مبحث الاجتهاد والتقليد

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

مبحث الاجتهاد والتقليد


وفيه مقامان:
المقام الأوّل: في الاجتهاد.
والمقام الثاني: في التقليد.

أمّا المقام الأوّل:
ففيه اُمور:

الأمر الأوّل :أنّه من المسائل الاُصوليّة أو الفقهيّة:
قال اُستاذنا المحقّق: <المسألة الاُصوليّة ما يكون واسطةً للإثبات بالنسبة الى المسائل الفقهيّة، ومباحث الاجتهاد بعضها عقليّة، كمسألة إمكان التجزّي وعدم إمكانه، وبعضها فقهيّة، وذلك كحجّية رأيه وفتواه للمقلّدين، بل ولعمل نفسه، وكالحكم بالإجزاء وعدمه بالنسبة الى الأعمال السابقة بعد تبدّل رأيه>( ).
وعلى هذا، فيكون ذكر هذه المسألة في علم الاُصول من باب المجاراة لديدن المحقّقين.

الأمر الثاني :تعريف الاجتهاد لغةً واصطلاحاً:

أمّا لغةً:
يظهر لمن تتبّع كلام اللّغويّين أنّ بين معنيي: الجهد (بالضمّ) والجهد (بالفتح) اختلافاً وتغايراً. وفي المصباح المنير: الجهد بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع والطاقة، وقيل: المضموم الطاقة والمفتوح المشقّة( ).
وأمّا في لسان العرب، فقال: <جهد، الجَهدْ، والجُهدْ: الطاقة، تقول: اجهد جهدك، وقيل: الجَهدْ المشقّة، والجُهْد الطاقة... وهو بالفتح: المشقّة، وقيل: هما لغتان الوسع والطاقة، فأمّا في المشقّة والغاية فالفتح لا غير>( ).

وأمّا اصطلاحاً:
فقد عرّفه الاُستاذ الأعظم بأنّه: <استفراغ الوسع في تحصيل الحجّة على الأحكام الشرعيّة أو تعيين الوظيفة عند عدم الوصول إليها>( ).
وقال اُستاذنا المحقّق: <والحقّ أنّه عبارة عن ملكة بسيطة يقتدر بواسطتها على تشكيل القياس الذي يستنتج منه الحكم الكلّيّ الإلهيّ الفرعيّ بتحصيل الكبريات أوّلاً، وضمّ الصغريات إليها ثانياً بعد تشخيصها>( ).
ولكن لا يخفى: أنّ ما ذكره غير تامّ؛ فإنّ التوسعة في التلبّس بالمبدأ بنحو الملكة إنّما هي من مضامين الهيئة، لا المادّة، كما يقال: المجتهد من له ملكة الاجتهاد، وإن لم يكن متلبّساً بالمبدأ فعلاً، بأن كان نائماً أو غافلاً أو نحو ذلك من الاُمور التي تشغله عن التصدّي الفعليّ لاستنباط حكم المسألة.
وقد يعرّف الاجتهاد بأنّه <استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعيّ>( ).
وقد يورد على هذا التعريف بوجوه من الإشكال:
منها:
لزوم الدور؛ لما أُخذ فيه من كلمة (الفقيه)؛ فإنّ معرفة الاجتهاد ـ على هذا ـ تكون متوقّفةً على معرفة الفقيه، ومعرفة الفقيه متوقّفة على معرفة الاجتهاد؛ إذ لا تتحقّق له الفقاهة إلّا أن يكون مجتهداً، وهو ليس إلّا الدور المحال.
وقد يُجاب عن هذا الدور بأنّ المراد من لفظ (الفقيه) الوارد في هذا التعريف هو من مارس الفقه، احترازاً عن العامّيّ البحت، فلا يلزم الدور حينئذٍ؛ لعدم توقّف معرفة الفقيه بهذا المعنى على معرفة الاجتهاد.
وفيه: أنّه مجاز لا حقيقة؛ لأنّ من قرأ الكتب الفقهيّة وزاول رؤوس المسائل ولم تحصل له بعد قوّة على استنباط الأحكام وردّ الفروع إلى الاُصول، فلا يسمّى استفراغ وسعه هذا اجتهاداً.
ومنها:
ما أُخذ فيه من قيد (تحصيل الظنّ)؛ فإنّ الظنّ ليس بحجّةٍ عندنا؛ لورود النهي عن العمل به كتاباً وسنّةً، بل وإجماعاً وعقلاً أيضاً، كما هو مقرّر في محلّه.

الأمر الثالث :في مبادئ الاجتهاد:
لا يخفى: أنّ حصول الاجتهاد متوقّف على جملة من العلوم، و عمدة تلك العلوم هو علم الاُصول؛ لأنّه المتكفّل بمعرفة الكبريات التي لو انضمّت إليها الصغريات لكانت واسطةً في إثبات محمولات المسائل الفقهيّة لموضوعاتها.
قال اُستاذنا المحقّق: <ومن جملة العلوم التي يحتاج إليها في تحصيل الاجتهاد هو علم المنطق؛ لترتيب ذلك القياس. ومن جملتها: علوم العربيّة، من اللّغة والنحو والصرف وغيرها، وذلك من جهة فهم ألفاظ الآية والرواية وتشخيص الظاهر عن غيره.
وأمّا احتياجه إلى علم الرجال والرواية فشديد إن قلنا بأنّ موضوع الحجّة في باب حجّيّة الخبر الواحد هو الخبر المزكّى بتزكية عدلين؛ لأنّ مدرك أغلب الأحكام هو الخبر الواحد، ولا طريق إلى تحصيل مثل هذا الخبر إلّا بالرجوع إلى الرجال ومعرفة علم الدراية.
وإن قلنا بأنّ موضوع الحجّيّة هو الخبر الموثوق الصدور فالاحتياج إليه قليل؛ لأنّ الموثوق كما أنّه يحصل من تزكية العدلين، كذلك يحصل من عمل الأصحاب، بل ربّما يكون عمل الأصحاب خلفاً عن سلف آكد في هذا المعنى، ولذلك ترى أنّ إعراضهم عن الخبر المزكّى يوجب خروجه عن موضوع الحجّيّة ـ أي: الوثوق بالصدور ـ ومن هذه الجهة قالوا بعد إعراضهم عنه: كلّما ازداد صحّةً ازداد وهناً>( ).
وأمّا اللّغة فممّا لا شكّ في الاحتياج إليه بعد أن كانت أكثر الأحكام مستفادةً من الكتاب والسنّة، وهما عربيّان، فلابدّ فى استنباط الأحكام منهما إلى معرفة اللّغة، ولو بالمقدار الذي تتوقّف عليه معرفة مواضع الحاجة منهما، وذلك لا يكون في الأعمّ الأغلب إلّا بمراجعة أقوال أهل اللّغة.
فإن قلت: قول اللّغويّ ليس بحجّة بعد أن لم يدلّ على حجّيّته دليل.
قلنا: إنّ قول اللّغويّ لا يكون سبباً لإثبات المعنى الحقيقيّ، وإنّما يرجع إليه الفقيه لحصول الاطمئنان بالظاهر.
وكذلك يحتاج الفقيه إلى معرفة قواعد العربيّة؛ لأنّها ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد ـ أيضاً ـ، لوضوح الاحتياج في معرفة الأحكام إلى معرفة مثل الفاعل والمفعول وغيرهما ممّا يتوقّف على معرفته استنباط الأحكام. نعم، معرفة بعض المسائل والقواعد العربيّة لا يتوقّف عليها الاستنباط، كمعرفة الفارق بين البدل وعطف البيان، ونحو ذلك، فهذه لا يتوقّف عليها الاجتهاد.
وأمّا علم المنطق، فالصحيح ـ كما أفاده الاُستاذ الأعظم ـ أنّه لا يتوقّف الاجتهاد عليه أصلاً؛ <لأنّ المهمّ في المنطق إنّما هو بيان ما له دخالة في الاستنتاج من الأقيسة والأشكال، كاعتبار كلّيّة الكبرى وكون الصغرى موجبةً في الشكل، مع أنّ الشروط التي لها دخل في الاستنتاج ممّا يعرفه كلّ عاقل، حتى الصبيان؛ لأنّك إذا عرضت على أيّ عاقلٍ قولك: هذا حيوان، وبعض الحيوان مؤذٍ، لم يتردّد في أنّه لا ينتج: أنّ هذا الحيوان مؤذٍ.
وعلى الجملة: المنطق إنّما يحتوي على مجرّد اصطلاحات علميّة لا تمسّها حاجة المجتهد بوجه؛ إذ ليس العلم به ممّا له دخل في الاجتهاد بعد معرفة الاُمور المعتبرة في الاستنتاج بالطبع>( ).
ومن هنا، ظهر فساد ما ذكره بعض المحقّقين المعاصرين من أنّه لابدّ للمجتهد من <معرفة الأشكال الأربعة، وشرائط إنتاجها، وتمييز عقيمها من منتجها، ويدخل في ذلك معرفة العكس المستوي، وعكس النقيض، ممّا يتوقّف عليه الاستنباط في بعض المقامات، وغيرها من المباحث الرائجة منه في غالب المحاورات. نعم، لا يجب الوقوف على تفاصيل الشرطيّات والاقترانيّات وأشباههما ممّا لا وقوف لتحصيل الحكم الشرعيّ عليه>( ).
ثمّ يقول الاُستاذ الأعظم:
<والذي يوقفك على هذا: ملاحظة أحوال الرواة وأصحاب الأئمّة عليهم أفضل الصلاة؛ لأنّهم كانوا يستنبطون الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة من غير أن يتعلّموا علم المنطق ويطّلعوا على مصطلحاته الحديثة.
والعمدة فيما يتوقّف عليه الاجتهاد بعد معرفة اللّغة العربيّة وقواعدها علمان:
أحدهما: علم الاُصول، ومساس الحاجة إليه في الاجتهاد ممّا لا يكاد يخفى؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة ليست من الاُمور الضروريّة التي لا يحتاج إثباتها إلى دليل، وإنّما هي اُمور نظريّة يتوقّف على الدليل والبرهان، والمتكفّل لأدلّة الأحكام وبراهينها من الحجج و الأمارات وغيرهما ممّا يؤدّي إلى معرفة الأحكام الشرعيّة علم الاُصول، وما من حكم نظريّ إلّا ويستنبط من تلك الأدلّة، فعلى المستنبط أن يتقنها ويحصّلها بالنظر والاجتهاد؛ لأنّها لو كانت تقليديّة لأدّى إلى التقليد في الأحكام؛ لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين>، إلى أن يقول: <وثانيهما: علم الرجال>( ).
وربّما يقال: بأنّ اللّازم هو التفصيل، فإنّه لو كان موضوع الحجّيّة هو الخبر المزكّى، فبما أنّ مدرك الأحكام غالباً هو خبر الواحد، ولا طريق إلى إحراز هذا الخبر إلّا بالرجوع إلى علم الرجال. وأمّا لو كان موضوع الحجّيّة هو الخبر الموثوق الصدور، فالاحتياج إليه قليل؛ لأنّ الوثوق كما يحصل بتزكية العدلين، فكذلك يحصل بعمل الأصحاب.
ولكنّ الحقّ: أنّه حتى لو كان المبنى في حجّيّة الخبر هو حصول الاطمئنان والوثوق بالخبر، فنحن بحاجة إلى معرفة الرجال؛ إذ كما يحصل الاطمئنان بعمل الأصحاب، فكذلك يمكن أن يحصل الاطمئنان بالخبر الممدوح أو الموثّق رواته، وهذا لا يحصل إلّا بمعرفة الرجال الواردين في سلسلة السند.
ويتابع اُستاذنا الأعظم بعد قوله السابق: <وثانيهما: علم الرجال>، فيقول:
<وذلك لأنّ جملةً من الأحكام الشرعيّة، وإن كانت تستفاد من الكتاب، إلّا انّه أقلّ قليل، وغالبها يستفاد من الأخبار المأثورة عن أهل البيت، وعلى ذلك: إن قلنا بأنّ الأخبار المدوّنة في الكتب الأربعة مقطوعة الصدور، أو أنّها ممّا نطمئنّ بصدورها؛ لأنّ الأصحاب عملوا على طبقها ولم يناقشوا في إسنادها، وهذا يفيد الاطمئنان بالصدور، فقد استرحنا من علم الرجال؛ لعدم مساس الحاجة إلى معرفة أحوال الرواة، كما سلك ذلك المحقّق الهمداني حيث قال:
[ليس المدار عندنا في جواز العمل بالرواية على اتّصافها بالصحّة المطلوبة، وإلّا، فلا يكاد يوجد خبر يمكننا إثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق لولا البناء على المسامحة في طريقها، والعمل بظنون غير ثابتة الحجّيّة، بل المدار على وثاقة الراوي، أو الوثوق بصدور الرواية، وإن كان بواسطة القرائن الخارجيّة التي عمدتها كونها مدوّنة في الكتب الأربعة، أو مأخوذة من الاُصول المعتبرة مع اعتناء الأصحاب بها، وعدم إعراضهم عنها، إلى أن قال: ولأجل ما تقدّمت الإشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حالتهم]، انتهى.
وإنّما اللّازم ـ حينئذٍ ـ مراجعة أنّ الرواية هل هي معمول بها عندهم لتكون حجّة، أو أنّها مُعرض عنها لتسقط عن الاعتبار، ومعه: لا تمسّ الحاجة إلى علم الرجال إلّا في بعض الموارد، كما إذا لم يظهر لنا عمل الأصحاب على طبق الرواية أو إعراضهم عنها؟
وأمّا إذا بنينا على ما هو الصحيح عندنا من أنّ عمل الأصحاب والمشايخ قدّس اﷲ أسرارهم على طبق روايةٍ لا يكون جابراً لضعف دلالتها؛ إذ المتّبع حسب سيرة العقلاء هو الظهور، ومن الظاهر: أنّ عملهم على طبق الرواية لا يجعلها ظاهرةً في المعنى المراد، كما لا ينجبر بعملهم ضعف سندها، فإنّ السيرة العقلائيّة التي هي العمدة في حجّيّة الخبر، وكذا الأخبار التي ادّعينا تواترها إجمالاً، وبعض الآيات المذكورة في محلّها، إنّما تدلّ على اعتبار الخبر الموثوق أو الممدوح رواته، أو الرواية التي يُطمأنّ بصدورها عنهم ـ لو اتّفق في مورد ـ. وأمّا الخبر الضعيف فلم يدلّنا دليل على اعتباره إذا عمل المشهور على طبقه.
فلا محالة: تزداد الحاجة إلى علم الرجال، فإنّ به يعرف الثقة عن الضعيف، وبه يتميّز الغثّ عن السمين. ومعه: لا مناص من الرجوع إليه للتفتيش عن أحوال الرواة الواقعين في سلسلة السند واحداً بعد واحد، ليظهر أنّه موثوق به، ليؤخذ بخبره، أو أنّه ضعيف لئلّا يعتمد على إخباره، حتى الرواة الواقعين في السند بعد ابن ابي عمير وزرارة وأضرابهما ممّن ادّعوا الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم في الرجال؛ وذلك لأنّ هذا الإجماع ليس بأزيد من الإجماعات المنقولة التي لا نعتمد عليها في الأحكام>. إلى آخر ما أفاده( ).
ثمّ إنّه قد يقال: بأنّ الاجتهاد يحتاج إلى ملكه قدسيّة تحصل من الممارسة على فعل الواجبات وترك المحرّمات، بل المواظبة على أداء بعض المستحبّات المهمّة وترك المكروهات كذلك، وتحلّي النفس بالأخلاق الفاضلة وتخليتها عن الرذائل؛ لأنّه <ليس العلم بالتعلّم، إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اﷲ تبارك وتعالى أن يهديه...>، كما في الخبر( ).
وبعبارة أُخرى: فإنّ تشخيص الصغريات وتطبيق الكبريات عليها، والذي هو المدار في جودة الاستنباط، فإن أجاد التطبيق والتشخيص فهو جيّد الاستنباط، وإلّا فلا، فهذا لا يتسنّى له أن يحصل إلّا لمن شملته العناية الإلهيّة، ورزق توفيقاً ربّانيّاً، بأن نوّر اﷲ تعالى قلبه بنور العلم والمعرفة، وحينئذٍ: تحصل له ملكة قدسيّة بعد التعب والجدّ وممارسة العلوم التي ذكرناها، وحينئذٍ: يتمكّن من استنباط الأحكام عن مداركها، وإلّا فليس كلّ من يتعب نفسه ويشتغل اشتغالاً جدّيّاً في العلوم المذكورة يحصل له هذه الملكة القدسيّة.
وردّه اُستاذنا المحقّق بقوله:
<ولكن أنت خبير، بأنّه إن أُريد من هذا الكلام: أنّ الصور العلميّة تُفاض على النفوس بعنايةٍ ربّانيّة، ومن قبل اﷲ جلّ وعلا، والتوفيق من اﷲ بتوجيه الأسباب وتهيئتها للمتعلّم، ولا بدّ في النفس من قابليّةٍ ولياقةٍ لهذه العطايا الربّانيّة، فهذا حقّ ومحض الواقع. ولكن لا اختصاص له بعلم الفقه وملكة الاجتهاد، بل هذا هو الحال في جميع العلوم، بل الحال في جميع العطايا الإلهيّة.
وإن أُريد أمر زائد على هذا في خصوص ملكة الاجتهاد، وأنّه لا تحصل هذه الملكة إلّا للورع المتّقي، والذي هذّب نفسه عن الرذائل وتحلّى بالفضائل، فهذا معلوم بالوجدان؛ إذ هذه الملكة ـ أيضاً ـ كسائر ملكات العلوم تحصل للعادل والفاسق، بل المؤمن والكافر؛ فإنّ كلّ من له استعداد فطريّ وجَدَّ واجتهد في طلبها من طرقها المتعارفة، سواء أكان عادلاً أم فاسقاً، يحصّلها، فإنّ اﷲ لا يضيع عمل عامل>( ).
والحقّ: أنّ العناية الربّانيّة والملكة القدسيّة وتنويرها للقلب وقابليّة النفس لورود فيوضات العلم الربّانيّ، وإن كانت سبباً للزيادة بلا إشكال، ولكنّ عدمها لا يكون سبباً لانتفاء الاجتهاد، بل يمكن أن يحصل للمتّقي وللفاسق على حدٍّ سواء.

