الكلام في تعارض الاستصحابين

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الكلام في تعارض الاستصحابين


لا يخفى: أنّ الشكّ في بقاء أحد المستصحبين إمّا أن يكون مسبّباً عن الشكّ في بقاء المستصحب الآخر، وإمّا أن يكون الشكّ في بقاء كلّ من المستصحبين مسبّباً عن أمر آخر، ولا يمكن أن يكون الشكّ في كلّ منهما مسبّباً عن الآخر؛ لاستحالته عقلاً؛ إذ لا يعقل أن تكون علّة الشيء معلولاً له.
فالأوّل يسمّى بالاستصحاب السببيّ والمسبّبيّ، حيث إنّ الشكّ في بقاء أحدهما يكون مسبّباً شرعاً عن بقاء الشكّ في الآخر، كما إذا غسلت الثوب النجس بالماء المستصحب الطهارة؛ فإنّه بعد إجراء استصحاب طهارة الماء تكون هذه الطهارة المستصحبة سبباً شرعيّاً لطهارة الثوب الذي غسل بذلك الماء، فيكون الشكّ شكّاً في تحقّق السبب، وهو طهارة الماء سبباً للشكّ في طهارة ذلك الثوب.
ومعه: يكون الاستصحاب في الأصل السببيّ حاكماً عليه في جانب الأصل المسبّبيّ. فالأصل السببيّ مقدّم دائماً، بلا فرق بين أن يكون كلا الأصلين تنزيليّاً مشمولاً لقوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ)، أو أن يكون أحدهما أصلاً تنزيليّاً والآخر غير تنزيليّ.
ولا يخفى: أنّ المراد بالأصل التنزيليّ هو ما يكون المجعول فيه هو البناء العمليّ على ثبوت الواقع في أحد طرفي الشكّ، وتنزيله عملاً منزلة الواقع. وأمّا الأصل غير التنزيليّ فهو ما يكون المجعول فيه مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ، من دون أن يكون الجعل متكفّلاً لثبوت الواقع في أحد الطرفين.
ويدخل في القسم الأوّل: الاستصحاب، وقاعدة الفراغ والتجاوز، وأصالة الصحّة، فإنّ جميع هذه الاُصول متكفّلة للتنزيل والإحراز، والمجعول فيها هو البناء العمليّ على ثبوت الواقع إن كان مؤدّى الأصل مقام الثبوت، كما هو الشأن في الاستصحاب، أو البناء العمليّ على الإتيان بالواقع إن كان مؤدّى الأصل مقام الفراغ والسقوط، كما هو الحال في قاعدة الفراغ والتجاوز.
ويدخل في القسم الثاني: البراءة والاحتياط وأصالة الحلّ والطهارة، فإنّ المجعول في هذه الاُصول مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ، من دون أن تكون متكفّلة لثبوت الواقع أو الإتيان به.
وأمّا الثمرة بين الاُصول المحرزة وغيرها، فتظهر ـ على ما ذكره المحقّق النائيني ـ في موارد عديدة:
منها: قيام الاُصول المحرزة مقام القطع الطريقيّ، دون الاُصول غير المحرزة.
ومنها: عدم جريان الاُصول المحرزة في أطراف العلم الإجماليّ مطلقاً، سواء كان مؤدّاها نفي التكليف المعلوم بالإجمال ولزم من جريانها مخالفة عمليّة، أو كان مؤدّاها ثبوت التكليف المعلوم بالإجمال ولم يلزم من جريانها مخالفة عمليّة؛ فإنّ التعبّد ببقاء الواقع في كلّ واحدٍ من أطراف العلم الإجماليّ ينافي العلم الوجدانيّ بعدم بقاء الواحد في أحدهما، وكيف يعقل العلم ببقاء النجاسة ـ مثلاً ـ في كلّ واحد من الإناءين مع العلم بطهارة أحدهما، ومجرّد أنّه لا يلزم من الاستصحابين مخالفة عمليّة لا يقتضي صحّة التعبّد ببقاء النجاسة في كلٍّ منهما؛ فإنّ الجمع في التعبّد ببقاء مؤدّى الاستصحابين يناقض العلم الإجماليّ بالخلاف.
