الكلام في أصالة الصحّة

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الكلام في أصالة الصحّة


والكلام فيها في اُمور:

الأمر الأوّل:
هل أصالة الصحّة وقاعدة الفراغ شيء واحد أم لا؟
ذهب المحقّق الأصفهانيّ إلى الأوّل؛ لأنّه أرجعهما إلى أصالة الصحّة في عمل نفسه وعمل غيره.
ولكنّ الحقّ أنّهما مختلفتان من جهتين:
أمّا الأُولى: فهي الموضوع؛ فإنّ موضوع قاعدة الفراغ هو الشكّ الحادث بعد العمل، ويكون في عمل نفسه. وأمّا قاعدة الصحّة فالشكّ فيها في عمل الغير، أعمّ من أن يكون بعد الفراغ من العمل، أو أثناء مباشرة العمل.
وأمّا الثانية: فهي في منشأ الشكّ؛ فإنّ الشكّ في موارد قاعدة الفراغ غالباً ما يكون ناشئاً عن الشكّ في الغفلة، وأمّا الغالب في موارد قاعدة الصحّة فهو أن يأتي الشكّ من جهة عدم مبالاة العامل وتسامحه، وبينهما بون شاسع كما لا يخفى.

الأمر الثاني:
استدلّ على حجّيّة هذه القاعدة بالكتاب والسنّة والإجماع والعقل والسيرة المستمرّة بين المسلمين.
أمّا الكتاب:
فقد استدلّوا منه بآيات:
منها: قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾( )، وعن أبي جعفر الباقر: <فقولوا للناس ما تحبّون أن يقال لكم>( ). <فإنّ اﷲ يبغض اللّعّان السبّاب الطعّان على المؤمنين، المتفحّش السائل الملحف، ويحبّ الحييّ الحليم العفيف المتعفّف>( ).
وقد جاء تفسيرها في الكافي: <قولوا للناس حسناً ولا تقولوا إلّا خيراً حتى تعلموا ما هو؟>( )، أي: اعتقدوا بذلك ورتّبوا آثار الاعتقاد الصحيح حتى في معاملاتهم مع الغير.
وفيه: أنّ الآية لا تدلّ على محلّ البحث، بل هي غير مربوطة أصلاً بترتيب آثار الاعتقاد الصحيح، بل لو سُلِّم دلالتها على الأمر بترتيب الآثار، فهي إنّما تدلّ على ترتيب آثار الحسن لا الصحيح.
ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾( )، فإنّ المقصود بالظنّ الذي هو إثم فيها خصوص ظنّ السوء ضرورة أنّ ظنّ الخير لا يكون إثماً، فيكون المراد النهي عن ترتيب آثار ظنّ السوء، بعد أن كان الظنّ غير قابل لتعلّق التكليف به، ومعه: فلابدّ أن يحمل عمله على الصحّة.
ولكن فيه: أنّ الآية لو كانت تدلّ على حرمة ترتيب الآثار فهي إنّما تدلّ على حرمة ترتيب آثار العمل السيِّئ ، لا العمل الفاسد، فيكون الاستدلال بها أجنبيّاً عن المدّعى.
وأمّا السنّة:
فقد استدلّوا منها بروايات:
منها: ما رُوِي من قول أمير المؤمنين: <ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه، ولا تظنّنّ بكلمةٍ خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً>( ).
ولكنّ هذه الرواية ـ أيضاً ـ محمولة على الأمر بحسن الظنّ والاعتقاد بالمؤمن. وعلى فرض التنزل والبناء على أنّ المراد بها هو وجوب ترتيب الآثار، فلا يكون المراد بها إلّا وجوب ترتيب آثار العمل الحسن لا الصحيح، فلا ربط لها فيما نحن فيه.
والحقّ ـ كما أفاده الاُستاذ المحقّق ـ أنّ عمدة الدليل على هذا الأصل هي <سيرة العقلاء كافّةً، من جميع الملل، في جميع العصور، من أرباب جميع الأديان، من المسلمين وغيرهم، والشارع لم يردع عن هذه الطريقة، بل أمضاها كما هو مفاد الأخبار في أبواب متعدّدة.
بل يمكن أن يقال: لو لم يكن هذا الأصل معتبراً لا يمكن أن يقوم للمسلمين سوق، بل يوجب عدم اعتباره اختلال النظام، كما ادّعاه شيخنا الأعظم الأنصاريّ>( ).

الأمر الثالث:
هل المراد من الصحّة هي الصحّة الواقعيّة أم الصحّة باعتقاد العامل؟
الظاهر: الأوّل، دون الثاني؛ لأنّ الصحّة التي يبني عليها العقلاء في المعاملات بعد وقوعها هي الصحّة الواقعيّة؛ لأنّ الذي يوجب ترتيب الأثر لدى جميع الناس هو خصوص الصحّة الواقعيّة؛ وأمّا اعتقاد الصحّة عند الفاعل، فلا يكون مثمراً للثمر، ولا يكون موجباً لترتيب آثار الصحّة عند سائر الناس، مع أنّنا نرى أنّ جميع الناس يرتّبون آثار هذا الفعل عليه بعد وقوعه من الفاعل، فإذا باع شخص داره، فإنّ الناس يحملونه على الصحّة الواقعيّة، ويرتّبون على فعله هذا آثار الصحّة.