الأمر الرابع :التجزّي في الاجتهاد:
هل هو ممكن أم لا؟
قد يقال: بأنّه غير ممكن؛ بعد أن كانت ملكة الاجتهاد ـ كسائر الملكات ـ بسيطة؛ نظراً لكونها كيفاً نفسانيّاً، والكيف غير قابل للقسمة، وإنّما القابل للقسمة هو الكمّ، فتلك الملكة غير قابلة للتجزّي.
ولكنّ الحقّ: أنّها وإن كانت بسيطة؛ ولكنّها ذات مراتب مختلفة من جهة الكمال والنقص، فربّما تحصل مرتبة ناقصة منها دون المرتبة الكاملة. وليس المراد من التجزّي الحصول على نصف الملكة ـ مثلاً ـ أو ثلثها، حتّى يقال: بأنّ ملكة الاجتهاد كيف، والكيف غير قابل للتجزّي، بل هي نظير ملكة الشجاعة أو الكرم، فكما يصحّ أن يقال: فلان أشجع من فلان أو أكرم منه، دون: فلان حصل على نصف ملكة الشجاعة أو الكرم، فكذلك يمكن تصوّر التجزّي في الاجتهاد بالمعنى الذي ذكرناه، وهو تفاوت المراتب، فيقال ـ مثلاً ـ : من اجتهد في بابٍ من أبواب الفقه حصل على ملكة الاجتهاد في ذلك الباب خاصّةً دون غيره، وبذلك يكون التجزّي ممكناً.
وقد يقال: بعدم إمكان حصول مرتبة المطلق إلّا بعد حصول مرتبة التجزّي، وإلّا يلزم الطفرة، وهي محال.
يقول الاُستاذ الأعظم: <بل لا يبعد أن يقال: إنّ المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزّي دائماً، وإنّ أيّ مجتهد مطلق، كان متجزّياً في زمانٍ ثمّ قوي وترقّى شيئاً فشيئاً حتى تمكّن من استنباط أكثر الأحكام أو كلّها؛ وذلك لأنّ دعوى أنّ الرجل قد أصبح مجتهداً مطلقاً من ساعته أو ليلته، من غير أن يكون مسبوقاً بالتجزّي في زمانٍ ممّا لا شاهد له، بل هي أمر غير عاديّ، ولا نستعهد وقوعه بوجه. ولعلّه إلى ذلك أشار صاحب الكفاية بقوله: (بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق ـ عادةً ـ غير مسبوق بالتجزّي).
نعم، ليس ذلك من المستحيلات العقليّة، نظير اجتماع الضدّين أو النقيضين؛ وذلك لأنّ المسائل الفقهيّة في عرضٍ واحد، ولا تقدّم لبعضها على بعض آخر زماناً أو رتبةً، بأن يكون التمكّن من استنباط بعضها مقدّمةً للقدرة على استنباط بعضها الآخر، حتى يتوهّم أنّ المتأخّر يستحيل أن يتحقّق قبل حصول المتقدّم، حيث إنّ تحقّق ذي المقدّمة من دون مقدّمته في المقام يستلزم الطفرة المحال، فأيّ مانع لدى العقل من أن تحصل ملكة الاجتهاد المطلق دفعةً واحدة، ولو بالإعجاز والإفاضة من اﷲ ـ جلّت عظمته ـ>( ).
ولكنّ الحقّ في المقام: هو ما ذكره الاُستاذ المحقّق بما نصّه:
<أنّه إن قلنا في المقام بأنّ حصول تلك الملكة تدريجيّ، فهذا حقّ بلا كلام، وأمّا إن قلنا بأنّه يمكن أن يوجد دفعةً، بمعنى: أنّه بعد الممارسة وتحصيل العلوم التي لها دخل في حصولها توجد ملكة الاجتهاد المطلق دفعةً، فلا يبقى لهذا الكلام وجه>( ).
وقد يقال: بأنّه لا يكون هناك مجتهد مطلق، بل هذه الملكة لا يمكن تحصيلها لكلّ أحد؛ لأنّ الفقيه مهما بلغ إلى أيّ مرتبةٍ من العلم والفقاهة، فهو يبقى ـ مع ذلك ـ متردّداً في حكم بعض المسائل، ولذلك فهو يأمر بالاحتياط.
ولكنّ الحقّ: أنّ الفقيه لا يصبح متردّداً في أيّ حكم من الأحكام، بل إمّا أن يحصل له العلم والعلميّ على الحكم أم لا، فإن حصل الأوّل، فلا معنى لتردّده، وكذا العلميّ، فإن وردت أمارة على الحكم، وكان لها معارض، فإن كانت هناك مزيّة لأحدهما فيأخذ بذي المزيّة، وإلّا فيتخيّر، هذا إذا كان من سنخ الأخبار.
وأمّا إن كان من غير الأخبار، فالحكم هو التساقط والرجوع إلى الاُصول العمليّة، ومجاري الاُصول معلومة واضحة لدى الفقيه، فليس هناك أيّ تردّد أصلاً.
نعم، في بعض الموارد يصدر الاحتياط من بعض الفقهاء الذين لهم ورع شديد، وذلك ليس من جهة جهلهم بالحكم وعدم قدرتهم على استنباط الحكم وبيان الوظيفة، بل إنّما هو من شدّة ورعهم وتقواهم، ومن باب ما ورد في الحديث: <أخوك دينك، فاحتط لدينك بما شئت>( ).
ولا يخفى: أنّ المجتهد المطلق لابدّ أن يعمل بما استنبطه من الأحكام، ولا يجوز له التقليد والرجوع إلى الغير.
أمّا وجوب العمل بما استنبطه، فلحصوله على الحجّة، أمارةً كانت أم أصلاً، تنزيليّاً أو غير تنزيليّ؛ لأنّ مفاد تلك الأدلّة بتوسّط أدلّة حجّيّتها يكون حكماً ظاهريّاً في حقّه، فيجب عليه العمل على طبقه.
وأمّا حرمة التقليد عليه فيما اجتهد فيه؛ فلأنّه يرى المخالف له في الفتوى جاهلاً، وأنّ ما يقوله ذلك الغير ليس هو الحكم الشرعيّ، فكيف ـ إذاً ـ يرجع إليه؟!
وأمّا المتجزّي، لو قلنا بإمكان وقوعه، فهل يجوز له العمل بما استنبطه أم لا؟ وهل يحرم عليه التقليد أم لا؟
الحقّ: جواز العمل بما استنبطه؛ لأنّه عالم به، فإنّه بعدما استنبطه من الأمارات أو الاُصول، فالواجب عليه العمل به بحكم أدلّة اعتبارها، تماماً كما مرّ في المجتهد المطلق.
وكذلك يحرم عليه الرجوع إلى الغير فيما استنبطه، وأيضاً: من جهة أنّه يرى أنّ الغير المخالف له في الفتوى جاهل فيما أفتى به، فلا يمكن له الرجوع إليه؛ لأنّه ـ حينئذٍ ـ من رجوع العالم إلى الجاهل.
وأمّا رجوع الغير إليه وتقليده فيما استنبطه، فلا إشكال في جوازه مع توفّر أمرين:
أوّلهما: أن يستنبط جملةً معتدّاً بها من الأحكام حتى يصدق عليه أنّه فقيه وعالم.
وثانيهما: أن يكون أعلم من غيره؛ إذ لو كان هناك مجتهد مطلق أعلم فيجب الرجوع إليه مع عدم أعلميّة المجتهد المتجزّي.
وقد ذكر الاُستاذ الأعظم ـ تعليقاً على قول صاحب العروة: <وكونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزّي> ما نصّه ـ:
<وما أفاده بناءً على الاستدلال على وجوب التقليد بدليل الانسداد هو الصحيح؛ وذلك لأنّ بطلان غير التقليد من الطرق وانسدادها على العامّيّ المقلّد يقتضي وجوب رجوعه إلى عالمٍ ما؛ إذ النتيجة جزئيّة، والمقدار المتيقّن هو الرجوع إلى المجتهد المطلق دون المتجزّي، كما أفاده.
كما أنّ الحال كذلك فيما لو استدللنا على وجوبه بالأدلّة اللّفظيّة من الكتاب والسنّة؛ لأنّ قوله ـ عزّ من قائل ـ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ ...﴾ ( )، دلّ على أنّ الحذر إنّما يجب عند إنذار المنذر الفقيه، ولا دلالة لها بوجهٍ على وجوبه عند إنذار كلّ منذرٍ وإن لم يصدق أنّه فقيه.
كما أنّ الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاصٍ معيّنين دلّتنا على الرجوع إلى يونس بن عبد الرحمن وأمثاله من أكابر الفقهاء والرواة، ولم تدلّنا على جواز الرجوع إلى من عرف مسألةً أو مسألتين، ولم يكن من أضراب هؤلاء الأكابر من الرواة>( ).
ولكن قد ذكرنا أنّه يجوز تقليده إذا كان قد استنبط جملة معتدّاً بها من المسائل بحيث يصدق عليه عنوان الفقيه، لا عنوان من استنبط مسألةً أو مسألتين، أو نحو ذلك، فقط، ففي هذه الحالة، إذا كان هو الأعلم، فيجب الرجوع إليه، ولو مع وجود المجتهد المطلق؛ لقيام السيرة العقلائيّة على ذلك. وأمّا الإرجاع إلى بعض الأشخاص، فهو لا يدلّ على عدم جواز الرجوع إلى غيرهم، إلّا إذا كان في مقام الحصر، ولعلّ الإرجاع إليهم لأنّهم كانوا أعلم من غيرهم.
ولذلك قال الاُستاذ الأعظم: <نعم، مقتضى السيرة العقلائيّة عدم الفرق في رجوع الجاهل إلى العالم بين أن يكون مجتهداً مطلقاً أو متجزّئاً؛ لوضوح أنّ جاهلهم بشيء يرجع إلى العالم به، وإن لم يكن له معرفة بغيره من الاُمور، فتراهم يراجعون الطبيب الأخصّائيّ بالعيون ـ مثلاً ـ وإن لم يكن له خبرة بغيرها من الجهات، وكذلك من له معرفة ببعض المسائل دون بعض، وإن كان قليلاً، بل قد يقدّمون نظر المجتهد المتجزّي على قول المجتهد المطلق عند المعارضة، كما إذا كان المتجزّي أعلم من المجتهد المطلق؛ لممارسته ودقّته في العلوم العقليّة، وكونه أقوى استنباطاً منه فيما يرجع إلى تلك المباحث من المسائل، كوجوب مقدّمة الواجب وبحثي الضدّ والترتّب وغيرها، وإن لم يكن له قوّة بتلك المثابة في المسائل الراجعة إلى مباحث الألفاظ كغيرها>( ).
وقد يقال: لهذه السيرة رادع من الكتاب والسنّة.
أمّا من الكتاب: فبقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾( )، والجاهل يجب عليه تعييناً السؤال عن أهل الذكر، لا أنّه واجب مخيّر بأن يكون غير ماُموراً بالسؤال من أهل الذكر أو غيرهم مخيّراً بينهما، ومن الواضح، أنّ من يعلم مسألة أو مسألتين فلا يصدق عليه أنّه من أهل الذكر، فالمتعيّن هو الرجوع إلى المجتهد المطلق، دون المتجزّي.
وفيه: أوّلاً: أنّه إنّما يصحّ لو كانت الآية دالّةً على وجوب التقليد، وأنّ السؤال مقدّمة للعمل، ولكنّ ظاهرها أنّ السؤال إنّما هو من باب المقدّمة لحصول العلم، ويمكن أن يكون المراد من أهل الذكر علماء اليهود، وقد أمر اﷲ تعالى الجاهلين بالسؤال عنهم لكونهم عالمين بالتوراة، فالآية الكريمة واردة في باب تعلّم اُصول الدين، أي: إذا لم يكن لكم علم بالبراهين والحجج والكتب فاسألوا أهل الذكر فإنّهم يعلمون بذلك.
وثانياً: حتى على فرض التنزّل والقول بكون الآية شاملةً لمورد التقليد، فلا يتمّ ما ذكر؛ لأنّنا لم نقل بجواز تقليد المتجزّي إلّا إذا كان يعلم جملةً من الأحكام المعتدّ بها بحيث يصدق عليه عنوان الفقيه والعالم، وحينئذٍ، فإذا صدق عليه هذا العنوان، صدق عليه ـ أيضاً ـ عنوان (أهل الذكر).
وأمّا آية النفر، فهي وإن أمكن أن تكون ظاهرةً في وجوب التقليد، إلّا أنّها ـ أوّلاً ـ ليست في مقام الحصر لتدلّ على أنّ وجوب الحذر يترتّب على إنذار الفقيه حتى يقال: إنّ العالم المتجزّي ليس بفقيه، فلا تكون الآية صالحةً للرادعيّة. وثانياً: قد عرفت أنّ جواز الرجوع المتجزّي إنّما هو بعد استنباطه لجملة من الأحكام بحيث يصدق عليه عنوان الفقيه.
وأمّا الروايات:
فمنها: قوله: <من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه..>( ).
ولكنّها واردة في بيان أوصاف من يجوز تقليده، لا في مقام بيان أنّه لابدّ أن يكون فقيهاً، وأنّ الفقاهة معتبرة فيه.
ومنها: مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة، حيث ورد فيها: <ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً>( ).
وفيه: أوّلاً: أنّ هذه المقبولة واردة في باب القضاء، ولابدّ من دليل يثبت أنّ ما اعتبر في القاضي هو بعينه معتبر في المجتهد.
وثانياً: أنّها معارضة بحسنة أبي خديجة، حيث ورد فيها: <ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا...>( )، حيث دلّت على أنّ من تعلم شيئاً من قضاياهم( كافٍ في أن يصبح قاضياً، وهذا متحقّق في المتجزّي كالمطلق.
والحاصل: أنّ الكتاب والسنّة لا يدلّان على عدم جواز الرجوع إلى المتجزّي مطلقاً، بل إذا لم يصدق عليه عنوان الفقيه، والمتجزّي إذا استنبط جملةً معتدّاً بها من الأحكام صدق هذا العنوان عليه، فيكون تقليده جائزاً.
وأمّا ما قد يُدّعى من الإجماع على عدم الجواز، فقد عرفت حاله؛ فإنّ هذه الإجماعات مضافاً إلى كونها منقولة، فهي محتملة المدركيّة.
بقي الكلام فيما إذا كان المجتهد المطلق لم يستنبط ولو في موردٍ واحد فهل يجوز له أن يقلّد الغير أم لا؟ وهل يجوز للغير تقليده أم لا؟
لا يخفى: أنّه لمّا كان حائزاً على ملكة الاستنباط، فلا تشمله أدلّة رجوع الجاهل إلى العالم، فلا يجوز له الرجوع إلى الغير.
لا يقال: إنّ الملكة بمجرّدها لا تفيد، بل لابدّ وأن يكون فقيهاً بالفعل، وما دام لم يستنبط فلا يصدق عليه عنوان العالم والفقيه، فيجوز له الرجوع إلى الغير.
فإنّه يقال: إنّ صاحب الملكة والمتمكّن من الاستنباط، وإن كان لم يستنبط فعلاً، إلّا أنّه لا يمكنه الرجوع إلى الغير بعد أن رأى عدم حجّيّة فتوى المخالف، وبعد عدم صدق الجاهل عليه عرفاً.
وأمّا رجوع الغير إليه، فلا يجوز؛ لأنّ الأدلّة الدالّة على جواز التقليد تستفاد ـ كما عرفنا ـ من العقل أو الكتاب أو السنّة أو السيرة العقلائيّة، وهي بأجمعها منصرفة عمّن لم يستنبط، ولو كانت لديه ملكة الاجتهاد.
وأمّا ثبوت الولاية للمتجزّي على أموال الغيّب والقصّر:
فيقول الاُستاذ المحقّق:
<إنّ مسألة الولاية ـ كما حقّقناها في محلّها ـ لها درجات ثلاث:
الأُولى: أن يكون له الولاية على الحسبيّات فقط، أي: الاُمور التي نعلم بمحبوبيّتها عند الشارع وعدم رضائه بتركها، كحفظ أموال الغيّب والقصّر وسائر ما شابههما.
الثانية: الولاية على الاُمور النوعيّة التي هي عبارة عن الأعمال التي تُعمل لأجل مصالح المسلمين، وذلك كأعمال الولاة والسلاطين، فما كان من شؤونهم يكون داخلاً في هذا القسم.
الثالثة: الولاية المطلقة حتى على الاُمور الشخصيّة، وذلك كطلاق زوجة زيد ـ مثلاً ـ أو بيع داره، بل هبتها، لشخص.
والولاية بهذا المعنى الأخير على الظاهر عدمه للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة من المسلّمات، ولم يقل بها أحد في حقّ الفقيه إلّا من شذّ ولا يعتنى بكلامه.
كما أنّ القسم الأوّل من المسلّمات ثبوته له، حتى أنّه لو لم يكن هناك مجتهد يجب أن يقوم بها عدول المؤمنين، وعلى فرض عدمهم، فلازمٌ أن يقوم بها فسّاق المؤمنين، كلّ ذلك لأجل ما ذكرنا من محبوبيّتها للشارع وعدم رضائه بتركها.
وأمّا القسم الثاني، ففيه كلام طويل، وهو محلّ الخلاف، ونحن رجّحنا ثبوته للفقيه الجامع للشرائط في محلّه؛ لقوله: (مجاري الاُمور بيد العلماء الاُمناء على حلاله وحرامه) ( )>.
ثمّ قال:
<وأمّا شموله للمتجزّي في غاية الإشكال؛ لأنّ موضوع هذه الولاية هو عنوان العلماء والفقهاء، أو رواة الحديث، وكلّ هذه العناوين منصرفة عن المتجزّي، إلّا أن يكون المتجزّي بمرتبةٍ بحيث يعرف جملةً مهمّةً ومقداراً معتدّاً به من الأحكام الشرعيّة، بحيث يصدق وينطبق هذه العناوين أو أحدها عليه>( ).

الأمر الخامس :التخطئة والتصويب:
لا يخفى: أنّ المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وكما في الاُمور العقليّة لا يمكن تصويب كلا الرأيين المتنافيين؛ لأنّه يستلزم اجتماع الضدّين أو النقيضين، بل لابدّ أن يكون أحدهما صواباً والآخر خطأً، ولا يمكن أن تكون جميع آراء العقلاء صائبةً، فكذلك ـ أيضاً ـ في الشرعيّات، فإذا اختار أحد المجتهدين رأياً، كوجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة، وقال المجتهد الآخر بوجوب صلاة الجمعة فيه، وقلنا بأنّ الحكم الثابت واقعاً في يوم الجمعة هو إمّا الظهر أو الجمعة، فأحد هذين الرأيين فقط يكون صواباً، وأمّا الآخر فهو خطأ لا محالة، ولا يمكن القول بأنّ كلا الرأيين صواب؛ لتأديته ـ أيضاً ـ إلى اجتماع النقيضين.
وفي هذه المسألة خلاف كبير بين فقهاء المسلمين، فقسم منهم، وهم فقهاء العامّة، يقولون بالتصويب، وقسم آخر، وهم الخاصّة، يقولون بالتخطئة.
ثمّ إنّه ينبغي أن يعلم في المقام: أنّ التصويب على قسمين:
الأوّل: التصويب المحال، وهو المنسوب إلى الأشاعرة، وحاصله: أنّه ليس في الواقع حكم ﷲ تعالى، وأنّ المجتهد مصيب دائماً؛ إذ قيام الأمارات والطرق لديه يكون سبباً لحدوث المصلحة في الشيء الذي انتهى إليه، وهذه المصلحة تستتبع جعل الحكم على طبقها، فليس هناك من حكم واقعيّ وراء ما أدّى إليه قيام الأمارة أو الأصل عند المجتهد، فتكون النتيجة: تبعيّة الحكم الواقعيّ لآراء المجتهدين، وأنّ جعل الحكم يكون متأخّراً عن قيام الأمارة عليه.
وهذا المعنى من التصويب باطل ومحال؛ وذلك لأنّه لو لم يكن هناك من حكم واقعيّ مجعول قبل الأمارة، فعن ماذا تكون الأمارة كاشفة وحاكية؟ ضرورة أنّه لا يعقل تحقّق الكشف من دون مكشوف، فلو توقّف ثبوته على قيام الأمارة عليه للزم الدور المحال.
أضف إلى ذلك، أنّ هذا المعنى من التصويب يستلزم اختصاص الأحكام الشرعيّة بخصوص من قامت عنده الأمارة، وهو مخالف لما دلّ على أنّه ما من واقعة إلّا وﷲ فيها حكم يشترك فيه الجاهل والعالم، من قامت عنده الأمارة، ومن لم تقم عنده.
والثاني: التصويب الباطل، لا لمكان استحالته، بل لقيام الإجماع على بطلانه. وهو المنسوب إلى المعتزلة. وحاصله: أنّه ولو كان في الواقع أحكام مجعولة حسبما فيها من المصالح، والأمارات تكون حاكية عنها، ولكن إذا فرض قيام الأمارات عند المجتهد، فإنّ قيامها هذا يكون سبباً لحدوث مصلحة فيما أدّت إليه أقوى ممّا فيه من المصلحة الواقعيّة، فما أدّت إليه الأمارة هو الحكم الفعليّ بالنسبة إلى المجتهد، ولابدّ أن يعمل طبق مؤدّاها هي، دون الواقع، وبذلك تصبح الأحكام الواقعيّة غير فعليّة، بل هي ـ حينئذٍ ـ مجرّد أحكامٍ صوريّة.
وهذا المعنى وإن كان معقولاً في حدّ نفسه، وليس فيه من استحالة عقليّة، إلّا أنّ الإجماع قام على بطلانه، وعلى أنّ الأمارة لا تكون مغيّرة للواقع، كما أنّ المستفاد من الأخبار هو اشتراك الجاهل والعالم في الحكم، ما يعني عدم صحّة القول بأنّ الأحكام الواقعيّة مختصّة بالعالمين بها فقط.
على أنّ ذلك هو ما تقتضيه ـ أيضاً ـ إطلاقات أدلّة الأحكام في حدّ نفسها، فإنّ الدليل الذي دلّ على حرمة الخمر ـ مثلاً ـ مقتضى إطلاقه هو عدم اختصاص هذه الحرمة بالعالمين بها فقط، بل أنّ الخمر يكون حراماً مطلقاً، علم المكلّف بحرمته أم لم يعلم، قامت أمارة على الخلاف أم لم تقم.
وأمّا توهّم أنّ تعميم الحكم الواقعيّ للجاهلين لازمه اجتماع حكمين متضادّين على موضوع واحد، وهو محال؛ ببيان: أنّ الشيء الواحد ـ حينئذٍ ـ يكون في حقّ الجاهل محكوماً بحكمين، أحدهما: الحكم الواقعيّ، والآخر: الحكم الظاهريّ.
ففاسد؛ لما قرّرناه في محلّه في مبحث الجمع بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ.
فالحقّ ـ إذاً ـ هو القول بالتخطئة كما عليه أصحابنا.