وهذا بخلاف الاُصول غير المحرزة؛ فإنّه لمّا كان المجعول فيها مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ، فلا مانع من التعبّد بها في أطراف العلم الإجماليّ إذا لم يلزم منها مخالفة عمليّة( ).
وبالجملة: فالأصل السببيّ، ولو لم يكن تنزيليّاً، مقدّم على الأصل المسبّبيّ، ولو كان تنزيليّاً، فلو كان هناك ماء لا يعلم حالته السابقة وأنّه طاهر أو نجس، وغسلت به الثوب النجس، فبعد جريان أصالة الطهارة في الماء، وهي ليست بأصل تنزيليّ، تقدّم على استصحاب نجاسة الثوب، والذي هو أصل تنزيليّ، لما عرفت من أنّ الأصل السببيّ حاكم على الأصل المسبّبيّ ورافع لموضوعه في عالم التعبّد والتشريع؛ إذ بعد أن كان المشكوك، وهو طهارة الثوب في المثال المتقدّم، من الآثار الشرعيّة لطهارة الماء، فإذا جاء دليل تعبّدي على طهارة ذلك الماء الذي غسل هذا الثوب به، فمن جملة آثاره: رفع الخبث عن هذا الثوب الذي غُسل به، وأنّه لم يبقَ لذلك الثوب نجاسة، وإن كان ثبوت الطهارة لذلك الماء بمفاد أصالة الطهارة.
وبعبارة أُخرى: لم يبقَ في مقام العمل شكّ في نجاسة الثوب حتى تستصحب نجاسته، وليس هذا الارتفاع الذي نقول به للشكّ بارتفاع حقيقيّ، حتى يقال بأنّ ترتيب آثار الطهارة على الماء تعبّداً لا يوجب ارتفاع الشكّ حقيقةً؛ لأنّه من الاُمور التكوينيّة، وهي لا ترتفع إلّا بأسبابها التكوينيّة، بل ما هو إلّا الرفع التعبّديّ.
والحاصل: أنّ الدليل الذي يثبت طهارة الماء، سواء كان أصلاً تنزيليّاً أم غير تنزيليّ، فهو موجب لرفع الشكّ في مرحلة الإثبات والظاهر، لا في مرحلة الثبوت والواقع، وإلّا، كان وارداً لا حاكماً، فتأمّل جيّداً.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني ذكر أنّ حكومة الأصل السببيّ على المسبّبيّ مشروطة بأمرين:
أحدهما: أن تكون السببيّة شرعيّة لا عقليّة.
والثاني: أن يكون الأصل في جانب السبب رافعاً لموضوع المسبّب، وإلّا، فلا حكومة كما ينبغي.
ومثّل لعدم كونه رافعاً بالشكّ في مأكول اللّحم والشكّ في جواز الصلاة فيه، حيث إنّ الشكّ الثاني مسبّب شرعاً عن الشكّ الأوّل، وأصالة الحلّ في الشكّ الأوّل لا ترفع الشكّ الثاني الذي هو موضوع عدم جواز الصلاة؛ لما ذكره من أنّ جواز الصلاة موضوعه العناوين المحلّلة كالغنم وأمثاله.
وإليك نصّ كلامه:
<فإن كان الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر: فلا إشكال في حكومة الاستصحاب السببيّ على الاستصحاب المسبّبي، بل في حكومة كلّ أصل سببيّ على كلّ أصل مسبّبي ـ ولو لم يكن الأصل السببيّ من الاُصول المحرزة ـ إذا كان الأصل السببيّ واجداً لشرطين:
أحدهما: أن يكون ترتّب المسبّب على السبب شرعيّاً لا عقليّاً، بمعنى: أن يكون أحد طرفي الشكّ المسبّبيّ من الآثار الشرعيّة المترتّبة على أحد طرفي الشكّ السببيّ، فالشكّ في بقاء الكلّيّ لأجل الشكّ في حدوث الفرد الباقي خارج عن محلّ الكلام؛ لأنّ بقاء الكلّيّ ببقاء الفرد عقليّ، فلا يكون استصحاب عدم حدوث الفرد حاكماً على استصحاب بقاء الكلّيّ، بل يجري استصحاب بقاء الكلّيّ في عرض استصحاب عدم حدوث الفرد، ولا معارضة بينهما، وقد تقدم تفصيل ذلك في استصحاب الكلّيّ.