الأمر الرابع:
أنّ العقلاء إنّما يُجْرون هذا الأصل ويحملون على الصحّة فيما إذا كان عنوان العمل محرزاً؛ فإنّ بناء العقلاء قائم على أنّ العمل الصادر من الغير بعد صدوره بعنوان الغسل ـ مثلاً ـ واحتمل فقد جزء، أو شرط، أو وجود المانع، يبنون على الصحّة، ولا يعتنون بذلك الاحتمال.
وأمّا لو لم يعلم أنّه هل قصد الغسل أو السباحة فليس لهم بناء على صحّة هذا الغسل.
نعم، الحمل على الصحّة إنّما يتمّ في التوصّليّات، كالتطهير من الخبث، حتى لو لم يحرز أنّه بهذا العمل قصد تطهير ثوبه ـ مثلاً ـ أم لا، فلو رأى شخصاً يغسل ثوبه ولو لم يعلم بأنّه كان بصدد تطهير ذلك الثوب، وقلنا بأنّ الغسل شرط، وشككنا في أنّه هل عصره أم لا؟ فيمكن أن يحمل على الصحّة.
وأمّا في التعبّديات، كما إذا شكّ في أنّه هل قصد الغسل أو السباحة، فليس بناؤهم على الصحّة؛ لما عرفت من أنّ هذا الأصل لا يجري إلّا بعد إحراز عنوان العمل؛ لأنّ قصد العنوان في العناوين القصديّة يكون بمنزلة الموضوع لهذا الأصل، ومعلوم أنّه لا معنى لإجراء هذا الأصل مع كون الشكّ شكّاً في موضوعه.

الأمر الخامس:
أنّ هذا الأصل لا يجري إلّا بعد وجود الشيء، فمثلاً: لو صلّى على الميت، وشككنا في صحّة صلاته، فحينئذٍ: نحملها على الصحّة.
وبعبارة أُخرى: فلو أتى بعمل وشككنا بأنّه صحيح، أي تامّ من ناحية الأجزاء والشرائط وعدم الموانع ويترتّب عليه الأثر المقصود منه أم لا؟ فبمقتضى هذا الأصل نحكم بالصحّة، ويترتّب عليه الأثر المقصود منه.
وأمّا قبل وجوده فلا معنى لأن يحكم عليه بالصحّة، ولا لأن يقال: إنّ ما يريد أن يأتي به صحيح وتامّ ويترتّب عليه الأثر.
فلو شكّ في أثناء عمل شخص بأنّ ما يأتي به هل هو صحيح أم لا؟ لا مورد لجريان أصالة الصحّة؛ فلو أراد رجل أن يصلّي على الميت، أو أن يغسّله، فلا يمكن إجراء أصالة الصحّة قبل وجود هذه المذكورات.
وأمّا في أثناء العمل فبالنسبة إلى الأجزاء التي أتى بها يمكن جريان أصالة الصحّة، دون ما لم يأتِ بها، وهذا من جملة الفروق بين أصالة الصحّة وبين قاعدة الفراغ؛ فإنّه لا يشترط في جريان أصالة الصحّة الدخول في الغير، بخلاف قاعدة الفراغ، فإنّ الدخول في الغير يكون شرطاً في جريانه.
ويعود السبب في ذلك إلى أنّ معنى أصالة الصحّة عند العقلاء هو أنّ العمل الذي صدر عن الغير، ويشكّ فيه أنّه أوجده صحيحاً تامّاً أم لا، فالعقلاء يبنون على صحّته وتماميّته.

الأمر السادس:
في جريان هذا الأصل في العقود والإيقاعات.
والتحقيق: أنّ أصالة الصحّة فيها تكون مقدَّمةً على أصالة الفساد، التي هي عبارة عن أصالة عدم النقل والانتقال في المعاملة، سواء قلنا بأنّ المدرك هنا ـ أيضاً ـ هو سيرة العقلاء، أم الإجماع، ثمّ على الثاني، سواء قلنا بوجود إجماع آخر خاصّ بباب المعاملات، وهي العقود والإيقاعات، أم قلنا بتحقّق إجماع واحد مطلق يدلّ على اعتبارها في جميع الموارد.
وفي المقام قال اُستاذنا المحقّق:
<إنّما الكلام في أنّ جريانها في مورد الشكّ في صحّتها مطلقاً، سواء أكان الشكّ من جهة احتمال وقوع خلل في شرائط العقد أو في شرائط المتعاقدين أو في العوضين، أو لا يجري إلّا في مورد الشكّ في شرائط نفس العقد، دون شرائط المتعاقدين، أو العوضين، أو يجري فيما سوى الشروط العرفيّة للمتعاقدين أو العوضين؟
فبناءً على الاحتمال الأوّل تكون حاكمة على كلّ أصل يقتضي فساد العقد، سواء كان ذلك الأصل المقتضي للفساد جارياً في شرائط العقد، أو في شرائط المتعاقدين، أو في شرائط العوضين.
وبناءً على الاحتمال الثاني، تكون حاكمةً على الأصل الذي يقتضي الفساد الجاري في شرائط نفس العقد، دون ما يقتضي الفساد الجاري في شرائط المتعاقدين أو العوضين.
وبناءً على الاحتمال الثالث تكون حاكمةً على كلّ أصل يقتضي الفساد، إلّا إذا كان ذلك الأصل الذي يقتضي الفساد جارياً في الشرائط العرفيّة للعوضين أو المتعاقدين، مثلاً: بناءً على هذا الاحتمال لو شكّ في ماليّة العوضين، أو في رشد المتعاقدين، أو أحدهما، فلا تجري أصالة الصحّة كي تكون حاكمة على أصالة عدم ماليّة العوضين، أو أصالة عدم رشد المتعاقدين، أو أحدهما>( ).