الأمر السادس :في الإجزاء بعد تبدّل الرأي:
لا يخفى: أنّ الأمر تارةً: يكون واقعيّاً أوّليّاً، وأُخرى: واقعيّاً ثانويّاً، وثالثةً: يكون ظاهريّاً، فلو أتى بالماُمور به على طبق أمره، فإنّه مجزٍ له قطعاً؛ لحصول الغرض منه، فيكون الأمر ساقطاً قهراً؛ ضرورة أنّه لو لم يسقط لكان من قبيل طلب الحاصل، والامتثال عقيب الامتثال، وهو أمر غير معقول؛ إذ بعد سقوط الأمر لا يبقى معنى للامتثال الثاني أصلاً.
وقد يقال: بل هو ممكن وواقع، كما في صلاة المنفرد إذا صلّاها، فيعيدها جماعة.
ولكن قد عرفت: بأنّ هذا ليس من قبيل الامتثال بعد الامتثال، أي: انبعاثه ثانياً عن أمر المولى؛ إذ بعد سقوط الأمر بالانبعاث الأوّل الذي أتى فيه بالماُمور به بجميع أجزائه وشرائطه مع إعدام موانعه، فلا يبقى أمر ـ أصلاً ـ حتى ينبعث عنه ثانياً.
ولذا قال اُستاذنا المحقّق:
<وأمّا مسألة إعادة المنفرد صلاته جماعةً، أو الإمام مرّةً واحدةً أُخرى إماماً، فليس من قبيل تبديل الامتثال، بل من جهة أنّ الغرض الأقصى حيث لم يحصل بعد، فللعبد أن يأتي بفردٍ آخر من طبيعة الماُمور به، لا بعنوان الامتثال الثاني، أو بعنوان تبديل الامتثال؛ لأنّ الامتثال حصل بالإتيان الأوّل، وسقط الأمر، بل برجاء أن يكون أحبّ إليه من الفرد الأوّل، فيختاره لغرضه الأقصى.
وهذا المعنى متوقّف على أمرين:
أحدهما: عدم حصول الغرض الأصليّ بمجرّد وجود الماُموربه أو اختياره لغرضه الأصليّ بمجرّد وجوده.
وثانيهما: احتمال أن يكون ما يريد أن يأتي به ثانياً هو الذي يختاره المولى، وبعد وجود هذا الاحتمال، لا فرق بين أن يكون ما يريد أن يأتي به ثانياً في نظره أفضل من الذي أتى به أوّلاً أو مساوياً له، ولا يحتاج إلى وجود دليلٍ على هذا الأمر بعد هذا الاحتمال أيضاً إذا جاء به برجاء أنّه هو المختار. نعم، استحبابه يحتاج إلى الدليل، كما أنّهم أفتوا في الموردين المتقدّمين لأجل ذلك>( ).
وقد تقدّم في محلّه في مبحث الإجزاء كلام مفصّل يرتبط بهذا البحث، فلا نعيد.
وإنّما الكلام فيما نحن فيه، في أنّ القاعدة في مورد تبدّل رأي المجتهد، أو العدول من مجتهدٍ إلى الآخر مع تخالفهما في الفتوى، هل تقتضي الإجزاء، إلّا أن يدلّ الدليل على عدمه، أم أنّها تقتضي عدم الإجزاء ووجوب الإعادة في الوقت والقضاء خارجه؟
لا يخفى: أنّه بناءً على السببيّة ـ بمعنى: أنّه من طرف قيام الأمارة أو الأصل توجد مصلحة في المتعلّق ـ فيمكن أن نقول بالإجزاء، أمّا بناءً على الطريقيّة فالإجزاء بحاجةٍ إلى الدليل، لأنّه الآن لا يرى ذلك طريقاً، بل يراه مخطئاً، فالصلاة التي أتى بها ـ مثلاً ـ بفتوى المجتهد الأوّل بتسبيحة واحدة، مع فتوى المجتهد الثاني بعدم كفاية التسبيحة الواحدة، فهو لا يراها الآن تامّةً؛ لأنّه لم يأتِ بالماُمور به التامّ، ولم يأتِ بما هو بدل عنه، فالإجزاء يحتاج إلى دليل. وعليه: فمقتضى القاعدة هو القول ببطلان ما أتى به أوّلاً، ولابدّ من الإعادة في الوقت والقضاء خارجه.
وقد يقال: بأنّ هذا الكلام تامّ فيما لو كان هناك حجّة معتبرة على الخلاف، كما لو أحرز بالعلم الوجدانيّ أنّه على خلاف الواقع. وأمّا إذا كان كلّ من الاجتهادين ممّا يحتمل مخالفته للواقع، فعمل المقلّد وإن كان يجب أن يكون مطابقاً للاجتهاد اللّاحق، ولكنّ الاجتهاد الأوّل قد كان حجّة في ظرفه، والثاني، وإن كان حجّة بالفعل، إلّا أنّه مع ذلك لا يكشف عن عدم حجّيّة الاجتهاد الأوّل في ظرفه، فلا وجه لبطلان الأعمال المتقدّمة التي أتى بها على طبق الاجتهاد الأوّل، حيث إنّه في ظرفه كان متّصفاً بالحجّيّة.
ولكن قد عرفت أنّ قيام الحجّة الثانية ولو لم يكن كاشفاً عن عدم حجّيّة الاجتهاد الأوّل في ظرفه، إلّا أنّ مقتضاها، أعني: الحجّة الثانية، هو ثبوت مدلولها من أوّل الأمر، لا أنّها مختصّة بعصر دون عصر، فيكون العمل على طبق الحجّة الأُولى باطلاً بعد قيام الحجّة الثانية، فلابدّ من الإعادة والقضاء، فإنّ احتمال مخالفة الحجّتين للواقع، وإن كان موجوداً، لكنّ هذا الاحتمال يلغى بالنسبة إلى الحجّة الثانية؛ لأنّ حجّيّتها فعليّة بحسب الفرض، فلا يكون له في صورة مخالفتها مؤمّن من العقاب، والعقل يستقلّ بلزوم تحصيل المؤمّن، فإذا كان عمله مطابقاً مطلقاً للحجّة الثانية، كان له المؤمّن، فاندفع عنه احتمال الضرر، وأمّا ما أتى به المكلّف أوّلاً، فهو حيث كان مخالفاً لمقتضى الحجّة الثانية، فلا يحصل للمكلّف العلم بمطابقته للواقع، وعليه: قإذا تبدّل رأي المجتهد في جميع أبواب الفقه، من العبادات أو المعاملات، بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ، والأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة، فمقتضى القاعدة أنّه لابدّ من الإعادة أو القضاء، وهذا مساوق للقول بعدم الإجزاء.
ثمّ إنّ صاحب الكفاية( ) نسب إلى صاحب الفصول القول بالتفصيل بين الأحكام ومتعلّقاتها والموضوعات، والقول بالإجزاء في الأحكام دون الموضوعات، والدليل الذي ذكره لعدم الإجزاء في الموضوعات: هو أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين.
قال الاُستاذ المحقّق: <وقد أشكل في فهم مراده من هذه العبارة، حتى أنّه قيل: إنّ شيخنا الأعظم بعث أحد عظماء تلامذته للسؤال عن صاحب الفصول عن معنى هذه العبارة، فما أتى صاحب الفصول بشيءٍ في مقام الجواب يمكن أن يركن النفس إليه>( ).
فهذا التفصيل منه لا دليل عليه.
وقد يستدلّ على الإجزاء باُمور:
منها: لزوم العسر والحرج على القول بعدمه، وهما منفيّان في الشريعة المقدّسة، خصوصاً بالنسبة إلى العبادات، فلو أنّ شخصاً قلّد مجتهداً لمدّة طويلة، ثمّ تبدّل رأي هذا المجتهد، أو مات وقلّد مجتهداً آخر بعده، وكانت فتوى المجتهد الثاني مخالفةً لفتوى المجتهد الأوّل، فإنّ القضاء بالنسبة إلى المقلّد، والحال هذه، يكون حرجيّاً.
ولكن فيه: أنّ الكلام إنّما هو في مقتضى القواعد الأوّليّة، والإجزاء إنّما يثبت بالقواعد الثانويّة، وقاعدة العسر والحرج لا تنافي عدم الإجزاء ووجوب القضاء بالقاعدة الثانويّة.
وأيضاً: فقد مرّ في محلّه أنّ الحرج والضرر المنفيّين في الشريعة هما الحرج والضرر الشخصيّان، لا النوعيّان، والضرر والحرج الشخصيّان يختلفان بحسب اختلاف الموارد والأشخاص، فينبغي أن يقال ـ حينئذٍ ـ: بأنّه إذا كان هناك حرج في موردٍ بالنسبة إلى شخصٍ ما، فيرتفع الحكم بالنسبة إلى هذا الشخص دون غيره ممّن لا حرج عليه.
ومنها: الإجماع.
وفيه: أنّه قد عرفت مراراً حال هذه الإجماعات، وأنّها ـ من جهةٍ ـ منقولة، ومن جهةٍ أُخرى: محتملة المدركيّة.
قال اُستاذنا الأعظم في المقام ما لفظه:
<والجواب عن ذلك: أنّ الإجماع المدّعى لو كان محصّلاً لم نكن نعتمد عليه، لما يأتي بيانه، فما ظنّك بما إذا كان إجماعاً منقولاً بالخبر الواحد، وسرّه: أنّ تحصيل الإجماع في المسألة دونه خرط القتاد؛ إذ كيف يمكن استكشاف قوله في المقام ولم يتعرّض أكثر الأصحاب للمسألة، ولم يعنونوها في كلماتهم؟!
هذا. على أنّا لو سلّمنا اتّفاقهم، أيضاً: لم يمكننا الاعتماد عليه؛ لأنّا نعلم أو نظنّ، ولا أقلّ من أنّا نحتمل استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدلّ بها في المقام، ومعه: لا يكون الإجماع تعبّديّا كاشفاً عن قوله>( ).
ومنها: سيرة المتشرّعة، وقد ادّعوا بأنّ هذه السيرة جارية على عدم لزوم الإعادة أو القضاء، حيث لم نستعهد أحداً يعيد أو يقضي ما أتى به من العبادات مدّة حياته إذا عدل عن رأيه، أو تبدّلت فتوى مجتهده، وهذه السيرة لم يكن هناك رادع عنها في الشريعة المقدّسة، فلابدّ أن نقول بالإجزاء عدم وجوب الإعادة أو القضاء إذا عدل المجتهد عن رأيه.
وفيه: أنّ إثبات اتّصال هذه السيرة المستمرّة بزمان المعصوم بحاجة إلى دليل.
يقول الاُستاذ الأعظم: <على أنّا لو سلّمنا استكشاف السيرة بوجه، فمن أين يمكننا إحراز اتّصالها بزمان المعصومين؛ إذ لا علم لنا بأنّ شخصاً واحداً، فضلاً عن جماعةٍ، اتّفق له العدول في عصرهم، وبنى على عدم إعادة الأعمال المتقدّمة، ولم يردع عنه الإمام، حتى نستكشف اتّصال السيرة بزمانهم، وكونها ممضاةً عندهم، ومن الممكن أن تكون السيرة مستندةً إلى فتوى جماعةٍ من الفقهاء قدّس اﷲ أسرارهم.
والذي يوقفك على ذلك: أنّ المسألة لو كانت عامّة البلوى في عصرهم لسئل عن حكمها، ولو في روايةٍ واحدة، وحيث لم ترد إشارة إلى المسألة في شيءٍ من النصوص، فنستكشف بذلك: أنّ كثرة الابتلاء بها إنّما حدثت في الأعصار المتأخّرة، ولم يكن منها في عصرهم عين ولا أثر. فالسيرة ـ على تقدير تحقّقها ـ غير محرزة الاتّصال بعصرهم، ولا سبيل معه إلى إحراز أنّها ممضاة عندهم أو غير ممضاة>( ).
وممّا ذكرنا ظهر: أنّ الإجزاء خلاف القاعدة، فلابدّ من الإعادة في الوقت، والقضاء خارج الوقت. نعم، لو قلنا بشمول قاعدة (لا تعاد) للجاهل القاصر، ففي الصلاة، إذا كان الإخلال بغير الوقت والقبلة والركوع والسجود والطهور فهي مجزية.

وأمّا المقام الثاني:
والكلام فيه في التقليد.
وهو: <الالتزام بالعمل برأي الغير ولو لم يعمل بعد>، أو <رجوع الغير إلى من ثبت حجّيّة قوله عنده>، وبعبارة أُخرى: هو <نفس العمل برأي الغير مستنداً إليه>.
قال الاُستاذ المحقّق:
<والصحيح هو الثاني؛ لأنّ الذي يجب على العامل بالتكاليف الشرعيّة هو أن يكون له حجّة على أنّ عمله هذا مبرئ للذمّة، وتلك الحجّة: إمّا علم أو علميّ، والعامّيّ غير المحتاط حيث إنّه عاجز عن استعمال الحجج التفصيليّة ليس شيء له أقرب إلى الواقع من أن يجعل عمله مستنداً إلى رأي من هو قادر على استعمال تلك الحجج واستعملها فعلاً>( ).
فالمقلّد لابدّ له من أن يستند ويتّكئ في عمله على قول الغير.
ولكنّ صاحب الكفاية لم يرتضِ بذلك، بل قال: بأنّ التقليد هو الأخذ والالتزام، ومنع عن تفسيره بالعمل استناداً إلى رأي الغير، نظراً إلى أنّ التقليد إذا كان نفس العمل على طبق فتوى الغير فأوّل عملٍ يصدر من المكلّف يصدر من غير تقليد؛ فإنّ ذلك العمل غير مسبوق بالتقليد الذي هو العمل، مع أنّ العمل لابدّ أن يكون مسبوقاً بالتقليد؛ لأنّ المكلّف لابدّ أن يستند في أعماله إلى حجّة، فكما أنّ المجتهد يستند إلى اجتهاده، وهو أمر سابق على عمله، كذلك العامّيّ، لابدّ أن يستند إلى التقليد، ويلزم أن يكون التقليد سابقاً على عمله.
وإليك نصّ كلامه:
<وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيّات، أو للالتزام به في الاعتقاديّات تعبّداً، بلا مطالبة دليلٍ على رأيه، ولا يخفى: أنّه لا وجه لتفسيره بنفس العمل؛ ضرورة سبقه عليه، وإلّا كان بلا تقليد، فافهم>( ).
وقد أجاب عن هذا اُستاذنا الأعظم: بأنّ <التقليد ـ كما مرّ ـ لون وعنوان للعمل، فهو أمر مقارن معه، ولا يعتبر فيه السبق زماناً، فإذا عمل المكلّف عملاً مستنداً إلى فتوى الغير، كان ذلك العمل مقروناً بالتقليد لا محالة، وهو كافٍ في صحّته، ولا دليل على اعتبار سبق التقليد على العمل>( ).
وخلاصة الكلام: أنّه ليس هناك ما يدلّ على أنّ معنى لابدّيّة أن يكون عمل العامّيّ عن تقليد هو لزوم سبق التقليد على العمل، بل معناه: أنّ عمل العامّيّ يجب أن يكون مستنداً إلى رأي المجتهد إن لم يحتط، فنفس عمله بهذا العنوان هو مصداق لمفهوم التقليد أيضاً، ولا دليل على مسبوقيّة التقليد على العمل، فيكون المقام كإعطاء مال إلى شخص بقصد أن يكون ملكاً له بعوض ماليّ، فهذا يصدق عليه مفهوم البيع، فكذلك نفس عمل العامّيّ مستنداً إلى رأي الغير، يصدق عليه التقليد أيضاً.
ثمّ إنّه لا ثمرة فقهيّة في كون التقليد هو الالتزام أو العمل، اللّهمّ إلّا في النذر، وفي مسألة البقاء على تقليد الميّت، فإن قلنا بأنّ التقليد هو الالتزام، ولو لم يعمل بعد، فلو مات مجتهده، فيجوز له أن يبقى على تقليده، وأمّا إذا قلنا بأنّه هو العمل، فلا يجوز له البقاء على تقليده ما لم يعمل بفتاواه في حياته، لأنّه يكون من تقليد الميّت ابتداءً، ولو كان في أثناء حياته ملتزماً بأن يعمل على طبقها.
ولا بأس هنا بالتعرّض لمعنى الاحتياط، فنقول:
الاحتياط هو أن يأتي بما يحتمل وجوبه، ويترك ما يحتمل حرمته، فبالاحتياط يحرز الواقع ـ وهذا هو الوجه في حجّيّته وجوازه ـ، ويمكن أن يقال: بأنّ العمل به يكون أفضل من العمل بالاجتهاد والتقليد؛ لأنّه لم يخالف الواقع أصلاً، لكن قد لا يمكن العمل بالاحتياط في بعض الموارد، كما إذا دار الأمر بين المحذورين، أو لكثرة أطراف الشبهة، بحيث لا يتمكّن المكلّف من الإتيان بجميع أطرافها، وكما إذا كان العمل عباديّاً، فالمكلّف لا يتمكّن من إتيانها بنحو الامتثال الإجماليّ، مع التمكّن من الإتيان بها على نحو التفصيل.
ولا يخفى: أنّ العامل بالاحتياط لابدّ له من أن يعرف موارد الاحتياط، وإلّا، فلا يجوز له العمل بالاحتياط؛ إذ قد يكون الاحتياط في مخالفة الاحتياط.
والاحتياط قد يكون في العبادات، وقد يكون في المعاملات.
أمّا الأوّل، فلا مانع منه، استلزم الاحتياط فيها تكرار العمل، أو لم يستلزم.
وقد يتوهّم لزوم قصد الوجه فيها، بدليل عقليٍّ أو نقليّ.
ولكن فيه: أنّ كليهما مفقودان؛ أمّا العقل، فهو لا يرى توقّف الإطاعة على أزيد من لزوم الانبعاث عن بعث المولى خارجاً، ولا يرى دخل شيء آخر فيها جزماً.
وأمّا النقل، فلا أثر للإلزام بهذا القصد في الأخبار، مع ما نراه من كثرة ابتلاء الناس بالعبادات، وليس هناك من داعٍ للإخفاء في مثل هذه الاُمور عادةً، بل الداعي إلى الإظهار موجود، فهذا أدلّ دليل على عدم لزومه.
وأماّ التوصّليّات، فبما أنّ المفروض سقوط العمل فيها بمجرّد وجود الماُمور به في الخارج، فلا يعتبر فيها شيء آخر ،فإذا فرض تحقّقه في الخارج، ولو في ضمن اُمور متعدّدة، فيسقط الأمر لا محالة، بلا فرق بين العقود والإيقاعات وغيرهما، فمتى أوجد المكلّف ما هو سبب للملكيّة عند الشارع فيترتّب عليه الأثر لا محالة، بلا فرقٍ بين أن يكون متمكّناً من العلم التفصيليّ أم لا، وسواء كان مستلزماً للتكرار، كتردّد المايع بين أن يكون مضافاً أو مطلقاً، أم لا؛ لأنّ المقصود من التوصّليّة ـ كما قلنا ـ إنّما هو حصول المتعلّق وتحقّقه بأيّ وجهٍ اتّفق، وكذا في المعاملات بالمعنى الأخصّ، فإنّ الاحتياط فيه حسن ومشروع، فلو فرض أنّ صيغة النكاح إمّا أن تحصل بلفظ (زوّجْتُ) أو (أنكحْتُ)، فيجوز له أن يجمع بين الصيغتين، كما إذا شكّ في أنّ الطلاق له يتحقّق بالجملة الفعليّة ﻛ (طلّقتك)، أو الاسميّة ﻛ (أنت طالق) أو (زوجتي طالق)، فلا مانع من أن يجمع بين الصيغتين.
ثمّ لو شككنا في أنّ الاحتياط والامتثال الإجماليّ هو في عرض الامتثال التفصيليّ أم في طوله، أي: أنّ الانبعاث لابدّ أن يكون مستنداً إلى الأمر جزماً، أو يكفي الانبعاث إذا استند إلى احتمال الأمر يكفي في الامتثال، فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال؛ لأنّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في كيفيّة الطاعة والامتثال، وحينئذٍ: نقول بمنع الاحتياط، وأنّه لابدّ من الامتثال تفصيلاً.
ولكن يمكن أن يقال: بعد فرض أنّ الاحتياط يكون في عرض الامتثال التفصيليّ، فإنّ الإضافة إلى اﷲ عزّ وجلّ كما تتحقّق بالإتيان على وجه التفصيل، فهي تتحقّق ـ أيضاً ـ بالإتيان على وجه الإجمال؛ لأنّه ـ أيضاً ـ نحو إضافة إلى اﷲ سبحانه، فإنّه لو أتى بالعمل رجاءً يكون ممتثلاً ـ أيضاً ـ، والفقهاء متّفقون على أنّه لا فرق بين الإتيان التفصيليّ والإجماليّ، بل كلاهما يكون واقعاً على وجه الإطاعة والانقياد للمولى.
وفي المقام يقول اُستاذنا الأعظم:
<على أنّا لو شككنا في ذلك فالمرجع هو البراءة دون الاشتغال؛ إذ لا شكّ لنا في مفهوم العبادة، وإنّما الشكّ في واقعها وما يتّصف به العمل بالعبادة، فمرجع الشكّ ـ حينئذٍ ـ إلى أنّ الشارع هل اعتبر في متعلّق الأمر التحرّك عن تحريكه، والتحرّك عن احتمال الأمر والتحريك، فالجامع بين الاحتمالين، وهو لزوم الإتيان بالعمل بقصد الامتثال، معلوم، واعتبار كونه على وجه التفصيل، أعني: اعتبار كون التحرّك مستنداً إلى تحريك المولى مشكوك فيه، ومعه: يرجع إلى البراءة عن اعتبار ما يشكّ فيه بناءً على ما هو الصحيح عندنا من جريان البراءة في مورد دوران الأمر بين التعيين والتخيير>( ).
ثمّ إنّ الوجوب النفسيّ لا يتصوّر في الاحتياط؛ لأنّه عنوان لنفس العمل، لا أنّه طريق لمعرفة الأحكام.
يقول الاُستاذ الأعظم:
<أمّا احتمال أن يكون الوجوب النفسيّ في تلك الطرق مستنداً إلى المصلحة الواقعيّة الباعثة على الإيجاب الواقعيّ، فيدفعه: أنّه إنّما يتمّ فيما إذا أثبتنا وجوبها شرعاً؛ فإنّه في مقام التعليل ـ حينئذٍ ـ يمكن أن يقال: إنّ وجوبها منبعث عن نفس المصلحة الواقعيّة، إلّا أنّه أوّل الكلام؛ لعدم قيام الدليل على وجوب الاجتهاد والاحتياط. نعم، لا بأس بذلك في التقليد بناءً على دلالة الأدلّة على وجوبه الشرعيّ، كما بنى عليه بعض مشايخنا المحقّقين>( ).
وأمّا ما قد يقال: من أنّه يمكن استفادة الوجوب النفسيّ في التقليد، من مثل ما ورد من أنّ <طلب العلم فريضة>( )، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾( )، وغيرهما.
ففيه: أنّ تعلّم الأحكام ليس بواجبٍ نفسيّ، بل هو طريق إلى العمل، كما ورد في بعض الروايات أنّه:
<إذا كان يوم القيامة قال اﷲ تعالى للعبد: أكُنْتَ عالماً؟ فإن قال: نعم، قال: أفلا عملْتَ بما علمْتَ؟ وإن قال: كُنْتُ جاهلاً، قال له: أفلا تعلّمت؟ فتلك الحجّة البالغة ﷲ تعالى>( ).
وقد عرفت: أنّ السؤال أوّلاً إنّما كان عن العمل، لا عن التعلّم، فلا يجب العلّم وجوباً نفسيّاً، ولأنّه لو ترك التعلّم ولم يصلّ ـ مثلاً ـ فليس هناك إلّا عقاب واحد، وهو العقاب من جهة تركه للعمل، لا عقابان.

حجّيّة التقليد وجوازه:
لا ينبغي الشكّ في جواز التقليد للعامّيّ في الأحكام الشرعيّة، وذلك لسيرة العقلاء وبنائهم العمليّ؛ فإنّه قائم على رجوع الجاهل إلى العالم في كلّ مسألة، ولولا هذا لاختلّ نظام العالم، ولم يعهد عن الشارع ردع عن هذه السيرة، بل على العكس، فهو قد أمضى عملهم هذا وأقرّهم عليه، ويستفاد الإمضاء من الآيات والروايات.
أمّا الآيات:
فمنها: آية النفر.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلـــُواْ أَهْلَ الذكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾( ).
وأمّا السنّة:
فمنها: ما روي من قول عبد العزيز بن المهتدي للإمام: <لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم>( ).
وهو مطلق يشمل قبول قول الثقه في الرواية والفتوى.
ومنها: قوله حينما سأله ابن ابي يعفور عمّن يرجع إليه إذا احتاج أو سئل عن مسألة: <ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفيّ؛ فإنّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً>( ).
ومنها: قوله لشعيب العقرقوفي بعد سؤاله عمّن يرجع إليه: <عليك بالأسديّ، يعني: أبا بصير>( ).
ومنها: قول أبي جعفر لأبان بن تغلب: <اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي اُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك>( ).
ومنها: التوقيع الشريف: <وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اﷲ>( ).
وغير ذلك من الروايات، وهي كثيرة يمكن دعوى حصول الاطمئنان بدلالتها على جواز التقليد، مع اختلاف مضامينها.
وقد يستدلّ على جواز التقليد بالإجماع.
ولكن قد عرفت مراراً حال هذه الإجماعات، وأنّها ليست تعبّديّة كاشفة عن قول المعصوم، مضافاً إلى أنّها مظنونة المدركيّة، بل يمكن القطع بأنّ مدركه هو أمثال هذه الروايات التي نقلناها، مضافاً إلى عدم تحقّق الإجماع هنا مع اتّفاق الأخباريّين على عدم جواز التقليد.