ثانيهما : أن يكون الأصل السببيّ رافعاً للشكّ المسببيّ، فالشكّ في جواز الصلاة في الثوب لأجل الشكّ في اتّخاذه من الحيوان المحلّل خارج عن محلّ الكلام أيضاً، فإنّ أصالة الحلّ في الحيوان، وإن كان تجري، إلّا أنّها لا تقتضي جواز الصلاة في الثوب، لبقاء الشكّ في جواز الصلاة فيه على حاله؛ لأنّ أصالة الحلّ لا تُثبت كون الثوب متّخذاً من الأنواع المحلّلة، على ما تقدّم بيانه أيضاً في استصحاب الكلّيّ>( ).
وقد ردّه الاُستاذ المحقّق بأنّه <كلام عجيب؛ لأنّ كلامنا في هذا المقام في الأصل السببيّ والمسبّبيّ، فإذا كان الشكّ في الأصل المسبّبيّ مسبّباً شرعاً عن بقاء الشكّ في الأصل السببيّ، فإذا ارتفع السبب ـ أي: الشكّ ـ ولو تعبّداً، ومن حيث الجري العمليّ، فمحال أن يبقى المسبّب الذي هو معلول له، وإلّا، تخلّف المعلول عن علّته.
وأمّا المثل الذي ذكره: فإن قلنا: إنّ الشكّ في جواز الصلاة مسبّب عن الشكّ في الحلّيّة، فلا محالة يرتفع بأصالة الحلّ، وأمّا إن قلنا: بأنّ الشكّ في جواز الصلاة مسبّب عن الشكّ في أنّه من العناوين المحلّلة، فليس مسبّباً عن الحلّيّة حتى يلزم منه رفع الموضوع في جانب المسبّب.
والحاصل: أنّ كون الشكّ في الأصل المسبّبيّ معلولاً للشكّ السببيّ شرعاً ومن آثاره، ومع ذلك لا يرتفع بارتفاعه بالأصل في طرف السبب، من المتناقضات، ومن الالتزام ببقاء المعلول مع زوال علّته، ولو تعبّداً ومن حيث الجري العمليّ، لا حقيقةً ووجداناً>( ).
وما ذكره هو الصحيح؛ لأنّ الأصل في جانب السبب إنّما يكون رافعاً لموضوع المسبّب تعبّداً، ومن حيث الجري العمليّ، بعدما كان الشكّ في الأصل المسبّبيّ مسبّباً شرعاً عن بقاء الشكّ في الأصل السببيّ.
فإذا ارتفع الشكّ، ولو ببركة جريان الأصل في السبب، فمحال أن يبقى المسبّب الذي هو المعلول له؛ لعدم إمكان انفكاك المعلول وتخلّفه عن علّته، وبعدما كان الشكّ في جواز الصلاة مسبّباً عن الشكّ في الحلّيّة، فهذا الشكّ يرتفع ـ لا محالة ـ بجريان أصالة الحلّ.
ثمّ إنّه قد يقال: إنّما يتقدّم الأصل السببيّ على المسبّبيّ فيما إذا كان لكلّ واحدٍ منهما دليل مستقلّ، حتى يكون أحد الدليلين رافعاً لموضوع دليل الآخر، وأمّا إذا كان لكليهما دليل واحد يشمل بعمومه الاثنين، كما في مورد البحث هنا، في مثل قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ، الذي هو شامل بعمومه للأصل السببيّ والمسبّبيّ معاً، فكيف يمكن أن يكون دليل واحد بالنسبة إلى أحدهما، وهو الأصل السببيّ، حاكماً، وبالنسبة إلى الآخر، وهو الأصل المسبّبيّ، محكوماً؟! ليس هذا إلّا أن يكون شيء واحد حاكماً على نفسه، وهذا واضح البطلان.
ولكن يُجاب عن هذا الإشكال: بأنّ العامّ هنا من قبيل العامّ الانحلاليّ، ومعلوم أنّ العموم الانحلاليّ هو في حكم القضايا المتعدّدة، ومن هنا أمكن أن يكون هذا العامّ بالنسبة إلى الأصل السببيّ حاكماً، وبالنسبة إلى الأصل المسبّبيّ محكوماً؛ إذ له انطباقات متعدّدة على حسب تعدّد وجودات الطبيعة، وهذا المقدار كافٍ في أن يكون الشيء الواحد حاكماً بالنسبة إلى أصلٍ، ومحكوماً بالنسبة إلى آخر.