ثمّ إنّ المدرك لو كان هو الإجماع، فالصحيح كما أفاد المحقّق النائيني أنّه <لا يبعد أن تكون أصالة الصحّة في العقود بنفسها معقد الإجماع بالخصوص، مع قطع النظر عن الإجماع على أصالة الصحّة في مطلق عمل الغير، وحيث إنّ أصالة الصحّة في العقود من المسائل المهمّة التي تعمّ بها البلوى، خصوصاً في باب الترافع والتخاصم؛ فإنّ قطع الخصومة وتشخيص المدّعي والمنكر يتوقّف على تعيين مقدار سعة أصالة الصحّة ليكون المنكر من وافق قوله لها فينبغي بسط الكلام فيها>...
إلى أن يقول:
<وليس لمعقد الإجماع إطلاق يعمّ جميع موارد الشكّ في الصحّة والفساد. بل القدر المتيقّن منه هو ما إذا كان الشكّ في الصحّة والفساد مسبّباً عن الشكّ في تأثير العقد للنقل والانتقال بعد الفراغ عن سلطنة العاقد لإيجاد المعاملة من حيث نفسه ومن حيث المال المعقود عليه.
وبعبارة أوضح: أهليّة العاقد لإيجاد المعاملة وقابليّة المعقود عليه للنقل والانتقال إنّما يكون مأخوذاً في عقد وضع أصالة الصحّة، فلا محلّ لها إلّا بعد إحراز أهليّة العاقد وقابليّة المعقود عليه، فأصالة الصحّة إنّما تجري إذا كان الشكّ راجعاً إلى ناحية السبب من حيث كونه واجداً للشرائط المعتبرة فيه أو فاقداً له.
وأمّا لو كان الشكّ راجعاً إلى أهليّة العاقد أو قابليّة المعقود عليه للنقل والانتقال، فالمرجع هو سائر الاُصول العمليّة حسب ما يقتضيه المقام>.
ثمّ قال:
<إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الشكّ في الصحّة والفساد إن كان مسبّباً عن الشكّ فيما يعتبر في الإيجاب والقبول ـ من العربيّة والماضويّة والموالاة ونحو ذلك ممّا ذكره الفقهاء رضوان اﷲ تعالى عليهم في شروط العقد ـ تجري فيه أصالة الصحّة.
وإن كان الشكّ في الصحّة والفساد مسبّباً عن الشكّ في فقدان شرط من شروط العوضين: فإن كان للشرط دخل في ماليّة العوضين عرفاً أو شرعاً ـ كالخمر ـ، أو كان للشرط دخل في قابليّتهما للنقل والانتقال ـ كالوقف ـ فلا تجري فيه أصالة الصحّة>( ).
ولا يخفى: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ لو كان المدرك هو الإجماع، ولكنّه إجماع منقول ومحتمل المدركيّة. وأمّا لو كان المدرك هي سيرة العقلاء، فهي إنّما تجري فيما إذا شكّ في الشرط المحتمل الفقدان في أنّه هل هو من شرائط المتعاقدين أو العوضين، وكذلك الحال في المانع المحتمل الوجود.
ولذا ردّ المحقّق الأصفهانيّ( ) على المحقّق النائيني بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ قصور معقد الإجماع غير ضائر بعد قيام السيرة العمليّة على إمضاء المعاملات المشكوكة، ولو كان منشأ الشكّ هو الشكّ في الإخلال بشرط من شرائط العوضين أو المتعاقدين.
الثاني: أنّ الصحّة والفساد في أيّ حال تُضافان إلى العقد دون غيره، وهذا لا يرتبط بإضافة الشرط إلى غيره، فكون الشرط لغيره لا يضرّ في إضافة الفساد للعقد عند انتفاء هذا الشرط. ومعقد الإجماع هو البناء على صحّة العقد عند الشكّ، لا البناء على وجود شرط العقد كي لا يكون شاملاً لموردٍ يكون الشكّ فيه في شرط المتعاقدين أو العوضين.
الثالث: أنّ الدعوى المذكورة تبتني على انعقاد إجماعين قوليّين: أحدهما: في باب العبادات، والآخر: في باب العقود والإيقاعات بعنوانها.
وأمّا مع انعقاد الإجماع على البناء على صحّة كلّ عمل له أثر ـ سواء كان عباديّاً أم معامليّاً ـ فلا وجه للدعوى المذكورة؛ لأنّ الصحّة في معقد الإجماع لم تسند إلى العقد بما هو عقد، بل إلى العمل العباديّ أو المعامليّ، وظاهر أنّ جميع الشرائط دخيلة في ترتّب الأثر على المعاملة بما هي معاملة.
نعم، حتى لو كان المدرك هو السيرة، ولكن مع ذلك فلا يجري هذا الأصل في مورد يعلم بجهل العامل بالصحيح والفاسد، حيث إنّ مطابقة عمله للصحّة الواقعيّة، والحالة هذه، تكون من باب المصادفة ليس غير.
قال اُستاذنا المحقّق ما نصّه:
<فتلخّص من مجموع ما ذكرنا: أنّ ما شكّ في صحّته وفساده، تارةً هو السبب، أي: العقد، وأُخرى هو المسبّب أي: المعاملة الكذائيّة، كالبيع ـ مثلاً ـ.