مسألة :هل يجوز تقليد الميّت ابتداءً؟
في المسألة أقوال:
1. جواز تقليد الميّت مطلقاً، ابتداءً واستدامةً.
2. عدم الجواز مطلقاً.
3. المنع منه ابتداءاً، والقول بجوازه استدامةً.
4. التفصيل بين أن يكون الظنّ الحاصل من قوله أقوى من الظنّ الذي يحصل من قول الحيّ، فيجوز، وإلّا، فلا.
5. التفصيل بين أن يكون المجتهد الحيّ الجامع لشرائط الفتوى موجوداً، وبين أن لا يكون كذلك، ففي الأوّل لا يجوز، وفي الثاني يجوز.
فبناءً على القول بالانسداد وأنّ النتيجة بناءً على الحكومة ليست مهملةً بالنسبة إلى مراتب الظنّ، وأنّ العقل يحكم بتقديم الظنّ الأقوى الحاصل من أحد الفتويين على الظنّ القويّ، فحينئذٍ: أيّ واحدٍ من الظنّين كان أقوى فيجب الأخذ به.
ولكن فيه: أنّ حجّيّة التقليد ـ كما مرّت إليه الإشارة ـ لم يكن من جهة الانسداد، بل الدليل عليه هو السيرة وبناء العقلاء، وما ورد من الآيات والأخبار.
وأمّا التفصيل الأخير، فقال فيه اُستاذنا المحقّق:
<وأمّا التفصيل الثاني المنقول عن العلّامة والأردبيليّ والشيخ سليمان البحرانيّ والشيخ عليّ بن هلال، فليس ـ أيضاً ـ تفصيلاً في هذه المسألة؛ لأنّ الكلام في هذه المسألة في الجواز وعدم الجواز بعد الفراغ عن إمكان الرجوع إلى الحيّ، وأمّا في مورد عدم إمكان الرجوع إلى الحيّ؛ لبُعْد البلاد، وعدم الوسيلة، أو لانقراض الاجتهاد ـ العياذ باﷲ ـ، فلا مناص من الرجوع إلى الميّت إن لم يمكن الاحتياط، أو لم نقل بوجوبه؛ لأدلّة نفي العسر أو للإجماع>( ).
فتبقى الأقوال الثلاثة الأُخرى، وهي: جواز التقليد مطلقاً، وعدم جوازه مطلقاً، والمنع من تقليد الميت ابتداءً وجوازه استدامةً.
أمّا القول بجواز التقليد ابتداءً، فهو قول العامّة برمّتهم بعد حصرهم المذاهب في الأربعة الذين ماتوا قبل أزيد من ألف سنة. وقد ينسب هذا القول ـ أيضاً ـ إلى أصحابنا من الأخباريّين، ولكنّ هؤلاء في الحقيقة منكرون للاجتهاد، وبابه مسدود عندهم، وإنّما هم يقولون بأنّ وظيفة الفقيه ـ بعد أن كان العامّيّ عاجزاً عنه بنفسه ـ هو أن يفسّر قول المعصوم ويبيّنه للعامّيّ، وهذا المعنى لا يفرّق فيه بين الحيّ والميّت.
وقد يستدلّ للقول بعدم الجواز بوجوه:
الأوّل: الإجماع.
وفيه: أنّه لو قلنا بحجّيّته فلا تضرّ مخالفة الأخباريّين؛ لأنّ مخالفتهم ليست من جهة أنّهم يجوّزون تقليد الميّت ابتداءً، بل خلافهم مسلكيّ ومبنائيّ؛ لأنّهم ينكرون التقليد بالمعنى المصطلح؛ فإنّ المجتهد عندهم ليس إلّا الناقل للرواية، ولو بالمعنى، ولا يعتبرون الحياة في الرواية. ولكنّ أصل مبناهم هذا باطل؛ لأنّ العقل ـ كما عرفنا ـ هو الذي يحكم بلزوم رجوع الجاهل إلى العالم، لكونه من أهل الخبرة، مع كون رأيه دخيلاً، لا لمجرّد أنّه راوٍ؛ لأنّ الفقيه والمفتي إنّما هو الناظر في الأخبار، القادر على تمييز الصحيح من السقيم، الخبير بكيفيّة الجمع بين المتعارضين، وحمل العامّ على الخاصّ، والمطلق على المقيّد.
لا يقال: لنا أن ننقض المقام بمثل نقل الرواية، فإنّه لا يمكن لأحد الإشكال في شمولها للميّت، وليس من فرقٍ بين المقامين.
فإنّه يقال: إنّ ما يفهمه العرف من دليل حجّيّة قول الراوي هو أنّ المرجع هو الرواية، لا الراوي، والرواية لا تسقط بموت الراوي، بل ليس دور الراوي إلّا أن يقوم بنقل الرواية، لا أنّه يفتي حقيقةً على حسب رأيه ونظره.
ومن الظاهر: أنّ حجّيّة الرواية وجواز العمل بها لا يتوقّفان على حياة الرواي بوجهٍ، بل يجوز العمل بها، سواء كان المحدّث بها حيّاً أم ميتاً. وأمّا المرجع في الفتوى فهو المجتهد نفسه، لا الفتوى، على أنّ مثل الحديث المتقدّم <من كان من الفقهاء ...>، حصر جواز الرجوع في الرجوع إلى الفقيه، فمن لا يصدق عليه عنوان (الفقيه) بالفعل، فلا يجوز الرجوع إليه.
الثاني: وهو منسوب إلى المحقّق الثاني، وحاصله: عدم بقاء رأي المجتهد بعد موته، فليس هناك شيء حتى يكون موضوعاً للحجّيّة( ).
قال الاُستاذ المحقّق: <هذا الدليل هو عمدة أدلّتهم؛ لأنّ الإجماع ـ مضافاً إلى مخالفة الأخباريّين وهم شطر كبير من علماء الشيعة، وجمع من المجتهدين ـ في أمثال المقام، ممّا يكون للمجمعين مدارك عقليّة ونقليّة، ويسندون فتاواهم إلى تلك المدارك، ليس هو الإجماع الاصطلاحيّ الذي بنينا على حجّيّته في الاُصول>( ).
وكيف كان، فيمكن بيان هذا الوجه بطريقتين:
الأُولى: أنّه إذا مات الشخص، فبعد موته تنكشف له الواقعيّات، فإذا كان قد استنبط شيئاً ما في حال حياته، وكان ما استنبطه خطأً في تلك الحالة، فذلك الاجتهاد لم يبقَ على حاله، بل يتبدّل لا محالة، ومعه: فلم يبقَ موضوع لحجّيّة رأيه.
وأجاب عنها الاُستاذ المحقّق بأنّ هذا <توهّم محض؛ لأنّ النفس في كلّ صورة علميّةٍ حصلت لها من تصوّرٍ أو تصديقٍ أو ملكةٍ من الملكات الفضيلة أو الرذيلة، تحشر مع تلك الملكات والصور ـ علميّةً كانت أو ظنيّة ـ لا تزيد ولا تنقص، كما هو محقّق في محلّه.
وبعبارة أُخرى: النفس في بدء خلقتها ليس فيها شيء من العلوم والصور، حتى البديهيّات، بل صرف استعداد لتحصيل العلوم، ولذلك تسمّى في هذه المرتبة بالعقل الهيولائي، وبعدما وهبها اﷲ تعالى البديهيّات، فإذا شرع في التكسّب، يحصل من هذه التصوّرات البديهيّة والتصديقات البديهيّة التي وهبها اﷲ لها التصوّرات النظريّة والتصديقات النظريّة، فكلّ شيء اكتسبته وحصل لها من الصور العلميّة من التصوّرات والتصديقات يبقى له إذا كان في حال الحياة بلغ إلى مرتبة العقل بالفعل، وكلّ شيء لم يكتسبه ولم يحصله باقية على جهلها بالنسبة إليه. ولعلّ هذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَة ِ أَعْمَى﴾( )، فدعوى: أنّ جميع الواقعيّات ينكشف له، لا أساس له.
هذا مع أنّه يمكن أن يقال: فبناءً على ما ذكر، من المحتمل بقاء الرأي، غاية الأمر: كان ظانّاً به، وبعد الموت يصير متيقّناً، واختلاف الظنّ واليقين لا يوجب تبدّل الرأي، فيستصحب بقاؤه، وأثره: بقاء حجّيّته>( ).
الثانية: أنّ العرض لا يوجد إلّا بوجود موضوعه، فإذا لم يبقَ الموضوع والمعروض، لم يبقَ العرض أيضاً، والإنسان بعد الموت يكون جماداً، حيث لا إدراك له ولا شعور، كما هو محقّق ومشاهد بالوجدان، فكيف ـ إذاً ـ يبقى له رأي؟ هذا من قبيل وجود العرض بلا معروض، والصفة بلا موصوف، وهو محال.
وأجاب عن هذا الاُستاذ المحقّق:
<بأنّ هذا الكلام لا يستقيم إلّا على مذهب من يقول بأنّ من مات فات، وينكر الحشر والنشور، أو من ينكر تجرّد النفس وبقاءها بعد بوار البدن، ولا بدّ له ـ حينئذٍ ـ من القول بأنّ المعاد خلق جديد، أو إعادة للمعدوم، وهذه اُمور يتنفّر عنها الطبع الصحيح، وينكرها العقل الصريح، ومخالف لما صدر، مستفيضاً، بل متواتراً، من النبيّ وأهل بيت العصمة، بل القرآن الكريم في موارد متعدّدة وآيات كثيرة>( ).
وهنا، فبعد وصول الأمر إلى الشكّ، وشككنا بأنّه هل يبقى الرأي للميت أم لا؟ فهل يمكن جريان الاستصحاب أم لا؟
الصحيح: العدم؛ لأنّ من شروط جريان الاستصحاب أن يكون الموضوع في القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة واحداً، والعرف هنا لا يرى أنّ صاحب الرأي في القضيّة المتيقنة هو عينه صاحب الرأي في القضيّة المشكوكة، فلذلك لا يجري الاستصحاب.
هذا كلّه، لو وصلت النوبة إلى الشكّ. ولكن قد عرفت أنّها لا تصل إليه؛ لأنّ الملكة إذا حصلت للنفس فهي باقية له، ولا تزول ببوار البدن.
وقد ظهر ممّا ذكرناه: أنّه لا مانع من القول بجواز التقليد الميّت ابتداءً لو لم يكن هناك إجماع في البين.
وقد استدلّ المجوّزون بوجوهٍ أيضاً:
الأوّل: الإجماع.
وقد عرفت حاله، بل لو لم نقل بأنّه لا يدلّ على عدم الجواز، فلا يمكن الاستدلال به ـ أيضاً ـ على الجواز.
الثاني: السيرة العقلائيّة.
ولكنّ إثبات هذه السيرة في باب تقليد الميت ابتداء، وأنّها مستمرّة إلى زمان المعصوم في غاية الإشكال، وأمّا بالنسبة إلى البقاء على تقليده، فيمكن ادّعاء السيرة، ولكن سيأتي الكلام فيه مفصّلاً.
الثالث: الآيات، ومنها: آيتا النفر والسؤال؛ بدعوى: أنّها مطلقة غير مقيّدة بالحياة.
ولكن لا يتمّ ذلك إلّا لو قلنا بأنّ المراد من (أهل الذكر) في آية السؤال هم الفقهاء، مع أنّ الظاهر من الآية أنّ الخطاب موجّه إلى أهل الكتاب، أو المراد من أهل الذكر هو الأئمّة، فتكون خارجةً عن محلّ البحث. وكيف كان، فلا إطلاق في الآيات يشمل الميت؛ لأنّ الميت لا يتأتّى منه الإنذار، ولا يصدق عليه عنوان أهل الذكر؛ لأنّ الظاهر من الآيتين وغيرهما أنّ أمثال هذه العناوين مأخوذة على نحو الفعليّة، وذلك لا يكون إلّا في حال الحياة، كما هو أوضح من أن يخفى.
وقد استشكل في ذلك بعض المعاصرين بأنّه لو أنذر ونام، أو أغمى عليه، فعلم إنذاره من لم يكن حاضراً في مجلس الخطاب والإنذار، فهل يمكن أن يقال بعدم اعتبار الإنذار بالنسبة إليه؟
ولكن فيه: أنّ مثل هذا الشخص يصدق عليه عنوان المنذِر بالفعل، دون من مات قبل مئات السنين، فذاك لا يصدق عليه المنذر، كما هو ظاهر.
الرابع: الأخبار والروايات. وهي على قسمين:
القسم الأوّل: أخبار يظهر منها إرجاع الإمام إلى بعض أصحابه، كإرجاعه إلى زرارة بقوله: <إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس>، مشيراً إلى زرارة، وما تقدّم من إرجاع ابن أبي يعفور إلى محمّد بن مسلم، وإرجاع العقرقوفي إلى أبي بصير، وإرجاع عليّ بن مسيّب إلى زكريّا بن آدم بقوله: <عليك بزكريّا بن آدم المأمون على الدين والدنيا>، وإرجاعه إلى يونس بن عبد الرحمن، وقوله لأبان بن تغلب: <اجلس في مسجد الكوفة وأفتِ بين النّاس، فإنّي اُحبّ أن يرى في أصحابي مثلك>، ونحو ذلك( ).
وهذه الروايات وإن كان بعضها وارداً في أخذ الحديث، إلّا أنّ بعضها الآخر وارد في أخذ الفتوى، ولكنّ هذا البعض الآخر لا إطلاق له ليشمل تقليد الميت ابتداءً.
وأمّا القسم الثاني: فهو الأخبار العامّة الواردة في باب التقليد، كقوله: <من كان من الفقهاء...> إلخ، ونحوه.
وهذه لا إطلاق لها لتشمل حالة كون الفقيه ميتاً، وعلى فرض التنزّل، وفرضنا أنّ لها إطلاقاً، إلّا أنّ هذا الإطلاق لا يشمل مورد التعارض، بل هو منصرف عنه.
الخامس: الاستصحاب، وهو على ثلاثة أقسام:
أوّلها: استصحاب الحكم الوضعيّ، وهو الحجّة.
والثاني: استصحاب الحكم الواقعيّ المحكيّ بالرأي.
والثالث: استصحاب الحكم الظاهريّ.
أمّا استصحاب الحكم الوضعيّ: فكقولك: إنّ فتوى المجتهد كانت حجّةً قبل موته، فإذا شككنا في بقائها على حجّيّتها أو عدمها، استصحبنا حجّيّتها.
ولكنّ استصحاب الحكم الوضعيّ إنّما يجري لو كان الحكم الوضعيّ مجعولاً بجعل مستقل، وأمّا لو قلنا بأنّ الحجّيّة منتزعة من الحكم الظاهريّ الراجع إلى العمل بالواقع على تقدير المصادفة، وإلى الرخصة على تقدير المخالفة، فيجري الاستصحاب في منشأ الانتزاع، لا فيها؛ لأنّه ليس لها أثر شرعاً، ولا هي موضوعة للأثر الشرعيّ.
على أنّ هذا الاستصحاب إنّما يجري لو كان موضوع الحجّيّة هو مجرّد حدوث الرأي، وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع هو الرأي حدوثاً وبقاءً، فلا؛ لعدم وجود الموضوع؛ لأنّ الرأي لم يبقَ، بل هو ينتفي بالموت.
فإن قيل: لا نسلّم زوال الموضوع بالموت، فإنّ الموضوع هو النفس الناطقة، وهي باقية.
قلنا: إنّ المعتبر من وحدة الموضوع في الاستصحاب إنّما هو النظر العرفيّ، والعرف يرى زوال الموضوع بالموت، تماماً كما يرى زوال الموضوع بزوال الرأي والملكة بواسطة الجنون والهرم.
فإن قلت: إنّ حجّيّة فتوى المجتهد الميّت مجعولة على نحو القضايا الحقيقيّة، أي: أنّها حجّة لكلّ مفروض الوجود في الخارج، أي: متى ما وجد فلابدّ من الرجوع إلى فتوى العالم، بلا فرق بين أن يكون معاصراً للعالم، أو وجد بعد موته، كما تقول: الخمر حرام شربه، أي: متى ما وجد في الخارج فهو حرام شربه.
قلت: بل الحجّيّة مترتّبة على الرأي والنظر، ولا رأي بعد الموت، بل الميت ـ كما أشرنا آنفاً ـ يكون جماداً بنظر العرف، وحاله في ذلك حال سائر الجمادات؛ لاشتراكه معها في أنّه لا إدراك له ولا شعور، كما هو المشاهد بالوجدان، فكيف يبقى له رأي؟
وبالجملة: فلا يمكن المساعدة على جريان الاستصحاب؛ لأنّ المراد بالحجّيّة إن كانت هي الحجّيّة الفعليّة، فهي مشكوكة الحدوث؛ لأنّ المتيقّن عدم الحجّيّة الفعليّة بالنسبة إلى العامّيّ غير موجود في عصر المجتهد الميت.
وإن كان المراد بها الحجّيّة الشأنيّة، فكذلك لا يجري الاستصحاب؛ للشكّ في سعة دائرة الحجّيّة المُنشأة وضيقها؛ لأنّا لا نعلم بأنّ هذا الرأي هل كان حجّةً بالنسبة إلى من أدرك المجتهد الحيّ بالخصوص، أو أنّه عامّ حتى بالنسبة إلى من لم يدركه؟
وأمّا القسم الثاني: وهو استصحاب الحكم الواقعيّ، فلا إشكال في عدم جريانه؛ لأنّه يتوقّف على اليقين بالحدوث، وليس لنا يقين بذلك.
وأمّا جريان استصحاب الأحكام الظاهريّة فهو متوقّف على وجود الحكم الظاهريّ، وقد أثبتنا أنّ حجّيّة الأمارات ليست إلّا من باب المنجّزيّة والمعذّريّة، وليست من باب إنشاء أحكام ظاهريّة في مقابل الحكم الواقعيّ؛ لتأديته إلى التصويب.
نعم، لو قلنا بأنّ الشارع المقدّس كما أنّه جعل أحكاماً واقعيّة يشترك فيه الجاهل والعالم، فكذلك جعل أحكاماً ظاهريّة، وهي مختصّة بمن قامت الأمارة عنده، أمكن جريان الاستصحاب، ولكنّ هذا المبنى غير صحيح، كما مرّ في محلّه.