وقد يستشكل أيضاً: بأنّ نسبة دليل الاستصحاب، أعني: لا تنقض اليقين بالشكّ، إلى كلا الأصلين: السببيّ والمسبّبي، على حدٍّ سواء، فلا معنى لتقديم جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الأصل السببيّ على الاستصحاب في جانب المسبّبيّ حتى لا يبقى موضوع للأصل المسبّبيّ، بل جريان الأصل ابتداء في الأصل المسبّبيّ ممكن، وموضوعه باقٍ على حاله. فإذا قلنا باعتبار الأصل المثبت، فإذا أجرينا الأصل المسبّبيّ أوّلاً، يرتفع موضوع الاستصحاب في الشكّ السببيّ.
ولكن فيه: أنّ الأصل المثبت ليس بحجّة، فجريان الاستصحاب في الأصل المسبّبيّ أوّلاً، لا يرفع موضوع الاستصحاب في الأصل السببيّ، وأمّا جريان الاستصحاب في الأصل السببيّ أوّلاً، فهو رافع لموضوع الاستصحاب في الأصل المسبّبيّ بمدلوله المطابقي، لا من جهة القول بحجّيّة الأصل المثبت.
نعم، يبقى الإشكال في أنّه كيف يتقدّم الأصل السببيّ على المسبّبيّ حتى تكون النتيجة رفع موضوعه؟
وفي ذلك يقول اُستاذنا المحقّق: <نعم، يبقى الكلام في أصل تقديم أصل السببيّ على المسبّبيّ حتى ينتج رفع موضوعه، وأنّه لا وجه له لإخراج الشكّ المسبّبيّ عن تحت العامّ، أي: قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ، بإدخال الشكّ السببيّ، مع أنّ نسبة العامّ إلى كليهما على حدٍّ سواء. فمقتضى القاعدة إجراء الاستصحاب في كليهما معاً، وفي رتبةٍ واحدة، بلا تقديم أحدهما على الآخر، فيكون الموضوع باقياً في كلا الاستصحابين، فيتساقطان؛ للعلم الإجماليّ بكذب أحدهما، فلا حكومة في البين>.
ثمّ أجاب عنه بقوله: <ولكن يمكن أن يقال: إنّ العامّ وإن كان شموله للأصل السببيّ والمسبّبيّ في عرضٍ واحد، ولكنّ شموله للأصل المسبّبيّ يحتاج إلى مؤونة، وهي عدم شموله للأصل السببيّ وخروجه عن تحته، وذلك لما ذكرنا من أنّ دخوله تحت العامّ يوجب رفع موضوع الأصل المسبّبيّ، فيكون خارجاً بالتخصّص. وأمّا خروج الأصل السببيّ إذا كان، لا بدّ وأن يكون بالتخصيص، ولا مخصّص في البين إلّا على وجه دائر محال. فالأمر يدور بين خروج المسبّبيّ بالتخصّص، أو خروج السببيّ على وجه محال، أي: بلا مخصّص، أو على وجه دائر.
وبعبارة أُخرى: فرديّة الأصل المسبّبيّ للعامّ المذكور تنجيزيّ؛ لأنّه وجدانيّ، فليس شمول العامّ، أي: قوله: لا تنقض اليقين بالشكّ، له معلَّقاً على أمر، بخلاف شموله للمسبّبيّ، فإنّه معلّق على عدم شموله للأصل المسبّبيّ، وإلّا، يرفع موضوعه بالحكومة ولا يشمله>( ).
وقد ذهب المحقّق النائيني إلى القول بحكومة الأصل السببيّ على المسبّبيّ، ولو قلنا باعتبار الاُصول المثبتة؛ لأنّه على هذا المبنى أيضاً فإثباتها للوازمها فرع وجودها، والمفروض عدم تحقّق موضوع المسبّبيّ مع جريان الأصل السببيّ حتى يثبت لوازمها العقليّة.
قال: <والحاصل: أنّ جريان الأصل المسبّبيّ يتوقّف على الشكّ في مؤدّاه، والشكّ في مؤدّاه يتوقّف على عدم جريان الأصل السببيّ؛ إذ مع جريانه يرتفع الشكّ في مؤدّى الأصل المسبّبيّ، وعدم جريان الأصل السببيّ يتوقّف على جريان الأصل المسبّبيّ وإثباته اللّوازم العقليّة. وأمّا جريان الأصل السببيّ فهو لا يتوقّف على شيء؛ لأنّ موضوعه محرز بالوجدان، وليس له في مرتبة جريانه رافع>( ).
هذا كلّه، إذا كان الشكّ في أحدهما من الآثار الشرعيّة لبقاء الشكّ في الآخر والذي يسمّى بالأصل السببيّ والمسبّبيّ.
وأمّا القسم الثاني:
وهو ما إذا كان الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر، ولكن عقلاً لا شرعاً، فإذا قلنا بعدم حجّيّة الأصل المثبت، وأنّ الاُصول ليست بحجّة في لوازمها ومثبتاتها، فلا يكون الأصل السببيّ ـ حينئذٍ ـ حاكماً على الأصل المسبّبيّ، بل يكون حال الأصلين حال ما إذا كان الشكّ في كلّ واحد منهما مسبّباً عن أمر آخر، ويرجع إلى القسم الثالث من الاستصحابين المتعارضين.
وفي هذا القسم ـ أي: القسم الثالث ـ لا تعارض بين الأصلين في حدّ ذاتيهما، بل منشأ التعارض هو العلم الإجماليّ بكذب أحد الاستصحابين؛ إذ لا تنافي بين الحكم ببقاء شيء في موضوع ببركة الاستصحاب مع بقاء شيء آخر في موضوع آخر ببركة استصحاب آخر فيه لولا ذلك العلم الإجماليّ.
وفي هذا القسم، فإن أجرينا الاستصحابين معاً، فإمّا أن يلزم من ذلك مخالفة عمليّة قطعيّة وإمّا أن لا يلزم منه مخالفة كذلك. فإن لزم منه المخالفة العمليّة القطعيّة لم يجز إجراء كلا الاستصحابين والجمع بينهما، وهو ما عليه المشهور، بل المتّفق عليه.
نعم، نُسِب إلى المحقّق الخونساريّ وصاحب القوانين( ) أنّ العلم الإجماليّ مقتضٍ لتنجّز التكليف، وليس بعلّة تامّة حتى بالنسبة إلى المخالفة القطعيّة، ولكنّ هذا القول باطل، كما حقّق في محلّه، مضافاً إلى كونه مخالفاً للاتّفاق.
وقال المحقّق النائيني في المقام ما نصّه:
<هل الأصل في تعارض الاُصول يقتضي التخيير في أعمال أحدها؟ أو أنّ الأصل في تعارض الاُصول يقتضي التساقط؟
فقد يقال ـ بل قيل ـ: إنّ الأصل يقتضي التخيير، قياساً لها على تعارض الطرق والأمارات على القول بالسببيّة فيها، على ما سيأتي ـ إن شاء اﷲ تعالى ـ في مبحث التعادل والتراجيح: من أنّ الأصل في تعارض الأمارات هو التساقط بناءً على الطريقيّة والتخيير بناءً على السببيّة>.
ثمّ قال: <والأقوى هو التساقط؛ فإنّ التخيير في إعمال أحد الأصلين المتعارضين ممّا لا دليل عليه، ولا يقتضيه أدلّة اعتبار الاُصول؛ لأنّ أدلّة اعتبارها تقتضي إعمال كلّ أصلٍ بعينه، فإذا لم يمكن ذلك فلا بدّ من التساقط...>. إلى آخر ما جاء في كلامه( ).
هذا كلّه فيما يلزم فيه المخالفة القطعيّة العمليّة.
وأمّا إذا لم تكن هناك مخالفة كهذه ـ فبتعبير الاُستاذ المحقّق ـ <هل هناك لا مانع من إجراء كلا الأصلين مطلقاً، أو لا يجوز مطلقاً، أو التفصيل بين الاُصول التنزيليّة مثل الاستصحاب فلا يجوز، وبين غير التنزيليّة فيجوز؟ وجوه>.
وقد اختار التفصيل بالقول بعدم الجريان بالنسبة إلى الاُصول التنزيليّة، وبالجريان بالنسبة إلى غير التنزيليّة( ).
أمّا الشيخ الأنصاريّ فإنّه ـ أيضاً ـ فرّق بين الاستصحاب وغيره، وقال في الاستصحاب بعدم الجريان من جهة عدم الدليل في عالم الإثبات، لا عدم إمكانه في عالم الثبوت؛ لأنّ الدليل على الاستصحاب هو قوله: <لا تنقض اليقين بالشكّ ولكن انقضه بيقين مثله>.
فهذه الرواية من حيث الصدر، وإن كانت تشمل أطراف العلم الإجماليّ؛ لأنّ كلّ واحد منها مشكوك مسبوق باليقين الإجماليّ، فأركان الاستصحاب من اليقين السابق والشكّ اللّاحق فيه تمام، إلّا أنّ ذيل الرواية، أعني قوله: <ولكن انقضه بيقين مثله>، ينفي الاستصحاب؛ للعلم الإجماليّ بارتفاع الحالة السابقة في أحدهما، فمثلاً: لو كان هناك كأسان نجسان، فعلم بطهارة أحدهما، فاستصحاب النجاسة في الكأسين ولو كان لا يلزم منه مخالفة عمليّة أصلاً، إلّا أنّه مع ذلك لا يجري؛ لتناقض صدر الرواية وذيلها، فالصدر يُثبت والذيل ينفي( ).