فإن كان هو العقد واحتمل عدم صحّته، أي: عدم تماميّته من حيث الأجزاء والشرائط وعدم الموانع، بحيث يشكّ في ترتّب الأثر المقصود منه عليه، ولو انضمّ إليه سائر الشرائط المعتبرة في المتعاقدين، فلا شكّ في جريان أصالة الصحّة في نفس العقد إذا لم يكن الشرط المحتمل الفقدان، أو المانع المحتمل الوجود ممّا له دخل في تحقّق عنوان العقد عرفاً؛ لما ذكرنا من لزوم تحقّق ما هو موضوع أصالة الصحّة.
فبعد إحراز ما هو موضوع أصالة الصحّة يثبت به الشرط المحتمل الفقدان، وأيضاً: يثبت عدم المانع المحتمل الوجود، فيترتّب على ذلك العقد الأثر المقصود، أي: المعاملة الفلانية إذا انضمّ إليه سائر ما اعتبر في المعاملة من شرائط المتعاقدين، كبلوغهما ورضائهما، بمعنى: عدم كونهما مكرهين، أو أحدهما مكرهاً، وأمثال ذلك، ومن شرائط العوضين، ككونهما قابلين للنقل والانتقال، كأن لا يكون أحدهما حرّاً مثلاً، وأن يكونا مملوكين، بأن لا يكونا من قبيل الخمر والخنزير.
وذلك من جهة أنّ صحّة العقد ليس معناها ترتّب أثر المعاملة الصحيحة عليه بمجرّده، بل معنى صحّته أن يترتّب الأثر المطلوب من المعاملة عليه لو انضمّ إليه سائر ما اعتبر من المعاملة من شرائط المتعاقدين والعوضين، وذلك من جهة أنّ الصحّة التعبّديّة الثابتة بأصالة الصحّة ليست بأعظم من الصحّة المحرزة بالوجدان، ومعلوم أنّ صحّة العقد واقعاً وقطعاً لاتترتّب عليها آثار صحّة المعاملة ما لم ينضمّ إليه جميع الشرائط التي للمتعاقدين، وأيضاً للعوضين.
وأمّا إن كان ما شكّ في صحّته وفساده هو المسبّب، أي: المعاملة الكذائيّة لأجل احتمال خللٍ، من فقد شرط، أو وجود مانع للعقد أو للمتعاقدين أو العوضين، فيجري هذا الأصل فيها ويحكم بصحّتها، سواء كان الشرط المحتمل الفقدان، أو المانع المحتمل الوجود، من شرائط العقد أو موانعه، أو من شرائط المتعاقدين وموانعهما، أو العوضين، أو نفس المسبّب كذلك، ما لم يكن من مقوّمات تحقّق المعاملة عرفاً؛ لما بيّنّا مفصّلاً، فلا نعيد>( ).
وأمّا المحقّق العراقي فقد ذهب إلى جريان الأصل عند الشكّ في أي شرط مع إحراز الشرائط العرفيّة للعقد؛ فإنّه بعد أن ذكر أمرين:
الأوّل: أنّ الشرائط المعتبرة في صحّة العقد وتأثيره الفعليّ لترتّب الأثر ليست على نمط واحد:
فمنها: ما يرجع اعتباره إلى دخله في السبب، وهو العقد، كالموالاة بين الإيجاب والقبول، والماضويّة، وغيرهما.
ومنها: ما يرجع اعتباره إلى دخله في قابليّة المسبّب للتحقّق، وهذه الطائفة: بين ما يكون محلّه المتعاقدين، كالبلوغ والعقل وغيرهما، وبين ما يكون محلّه العوضين، كالمعلوميّة والماليّة، وبين ما يكون محلّه نفس المسبّب، كعدم الربويّة والغرريّة في البيع.
والثاني: أنّ صحّة كلّ شيء بحسبه؛ لكونها بمعنى التماميّة، وتماميّة كلّ شيء إنّما هي بلحاظ وفائه بالأثر المرغوب عنه، في قبال فاسده، الذي لا يكون كذلك، فصحّة الإيجاب بمعنى أنّه لو تعقّبه قبول صحيح لحصل أثر العقد، وصحّة العقد عبارة عن تماميّته في نفسه، بحيث لو ورد على محلٍّ قابل لأثر فيه النقل والانتقال، وترتّب عليه الأثر المرغوب. فهي ـ أعني: الصحّة ـ في العقد عبارة عن مفاد قضيّة تعليقيّة، لا تنجيزيّة، وهو كونه بحيث لو ورد على محلٍّ قابل لاتّصف بالمؤثّريّة الفعليّة.
ثمّ بعد أن ذكر هذين الأمرين أفاد:
أنّ الشكّ في الصحّة والفساد إن كان مسبّباً عن الشكّ في وجود بعض الشرائط العرفيّة للسبب أو المسبّب، كالشكّ في التوالي بين الإيجاب والقبول المعتبر عرفاً، ومطلق الماليّة في العوضين، فلا تجري أصالة الصحّة، لا في السبب، ولا في المسبّب؛ لرجوع هذا الشكّ إلى الشكّ في مجرى أصالة الصحّة، مع أنّه لابدّ من إحراز عنوان موضوعه عرفاً.
وإن كان مسبّباً عن الشكّ في وجود بعض الشرائط الشرعيّة مع إحراز الشرائط العرفيّة، فإن كان الشرط المشكوك فيه من شرائط العقد، جرت أصالة الصحّة في العقد؛ لأنّه عقد عرفيّ مشكوك الصحّة والفساد شرعاً.