مسألة :البقاء على تقليد الميت:
والكلام تارةً في صورة موافقة رأيه لرأي الحيّ الذي يجب تقليده، وأُخرى في صورة المخالفة، وهذه على قسمين: الأوّل: مع العلم بالمخالفة. والثاني: في صورة احتمال المخالفة.
أمّا في صورة الموافقة: فلا إشكال في الجواز؛ لأنّ وجوب التقليد طريقيّ، والمطلوب أن يكون العمل مطابقاً لما هو الحجّة بالفعل، فسواء فرضنا أنّ فتوى الميّت حجّة أو ليست بحجّة، فقد جاء عمله مطابقاً لما هو الحجّة بالفعل، وهي فتوى الحيّ. فلا يظهر أيّ ثمرة يبن القولين: القول بأنّ قول الميّت حجّة، والقول بالعدم. نعم، يمكن أن تظهر الثمرة بناءً على القول بأنّ التقليد هو الالتزام بالعمل، فإن تقليد الميت ـ حينئذٍ ـ إنّما يكون صحيحاً إذا كان رأيه حجّة.
وأمّا إذا كان رأي الميّت مخالفاً لرأي الحيّ، ففيه أقوال ثلاثة:
1ـ وجوب البقاء على تقليد الميت خصوصاً إذا كان أعلم.
2ـ حرمة البقاء على تقليده مطلقاً.
3ـ والتفصيل بين ما لو كان قد التزم بتقليده فعلاً حال الحياة، وما إذا عمل بالفتوى.
ولكنّ الحقّ: أنّ مآل هذا التفصيل إلى ما مرّ من أنّ التقليد هل هو العمل أو الالتزام؟ فعلى الأوّل: لا يصحّ له البقاء؛ لعدم صدق عنوان التقليد عليه، بخلاف الثاني؛ لأنّ مجرّد الالتزام ـ بناءً عليه ـ كافٍ في تحقّق عنوان التقليد.
وقد يستدلّ لجواز البقاء بوجوه:
الأوّل: السيرة العقلائيّة، فإنّها قائمة على عدم رجوع الجاهل فيما كان أخذه من العالم في كلّ صنف، كما كان دأب الراجعين إلى أصحاب الأئمّة، فإنهم ما كانوا يعودون عمّا أخذوه منهم، بل كانوا يعملون به ولو بعد سماعهم بموت من أخذوا منه قبل العمل به، كما نرى فيمن راجع الطبيب فأعطاه وصفة لكي يعمل بها إلى حينٍ من الزمن، ثمّ مات الطبيب بعد إعطاء الوصفة، فإنّه لا يبقى متحيّراً في العمل بها بعد موته، ولا يرى داعياً للرجوع إلى طبيبٍ آخر قبل انتهاء المدّة التي كان قد عيّنها له. ولم يرد شيء يكون رادعاً لهذه السيرة، وما قد يذكر من وجود الردع، فإنّما هو في مورد التقليد الابتدائيّ، حيث قلنا هناك: إنّ إحراز مثل هذه السيرة لم يثبت، وأنّه لا أقلّ من الشكّ، وأمّا في المقام، فلا شكّ في ثبوتها فيه كما بيّنّا.
الثاني: الإجماع. وقد عرفت الحال فيه. ولا أقلّ من أنّه لا يمكن التمسّك به بعد وجود دعوىً بالإجماع على الخلاف.
الثالث: إطلاق الآيات والأخبار، كآية النفر وآية الذكر؛ فإنّهما تشملان المورد وتقتضيان العمل على طبق الإنذار والسؤال مطلقاً، ولا دليل يدلّ على لزوم أن يكون المنذر والمسؤول منه حيّين حال العمل بفتواهما، ومثله يقال بالنسبة إلى الفقيه، فإنّ فتواه حجّة سواء موجوداً حال العمل أم لم يكن.
وهكذا بالنسبة إلى الروايات المتقدّمة التي ورد فيها الأمر بالرجوع إلى بعض أصحاب الإمام كزرارة ومحمّد بن مسلم وزكريّا بن آدم، أو ما تقدّم ـ أيضاً ـ من الروايات الدالّة على جواز التقليد، كقوله: <من كان من الفقهاء...> إلخ.
وبالجملة: فالآيات والروايات إنّما دلّت على وجوب الأخذ ممّن هو أهل للأخذ والعمل بقوله، ولا دلالة فيها على تقييد جواز العمل بما إذا كان حيّاً حين العمل. نعم، لابدّ أن يكون حيّاً عند السؤال منه أو الرجوع إليه والأخذ منه، ولكن قد ذكرنا سابقاً أنّ الإطلاق لا يشمل صورة التعارض.
الرابع: الاستصحاب، وهو على ثلاثة أقسام كما مرّ.
أمّا استصحاب بقاء الحجّيّة، فقد مرّ الكلام فيه في إثبات حجّيّة التقليد ابتداءً.
وأمّا استصحاب الحكم الواقعيّ، فلا وجه له أصلاً؛ لأنّ الحكم الواقعيّ إمّا غير متيقّن الحدوث، أو أنّه ليس بمشكوك البقاء، وفي الاستصحاب لابدّ من اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء؛ لأنّ الحكم الواقعيّ إذا حدث وتحقّق فلا معنى لارتفاعه إلّا بالنسخ، ولا معنى للشكّ به بعد موت المجتهد؛ لأنّ الحكم الواقعيّ إذا ثبت بالنسبة إلى شخص قطعاً فلا يرفع بموت المجتهد الذي يقلّده، فإذا حصل له الشكّ فيه بعد الموت، فهو يرجع إلى الشكّ في أصل الحدوث، كما ذكرنا في استصحاب الحكم في التقليد الابتدائيّ.
وأمّا استصحاب الحكم الظاهريّ، فقد ذكرنا ـ أيضاً ـ أنّه إذا أراد أن يستصحب الأحكام الظاهريّة، أي: التي هي مؤدّى اجتهاد الميّت، أو مؤدّى حجّيّة قوله وفتواه سابقاً، فهذا الاستصحاب إنّما يجري بناءً على أن يكون المؤدّى مجعولاً في باب الطرق والأمارات، فحينئذٍ: يكون مفاد آراء المجتهد أحكاماً ظاهريّة للمقلّدين ولنفسه في حال الحياة، فلو شكّ في بقائها بعد الموت، فيستصحب.
وأمّا بناءً على ما هو الحقّ من أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو الطريقيّة وتتميم الكشف والوسطيّة في الإثبات، وليس المؤدّى، فليس هناك حكم ظاهريّ، بل إنّما هو ظاهر الحكم، ويكون كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً.
نعم، لو قلنا بأنّ الشارع كما جعل أحكاماً واقعيّة يشترك فيه العالم والجاهل، فهو كذلك جعل أحكاماً ظاهريّة، وهي مختصّة بمن قامت عنده الأمارة أو الأصل على ذلك الحكم، كان ما ذكر ـ حينئذٍ ـ تامّاً.
وبعبارةٍ أُخرى: فلو قلنا بأنّ الأحكام الظاهريّة لها وجود في مقابل الأحكام الواقعيّة، فلا معنى لعدم جريان الاستصحاب؛ لأنّ هذه الأحكام كانت موجودة في حال الحياة يقيناً، ونشكّ في بقائها بعد موته، فنستصحب.
نعم، يمكن القول: بأنّه حتى بناءً على ما اخترناه من أنّه ليس المجعول في باب الأمارات إلّا الطريقيّة، فإنّه مع ذلك يمكن جريان الاستصحاب؛ لأنّ معنى الاستصحاب هو إثبات الملازمة بين الثبوت والبقاء، فبعد موت المجتهد يستصحب الحكم الذي كان مؤدّى الفتوى على تقدير ثبوت هذا الحكم؛ إذ إنّ المستفاد من دليل الاستصحاب هو جريانه عند القطع بالحكم الواقعيّ أو بموضوعٍ ذي حكمٍ واقعيّ، فمعنى: (لا تنقض اليقين بالشكّ)، أي: لا يجوز نقض الحكم المتيقّن واقعاً أو الموضوع ذي الحكم الواقعيّ بواسطة الشكّ.
فإذا قامت الأمارة أو الأصل على حكمٍ شرعيّ، فإنّ هذا القيام يكون بمنزلة حصول القطع بذلك الحكم، فيجري الاستصحاب في مؤدّاهما بهذا الاعتبار، فإذا علمنا بأنّ المجتهد حكم بشيءٍ من جهة قيام الأمارة أو الأصل عليه، فإنّ ذلك يكون بمنزلة ما إذا قطعنا بالحكم، فإذا حصل الشكّ بعد موته فيستصحب.
ثمّ لا يخفى: بأنّه لو قلنا بجواز تقليد الميّت، فتارةً يكون مساوياً للحيّ في الأعلميّة، وأُخرى يكون الميّت أعلم من الحيّ، وثالثة يكون الحيّ أعلم.
أمّا مع التساوي وكونهما متّفقين في الفتوى، فقد ذكرنا أنّه لا معنى للبحث عن أنّه لابدّ من تقليد الحيّ أو الميت، بعدما كان عمله مطابقاً لما هو الحجّة على أيّ حال.
وأمّا إذا كانا متساويين في العلم، ولكن اختلفا في الفتوى، ولم يعلم أعلميّة أحدهما، ففي هذه الصورة قد يقال: بعدما قلنا بجواز تقليد الميّت فلا يجوز الرجوع إلى الحيّ؛ لأنّه أن كان مقتضى الأدلّة هو حجّيّة فتوى المجتهد الميّت، فلا معنى لجواز الرجوع إلى الحيّ، وإلّا، يلزم أن يكون في الواقعة الواحدة حجّتان فعليّتان، وحينئذٍ: فربما يكونان من اجتماع الضدّين أو النقيضين.
ولكن فيه: أنّ عدم الجواز إنّما هو لمكان الإجماع، والقدر المتيقّن منه هو المجتهد الميّت. على أنّ الأمر يدور بين التعيين والتخيير؛ فإنّ حجّيّة فتوى الميّت معلومة من جهة جريان الاستصحاب، إمّا تعييناً أو تخييراً، وإذا دار الأمر بين التعيين والتخيير، يؤخذ بالتعيين.
ويردّه: أنّ فتوى الحيّ أيضاً محتملة التعيينيّة، فبما أنّ لنا علماً إجماليّاً بحجّيّة أحدهما بخصوصه، فلابدّ من الاحتياط بالأخذ بأحوط القولين، بعد تساقطهما وعدم شمول الأدلّة والإطلاقات للمتعارضين، وليس هناك دليل على إمكان الأخذ بأحدهما بخصوصه، وبعد أن علمنا بأنّ هناك أحكاماً واقعيّة منجّزة في حقّ المكلّف، ولا يمكن الخروج عن عهدتها إلّا بذلك، إلّا أن يدلّ دليل على عدم وجوب الاحتياط على العامّيّ، أو لم يتمكّن من الاحتياط، وحينئذٍ: فهل يجوز الرجوع إلى أحدهما المعيّن أم أنّه لابدّ من التخيير؟ الأقوى: هو الثاني؛ لأنّه بعد سقوطهما لا معنى للرجوع، فلابدّ من التخيير؛ لأنّه بعد عدم التمكّن من الامتثال الجزميّ تصل النوبة إلى الامتثال الاحتماليّ.
وأمّا في صورة أعلميّة أحدهما، فلابدّ من الرجوع إلى الأعلم، سواء كان هو الحيّ أم الميّت؛ لأنّ أدلّة جواز البقاء على تقليد الميت تجعل الميت كالحيّ، فكما إذا كان هناك مجتهدان كلاهما على قيد الحياة لابدّ من تقليد الأعلم من بينهما، حتى إذا قلّدت المجتهد الحيّ غير الأعلم لابدّ من الرجوع إلى الأعلم، فكذلك هنا؛ للسيرة العقلائيّة، فإذا كان الحيّ هو الأعلم فيجب الرجوع إليه، وإذا كان الميت هو الأعلم فيجب البقاء على تقليده.
مسألة:
الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت وإن كان لم يعمل بفتاواه بعد؛ لأنّه بناءً على جريان استصحاب بقاء الحكم، أو جريان استصحاب الحجّيّة فلا يشترط العمل في جواز البقاء؛ لأنّ هذا الشرط لم يكن لازماً في جواز جريان هذا الاستصحاب. وكذا لو قلنا بأنّ المستند هو السيرة العقلائيّة أو الإطلاقات التي تقتضي جواز الرجوع، فإنّ هذا الشرط لم يكن مشترطاً في شيءٍ من هذه الأدلّة.
أضف إلى ذلك: أنّ مسألة جواز البقاء على تقليد الميت لم تكن دائرةً مدار العمل، ولا مبنيّةً على دخول العمل في معنى التقليد، حتى يقال: بأنّ معنى التقليد إن كان هو العمل برأي الغير فلا يتحقّق عنوان البقاء على تقليده إلّا في المسائل التي كان قد عمل بها برأي الميت، وإن كان هو الالتزام، فلا وجه لاشتراط العمل في الحكم بجواز البقاء، بل يكفي مجرّد الأخذ والالتزام بالعمل قبل موت المجتهد.

العدول من الحيّ إلى الحيّ:
تارةً: يكون الثاني أعلم، وأُخرى: يكون مساوياً. وثالثاً: يكون الأوّل أعلم. وفي هذه الصورة: تارةً: يُعلم بالمخالفة بينهما في الفتوى، وأُخرى: لا يعلم.
فإذا كان المجتهد الذي يريد أن يعدل إليه أعلم، وكان عالماً بالمخالفة بينهما، كان العدول إليه واجباً، ولا يجوز له بعد ذلك الرجوع إلى المقلّد الأوّل.
كما أنّه إذا كان الأوّل أعلم، مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى، لم يجز العدول.
وأمّا إذا كان الثاني أعلم، ولم يعلم بالمخالفة بينهما، جاز له أن يبقى على تقليد الأوّل، أو الرجوع إلى الثاني الذي هو أعلم. وكذا يتخيّر في صورة التساوي ـ أيضاً ـ، ولكن مع عدم العلم بالمخالفة.
وقد يقال: بعدم جواز العدول والحالة هذه؛ لأنّ التخيير ابتدائيّ، لا استمراريّ.
ولكنّ الحقّ: أنّ التخيير هنا عقليّ، وليس كالتخيير في باب الخبرين المتعارضين؛ لأنّ التخيير هناك شرعيّ، وبعد الأخذ بأحد الخبرين يرتفع موضوع التخيير. وإذا كان التخيير عقليّاً، جاز ابتداءً واستمراراً؛ لأنّ انطباق الكلّيّ على الفرد والمصداق دائميّ.
وأمّا في صورة العلم بالمخالفة بين المتساويين، يتساقطان، فلا يجوز له البقاء على الأوّل، ولا الرجوع إلى الثاني، وحينئذٍ: تصل النوبة إلى التخيير، ومع عدم التمكّن من الامتثال الجزميّ تصل النوبة إلى الامتثال غير الجزميّ.
قد يقال: بعدم جواز العدول تمسّكاً باستصحاب بقاء الحكم في حقّ المقلّد.
وفيه: أنّه معارض باستصحاب بقاء التخيير قبل الأخذ بأحدهما. ولكنّ استصحاب عدم التخيير لا يجري؛ لأنّ القضيّة المتيقّنة غير متّحدة مع المشكوكة؛ لأنّ من له الخيار من الأوّل كان هو المتحيّر، وبعد الأخذ بأحدهما زالت حيرته، أو أنّ من له الخيار هو الذي لم تقم لديه الحجّة الفعليّة، وبعد الأخذ بإحدى الفتويين صارت بأخذه لها حجّة فعليّة، فلا موضوع لاستصحاب التخيير.
كما أنّ الاستصحاب الأوّل لا يجري ـ أيضاً ـ؛ لأنّه حين الشكّ بالبقاء لابدّ وأن يكون متيقّناً بالحدوث؛ وهو قبل العدول كان له علم بحجّيّة الفتوى في حقّه، وبعد العدول لا علم بالحجّيّة، فلا يبقى يقين في البين.

فصل :في لزوم تقليد الأعلم
هل يجب على العامّيّ تقليد الأعلم أم يجوز له تقليد غير الأعلم مع وجود الأعلم؟
المشهور والمعروف بين الأصحاب هو الأوّل، وادّعى المحقّق الكركي الإجماع عليه( )، والذي يظهر من كلام السيّد علم الهدى في الذريعة( ) أنّه من المسلّمات عند الشيعة، وذهب بعضهم إلى التخيير بين الأعلم وغيره.
والكلام في هذا الفصل في موردين:
الأوّل: هل يجوز للعامّيّ الرجوع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم أم لا؟
الثاني: هل يمكن للمجتهد أن يفتي بجواز الرجوع إلى غير الأعلم أم لا، بل لابدّ أن يحكم بوجوب تقليد الأعلم؟
أمّا المورد الأوّل: فمن المسلّم أنّ العقل يستقلّ بلزوم الرجوع إلى الأعلم، كما هو مقتضى بناء العقلاء، وإنّ المتيقّن من الخروج عن أصالة حرمة العمل بالظنّ إنّما هو الظنّ الحاصل من قول الأعلم، وأمّا الحاصل من قول غيره فمشكوك فيه في صورة وجود الأعلم، فيبقى تحت أصالة عموم الحرمة, وتكون المسألة من صغريات دوران الأمر بين التعيين والتخيير؛ للعلم بجواز تقليد الأعلم على كلّ حال؛ لأنّ فتوى الأعلم إمّا أن تكون في عرض فتوى غير الأعلم، فيجوز للعامّيّ الرجوع إلى هذا وذاك، أو أنّها متقدّمة على غيرها، وحيث إنّ فتوى الأعلم متيقّنة الحجّيّة، وفتوى غير الأعلم مشكوكة الحجّيّة، فيستقلّ عقل العامّيّ بلزوم الرجوع إلى الأعلم؛ لأنّ قول غير الأعلم والأخذ به مع وجود الأعلم مقترن باحتمال العقاب، بعد أن كانت حجّيّته في طول قول الأعلم، لا في عرضه، ومعلوم أنّ دفع الضرر المحتمل واجب بمقتضى العقل.
وأمّا المورد الثاني: فتارةً يكون فتوى غير الأعلم مطابقةً لفتوى الأعلم، وأُخرى نعلم بمخالفتهما في الفتوى. وثالثةً نشكّ في المخالفة أو الموافقة.
أمّا في الصورة الأُولى: فلا ثمرة للبحث عن وجوب الرجوع إلى الأعلم أو عدمه؛ لأنّ الوظيفة إنّما هي العمل بما هو الحجّة، وبعد التطابق بين فتوى الأعلم وفتوى غيره، وعمل المكلّف بها، فقد فرّغ ذمّته، ولا نحتاج إلى ما هو أزيد من ذلك في إحراز صدق استناد عمله إلى فتوى الأعلم.
وأمّا في الصورة الثانية: وهي صورة العلم بالمخالفة، ولو إجمالاً، فقد يقال بعدم وجوب الرجوع إلى الأعلم ـ حينئذٍ ـ تعييناً.
وقد يستدلّ لذلك بوجوه:
الوجه الأوّل: إطلاق الأدلّة من الآيات والروايات، كآيتي النفر والإنذار، وجملة من الأخبار المتقدّمة؛ فمثلاً: وجوب التحذّر عقيب إنذار المنذر مطلق، سواء كان المنذر هو أعلم من غيره أم لم يكن، ما يدلّ على عدم تعيّن الأعلم عند الدوران بينه وبين غير الأعلم. وحمله على صورة تساوي المنذرين حمل على الفرد النادر.
وقد أجاب عن هذا اُستاذنا المحقّق بقوله:
<وفيه: أنّه وإن سلمنا نحن دلالة آية النفر على لزوم التقليد على العامّيّ بالدلالة الالتزاميّة، ولكن لا نسلّم دلالتها على أنّها في مقام البيان، حتى من جهة اختلاف المنذرين في العلم والفضيلة مع اختلافهم في الفتوى>( ).
ويمكن الجواب ـ أيضاً ـ: بأنّ إطلاق أدلّة الحجّيّة لا يشمل المتعارضين؛ لأنّه يستلزم الجمع بين الضدّين تارةً، والنقيضين أُخرى، وشمول الأدلّة لأحدهما معيّناً ترجيح بلا مرجّح، ومخيّراً لا دليل عليه، فمقتضى القاعدة هو التساقط في كلّ دليلين متعارضين إلّا إذا دلّ دليل من الخارج على ترجيح أحدهما أو على التخيير.
ومثل هذا البيان يجري بالنسبة إلى الأخبار الواردة في الرجوع إلى العلماء وأصحاب الأئمّة؛ فإنّه لا إطلاق فيها ـ أيضاً ـ؛ لأنّه لم يظهر منها أنّ الإمام كان في مقام البيان من هذه الجهة، بل الظاهر أنّه في مقام البيان من ناحية أصل الإرجاع إليهم، وهو لا يشمل صورة العلم بالخلاف. نعم، في صورة احتمال الخلاف، كما في مورد هذه الروايات، لا بأس بالعمل بقول المجتهد مطلقاً.
الوجه الثاني: السيرة المستمرّة من المتشرّعة على الأخذ بفتوى من كان له صلاحيّة الفتوى، من غير الفحص عن الأعلم، مع اختلافهم من جهة العلم والفضيلة، ولم ينكر أحد منهم ذلك، ولو كان الرجوع إلى الأعلم واجباً، لكان الواجب عليهم الفحص.
وفيه: أنّ إثبات قيام السيرة على الرجوع إلى غير الأعلم مع مخالفته للأعلم محلّ إشكالٍ، بل منع، بل السيرة قائمة على الرجوع إلى الأعلم مع العلم بمخالفة غير الأعلم له، كما نرى في مراجعة المريض للطبيب الأخصّائي، وما يتراءى من رجوع المتشرّعة إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم والمخالفة بينهما، هو إمّا لأجل اعتقادهم بأنّ من أخذوا منه هو الأعلم، وإمّا لعدم علمهم بالمخالفة بينهما في الفتوى.
الوجه الثالث: أنّ وجوب تقليد الأعلم يلزم منه العسر والحرج، وهما منتفيان في الشريعة المقدّسة؛ لأنّ تشخيص الأعلم عن غيره في غاية الصعوبة، ولذا نسب إلى بعض المحقّقين المعاصرين القول بأنّ الكبرى مسلّمة ولا نقاش فيها، وإنّما النقاش في الصغرى، أي: في تمييز الأعلم عن غيره، فإنّه في غاية الصعوبة لسكّان المدن، فضلاً عن أهل القرى والبوادي، ولا سيّما العجائز؛ إذ كيف يتمكّن هؤلاء من التمييز بين من هو أحسن سليقةً وأجود استنباطاً؟!
وفيه: أمّا فيما يتعلّق بتشخيص مفهوم الأعلم، فسيأتي أنّ المراد منه من كان أقوى استنباطاً للأحكام وأحسن سليقةً في تطبيق الكبريات على الصغريات.
وأمّا فيما يتعلّق بتشخيص مصاديقه وتمييزها، فهو ليس بأصعب من تشخيص أصل الاجتهاد، فكما أنّ نفس الاجتهاد يثبت بالعلم الوجدانيّ وبالشياع المفيد للعلم، وبالبيّنة، وبالعدل الواحد، فكذلك الأعلميّة.
وفي المقام يقول الاُستاذ المحقّق:
<والتحقيق في هذا المقام: هو أنّه مع قطع النظر عن الأدلّة الواردة في هذا الباب، وأنّه هل لها إطلاق أو ليس لها ذلك؟ مقتضى الأصل الأوّليّ هو تعيّن الأعلم، وذلك: أمّا بالنسبة إلى العامّيّ: فمن جهة أنّه إذا احتمل أن يكون للأعلميّة دخل في الحجّيّة، فيحكم عقله حكماً بتّيّاً بلزوم متابعة الأعلم؛ للشكّ في أنّ متابعة الآخر هل [هو] مبرئ لذمّته أم لا؟ فحكمه بلزوم تقليد الأعلم يكون من باب الاحتياط العقليّ وملاك الأمن من العقوبة. نعم، إذا تساوى في نظره الأعلم وغيره فيما هو مناط التقليد، ولم يحتمل أن يكون لتلك الخصوصيّة دخل أصلاً، فقهراً عقله يحكم بالتخيير.
ثمّ إنّه ربّما يتوهّم أنّه كما أنّ أصل وجوب التقليد ليس بتقليديّ؛ لاستلزامه الدور، فكذلك مسألة وجوب الأعلم؛ لاستلزامه الخلف لو أفتى الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم؛ لأنّه يلزم من حكم العقل بتعيّن الرجوع إلى الأعلم عدم تعيّنه، وهذا هو الخلف.
ولكن أنت خبير: بأنّ حكم العقل بلزوم تقليد الأعلم حكم احتياطيّ، مثل حكمه بلزوم الاجتناب عن أطراف الشبهة المحصورة التحريميّة، فإذا قام دليل على جواز تقليد غير الأعلم، وهو فتوى الأعلم، فلا يبقى موضوع للحكم العقليّ الاحتياطي. نعم، لو كان حكمه حكماً استقلاليّاً نفسيّاً لكان يلزم هذا المحذور.
وأمّا بالنسبة إلى المجتهد، فمن جهة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجّة، ولا شكّ في أنّ معلوم الحجّيّة منهما، تعييناً أوتخييراً، حجّة، وهو فتوى الأعلم، والمشكوك، وهو فتوى المفضول، تجري فيه أصالة العدم>( ).
وأمّا أدلّة المثبتين، فوجوه:
الأوّل: دعوى الإجماع على لزوم تقليد الأعلم.
ولكن قد عرفت مراراً أنّ هذه الإجماعات التي مدركها الأدلّة النقليّة والعقليّة لا تكون من قبيل الإجماعات التعبّديّة المصطلح عليها، وبالتالي: فلا اعتبار بها.
والثاني: بناء العقلاء، وأنّهم عند الاختلاف يأخذون بقول الأعلم، كما هو المشاهد في غير الأحكام من الحرف والصنايع، ولا يلتفتون إلى قول غير الأعلم. نعم، لو كانت فتوى غير الأعلم موافقةً للاحتياط، ولو كان الأعلم مخالفاً له في الفتوى، رجعوا ـ حينئذٍ ـ إلى فتواه، لا لأنّ فتواه هي الحجّة، بل لأجل العمل بالاحتياط ودرك الواقع، وعليه: فلا يمكن إسناد فتوى غير الأعلم إلى اﷲ تعالى، ولا الإتيان بما أفتى به بقصد الأمر بعد أن لم تثبت حجّيّته.
الثالث: الروايات، وهي كثيرة، منها: مقبولة عمر بن حنظلة المتقدّمة، وفيها: <الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر>( ).
وهذه الرواية وإن استشكلوا فيها سنداً، إلّا أنّها مقبولة، وقد تلقّاها الأصحاب بالقبول، وقد ورد بمضمونها ـ تقريباً ـ روايات أُخرى كثيرة، وفيها قرائن يطمئنّ معها بصحّتها.
واستشكل فيها ـ أيضاً ـ: بأنّها أجنبيّة عن المقام؛ لأنّها وردت في مقام الحكومة ودفع الخصومة، وفي ذلك المقام لابدّ من تعيين أحدهما للأخذ بحكمه، ولا معنى للحكم بالتخيير؛ لاستلزامه بقاء الترافع على حاله؛ لأنّ كلّ واحد منهما ربّما يختار غير ما اختاره الآخر، فتبقى الخصومة على حالها، فإذا ثبت أنّ التعيين لازم، فالأعلم يكون هو المقدّم، فلا ملازمة بين تقديم الأفضل في باب الخصومة بعد صدور الحكم عن الاثنين، وبين تقديمه في باب الفتوى، فهذه الرواية كما لا يمكن التعدّي من موردها إلى الروايتين المتعارضتين، فكذلك لا يمكن التعدّي منها إلى الفتويين المتعارضتين.
ويمكن الجواب عن هذا الإشكال: بعدم القول بالفصل والإجماع المركّب؛ لأنّ كلّ من يقول بتقليد الأعلم في مقام الحكم يقول بتقديمه في مقام الفتوى، والتفصيل بينهما خرق للإجماع. نعم، هناك من يقول بعدم التقديم في كليهما، وأمّا القائل بالتفصيل فليس في البين أصلاً.
والأفضل في الجواب عنها أن يقال: إنّ تعيين الأفضل وإن كان وارداً في باب الخصومة، ولكنّ هذا التقديم والترجيح وقع من جهة مدرك الحكم، وهو ليس إلّا الفتوى.
ومن الروايات ـ أيضاً ـ: ما عن أمير المؤمنين في عهده إلى مالك الأشتر: <اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك>( ).
ولا يرد على هذه الرواية أنّها وردت في باب القضاء؛ لما ذكرناه من أنّ التقديم في أمثال هذه الروايات هو باعتبار مدرك الحكم، وليس هو إلّا الفتوى.
والذي يظهر من هذه الرواية: هو أنّها لم ترد في لزوم تعيين الأفضليّة المطلقة، بل إنّما وردت في الأفضليّة الإضافيّة، أي: بالإضافة إلى الوالي الذي يعيّنه. ولا شكّ في أنّ هذه الروايات وأمثالها إرشاد إلى حكم العقل، وإنّما قيّد فيها ﺑ (أفضل رعيّتك) من جهة عدم إمكان الرجوع إلى الأعلم على الإطلاق.
ومنها ـ أيضاً ـ: ما ورد عن داود بن حصين عن الصادق في مورد اختلاف الحكمين، قال: <ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الآخر>( ).
فإنّها وإن وردت في باب القضاء، ولكن لا نرى فيها خصوصيّة لشرط الأعلميّة في هذا الباب دون غيره من الأبواب، وما ذكر من الإشكال والجواب في الروايتين السابقتين يأتي بعينه هنا أيضاً.
ومنها: ما روي من قول الإمام الجواد لعمّه: <يا عمّ، إنّه عظيم عند اﷲ أن تقف غداً بين يديه فيقول لك: لِمَ تفتي عبادي بما لم تعلم، وفي الاُمّة من هو أعلم منك؟>( ).
قال اُستاذنا الأعظم: <وهذه الرواية وإن كانت تدلّ على اعتبار الأعلميّة المطلقة في المفتي، إلّا أنّها ضعيفة سنداً؛ لإرسالها، إذن لا يمكن الاستدلال بها بوجه>( ).
وقد يستشكل في دلالة هذه الجملة على الأعلميّة المطلقة بأنّها أجنبيّة عن محلّ الكلام، فإنّ موردها هو من أفتى بما لم يعلم، والبحث إنّما هو في لزوم الرجوع إلى الأعلم.
وكيف كان، فالذي يظهر من هذه الروايات هو وجوب الرجوع إلى الأعلم؛ للاطمئنان بصدورها على نحو الإجمال من المعصوم، ومع الإصرار على الخدشة فيها تكفينا السيرة العقلائيّة الجارية في مجالات الأحكام وغيرها من الحرف والصنائع والعلوم، ولم يردع عنها الشارع، بل أمضاها.
يقول الاُستاذ المحقّق في المقام ـ ما نصّه ـ:
<والحاصل: أنّ هذه الأخبار لا قصور في دلالتها على لزوم الرجوع إلى الأفضل عند العلم بالاختلاف في فتواهما، وإذا ظهر ذلك لك، فعلى فرض أن يكون هناك إطلاقات للآيات والروايات تدلّ على جواز تقليد المفضول، مع وجود الأفضل، مع مخالفة فتواه لفتوى المفضول، لا بدّ أن يقيّد بهذه الأخبار، مع أنّه تقدّم أنّه لا إطلاق في البين أصلاً>( ).
ثمّ إنّه لا يخفى: أنّ لزوم الرجوع إلى الأعلم، وكذا الفحص عنه لغرض الرجوع إليه، إنّما هو فيما إذا علم بالمخالفة مع غير الأعلم في الفتوى، ولم يمكن العمل بالاحتياط. وأمّا إذا كانا متّفقين في الفتوى، أو أراد الاحتياط بالجمع بين الفتويين مع إمكان ذلك، بأن لم يكن بينهما تضادّ أو تناقض، أو كانت فتوى غير الأعلم موافقةً للاحتياط، فلا يجب الفحص حينئذٍ، كما أنّه إذا لم يمكن الاحتياط في صورة المخالفة في الفتوى يجب عليه الفحص؛ لأنّ الإطلاقات لا تشمل المتعارضين، فيجب الرجوع إلى الأعلم؛ لأنّ قول غير الأعلم ليس بحجّة، فيكون المورد من باب اشتباه الحجّة باللّاحجّة، فلابدّ من الفحص، فإذا عمل بفتوى أحدهما من دون أن يفحص عن الأعلم لم يقطع بفراغ ذمّته؛ لاحتمال أن يكون الأعلم غيره، ولاحتمال أنّ ما عمل به لم يكن معذّراً له، واحتمال وقوعه في المخالفة والعقاب المحتمل، ودفع ضرر المحتمل واجب.
كما أنّه إذا فحص وعجز عن معرفة الأفضل فلابدّ له من العمل بالاحتياط بعد أن كانت الأحكام الواقعيّة، ومن بينها أحكام إلزاميّة، منجّزة في حقّه بالعلم الإجماليّ، كما بيّنّاه في محلّه، وليس هناك طريق إلى العمل على طبق فتوى الأعلم، ومع الفحص والعجز عن معرفة الأعلم فلابدّ له من الاحتياط حتى يحصل له العلم بالموافقة دفعاً للضرر المحتمل.
فإن قلت: مع عدم التمكّن ـ أيضاً ـ يمكنه الأخذ بأحدهما، كما لو كان مظنون الأعلميّة أو محتملها.
قلنا: قد عرفت أنّ الإطلاقات لا تشمل المتعارضين، فيتساقطان، فلا يكون أيّ واحد من الفتويين حجّة ليكون المظنون منهما أو محتملهما حجّة.
وهكذا يأتي هذا البحث ـ أيضاً ـ فيما لو علم بالاختلاف بينهما وجهل التفاصيل.
وقد يقال: يمكن هنا إثبات التخيير باستصحاب عدم أعلميّة أحدهما على الآخر، نظراً إلى القطع بعدمها قبل أن يصل إلى مرتبة الاجتهاد.
ولكن يجاب عنه: بأنّ هذا الاستصحاب لا يثبت به التساوي إلّا بنحو التمسّك بالأصل المثبت؛ فإنّ موضوع التخيير هو التساوي، وهو غير محرز في المقام.
إلّا أن يقال: يكفي في الرجوع إلى التخيير عدم الأعلميّة، ولا نحتاج إلى إثبات التساوي بإطلاقات الأدلّة، بل يكفي عدم إحراز الأعلميّة ولو إجمالاً.
ولو علم العامّيّ باختلافهما في الفضيلة على نحو الإجمال، ولم يعلم اختلافهما في الفتوى، أو لم يعلم باختلافهما، لا في الفتوى، ولا في الفضيلة، فلا يجب الفحص عن الأعلم بينهما؛ لأنّ أدلّة لزوم الرجوع إلى الأعلم ناظرة إلى صورة العلم بالمخالفة، وأمّا مع عدم العلم بذلك، فهو مخيّر له الرجوع إلى أيٍّ منهما.
قد يقال: لا يمكن التمسّك بالإطلاق في المقام؛ لأنّه من باب التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة؛ فإن صورة العلم بالمخالفة قد خرجت يقيناً، فمع الشكّ في المخالفة يكون التمسّك بالإطلاق تمسّكاً في الشبهات المصداقيّة.
ولكنّ الحقّ: أنّه يمكن إدخال الفرد المشكوك في العموم بالأصل؛ فإنّ فرديّة الفرد للعموم قد تكون بالوجدان وقد تكون بالأصل أيضاً، والمخالفة بين المجتهدين أمر حادث، فمع الشكّ في تحقّقها يبنى على عدمها بمقتضى الاستصحاب، بأن يقال ـ مثلاً ـ: إنّ المجتهدين كانا في زمانٍ ولم يكونا متخالفين في الفتوى، ولو من جهة عدم بلوغهما مرتبة الاجتهاد، فمقتضى الأصل أنّهما الآن كما كانا عليه سابقاً.