هذا. ولكنّ حديث التناقض بين الذيل والصدر إنّما يتمّ فيما إذا كان المراد من قوله: <ولكن انقضه بيقين مثله> هو الأعمّ من التفصيليّ والإجماليّ.
ولكنّ الحقّ: أنّ المراد منه هو اليقين التفصيليّ لا الإجماليّ؛ وذلك من جهة أنّه لابدّ في الاستصحاب من وحدة متعلّق الشكّ واليقين، وإلّا، فلا يصدق النقض، وبعدما كان متعلّق الشكّ هو خصوص الفرد، فلابدّ أن يكون متعلّق اليقين ـ أيضاً ـ هو نفس الفرد، وهو غير ممكن إلّا أن يكون اليقين تفصيليّاً. هذا أوّلاً.
وثانياً: ليس المدرك في حجّيّة الاستصحاب في مقام الإثبات منحصراً بهذه الرواية التي هي مذيّلة بهذا الذيل، بل هنا روايات أُخرى ليس لها هذا الذيل.
فالحقّ: أنّ المانع من جريان الاستصحاب، بل وكذلك الأمارات ومطلق الاُصول، هو أنّ البناء على بقاء الحالة السابقة على أنّه متيقّن في الطرفين وإلغاء الشكّ وأنّ الواقع منكشف في الأمارات مع العلم بالخلاف إجمالاً لا يجتمعان، لمكان التناقض والتهافت.
ولكنّ الاُستاذ المحقّق أشار إلى موارد كثيرة ذكر أنّهم يجرون فيها الاستصحاب مع العلم إجمالاً بمخالفة أحدهما للواقع.
قال: <مثلاً: إذا توضّأ بمائع مردّد بين الماء والبول ـ ولو غفلةً حتى يتمشّى منه قصد القربة ـ فهم يجرون استصحاب طهارة البدن مع بقاء الحدث، فهم يفكّكون بين المتلازمين في الواقع في الحكم الظاهريّ؛ فإنّ طهارة البدن في الفرض، وإن كان ملازماً في الواقع مع ارتفاع الحدث، وكذلك بقاء الحدث ملازم بحسب الواقع مع نجاسة البدن، ولكن في مقام الظاهر لا مانع من تفكيك المتلازمين والالتزام بطهارة البدن وبقاء الحدث>.
ثمّ قال: <والسرّ في ذلك: أنّ جعل الحكم الظاهريّ على خلاف الواقع لا مانع منه في صورة استتار الواقع، وإن كان يعلم إجمالاً أنّ أحد الجعلين مخالف للواقع، ولكن لا يعلم بخالفة كلّ واحدٍ من الجعلين في مورده.
ونظائر ما ذكرنا من التفكيك بين المتلازمين في الواقع بحسب الحكم الظاهريّ في الفقه كثير جداً>.
ثمّ قال: <ولكن يمكن أن يقال في جواب هذا الإشكال: بأنّه فرق بين أن يكون مؤدّى الاستصحابين متّفقين في أمر نعلم تفصيلاً بمخالفته للواقع، كما أنّه في الفرع المذكور يكون الأمر هكذا؛ فإنّ استصحاب نجاسة الكأسين اللّذين يعلم بطهارة أحدهما متّفقان في نجاسة ذلك الذي نعلم تفصيلاً بطهارته، وكذلك الاستصحابان في عدم زوجيّة كلّ واحدةٍ من المرأتين اللّتين نعلم تفصيلاً بزوجيّة إحداهما متّفقان في نفي زوجيّة من نعلم تفصيلاً بزوجيّتها، وهي مصداق إحداهما؛ فإنّه في الصورة الاُولى ـ أي: فيما إذا كان مؤدّى الاستصحابين جمعاً مخالفاً لما هو معلوم بالتفصيل ـ نقول بعدم جريان الاستصحابين ولو لم يكونا مستلزمين للمخالفة العلميّة.
وفي الصورة الثانية ـ أي: فيما إذا كان التفكيك بين المتلازمين بحسب الواقع في الحكم الظاهريّ إذا لم يكن مخالفاً لما هو معلوم بالتفصيل، ولم يكن دليل خارجيّ، من إجماع أو غيره، على عدم جواز التفكيك، ولو ظاهراً ـ نقول بجريانهما، وموارده في الفقه كثيرة>( ).