وإن كان من شرائط المسبّب، كالبيع، فلا تجري أصالة الصحّة في العقد لإحراز صحّته؛ لأنّها مفاد قضيّة تعليقيّة، وهي محرزة ولو مع القطع بانتفاء شرط المسبّب، وإنّما تجري في نفس المسبّب، وهو البيع ـ مثلاً ـ؛ لأنّه بيع عرفيّ مشكوك الصحّة والفساد شرعاً، وإن كان من شرائط السبب والمسبّب، بأن كان الشكّ من الجهتين، جرت أصالة الصحّة في السبب والمسبّب( ).
والحقّ: أنّه مع كون الدليل هو السيرة فيجري هذا الأصل في جميع صور الشكّ في صحّته وفساده بعد إحراز موضوع الصحّة عرفاً، بلا فرق بين أن يكون الشكّ في ناحية السبب، أي: العقد، أو المسبّب، أي: عناوين المعاملات المذكورة في أبواب العقود والإيقاعات.
ومعلوم: أنّ جميع الشكوك التي يكون محلّها إمّا العقد أو المتعاقدين أو العوضين ترجع إلى السبب أو المسبّب أو كذبهما فيكفي في جريانها إحراز القابليّة العرفيّة دون الشرعيّة، خلافاً للاُستاذ الأعظم الذي قال باختصاص جريان أصالة الصحّة في مورد الشكّ في شروط العقد دون غيره، واشترط في جريانها إحراز القابليّة الشرعيّة والعرفيّة في الفاعل والمورد( )، واختصّ جريان الأصل في موارد الشكّ في شروط العقد دون غيره، وذلك تبعاً لاُستاذه المحقّق النائيني( ).
فإنّه بعد أن حرّر موضوع المسألة وبيّن صور الشكّ، وذكر أنّ المحقّق الثاني والعلّامة ذهبا إلى عدم جريان أصالة الصحّة عند الشكّ في قابليّة الفاعل أو المورد العرفيّة والشرعيّة، حكم بصحّة ما ذهب إليه متمسّكاً بذلك بعدم وجود دليل لفظيّ لأصالة الصحّة كي يتمسّك بعمومه وإطلاقه، بل دليلها ليس سوى السيرة، ولم يحرز قيامها على ترتيب آثار الصحيح عند الشكّ في القابليّة، وهو كافٍ في الحكم بعدم جريان أصالة الصحّة، بل المحرز قيامها على عدم ترتيب الآثار، وقد ضرب لذلك مثالين:
أحدهما: ما لو باع زيد دار عمرو مع اعترافه بكونها دار عمرو، وشكّ في كونه وكيلاً عن عمرو أو لا.
والثاني: ما لو طلّق زيد زوجة عمرو، وشكّ في كونه وكيلاً عنه.
فإنّ العقلاء لا يرتّبون آثار البيع الصحيح أو الطلاق الصحيح على ما صدر من زيد، وهذا لا يرجع إلّا لعدم ترتيب آثار الصحّة عند الشكّ في القابليّة.
ثمّ قال: <وأمّا ما ذكره الشيخ من قيام السيرة على ترتيب الآثار على المعاملات الصادرة من الناس في الأسواق مع عدم إحراز قابليّة الفاعل، فهو وإن كان مسلّماً، إلّا أنّه من جهة قاعدة اليد، فإنّه لولاها لما استقام للمسلمين سوق، فلا ربط له بأصالة الصحّة.
وإن شئتَ قُلْت: قابليّة الفاعل في الموارد المذكورة محرزة بقاعدة اليد، لا أنّ أصالة الصحّة جارية مع عدم إحراز القابليّة، فالأمثلة المذكورة خارجة عن محلّ الكلام>( ).

الأمر السابع :اختلاف الصحّة بحسب مواردها:
لا يخفى: أنّ الصحّة على قسمين: تأهّليّة وفعليّة.
أمّا التأهّليّة: فهي عبارة عن قابليّة الجزء لكي يترتّب عليه الأثر الشرعيّ لو انضمّ إليه غيره من الأجزاء ممّا له دخل في ترتّب هذا الأثر، وفي الواقع، هي عبارة عن قابليّة ذلك الجزء فيما لو انضمّت إليه بقيّة الأجزاء أن يشكّل مع تلك الأجزاء مجموعاً هو عبارة عن عبادة أو معاملة تامّة.
وأمّا الصحّة الفعليّة: فهي الصحّة بمعنى تماميّة جميع الأجزاء والشرائط، سواء كان موردها عبادة أم عقداً، بحيث يترتّب عليه ما له من الآثار فعلاً.
فاتّصاف الجزء بالصحّة التأهّليّة لا يتوقّف على انضمام بقيّة الأجزاء فعلاً إليه، وأمّا الصحّة الفعليّة، فالاتّصاف بها متوقّف على توفّر جميع الأجزاء، فالمتّصف بها ليس إلّا المجموع المركّب، وهو لا يتّصف بغيرها، وأمّا الذي يتّصف بالصحّة التأهّليّة فليس إلّا الجزء.
ومن هنا يتّضح: أنّ صحّة كلّ شيء بحسبه، فالجزء لا يتّصف بالصحّة الفعليّة، والكلّ بالنسبة إلى أثره بعكسه، فهو لا يتّصف إلّا بالصحّة الفعليّة.
ومن هنا ظهر: أنّ جريان أصالة الصحّة في الإيجاب في البيع ـ مثلاً ـ لا يجدي لإثبات الصحّة في الإجازة، بمعنى: أنّه لا تثبت إجازة المالك به؛ لأنّها صحّة تأهليّة، فلا تدلّ على أزيد من صحّة الإيجاب.
