث كانتقاله إلى المسلمين، بل يكون كانتقال المال من الواهب إلى المتهب والموصى له والموصى به؛ لأنّ المسلمين لم يرثوا المال من النبي حتى يكون سبيلهم سبيل الوارث.
وبعد قيام الوارث منزلة المورث، لا يكون إقرار فاطمة بأن الملك كان لرسول اﷲ إقراراً بأنه ملك للمسلمين؛ لوضوح عدم قيام المسلمين مقام النبي، بل غايته أنّه يصرف في شؤونهم، فلا ينتزع عن يده، فتبقى أصالة عدم الانتقال وهذا محكوم باليد.

ثمّ هل تعدّ هذه المسألة من المسائل الاُصولية، أم هي من القواعد الفقهية.
لا يخفى: عدم اُصوليّة هذه المسألة؛ لعدم وقوعها كبرى في قياس الاستنباط ـ على ما هي الضابطة في القاعدة الاُصولية ـ بل تستنتج منها الملكيات الشخصية وغيرها من الاُمور الجزئية التي تثبت لذي اليد كالسلطة على الطفل الصغير، فحالها حال سائر القواعد المستعملة في الأحكام الجزئية كالبيّنة وأصالة الصحّة وقاعدة الفراغ والتجاوز وبقيّة الموضوعات الخارجية التي يستنبطها الفقيه ويفتي بها ثمّ يطبّقها المقلّد ويعمل بمضمونها.
وأنت خبير: بأنّه لا حظّ للمقلّد في تطبيق المسألة الاُصوليّة، بل إنّما تطبيقها بيد المجتهد؛ مضافاً إلى تعلّق المسألة الاُصوليّة بكيفية العمل مع الواسطة، بخلاف المسألة الفقهيّة حيث تتعلّق بها بلا واسطة.