دروس البحث الخارج (الأصول)

دروس البحث الخارج (الفقه)

الإستفاءات

مكارم الاخلاق

س)جاء في بعض الروايات ان صلاة الليل (تبيض الوجه) ، و عند الأخذ بظاهر...


المزید...

صحة بعض الكتب والاحاديث

س)كيفية ثبوت صحة وصول ما ورد إلينا من كتب ومصنفات حيث أنه بعد الأسانيد...


المزید...

عصمة النبي وأهل بيته صلوات الله عليه وعلى آله

س)ما هي البراهين العقلية المحضة غير النقلية على النبوة الخاصة بخاتم المرسلين محمد صلى...


المزید...

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

س)شاب زنى بأخته بعد ان دفع لها مبلغ من المال وقام احد الاشخاص بتصويرهم...


المزید...

السحر ونحوه

س)ما رأي سماحتكم في اللجوء الى المشعوذين ومن يذّعون كشف المستور بالقران الكريم؟ وما...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية,...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية, و...


المزید...

العمل في الدوائر الرسمية

نحن مجموعة من المهندسين ومن الموظفين الحكوميين ، تقع على عاتقنا إدارة أوتنفيذ أوالاشراف...


المزید...

شبهات وردود

هل الاستعانة من الامام المعصوم (ع) جائز, مثلا يقال يا علي (ع) انصرني...


المزید...
0123456789
© 2017 www.wadhy.com

Please publish modules in offcanvas position.