وكذا ما إذا شكّ في تحقّق القبض في الصرف والسلم، فإنّ جريان أصالة الصحّة في العقد لا يدلّ على تحقّق القبض في المجلس الذي هو شرط في صحّة تلك المعاملة ووقوع النقل والانتقال شرعاً.
ولكن يمكن القول هنا بجريان أصالة الصحّة فيما لو أحرزنا تحقّق المعاملة في نظر العرف، فإذا شككنا ـ حينئذٍ ـ في عدم وجود شرط اعتبره الشارع في صحّة المعاملة، كمثل القبض في المجلس في مسألة بيع الصرف، أمكن التمسّك بأصالة الصحّة لإثبات وجوده.
وكذلك فقد يستشكل في جريان أصالة الصحّة في موارد:
منها: بيع الوقف بعد ثبوت عدم صحّة هذا البيع لو خُلّي ونفسه، وأنّه لا يجوز إلّا بطروّ شيءٍ من المجوّزات التي ذكروها لبيعه، فإذا ادّعى البائع للوقف وجود شيءٍ من هذه المجوّزات، فهل تثبت أصالة الصحّة وجوده ـ أعني: المجوّز ـ وصحّة بيعه؟ الظاهر العدم بعد أن كان بناء بيع الوقف على الفساد.
نعم، يمكن إثبات الصحّة من ظهور حال المسلم في أنّه لا يرتكب ما لا يجوز، إلّا أنّ هذا المعنى مغاير لأصالة الصحّة التي ثبتت حجّيّتها ببناء العقلاء.
ولكن يمكن القول: بأنّ البائع للوقف إن كان هو الناظر أو الحاكم الشرعيّ، فحيث إنّه يمكن أن يكون صحيحاً مع وجود أحد المسوّغات، وحيث إنّ وجود المسوّغ لم يكن من مقوّمات تحقّق بيع الوقف عرفاً، بل هو ممّا اعتبره الشارع في صحّته، فتجري أصالة الصحّة حينئذٍ، وتكون حاكمةً على أصالة عدم وجود المسوّغ، كما هو شأن أصالة الصحّة في سائر المقامات، حيث تُقدَّم على جميع الاُصول العدميّة.
ومنها: ما لو ادّعى الراهن إذن المرتهن في بيع العين المرهونة، فإنّ أصالة صحّة البيع لا تثبت إذنه، وقد مرّ أنّ الرهن إذا كان قد حصل عرفاً، فإذنه للبيع إن كان من مقوّمات تحقّق البيع عرفاً فأصالة الصحّة لا تجري، وإلّا فتجري.

الأمر الثامن:
لا يخفى: أنّ الأفعال والعناوين القصديّة إنّما تجري فيها أصالة الصحّة إذا كان الفاعل لذلك الفعل قد قصد عنوان ذلك العنوان القصديّ، فإذا كان الشخص نائباً عن أحدٍ في الحجّ أو زيارة أحد المعصومين( ـ مثلاً ـ، فاذا لم ينوِ النيابة عن المنوب عنه، فإنّ النيابة لا تقع؛ لأنّها من العناوين القصديّة، وبالتالي: فلا يمكن جريان أصالة الصحّة.
أمّا لو أحرز المستنيب أنّ النائب قصد بفعله النيابة عن قبله بمحرز وجدانيّ أو تعبّدي، ولكن شكّ في أنّ النائب هل أتى بالحجّ بجميع ما اعتبر فيه من الأجزاء والشرائط وعدم الموانع، فتجري أصالة الصحّة في فعل النائب، ويثبت بها أنّه قد جيء به بجميع ما اعتبر فيه وجوداً وعدماً، فيسقط عن المنوب عنه.

الأمر التاسع:
في أنّ أصالة الصحّة هل هي أصل أم أمارة؟
وقع الكلام في ذلك بين الأصحاب. فإن قلنا بأنّها من الأمارات، وقد عرفنا أنّ الحجّيّة في باب الأمارات من باب تتميم الكشف، فيستفاد منها ترتيب جميع الآثار التي لذلك الفعل الذي تجري فيه أصالة الصحّة إذا كان صحيحاً واقعاً، حتى ولو كانت من اللّوازم العقليّة التي لها آثار شرعيّة.
وإن قلنا بأنّها من الاُصول العمليّة، بلا فرق بين أن تكون من الاُصول المحرزة أم لا، فلا يثبت بها إلّا الآثار الشرعيّة التي تكون لذلك الفعل، ولا يثبت بها الحكم الشرعيّ الذي يترتّب بواسطة الأثر العقلي.
وبذلك يتّضح: أنّه لابدّ لإثبات كونها من الأمارات أو الاُصول من الرجوع إلى مدرك اعتبارها. وقد اختار المحقّق الأنصاريّ ـ على ما يستظهر من كلامه ـ أنّها من الاُصول، حيث قال ما عبارته:
<أنّ الثابت من القاعدة المذكورة الحكم بوقوع الفعل بحيث يترتّب عليه الآثار الشرعيّة المترتّبة على العمل الصحيح، أمّا ما يلازم الصحّة من الاُمور الخارجة عن حقيقة الصحيح فلا دليل على ترتّبها عليه، فلو شكّ في أنّ الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك، كالخمر والخنزير، أو بعينٍ من أعيان ماله، فلا يحكم بخروج تلك العين من تركته، بل يحكم بصحّة الشراء وعدم انتقال شيءٍ من تركته إلى البائع؛ لأصالة عدمه>( ).