التخيير عند تساوي المجتهدين:
إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة، فتارةً: لا يعلم بالمخالفة بينهما فيما هو محلّ الابتلاء، وأُخرى يعلم بالمخالفة كذلك.
أمّا في صورة العلم بالتساوي وعدم العلم بالمخالفة: فيتخيّر المقلّد في الرجوع إلى أيّهما شاء، فإنّ الإطلاقات تشمل فتوى كلاّ من المجتهدين المتساويين، وقد ذكرنا أنّه يجوز الرجوع إلى غير الأعلم في صورة عدم العلم بمخالفته للأعلم، ففي صور التساوي وعدم العلم بالمخالفة، يجوز ذلك بطريقٍ اُولى.
وأمّا في صورة العلم بالمخالفة بينهما فالمعروف بينهم هو القول بالتخيير، وفيه إشكال؛ فإنّ الحجّيّة التخييريّة:
إن كانت بمعنى جعل الحجّيّة على هذا وذاك يستلزم الجمع بين الضدّين أو النقيضين وهو محال.
وإن كانت بمعنى: أن تكون الحجّة هي الجامع بين الفتويين، فهي ـ أيضاً ـ غير ممكنة؛ لعدم إمكان جعل الحجّيّة للجامع بين النفي والإثبات، ولو تنزّلنا وقلنا بإمكانه، فلا تشمله الإطلاقات، لأنّها ـ كما أشرنا مراراً ـ لا تشمل المتعارضين أو النقيضين.
وأمّا جعل الحجّيّة على كلّ واحدٍ منهما حجّة مشروطاً بعدم الأخذ بالآخر، فهو وإن كان ممكناً، ولا يأتي في مورده محذور الجمع بين الضدّين والنقيضين، ولكن حيث كان يترتّب عليه أن يتّصف كلّ منهما بالحجّيّة الفعليّة، إذا ترك المكلّف الأخذ بهما معاً، ولا معنى لجعل الحجّيّة لكلا المتعارضين، ولا لفعليّتهما معاً؛ ولا تشملهما الإطلاقات، لأنّها لا تشمل المتعارضين، كما مرّ.
وأمّا الحجّيّة التخييريّة بمعنى جعل الحجّيّة على كلّ من الفتويين مشروطةً بالأخذ بها، لا بعدم الأخذ بالآخر، فهي مقبولة ولا يترتّب عليها أيّ إشكال ثبوتاً، ولكن لا دليل عليها في مرحلة الإثبات؛ لأنّ ما دلّ على حجّيّة فتوى الفقيه مطلق غير مقيّدة بالأخذ بها.
وقد يستدلّ للقول بالتخيير بالإجماع.
وفيه: أنّه ممنوع صغرىً وكبرى؛ أمّا كبرىً، فلأنّه منقول، والمنقول من الإجماع ليس بحجّة. وأمّا صغرىً، فلأنّه أمثال هذه الموارد من المسائل المستحدثة، ولم يتعرّض السابقون لها، فلا مجال لدعوى إجماعهم على القول بالتخيير فيها، وعلى فرض ثبوته، فإنّه إجماع مدركيّ، أو محتمل المدركيّة.
وقد يستدلّ له بالإطلاقات ـ أيضاً ـ.
ولكن قد مرّ مراراً أنّها لا تشمل مثل الفتويين المتعارضين؛ لتأديته إلى الجمع بين الضدّين أو النقيضين، ولا يمكن الأخذ بإحدى الفتويين دون الأُخرى؛ لأنه من الترجيح بلا مرجّح.
وأمّا التمسّك بالسيرة العقلائيّة، فمندفع، بعدم تسليم انعقادها بحيث تشمل صورة التعارض في الفتوى بين المتساويين، كما نرى ذلك منهم خارجاً؛ فإنّهم لا يعتمدون على أقوال الأطبّاء إذا اختلفوا في تشخيص العلاج كيفما كان، بل يحتاطون ما أمكنهم الاحتياط.
وأما سيرة المتشرعة، فكذلك لا يمكن التمسّك بها؛ إذ لم يحرز اتّصالها بزمان المعصوم.
فتحصّل: أنّه في صورة العلم بالمخالفة بينهما فلابدّ من الاحتياط، ومع عدم الإمكان يتخيّر بحكم العقل؛ لأنّ التكاليف منجّزة في حقّه، ولا طريق له إلى الخروج عن عهدتها سوى هذا.

مسألة: إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة ما فهل للعامّيّ الرجوع إلى غير الأعلم أم لا؟
في المسألة صور عدّة:
الأُولى: أن يكون للأعلم فتوى في المسألة، وتكون مخالفة لفتوى غير الأعلم، وفي هذه الصورة لابدّ من الأخذ بفتوى الأعلم، ولا يجوز له الرجوع إلى غير الأعلم.
الثانية: أن يكون له فتوى، ولكن تكون موافقةً لفتوى غير الأعلم، ففي هذه الصورة له أن يعمل بفتوى غير الأعلم.
الثالثة: ليس له فتوى، ولكنّه أفتى بوجوب الاحتياط على مقلّديه، وعيّن لهم الوظيفة من جهة فتواه بالحكم الظاهريّ، فلا يجوز للمقلّد في هذه الصورة الرجوع إلى غير الأعلم مع وجود فتوى الأعلم، ولو كانت فتوىً بالاحتياط؛ لأنّ إفتاءه، ولو بحكم ظاهريّ، يكون مانعاً عن حجّيّة فتوى غير الأعلم.
الرابع: أن يفتي بالاحتياط، ولكن من جهة عدم علمه وعدم جزمه بالحكم الواقعيّ في المسألة، وفي هذه الصورة، فللعامّيّ أن يختار الرجوع إلى غيره، الأعلم فالأعلم، لأنّه ـ حينئذٍ ـ يكون من باب رجوع الجاهل إلى العالم، ولا مانع من أن تشمله إطلاقات الأدلّة بعد أن لم يكن للأعلم فتوى مخالفةً ومعارضةً له، ولكن لا يجوز له الرجوع إلى مطلق غير الأعلم، بل إنّما يجوز مع رعاية الأعلم فالأعلم، وذلك لعين ما ذكرناه آنفاً من وجوب الرجوع إلى الأعلم.
نعم، لو أفتى بالاحتياط مع العلم بأنّ قوله معارض لقول غير الأعلم، وكان هذا الحكم بالاحتياط منه تخطئةً لفتوى غير الأعلم، لم يجز له الرجوع ـ حينئذٍ ـ إلى غير الأعلم بل لابدّ من العمل بالاحتياط الذي أفتى به الأعلم.

حكم عمل الجاهل المقصّر والقاصر:
اعلم أنّ الجاهل على أقسام؛ لأنّه إمّا قاصر، أو مقصّر، والثاني على قسمين: ملتفت وغير ملتفت. والكلام في هذه المسألة في مقامين:
الأوّل: في أنّ الجاهل هل يستحقّ العقاب على أعماله مطلقاً أم لا؟
والثاني: في أنّ أعمال الجاهل هل هي محكومة بالصحّة أم لا؟
أمّا المقام الأوّل:
فلا يخفى: أنّ الجاهل القاصر غير مستحقّ للعقاب على عمله، ولو كان غير مطابق للواقع؛ لأنّه غافل عن كونه مخالفاً للواقع، كما إذا استند إلى أمارة شرعيّة، أو إلى فتوى من يجوز تقليده، وكانتا مخالفتين للواقع؛ فإنّ الجاهل القاصر غافل، والغافل حال غفلته لا يكون قابلاً لتوجّه التكليف إليه.
وأمّا الجاهل المقصّر فلا شكّ في أنّه يستحقّ العقاب إذا كان عمله على خلاف الواقع، وإنّما الكلام في أنّ عقابه هذا هل كان بسبب مخالفة عمله للواقع أم لأنّه كان تاركاً للفحص والتعلّم.
والحقّ: أنّ استحقاق العقاب لا يكون على تركه التعلّم، بل على مخالفته للواقع عند ترك التعلّم والفحص، لما قرّرناه في محلّه من أنّ وجوب التعلّم ليس بنفسيّ، بل هو وجوب طريقيّ وإرشاديّ محض.
نعم، يمكن أن نقول بعدم استحقاق العقاب إذا كان عمله مطابقاً لفتوى من يجب تقليده في ذلك الوقت، ولو كان مخالفاً لفتوى المجتهد الفعليّ، ولا يحتاج في التقليد إلى الاستناد إلى الحجّة، إلّا أن نقول بأنّ الحجّة بوجودها الواقعيّ غير كافية في المعذّريّة.
لكنّ الحقّ: كفاية مطابقته لفتوى المجتهد حين العمل؛ لأنّه حصل منه التقليد قهراً، وكان عمله صحيحاً، ولا يحتاج إلى مطابقة عمله لفتوى المجتهد حين الانكشاف.
وأمّا ما ذكره الاُستاذ الأعظم من أنّه <يمكن الالتزام باستحقاق المقصّر للعقاب حتى إذا كان عمله مطابقاً للواقع، إلّا أنّه يختصّ بما إذا كان ملتفتاً حال العمل؛ وذلك لأنّه مع الالتفات واحتمال صحّة العمل وفساده، إذا أتى به غير مبالٍ بمخالفته للواقع، لكان ذلك مصداقاً بارزاً للتجرّي القبيح، وبذلك يستحق العقاب على عمله، وإن كان مطابقاً للواقع>( ).
ففيه: أوّلاً: أنّ قبح التجرّي لا يكون سبباً لاستحقاقه العقاب. وثانياً: أنّه مع الالتفات، إذا حصل الإتيان به بعنوان الرجاء، وتحقّق منه قصد القربة، فعمله صحيح، ولا يستحقّ عليه العقاب بعد أن كان مطابقاً للواقع، ولا سيّما لما ذكرناه من أنّ وجوب التعلّم إرشاديّ محض، وأمّا إذا لم يتمشّ منه قصد القربة، فعمله باطل، ولو كان بعد الإتيان به مطابقاً للواقع؛ لأنّه إذا لم يعلم بصحّة العمل فكيف يأتي به بقصد الأمر؟
وأمّا المقام الثاني:
وهو الكلام في صحّة عمله:
فلا يخفى: أنّ عمل الجاهل المقصّر، كالقاصر، محكوم بالصحّة، ولو كان ملتفتاً حال العمل، شريطة أن يكون عمله مطابقاً للواقع. أمّا في التوصّليّات: فواضح؛ لأنّه يمكن الإتيان بها مطلقاً ولو من غير اختيار، أو كان نائماً، أو غافلاً، وأتى بالعمل وكان مطابقاً فيكفي.
وأمّا إذا كان العمل عباديّاً فيكفي الإتيان به برجاء أنّه ممّا أمر اﷲ سبحانه به، وهذا المقدار من الإضافة إليه تعالى كافٍ، ويمكن صدوره من الجاهل المقصّر، فإذا غفل وأتى به بهذا النحو، ووقع مطابقاً للواقع، فقد وقع صحيحاً، وكفى، ولا يحتاج إلى الجزم بأنّ ما يأتي به هو الماُمور به.
لا يقال: يشترط في صحّة العمل الجزم والعلم التفصيليّ به، والجاهل المقصّر لا يتمشّى منه قصد القربة؛ لعدم علمه برجحان العمل وممدوحيّته، مضافاً إلى أنّ التحرّك نحو العمل لابدّ وأن يكون بداعي أمر المولى، ومن قصد الاقتصار على أحد الفعلين فهو ليس قاصداً لامتثال الأمر الواقع على كلّ تقدير. نعم، هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل للواقع، لا مطلقاً، وهذا غير كافٍ في العبادات المعلوم وقوع التعبّد بها.
فإنّه يقال: قد عرفت أنّه لا يحتاج عند الإتيان بالعمل إلى الجزم بالنيّة، ولا إلى العلم بأنّ ما يأتي به الماُمور به، بل يكفي الإتيان به برجاء أنّه الماُمور به، فيكون قصد القربة موجوداً؛ لأنّه لم يأتِ بالعمل إلّا ﷲ تعالى، ويحصل ذلك بمجرّد احتمال الأمر، ويكفي أن يكون الداعي هو احتمال الأمر، من دون أن يحتاج إلى العلم في صحّة العمل.

ما هو المراد من الأعلم:
والكلام في هذا البحث من جهتين:
الأُولى: في إمكان الأعلميّة وعدمها.
والثانية: في معنى الأعلميّة.
أمّا الجهة الأُولى:
فقد يقال: إنّه لا معنى للأعلميّة لما بيّناه في محلّه من أنّ الاجتهاد يحصل باكتساب الملكة والقوّة القدسيّة، وحقيقة تلك القوّة القدسيّة هو النور الذي يقذفه اﷲ في قلب من يشاء، وهي كسائر الملكات بسيطة لا تركيب فيها؛ لأنّها من الكيفيّات النفسانيّة، فلا تقبل القسمة، فالمناط من الاجتهاد هو الحصول على هذه القوّة التي يقتدر بها على استنباط الأحكام وردّ كلّ فعل إلى أصله، وأمرها دائر بين الوجود والعدم.
ولكن قد ذكرنا سابقاً في بحث التجزّي أنّ هذه الملكة وإن كانت بسيطة، ولكنّها ذات مراتب متفاوته من جهة الكمال والنقص، فربّما يحصل على المرتبة الناقصة دون الكاملة، ولا تلازم بينهما في الوجود، فهي من الملكات المشكّكة، كسائر الملكات من العدالة والشجاعة والسخاوة ونحوها، وهي وإن كانت من الاُمور غير المحسوسة، إلّا أنّ هناك طرقاً محسوسة يستكشف بها تلك الملكات ومراتبها.
ومعه: فتكون الأعلميّة محكومةً بالإمكان لا محالة، ومن هنا يصل الكلام إلى الجهة الثانية.
وأمّا الجهة الثانية:
فنقول فيها: إنّ الأعلميّة التي عرفنا إمكانها هي بمعنى الحصول على أعلى مراتب الكمال من تلك القوّة والملكة.
ولا يخفى: أنّ الأعلميّة وإن كانت تصدق على كثرة الاطّلاع على خصوصيّات المسائل، والإحاطة بالفروع والأقوال والكلمات، وإحكام المباني والكبريات، لكونها أقرب إلى معنى التفضيل المدلول عليه بهيئة أفعل من هذه المادّة، ولكن ليست هذه المعاني هي المرادة هنا.
وإنّما المراد بالأعلم من يكون أجود فهماً وأشدّ مهارةً من غيره في تطبيق الكبريات على الصغريات. فالأعلميّة متوقّفة على أمرين: أوّلهما: العلم بالقواعد والكبريات، والثاني: شدّة المهارة وجودة الفهم وحسن السليقة في التطبيق، كما يظهر من بقيّة الحرف والصنائع، وإنّما قلنا بأنّ المراد من الأعلم هو هذا المعنى الثاني؛ لأنّ كلمة (أعلم) لم ترد في شيء من الأدلّة حتى يرجع في فهمه إلى العرف واللّغة، بل ثبوت وجوب الرجوع إلى الأعلم إنّما هو ـ كما عرفنا ـ بملاك التمسّك ببناء العقلاء، وهم لا يريدون به إلّا هذا المعنى الثاني، أي: من كان أقوى استنباطاً، لا بمعنى من كان كثير الاطّلاع على المباني والفروع.