وقد يُفصّل بين ما إذا كان منشأ الشكّ في الصحّة احتمال تعمّد الإخلال بما يعتبر في العمل من الأجزاء والموانع أو احتمال عروض الغفلة والسهو مع علم الفاعل بالحكم، فتكون من الأمارات؛ لأنّ احتمال التعمّد خلاف ظاهر حال الفاعل، كما أنّ احتمال عروض الغفلة والسهو منافٍ لما ورد في باب قاعدة الفراغ من التعليل بالأذكريّة حين الفعل، حيث إنّ ورود هذه الكلمة في ذلك الباب لا يوجب اختصاصها به؛ لأنّه أمر عام يشمل العامل والحامل، والأوّل، أي: العامل، في قاعدة الفراغ, وأمّا الثاني، وهو الحامل، ففيما نحن بصدده.
وأمّا لو كان منشأ الشكّ احتمال جهل الفاعل بالحكم ـ بناءً على شمول القاعدة له ـ فلا محالة يكون أصلاً تعبّدياً حينئذٍ؛ وذلك لعدم وجود ملاك الأماريّة فيه أصلاً.
ولكنّ المحقّق النائيني أورد على ذلك بما حاصله:
أنّ غاية ما يستفاد من التعليل بالأذكريّة وكذلك ظهور حال المسلم هو حمل فعله على الصحّة عند فاعله، لا الصحّة الواقعيّة التي نحن بصددها، ومعه: فلا مجال لأن يُعدّ هذا الأصل من الأمارات المعتبرة، بل لا يكون ـ حينئذٍ ـ إلّا من سنخ الاُصول العمليّة( ).
والتحقيق أن يقال: إنّ تعيين كون هذه القاعدة أصلاً أو أمارةً لابدّ أن يرجع فيه ـ كما ذكرنا ـ إلى مدرك اعتبارها؛ فإن كان المدرك هو الإجماع، فالقدر المتيقّن من معقده هو ترتيب الآثار الشرعيّة التي للفعل بلا واسطة لازمه العقليّ، دون الآثار الشرعيّة التي تترتّب عليه بواسطة الآثار العقليّة.
وأمّا إذا كان المدرك هو بناء العقلاء، فإن كان بناؤهم على اعتبارها من ناحية ظهور حال المسلم، بل حال كلّ فاعل عاقل، مسلماً كان أم غير مسلم، في أنّه يأتي بعمله صحيحاً تامّاً، لا فاسداً ناقصاً، ففي هذه الحالة، فإن قلنا بأنّ بناءهم من جهة تتميمهم الكشف الناقص الموجود في ظهور حالهم، فتكون أمارة، وحينئذٍ: فتكون مثبتاتها حجّة، كما هو الحال في كلّ أمارة.
وأمّا إذا قلنا بأنّ بناءهم ليس من باب تتميم الكشف، بل هم إنّما يعملون على طبق ذلك الظهور من دون أن يروه طريقاً كاشفاً في عالم اعتبارهم، وإنّما يعملون على طبقه عمل المتيقّن، فيكون أصلاً محرزاً.
وإن كان عملهم على طبق ذلك الظهور من دون أن يبنوا على كونه من باب عمل المتيقّن، فيكون من الاُصول غير المحرزة.
وإذا عرفت هذا، فحيث كان المدرك في اعتبارها عندنا هو بناء العقلاء، والظاهر أنّه من باب تتميم الكشف، فتكون القاعدة المزبورة من الأمارات، ومعه: فتترتّب عليها جميع الآثار الشرعيّة، وتكون مثبتاتها حجّةً أيضاً.

الأمر العاشر:
في تقديم هذه القاعدة على الاستصحابات الموضوعيّة.
فنقول: تارةً: نقول بأماريّة هذه الأصالة وجريانها على الإطلاق، أي: شرائط العقد والعوضين والمتعاقدين، وحينئذٍ: فتكون حاكمة على الاُصول الموضوعيّة العدميّة؛ لأنّها تكشف عن وجود تلك الشرائط تعبّداً، ومعه: فلا يبقى موضوع للاستصحاب أصلاً، فتقدّم تلك القاعدة على أصالة الفساد في المعاملات، وأصالة الاشتغال في العبادات؛ إذ بعد أن كان الشكّ في بقاء شغل الذمّة في الاُمور العباديّة أو في حصول النقل والانتقال في المعاملات مسبّباً عن الشكّ في صحّة ذلك العمل العباديّ، أو الشكّ في صحّة ذلك العقد الصادر من العاقد، فتكون أصالة الصحّة أمراً سببيّاً، فتكون مقدّمةً بهذا الملاك على الأصل المسبّبيّ.
وأُخرى: نقول بأنّها من الاُصول المحرزة، وحينئذٍ: فتقديمها على سائر الاُصول بحاجة إلى دليل، فيقع التعارض بينهما بعدما كان كلاهما من الاُصول المحرزة.
قال المحقّق النائيني في المقام ما هذا لفظه:
<قد اختلف كلمات الأعلام في حكومة أصالة الصحّة في العقود على جميع الاُصول الموضوعيّة المقتضية لفساد العقد، والمتحصّل من الكلمات أقوال ثلاثة:
الأوّل: حكومتها على كلّ أصلٍ يقتضي فساد العقد، سواء كان الأصل جارياً في شرائط العقد أو في شرائط المتعاقدين أو في شرائط العوضين، فلو اختلف المتعاقدان في كون العقد واجداً لشرائط الصحّة ـ من العربيّة والماضويّة أو في بلوغ العاقد، أو في قابليّة أحد العوضين للنقل والانتقال ـ قُدِّم قول من يدّعي الصحّة، ولا تجري أصالة عدم بلوغ العاقد، أو عدم كون المال قابلاً للنقل والانتقال لو فرض أنّ في البين أصلاً موضوعيّاً يقتضي عدم قابليّة المال للانتقال، فتكون أصالة الصحّة حاكمة على جميع الاُصول السببيّة والمسبّبيّة المقتضية لفساد العقد.
الثاني: حكومتها على خصوص الأصل الذي يقتضي فساد العقد من حيث الشرائط الراجعة إلى تأثيره: من العربيّة والماضويّة ونحو ذلك... فلو كان الشكّ متمحّضاً في تأثير السبب وكونه واجداً للشرائط المعتبرة فيه، كان الأصل فيه الصحّة. وأمّا لو كان الشكّ في الصحّة والفساد مسبّباً عن الشكّ في شرائط المتعاقدين أو شرائط العوضين، فلا تجري فيه أصالة الصحّة.
والحاصل: أنّ أصالة الصحّة إنّما تكون حاكمة على خصوص أصالة عدم النقل والانتقال وبقاء المال على ملك مالكه، فإذا لم يكن في مورد الشكّ إلّا أصل عدم الانتقال كانت أصالة الصحّة حاكمة عليه. وأمّا إذا كان في مورد الشكّ أصل موضوعيّ آخر يقتضي الفساد، كأصالة عدم بلوغ العاقد، أو عدم قابليّة المال للنقل والانتقال، فلا تجري فيه أصالة الصحّة.
الثالث: حكومتها على كلّ أصل يقتضي فساد العقد إلّا إذا كان الشكّ في الصحّة والفساد مسبّباً عن الشكّ في الشرائط العرفيّة للعوضين أو المتعاقدين، كماليّة العوضين ورشد المتعاقدين فى الجملة>.
إلى أن قال: <والتحقيق: أنّ أصالة الصحّة إنّما تقدّم على أصالة بقاء المال على ملك مالكه، ولا تقدّم على سائر الاُصول الموضوعيّة الأُخَر؛ فإنّه لا دليل على أصالة الصحّة في العقود سوى الإجماع، وليس لمعقد الإجماع إطلاق يعمّ جميع موارد الشكّ في الصحّة والفساد، بل القدر المتيقّن منه هو ما إذا كان الشكّ في الصحّة والفساد مسبّباً عن الشكّ في تأثير العقد للنقل والانتقال بعد الفراغ عن سلطنة العاقد لإيجاد المعاملة من حيث نفسه ومن حيث المال المعقود عليه>( ).
ولكن لا يخفى: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ لو قلنا بأنّ المدرك لاعتبارها هو الإجماع، وأمّا لو قلنا بأنّ المدرك لذلك هو السيرة العقلائيّة، فهي ـ حينئذٍ ـ بإطلاقها تعمّ جميع موارد الشكّ في الصحّة والفساد بلا استثناء.
وقد علّق المحقّق العراقي على كلامه هذا بما نصّه:
<أقول: الأَولى أن يقال: إنّه بعدما كان مرجع الصحّة والفساد إلى تماميّة الشيء من حيث ترتّب الأثر عليه وعدمه، فلا محيص من أن يكون مركز هذا الأصل ما يتصوّر له الصحّة والفساد، ولازم ذلك هو: كون مجرى هذا الأصل تارةً هو السبب، وأُخرى المسبّب من حيث تماميّته في قابليّته للترتّب على المسبّب، وحيث إنّ مجرى هذا الأصل لا بدّ وأن يكون محرزاً بالوجدان، فلا محيص ـ في فرض الشكّ في قابليّة المسبّب للتأثّر ـ أن يرجع الشكّ إلى قابليّته شرعاً مع كون المسبّب محرزاً عرفاً بالوجدان.
ثمّ إنّ الشكّ في تماميّة المسبّب أو السبب: تارةً: من جهة قيدٍ يكون محلّه العقد أو المتعاقدين أو العوضين، أو محلّه نفس المسبّب، وعلى أيّ حال: جميع هذه القيود راجعة إمّا إلى السبب أو المسبّب؛ لاستحالة تماميّة السبب وقابليّة المسبّب وعدم الأثر، وحينئذٍ: فكلّ مورد يكون الشكّ في قيدٍ من ناحية العرف، لا مجرى [فيه] لأصالة الصحّة؛ لعدم إحراز العنوان. وكلّ مورد يكون الشكّ في قيد شرعيّ، يجري فيه أصالة الصحّة؛ لعموم التعليل في رواية (اليد)، بعد الجزم بعدم الفرق في الجريان من حيث المورد، وبطلان الترجيح بلا مرجّح، كما لا يخفى.
وأمّا توهّم كفاية أجزاء العقد عرفاً في إثبات تماميّة السبب، فهو كما ترى؛ إذ مهما شكّ في وجود قيدٍ من قيود نفس العقد فأصالة الصحّة في نفس العقد لا يقتضي أزيد في تماميّة العقد في المؤثّرية، وليس شأنه إثبات قابليّة المحلّ للتأثّر، فمع الشكّ فيه عرفاً للشكّ في فقد قيدٍ عرفيّ، لا يُنتج مثل هذا الأصل ترتّب المسبّب على السبب.
نعم، لو أحرز قابليّته العرفيّة، وتحقّق مثل هذا البيع، فيحتاج في إثبات تماميّته إلى إجراء أصالة الصحّة في المسبّب>( ).