طرق معرفة الاجتهاد والأعلميّة:
يُعرف اجتهاد المجتهد وأعلميّته باُمور:
الأوّل: العلم الوجدانيّ:
فإنّ حجّيّته ذاتيّة، لا بجعل الجاعل، لا نفياً ولا إثباتاً، بل العلم بالشيء ليس إلّا إثباته وإحرازه، لا أنّه مجرّد طريق إلى الإثبات.
الثاني: البيّنة.
وقد استدلّ على حجّيّة البيّنة بوجوه:
أوّلها: الإجماع.
وفيه: ما عرفته مراراً من حال أمثال هذه الإجماعات.
والثاني: الروايات، كموثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اﷲ قال: <سمعته يقول: كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته، وهو سرقة، أو المملوك عندك، ولعلّه حرٌّ قد باع نفسه، أو خُدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك، وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة>( ).
وقد استشكل على الاستدلال هذه الرواية:
أوّلاً: من ناحية السند، وأنّها ضعيفة، وليست صحيحة.
ولكن فيه: أنّه يمكن أن يحصل لنا الاطمئنان بصدورها بعدما كان لمضامينها وجود في سائر الموثّقات، وبعد عمل المشهور بها فتأمل.
وثانياً: من جهة دلالتها، بدعوى: أنّها دالّة على حجّيّة البيّنة في الحرمة والحكم التكليفيّ، ولا تدلّ على حجّيّتها في باب الموضوعات الخارجيّة، فضلاً عن دلالتها على العموم.
وفيه: أنّ الظاهر منها كونها بصدد بيان ضابطة عامّة؛ لأنّ كلمة (الأشياء) الواردة في متنها جمع معرّف باللّام، وهي مع ذلك مؤكّدة بكلمة (كلّ)، فتكون بصدد بيان قاعدة كلّيّة مفادها أنّ البيّنة، وإن كانت لغةً بمعنى الاستبانة، إلّا أنّها هنا بمعنى: قول الشاهدين العادلين، ويكفينا في حجّيّتها بناء العقلاء على العمل بها، مع عدم ردع الشارع عنها إلّا في بعض الموارد، كالزنا دلّ الدليل الخاصّ على أنّه لابدّ فيه من شهادة أربعة.
فالبيّنة واقعة في مقابل العلم الوجدانيّ؛ لأنّها وردت في الرواية في قبال الاستبانة التي هي العلم الوجدانيّ، فيكون معنى الرواية: أنّ البيّنة كالعلم الوجدانيّ جعلت غايةً للحلّ، فقوله: (الأشياء كلّها على هذا)، أي: على الحلّيّة، حتى يستبين أمرها أو تقوم عليه البيّنة، فالرواية غير مختصّة بالحرمة المترتّبة على الموارد المذكورة فيها، بل هي تدلّ على حجّيّة البيّنة في الموضوعات مطلقاً.
إن قلت: على فرض التنزّل يمكن لنا أن نستدلّ بالرواية لإثبات الضابطة في خصوص مورد دوران الأمر بين الحلّيّة والحرمة، كما في الرواية، لا في إثباتها مطلقاً كقاعدةٍ كلّيّة تشمل كافّة الموارد.
قلنا: بل يمكن التعدّي من هذا المورد إلى غيره من الشبهات الموضوعيّة بدلالة الفحوى؛ لأنّ الشارع حكم بالتوسعة في باب الحلّيّة والطهارة مع عدم العلم بهما واحتمال ما يقابلهما، فاعتبر البيّنة، التي هي في قوّة العلم، سبباً لإثبات ما يقابلهما، أي: الحرمة والنجاسة، فتثبت البيّنة غير الحلّيّة والطهارة، ممّا هو أضيق منهما دائرةً، بطريق اُولى، بل يمكن أن يستفاد من قوله: (الأشياء كلّها) قاعدة كلّيّة عامّة لكلّ مورد، فالأشياء على حالتها الأوليّة التي يقتضيها الأصل، والذي هو في كلّ شيء بحسبه، من الحلّيّة والحرمة والوجوب والموضوعات الخارجيّة حتى يستبين أو تقوم به البيّنة، فيكون ذكر الحليّة في الرواية من باب أنّه مورد السؤال، وإلّا، فلا خصوصيّة فيه، ومعلوم أنّ المورد لا يكون مخصّصاً لعموم اللّفظ.
أو نقول: بما أنّ البيّنة جعلها الشارع في قوّة العلم، وحيث إنّ حجّيّة العلم ذاتيّة، والبيّنة ليست كذلك، فتحتاج حجّيّتها إلى دليل، ولمّا حكم الشارع بأنّها في مقام إثبات الموضوعات كالعلم، فكما أنّه إذا علم بشيء يترتّب عليه حكمه، وكذلك كما أنّه إذا قامت الأمارة على حرمة الشيء أو نجاسته أو طهارته أو حلّيّته أو ملكيّته أو اجتهاده أو أعلميّته، فيترتّب عليها أحكامها، فكذلك لو قامت البيّنة على عدالة شخص تجوز الصلاة خلفه إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد، لما ذكرنا مراراً من أنّ الأدلّة لا تشمل المتعارضين؛ لأنّ شمولها لكليهما مستلزم للجمع بين الضدّين أو النقيضين، ولأحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح.
وقد يستشكل في دلالة هذه الرواية أيضاً: بأنّ قوله: (حتى يستبين أو تقوم به البيّنة)، ناظر إلى العلم والعلميّ، وأمّا إثبات حجّيّة البيّنة، أعني: شهادة العدلين فلا، وأنّها دليل على إثبات الموضوعات مطلقاً وفي جميع الموارد، فيحتاج إلى دليل غير هذه الرواية؛ لأنّ البيّنة لغةً هي الشيء الواضح، وكون المراد منها في الرواية البيّنة بمعناها المصطلح، أي: شهادة العدلين، يحتاج إلى دليل.
ولكنّ الحقّ: أنّها من المنقولات الشرعيّة، وأنّ النبيّ كان يعتمد على إخبار العدلين عند الترافع، ولو كان المراد من البيّنة في الرواية هو مطلق الحجّة الواضحة، لكان يلزم أن يكون قسم الشيء قسيماً له؛ لأنّ الاستبانة، وهي العلم، قسم من الحجّة الواضحة؛ فلابدّ أن يكون المراد من البيّنة في الرواية هو معناها التي نُقلت إليه شرعاً، وهو شهادة العدلين.
والثالث: الشياع المفيد للعلم:
وهل هو من قسم العلم أم أنّه قسيمه؟ وعلى الثاني، فما هو الدليل على حجّيّته؟
لا يخفى: أنّه إذا كان المراد منه العلْم الشخصيّ، فهو ليس قسيماً للعلم، بل قسم منه، أو فقل: هو أحد أسباب حصول العلم، والعلم حجّة من أيّ سبب حصل. وإذا كان المراد منه العلْم النوعيّ، كان قسيماً للعلم، ولا دليل على حجّيّته؛ لأنّا نرى كثيراً من الشائعات تستند إلى اُمورٍ لا واقع لها.
وبعبارة أُخرى: فإنّ الشياع إن كان سبباً للعلم فهو داخل فيه، نظير الخبر المتواتر، ولكن كما لم يذكر الخبر المتواتر في عرض العلم في طرق الاجتهاد، فالاُولى ـ حينئذٍ ـ عدم ذكره هو أيضاً. وإن كان غير مفيد للعلم، فلا دليل على حجّيّته.

مسألة: لو كان هناك مجتهد ميّت يحرّم البقاء على تقليد الميّت، فمات ورجع إلى الحيّ الذي يقول بجواز البقاء أو وجوبه، فهل يجوز له البقاء على تقليد من يقول بحرمة البقاء أم لا؟
لا يجوز البقاء على تقليد الميت بفتوى الميت نفسه بجواز البقاء، بل يجب على المكلّف الرجوع في ذلك إلى الحيّ الأعلم، فلو قلّد الحيّ، وكان يقول بجواز البقاء، أو بوجوبه، وكان الميت يقول بحرمة البقاء، فللمقلّد أن يبقى في جميع المسائل على فتوى الميت ما عدا مسألة البقاء على تقليد الميت؛ لأنّه يلزم منه التناقض؛ فإنّ الحكمين متنافيين ولا يمكن الجمع بينهما، وذلك أنّ فتوى الحيّ: إمّا أن تكون شاملةً لجميع المسائل، حتى مسألة حرمة البقاء، أو شاملةً لجميع المسائل ما عدا مسألة حرمة البقاء، أو شاملةً لمسألة حرمة البقاء فقط. ولا شكّ في عدم إمكان الاحتمالين الأوّل والثالث، فيبقى الاحتمال الثاني فقط، فإنّ فتوى الحيّ لا يمكن أن تكون شاملةً لمسألة حرمة البقاء؛ للقطع بعدم حجّيّة فتوى الميت بحرمة البقاء وبكونها مخالفةً للواقع الفعليّ، وهو قول المجتهد الذي يجب الرجوع إليه بالفعل.

وجوب التعلّم
يجب على المكلّف بالنسبة إلى العبادات العلم بأجزائها وشرائطها وموانعها ومقدّماتها؛ وذلك لأنّه بعد أن علم بأنّ عليه تكاليف منجّزة في حقّه، يستقلّ عقله بلزوم امتثالها وتفريغ الذمّة تجاهها، وهو ما لا يمكن حصوله إلّا بالتعلّم ومعرفة الأجزاء والشرائط والموانع والمقدّمات.
وهل هذا الوجوب مقدّميّ أم نفسيّ تهيّئيّ أم نفسيّ محض أم عقليّ؟
لا شكّ ولا شبهة في عدم كونه وجوبه غيريّاً؛ لأنّ الوجوب الغيريّ يكون ناتجاً من وجوب ذي المقدّمة، مع أنّه بعد دخول الوقت لا يجب الإتيان بذي المقدّمة، لعجزه عنها بعد فوت المقدّمة، وقبل الوقت لم يكن واجباً حتى يترشّح منه الوجوب إلى المقدّمة.
كما أنّه ليس بواجب نفسيّ بحيث تكون المصلحة قائمةً في نفس التعلّم، بل إنّما هو وجوب طريقيّ، بحيث تكون المصلحة قائمةً في نفس الواجب وذي المقدّمة. فالتعلّم مقدّمة للعمل، وليس تركه هو الذي يوجب العقاب، بل إنّما يكون العقاب على ترك ذي المقدّمة.
وهو ـ أيضاً ـ ليس وجوباً نفسيّاً تهيّئيّاً، بأن يكون الوجوب الأصليّ ثابتاً بدليلٍ مستقلّ مراعاةً لمصلحة ذي المقدّمة، ويسمّى (تهيّئيّاً) لأنّ فائدته التهيّؤ والاستعداد لواجب آخر، وهو يندرج في الوجوب النفسيّ من حيث عدم كونه متولّداً من وجوب ذي المقدّمة، وإن كان يشبه الوجوب الغيريّ المقدّميّ من حيث كونه ثابتاً لمصلحة في غيره.
وهذا الوجوب من قبيل الوجوب العقليّ، وهو لا يستفاد من إطلاق الأدلّة الدالّة على لزوم الإتيان بالواجب؛ فهو لورود الوجوب عليه يكشف عن وجود ملاك فيه، مع أنّه لا ملاك فيه، بل هو في ذي المقدّمة. فإذا كان ترك الواجب مستنداً إلى ترك التعلّم، ولو قبل الوقت، كان التعلّم واجباً عليه بحكم العقل.
فإذا عرفت ذلك، فالأقوال في مسألة استحقاق العقاب على ترك التعلّم ثلاثة:
أوّلها: استحقاق العقاب على تركه مطلقاً، إذا أدّت مخالفته إلى ترك الواجب.
وهو غير صحيح؛ لما عرفنا من كون وجوبه طريقيّاً، ولذا، لو استند ترك الواجب إلى شيءٍ آخر غير التعلّم، فلا يعاقب المكلّف بشيء.
والثاني: أنّ العقاب يكون على ترك التعلّم إذا أدّى إلى مخالفة العمل للواقع.
وهذا ـ أيضاً ـ ليس بصحيح؛ لأنّ وجوبه ليس وجوباً نفسيّاً محضاً، ولا ملاك هناك إلّا ملاك الواقع.
والثالث: أنّ العقاب يكون على ترك الواقع عند ترك التعلّم، وهذا هو القول الصحيح.
ثمّ إنّه لا إشكال في وجوب التعلّم لو قلنا بوجوب معرفة الوجه والتميّز، أو قلنا بعدم جواز العمل بالاحتياط والامتثال الإجماليّ مع التمكّن من العلم التفصيليّ، وإلّا، فلو علم إجمالاً بأنّ عمله كان واجداً لجميع الأجزاء والشرائط، وفاقداً لجميع الموانع، وقع صحيحاً. بل الحقّ: لزوم الحكم بالصحّة ـ أيضاً ـ لو تمكّن من الإتيان بالعمل رجاءً، وكان مطابقاً لما هو الواقع بالفعل، لا ما هو الواقع حال العمل.

مسألة: إذا تبدّل رأي المجتهد، فهل يجوز المقلّد أن يبقى على رأيه الأوّل أم لا؟
الظاهر: العدم؛ لعدم شمول دليل جواز التقليد لمثل هذا البقاء، وعدم حجّيّة الفتوى الأُولى بعد العدول عنها وعدم إحراز مطابقتها للواقع، ولأنّ وجوب رجوع الجاهل إلى العالم، المستفاد من مثل السيرة العقلائيّة، إنّما يكون فيما لو لم يعترف المجتهد بخطأ فتواه السابقة، وأنّها كانت مصاديق الجهل بواقع الحكم، فالرأي الأوّل غير باقٍ على حجّيّته، ولمّا كانت الفتوى الثانية مطلقةً، فتكون كاشفة عن عدم حجّيّة الفتوى الأُولى من أوّل الأمر.

مسألة: إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقّف والتردّد، فهل للمقلّد أن يبقى على رأيه الأوّل أم لا؟
الظاهر: أنّه بعد عدوله عن الفتوى إلى التوقّف والتردّد واعترافه بخطأ المستند الفتوى الأُولى، لم يعد رأيه الأوّل حجّة ولا طريقاً إلى الواقع، بل في حقيقة الأمر، لا يكون له فتوى بالفعل، فيكون من مصاديق الجاهل في هذه المسألة، فيتعيّن على المقلّد ـ حينئذٍ ـ إمّا أن يعمل بالاحتياط، وإمّا أن يرجع إلى غيره، الأعلم فالأعلم، حتى يحصل له اليقين بفراغ ذمّته؛ لأنّه، والحال هذه، هو العالم بالفعل، والرجوع إليه من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

مسألة: لو كان هناك مجتهدان متساويان في العلم، فهل يجوز للمقلّد تقليد أيّهما شاء، أم يجوز له التبعيض في المسائل بينهما، أم عليه الأخذ بقول من هو أعدل أو أورع منهما؟
قد مرّ فيما سبق ما يوضح الحال في هذه المسألة، وذكرنا أنّه إن كانا متوافقين في الفتوى فله أن يقلّد أيّاً شاء منهما؛ لأنّ الأدلّة تشمل كلتا الفتويين. وأمّا في صورة العلم بالمخالفة بينهما، فلابدّ له من الاحتياط؛ وذلك لعدم شمول الأدلّة والإطلاقات للمتعارضين، وهكذا يقال بالنسبة إلى السيرة، وأمّا ما قد يُدّعى من الإجماعات، فكلّها مخدوشة، كما مرّ.
وأمّا في صورة التوافق، هل يجوز له التبعيض بينهما في المسائل؟
الظاهر: الجواز، لما عرفت من أنّه مع عدم العلم بالمخالفة بينهما فالحجّيّة ثابتة لكلتا الفتويين، ففي صورة الموافقة تثبت لهما معاً ـ أيضاً ـ بطريقٍ اُولى.
وأمّا الترجيح بينهما في العدالة أو الأورعيّة فأجنبيّ عن مورد البحث. نعم، أرسل صاحب الجواهر إمكان الترجيح بذلك إرسال المسلّمات، حيث قال في المقام ـ ما لفظه ـ:
<نعم، مع تساويهما في العلم يُقَدَّم الأعدل؛ لكونه أرجح ـ حينئذٍ ـ، فيكون الحاصل حينئذٍ ترجيح أعلم الورعين، وأورع العالمين؛ لقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح>( ).

مسألة: لو قلّد مجتهداً يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم، ووجد من هو أعلم منه، فهل يجب عليه البقاء على تقليده ولا يجوز له العدول مطلقاً أم لا؟
الظاهر: أنّه لابدّ له من العدول إلى ذلك المجتهد الأعلم؛ لأنّ تقليد الأعلم ـ كما أسلفنا ـ واجب، لا يُفَرَّق فيه بين الابتداء والاستدامة، مع العلم بالمخالفة، وعدم كون فتوى غير الأعلم موافقةً للاحتياط، ولا يمكن الاستناد في البقاء على تقليد غير الأعلم إلى فتوى نفسه؛ لما يلزم منه من الدور، ففي هذه الحالة لابدّ له من الرجوع إلى الأعلم. وأمّا في صورة عدم العلم بالمخالفة، فيجوز له البقاء على تقليد غير الأعلم، كما يجوز له العدول إلى الأعلم، وإن كان الأوّل يفتي بعدم جواز العدول؛ فإنّ فتواه هذه ـ كما عرفنا ـ لا أثر ولا حجّيّة لها.

مسألة: إذا قلّد شخصاً بتخيّل أنّه زيد، فتبيّن أنّه عمرو، فهل وقع تقليده هذا صحيحاً أم لا؟
قد يقال: بأنّ الحكم بالصحّة في المقام مشروط بشرطين:
أوّلهما: التساوي في الفضيلة.
والثاني: أن لا يكون تقليده على وجه التقييد، بحيث لو علم بأنّ من قلّده كان زيداً لم يكن ليقلّده بوجه؛ لأنّه إنّما أراد أن يقلّد عمراً بخصوصه، وأمّا لو كان تقليده لأحدهما على سبيل الداعي، كما لو كان بحيث لو علم أنّ من قلّده زيد كان ليقلّده أيضاً، فيصحّ بلا إشكال.
ولكنّ الحقّ: أنّ الشرط الأوّل غير صحيح؛ لما مرّ من أنّه مع عدم العلم بالمخالفة يجب الحكم بصحّة التقليد. وأمّا في صورة التساوي، مع العلم بالمخالفة، يجب عليه الاحتياط، كما أنّه في صورة وجود الأعلم يجب الرجوع إليه. وأمّا الشرط الثاني، فإن قلنا بأنّ التقليد عبارة عن الالتزام بقول مجتهد معيّن، أو العمل كذلك، فالشرط صحيح؛ لأنّه لم يتحقّق منه التقليد حينئذٍ.
وأمّا ما أفاده الاُستاذ الأعظم من أنّ الموجودات الشخصيّة و<الاُمور الخارجيّة ليست مورداً للتقييد؛ فإنّ الموجود الشخصيّ والأمر الخارجيّ لا إطلاق له ليكون قابلاً لتقييده...>( )؛
لأنّ النسبة بينهما من قبيل الملكة والعدم، وكلّ ما لا يمكن فيه الإطلاق فلا يمكن فيه التقييد.
فغير تامّ؛ لإمكان التمسّك فيها بالإطلاق الأحواليّ بلا مانع.
ولكنّ الحقّ: لا أثر لهذا التقييد بعدما كان قول كلا المجتهدين حجّة وجامعاً للشرائط، فمقامنا نظير غسل الثوب الخارجي بعنوان أنّه من زيد، فبان أنّه من عمرو، فإنّه لا يؤثّر على تحقّق الطهارة، فإنّها تحصل كيفما اتّفق؛ لوضوح أنّ التوصّليّات لا تحتاج إلى القصد، بل تحصل ولو بدون قصد واختيار، ومثله التقليد، فإنّه قد حصل من المكلّف بعد أن كان عمله مستنداً إلى الحجّة، فيكون صحيحاً، وإن تخلّف الداعي.

طرق تعلّم الفتوى:
تُعلم فتوى المجتهد باُمور:
الأوّل: أن يسمع منه شفاهاً. وذلك لما ثبت في محلّه من حجّيّة ظواهر الكلام مطلقاً، ولو لم يكن مفيداً للظنّ، بل ولو مع الظنّ غير المعتبر على الخلاف، بل يمكن الاستفادة من قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لــّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾( )، الدالّ على حجّيّة إنذار المنذر، وهو ليس إلّا الإخبار عن الحلال والحرام، وكذا يمكن الاستفادة ممّا تقدّم من الروايات الواردة عنهم المشتملة على الإرجاع إلى آحاد الرواة ومن يأخذون معالم دينهم منهم. وكذلك يستفاد في المقام ممّا تقتضيه السيرة العقلائيّة القائمة على الرجوع إلى أهل الخبرة؛ فإنّ قول الطبيب ـ مثلاً ـ إنّما يكون حجّةً لأنّ ما أخبر به مطابق لتشخيصه، فكذلك يكون قول المجتهد وإخباره عن آرائه وفتاواه.
الثاني: إخبار عدلين بها. لما تقدّم من عموم حجّيّة البيّنة إلّا في موارد قام الدليل على عدم اعتبارها فيها، كما مثّلا سابقاً من الشهادة بالزنا ونحوه.
الثالث: إخبار عدل واحد، بل يكفي إخبار شخص موثّق بها، ولكن بشرط أن يحصل الاطمئنان من قوله.
ولكنّ الحقّ: عدم ثبوت الموضوعات بخبر العدل الواحد؛ لأنّه لا دليل على حجّيّته فيها؛ لأنّ ما ورد في الخبر المتقدّم أنّ الأشياء كلّها على ذلك حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة، وإخبار العدل الواحد لا يندرج تحت القسم الأوّل ولا تحت القسم الثاني. نعم، هو حجّة في الأحكام.
اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّه حجّة في محلّ الكلام؛ لأنّه إخبار عن فتوى المجتهد بالدلالة المطابقيّة، وبدون واسطة، والإخبار عن الفتوى إخبار عن قول الإمام، فإذا قلنا بحجّيّة خبر العدل والثقة إمّا مطلقاً أو في محلّ البحث، فلا نحتاج إلى الاطمئنان الشخصيّ، بل يكفي فيه الاطمئنان النوعيّ، وعليه: فيمكن القول بكفاية إخبار الشخص الموثق ـ أيضاً ـ، ولو لم يكن عادلاً.
الرابع: الوجدان في رسالته العمليّة، وهي تارةً: كتبها المجتهد بنفسه وبخطّه أو جمعها غيره وهو أمضاها، وأُخرى: كتبها عنه غيره.
أمّا في الصورة الأُولى: فتدخل في باب إخبار المجتهد عمّا أدّى إليه نظره ورأيه؛ لأنّ الكتابة نوع من الإخبار عن الفتوى، فتشملها الأدلّة التي تدلّ على حجّيّة إخبار المجتهد.
وأمّا في الصورة الثانية: فلابدّ أن يكون الكاتب موثّقاً، ويندرج ـ أيضاً ـ في باب إخبار الثقة، فتشملها أدلّة حجّيّة إخباراته شريطة أن يكون مأموناً من الخطأ، ولو بضميمة أصالة عدم الخطأ، وأمّا مع رؤية أغلاط كثيرة فيها فلا يجري الأصل المذكور.

مسألة: لو قلّد من ليس أهلاً للفتوى مدّةً من الزمن كما إذا علم أنّه لم يكن عادلاً أو مجتهداً، ثمّ التفت، وجب عليه العدول، لأنّ تقليده باطل، والحال هذه، وهذا يعني: أنّ عدوله إلى تقليد من هو أهل للفتوى لا يكون تقليداً على الحقيقة، وإنّما هو عدول بحسب اعتقاده.
وأمّا بالنسبة إلى أعماله السابقة، فإذا كانت مطابقةً لفتوى من يجب تقليده بالفعل، صحّت، وإلّا، كانت باطلةً، وإن كانت مطابقةً لفتوى المجتهد الذي يجب تقليده في ذلك العصر.
وكذا لو قلّد غير الأعلم، والتفت لاحقاً، وجب عليه العدول إلى الأعلم إذا كان مخالفاً له في الفتوى، وتقليده لغير الأعلم محكوم بالبطلان، إذا كان تقليده له من دون فحص. وأمّا إذا كان قد قلّده بعد الفحص، وقلنا بلزوم الرجوع إلى الأعلم من باب الاحتياط، فالأحوط العدول إليه. وأمّا لو قلنا بحرمة العدول حتى إلى الأعلم، كما هو قول بعضٍ، فلابدّ له ـ حينئذٍ ـ من الرجوع إلى أحوط القولين، وليس له العدول؛ لأنّه على خلاف الاحتياط.

مسألة: لو علم إجمالاً بأعلميّة أحد شخصين، ولم يمكن التعيين بينهما، فتارةً يكونا متوافقين في الرأي، فيكون كلا الرأيين حجّةً كما مرّ. وأُخرى يختلفان، وفي هذه الصورة لابدّ من الاحتياط كما مرّ ـ أيضاً ـ إن أمكن، دفعاً للضرر المحتمل.
وأمّا ما قد يقال: من إمكان الأخذ بفتوى مظنون الأعلميّة، فيرد عليه: أنّه لا يفيد؛ لعدم القطع بخروجه عن عهدة التكليف إذا عمل بقول مظنون الأعلميّة.
وأمّا إذا لم يتمكّن من الاحتياط، كما لو أفتى أحدهما بوجوب صلاة الجمعة في يومها، وأفتى الآخر بوجوب صلاة الظهر، وكان هناك مرجّح في البين لجهة الظنّ بأعلميّة أحدهما، وقلنا بأنّ بناء العقلاء قائم على الأخذ بفتوى مظنون الأعلميّة أو محتملها، فحينئذٍ: يؤخذ بفتوى مظنونها.
وأمّا إذا لم يكن أحدهما مظنون الأعلميّة ولا محتملها، فعندئذٍ: تصل النوبة إلى التخيير.
وقد يقال: لابدّ من اللّجوء إلى القرعة في محلّ البحث.
ولكن فيه: أنّه لا يمكن التمسّك بالقرعة في المقام بعد إعراض المشهور وعدم عملهم بها في المورد، حتى لو قيل بورود رواياتٍ كثيرة تدلّ عليها، وبأنّ بعضها شامل للمورد.

مسألة: إذا شكّ في عروض ما يوجب عدم جواز تقليد المجتهد، كالموت أو الجنون أو النسيان، أو عدم جواز البقاء على الرأي الأوّل، كتبدّل الموضوع، فهل يجوز له البقاء على رأيه أم لا؟
الصحيح: أنّه يجوز له البقاء، تمسّكاً بالاستصحاب إلى حين العلم بالحال، ولا يجب عليه الفحص؛ لعدم وجوبه في الشبهات الموضوعيّة، كما قرّر في محلّه.

مسألة: لو علم بعد مدّة من الزمن أنّه كان يعمل بلا تقليد، ولم يعلم مقدار هذه المدّة، فماذا يصنع؟
أمّا لو انكشفت موافقة الفتوى التي عمل بها لفتوى المجتهد الذي يكون قوله حجّة بالفعل بالنسبة إليه، وتأتّى منه قصد القربة بالنسبة إلى العمل الذي أتى به في وقته، فيكون عمله هذا صحيحاً، ولا يحتاج لا إلى الإعادة ولا القضاء؛ فإنّ المدار في الصحّة وعدمها إنّما هو على مطابقة عمله لما هو الحجّة والواقع، وهو قول المجتهد الفعليّ الذي يجب عليه أن يعمل برأيه فعلاً، دون المجتهد الذي كان يجب عليه أن يعمل برأيه في زمان العمل؛ لسقوط فتاواه عن الحجّيّة بالموت أو غيره من الأسباب.
أمّا إذا لم ينكشف له الحال، ولم يعلم أنّ أعماله هل كانت مطابقةً للواقع أم مخالفة له؟ فلابدّ له من الإعادة؛ لإطلاق ما ورد عن الصادق، من قوله: <كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فأمضه، ولا إعادة عليك فيه>( )، وكذلك موثّقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر: <كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو>( )؛ فإنّهما وإن كان ظاهرهما هو عدم وجوب القضاء، ولكنّهما منصرفتان إلى صورة التذكّر خاصّةً، ولو بقرينة روايتين أُخريين وردتا:
إحداهما: حسنة ابن بكير، قال: <قُلْتُ له: الرجل يشكّ بعدما يتوضّأ؟ قال: هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ>( ).
والثانية: ما عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اﷲ أنّه قال: <إن شكّ الرجل بعدما صلّى فلم يدرِ أثلاثاً صلّى أم أربعاً؟ وكان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ، لم يُعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك>( ).
ولكن قد عرفنا أنّ هذه الروايات ناظرة إلى ما يقضيه الطبع في الأعمّ الأغلب، وهي إرشاد إلى ذلك فلا يمكن التمسّك بقاعدة الفراغ فيما نحن فيه، لأنّه بحسب الفرض كان حين العمل غافلاً، وإن فرضنا أنّ عمله كان صحيحاً، فمن باب المصادفة والاتّفاق، لا من جهة مطابقته للطبع والعادة.
وأمّا إذا انكشف له أنّ ما أتى به كان على خلاف الواقع، فلابدّ من الحكم بالبطلان؛ لما أشرنا إليه من أنّ المدار في الحكم في صحّة العمل وفساده إنّما هو كونه مطابقاً للواقع أو مخالفاً له، ولا سبيل إلى التعرّف على ذلك إلّا الرجوع إلى فتوى المجتهد الذي يجب عليه تقليده عند الالتفات، لا ذاك الذي سقطت فتواه عن الحجّيّة لسببٍ من الأسباب، كالموت ونحوه.

مسألة: من عمل مدّةً من الزمن بناءً على تقليد شخص، ولكن لم يعلم أنّ تقليده له كان صحيحاً، فهل يبني على الصحّة مطلقاً أم لا؟
ولا يخفى: أنّ المراد من التقليد الصحيح هو أن يكون على طبق الموازين والقواعد الشرعيّة وليس عن هوى النفس ـ مثلاً ـ.
أمّا في صورة ما إذا كان المجتهد جامعاً للشرائط، وكان العمل مطابقاً لرأيه، فلا إشكال في الحكم بالصحّة؛ لجريان أصالة الصحّة، من دون أن يؤثّر عليه الشكّ في أنّ الاستناد إلى فتواه هل كان على طبق الموازين أم لم يكن، ولا دليل على أنّ الاستناد إلى ذلك المجتهد يجب أن يكون مطابقاً للموازين الشرعيّة. وبالجملة: فإنّ صحّة التقليد يكفي فيها أن يكون عمله مطابقاً لفتوى من هو جامع للشرائط.
وأمّا إذا كان شكّه في الصحّة ناجماً عن الشكّ في أنّ هذا المجتهد هل كان جامعاً للشرائط أم لا؟ فإن كان جامعاً للشرائط، كما إذا كان قد حصل له القطع بذلك، أو شهد لديه بذلك شاهدان، ثمّ شكّ بعد ذلك في أنّ قطعه السابق كان جهلاً مركّباً، أو ظهر له فسق الشاهدين، وصار سبباً لشكّه هذا، فلابدّ له ـ حينئذٍ ـ من الفحص عن استجماع مقلَّده للشرائط، ولا يجوز له البقاء على تقليده، بلا فرقٍ بين أن يكون الشكّ من قبيل الشكّ الساري أم من غيره، بل حاله ـ حينئذٍ ـ كما لو كان قد شكّ ابتداءً في أنّه جامع للشرائط، فكما لا يجوز له أن يقلّده، فكذلك لو شكّ في ذلك بقاءً أيضاً.
وأمّا إذا كان الشكّ في صحّة تقليده وعدمها بالإضافة إلى أعماله التي أتى بها على طبقه، فإذا علم بمطابقتها للواقع، كما إذا عمل بالاحتياط فأتى بالسورة ـ مثلاً ـ أو بالتسبيحات ثلاثاً، فلا إشكال في صحّة عمله حينئذٍ، ولا يجب عليه الإعادة فيما يرجع إلى الأركان، لورودها في مثل حديث (لا تعاد). وأمّا في غير الأركان من الأجزاء، كما لو أخلّ بالسورة، وجبت عليه الإعادة، إلّا إذا قلنا بأنّ حديث (لاتعاد) يشمل الجاهل بالحكم، ولكنّه لا يشملها؛ لكونها معارضاً ومضادّاً للأدلّة الأوّليّة.

مسألة: إذا قلّد مجتهداً ثمّ شكّ في أنّه جامع للشرائط أم لا؟
قد يقال: لابدّ له من الفحص، ولا يجوز له أن يعمل بأقواله بعد الشكّ، ولا فرق بين الشكّ الطارئ والشكّ الساري.
ونقول: إذا قلّد من هو جامع للشرائط المعتبرة في المرجعيّة من جهة قطعه بذلك أو قيام البيّنة عليه، ولكن شكّ بعد ذلك في استجماعه للشرائط؛ لاحتمال زوالها عنه، فإنّه أحرز استجماعه للشرائط حدوثاً، ولكنّه شكّ في ارتفاعها بقاءً، ولا ينبغي الإشكال في جواز البقاء على تقليده تمسّكاً باستصحاب بقائه على الشرائط المعتبرة، فيبقى على تقليده إلى أن يعلم بارتفاعها، كما أنّ أعماله السابقة التي أتى بها وفقاً لفتواه كانت صحيحة؛ لأنّ المفروض أنّه عندما قلّد، فقد قلّد شخصاً جامعاً للشرائط، ثمّ طرأ له الشكّ بعد ذلك.
وأمّا إذا كان شكّه من قبيل الشكّ الساري، فيرجع الشكّ إلى أنّه هل كان من أوّل الأمر جامعاً للشرائط أم لا؟ كما لو كان يعلم سابقاً بأنّه كان جامعاً للشرائط، ولكن بعد ذلك شكّ في أنّه كان من أوّل الأمر جامعاً لها؛ لاحتمال خطئه في عمله، أو للشكّ في عدالة الشهود، فالشكّ ـ حينئذٍ ـ يسري إلى اليقين السابق، فيزيله، فيجب عليه الفحص، وليس له أن يبقى على تقليده له، فإنّ فتواه وإن كانت حجّةً حدوثاً، إلّا أنّها سقطت عن الحجّيّة بقاءً؛ لزوال العلم؛ أو سقوط البيّنة عن الاعتبار؛ فكما يجب الفحص عن التقليد الابتدائيّ، لعدم حجّيّة مشكوك الحجّيّة، يجب كذلك الفحص عن صحّة التقليد استدامةً؛ لعدم وجود المؤمّن من العقاب.
فإن قلت: إنّ قاعدة اليقين تجري في الشكّ الساري، كما يجري الاستصحاب في الشكّ الطارئ، فكما أنّ الشكّ في البقاء يكون مجرى للاستصحاب، فكذلك الشكّ في الحدوث يكون مجرىً لقاعدة اليقين، ففي الحالتين يجوز للمكلّف البقاء على تقليد من قلّده سابقاً، لأنّ حجّيّة فتاواه مسبوقة باليقين، والشكّ بعد ذلك يكون ملغىً ببركة (لا تنقض اليقين بالشكّ)، الشامل لكلتا القاعدتين.
قلت: قد عرفنا في محلّه أنّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ إمّا أن يشمل مورد الشكّ الطارئ، وهو المعبّر عنه بالاستصحاب، أو الشكّ الساري، المعبّر عنه بقاعدة اليقين، ولا يمكن أن يكون الخبر شاملاً لكليهما معاً؛ إذ ليس هناك من جامع بين القاعدتين، فإنّ اليقين باقٍ بناءً على الاستصحاب، وزائل بناءً على قاعدة اليقين، ومتعلّقا اليقين والشكّ متّحدان زماناً في قاعدة اليقين، ومختلفان زماناً في باب الاستصحاب، فلمّا لم يمكن أن يكون الخبر شاملاً للقاعدتين، كان لابدّ من إرادة إحداهما فقط، وليست هي قاعدة اليقين؛ لأنّ موردها منطبق على الاستصحاب والشكّ الطارئ، ما يعيّن إرادته من الخبر، وإلّا، يلزم عدم شمول الخبر لمورده، وهو قبيح.

مسألة: من ليس أهلاً للفتوى هل يجوز له الإفتاء أم لا؟
والكلام في هذه المسألة يقع في اُمور:
الأمر الأوّل: حرمة إفتائه إذا لم يكن جامعاً للشرائط.
والأمر الثاني: حرمة تصدّيه للقضاء.
أمّا الأمر الأوّل:
فقد يستدلّ له:
تارةً: بأنّ هذا المنصب هو من المناصب الإلهيّة، فيكون مختصّاً بالنبيّ أو الإمام أو نائبه، الخاصّ أو العامّ، وأمّا من لا أهليّة له، فلم يثبت له الإذن، فتصدّيه في حدّ نفسه حرام، وإفتاؤه حرام آخر.
وفيه: أنّه لم يظهر من الأدلّة كونه من المناصب المختصّة لكي يحتاج إلى الإذن، وأمّا الأدلّة التي ورد فيها ذكر للشرائط التي ينبغي توفّرها، فهي إنّما تدلّ على شرائط حجّيّة الفتوى، لا على الحكم التكليفيّ الذي هو جواز الإفتاء و عدمه.
وأُخرى: بأنّه إغراء للجاهل.
وفيه: أنّه ليس إغراءً للجاهل مطلقاً؛ لأنّ فتواه قد تكون موافقةً لفتوى المجتهد الجامع للشرائط، أو مطابقةً للاحتياط، وحينئذٍ: فلا مانع من إفتائه من هذه الناحية.
ويمكن أن يقال: إنّ من ليس أهلاً للفتوى لعدم حيازته على ملكة الاجتهاد، فإذا أفتى الناس، فقد أفتاهم بغير علم، فلا إشكال في حرمة إفتائه هذا؛ لأنّه إسناد الحكم إلى اﷲ تعالى من دون حجّة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾( ). وعن أبي عبد اﷲ قال:<رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم فهو في النّار>( ).
أمّا من كان له ملكه الاجتهاد، ولكن لم يكن له أهليّة للفتوى من سائر الجهات، فلا دليل على تحريم إخباره عن نظره وفتواه؛ فإنّه ليس بكذب، فيصدق على إفتائه هذا أنّه ممّا أذن اﷲ به، فإن كان ما أفتى به حسب اجتهاده هو حكم اﷲ تعالى، فقد قضى بالحقّ وهو يعلم، فليس هناك افتراء على اﷲ في فتواه هذه. وإنّما الكلام في أنّه هل يصدق عليه أنّه إغراء للجاهل، ولكن قد عرفنا أنّه في هذه الحالة لا إغراء، وبخاصّةٍ إذا كان يرى نفسه أعلم.
وأمّا الأمر الثاني:
وهو حرمة تصدّيه للقضاء، فالظاهر أنّه من الأحكام المتّفق عليها عند الأصحاب، وقد استدلّوا له برواياتٍ عدّة، استفادوا منها أنّه من المناصب المختصّة بالمعصوم، فلا يجوز لأحد التصدّي له إلّا بإذنه.
منها: رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اﷲ قال: <قال أمير المؤمنين لشريح: يا شريح! قد جلسْتَ مجلساً لا يجلسه إلّا نبيٌّ أو وصيّ نبيٍّ أو شقيّ>( ).
ومنها: صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اﷲ قال: <اتّقوا الحكومة؛ فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبيٍّ أو وصيّ نبيّ>( ).
ولكن لم يظهر من هاتين الروايتين أنّه لا يجوز القضاء، إلّا مع الإذن وإنّما ظهر منهما أنّه لا يجوز لأحدٍ أن يحكم مع وجود المعصوم، فولاية القضاء لم تثبت لغيره في عرضه.
نعم، ورد في صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال عن أبي عبد اﷲ قال: <إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه>( )، فهي تدلّ على أنّ أصل جواز القضاء يحتاج إلى جعلٍ من قِبَلهم، فلابدّ للقاضي أن تكون له الأهليّة للقضاء؛ إذ كيف ينصّب الإمام من ليس أهلاً له؟
وهل يشترط فيمن يتصدّى للقضاء أن يكون مجتهداً أم لا؟
المشهور على الأوّل، بل قد يُدّعى عليه الإجماع.
وذهب إلى الثاني صاحب الجواهر( ) مستفيداً من إطلاق جملة من الآيات والروايات التي تقتضي عدم الفرق بين المجتهد وغيره.
أمّا الآيات:
فكقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾( ).
وقوله: ﴿يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ﴾( ).
وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾( ).
فإنّ إطلاق هذه الآيات دالّ على أنّه لا فرق في الحاكم بين أن يكون مجتهداً وبين أن لا يكون كذلك.
ولكن لا يخفى: أنّها ليست في مقام البيان من جميع الجهات، والتي منها كفاية مطلق العالم، بل نراها خاليةً عن ذكر العلم أصلاً، فضلاً عن بيان كيفيّته، بل إنّما هي في مقام البيان من جهة الحكم بالعدل والحقّ وغيرهما.
وأمّا الروايات:
فمنها: ما عن أبي عبد اﷲ: <القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنّة، رجل قضى بجور وهو يعلم، فهو في النّار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم، فهو في النّار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم، فهو في النّار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم، فهو في الجنّة>( ).
والرواية مطلقة؛ لأنّ المراد من العلم فيها هو العلم الذي يحصل له عن اجتهاد أو عن تقليد، وليس في مقام البيان من ناحية أنّ علمه الذي يستند إليه في الحكم يجب أن يكون عن اجتهاد ولا يجوز أن يكون عن تقليد.
ومنها: ما ورد في صحيحة أبي خديجة المتقدّمة، من قوله: <إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا...> الخبر.
ولكنّ الإنصاف: أنّه لا إطلاق لها؛ لأنّها ليست بصدد بيان أنّ العلم الحاصل له لابدّ أن يكون عن اجتهادٍ أو عن تقليد.
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب.
وهي على فرض تسليم ثبوت الإطلاق لها، يقيّد بمقبولة عمر بن حنظلة المتقدّمة مراراً، والصريحة في أنّ القاضي لابدّ أن يكون ناظراً في الحلال والحرام عارفاً بالأحكام <ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ...>( ).
وكذلك التوقيع الشريف بخطّ مولانا صاحب الزمان: <وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اﷲ>( ).

مسألة: يجب على العامّيّ في زمان الفحص عن المجتهد، أو عن الأعلم، أن يحتاط في أعماله في زمان الفحص، بأن يأخذ بأحوط الأقوال حتى يثبت له الاجتهاد أو الأعلميّة لدى من يجب عليه تقليده، لكي يحصل له بذلك الأمن من العقاب؛ إذ بدونه لا يكاد يحصل له ذلك، ولاسيّما بعد أن علم بوجود أحكامٍ إلزاميّة في الشريعة المقدّسة، فلابدّ له من الخروج عن عهدتها، ولا يمكن ذلك إلّا بالاحتياط.
ولكن لا يخفى: أنّ الحكم بإيجاب الاحتياط في زمان الفحص عن المجتهد واضح. وأمّا في زمان الفحص عن الأعلم، فالحكم بإيجابه مشكل، وذلك لما عرفنا من أنّ مسألة جواز الاحتياط، بما أنّها خلافيّة، فلابدّ له من تقليد محتمل الأعلميّة، ومع عدم وجود محتمل الأعلميّة يسقط الحكم بوجوب تقليد الأعلم، فيرجع ـ حينئذٍ ـ إلى الأخذ بأحوط الأقوال.

مسألة: المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف، أو في أموال القصّر، ينعزل إذا مات موكّله.
بل قد يقال: ببطلان ذلك بالإغماء، فضلاً عن الجنون والموت.
فإنّ الوكيل هو الوجود التنزيليّ للموكّل، ومن هنا، تُنسب تصرّفاته إلى موكّله، وإذا كان كذلك، فإذا زال الأصل، فلا محالة: يكون زواله سبباً لزوال الفرع، وإن شئت قُلْتَ: إنّ من مقوّمات الوكيل وجود الموكّل الذي ينزّله منزلة نفسه في التصرّفات التي يجيزها له.
وأمّا إذا جعله منصوباً من قبله، كما إذا نصّبه متولّياً للوقف، أو قيّماً على القُصّر، فإنّه لا تبطل توليته وقيموميّته بموته على الأظهر.
ولابدّ أوّلاً ـ من إحراز أنّ الفقيه تثبت له الولاية مطلقاً في زمان الغيبة لكي يتمكّن من نصب المتولّي والقيّم ونحوهما، وبعد إحراز أنّه يتمكّن من ذلك، تصل النوبة إلى الحديث عن أنّ توليته وقيموميّته هل تبطلان بالموت أم لا؟
بل يمكن أن يقال: إنّ هذا الجعل من الوظائف الراجعة إلى القضاة، كما يستفاد من قوله في المقبولة: <فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً>، وبما أنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة أنّ منصب القضاء منصب نيابيّ، فالأفعال الصادرة منه هي الصادرة عن الإمام؛ إذ هو منصوب من قبله، فمنصوبه منصوب الإمام، وعليه: فلا معنى للتفصيل بين ما إذا قصد تنصيبه عن نفسه، فينعزل بموت الفقيه أو الحاكم، وبين ما لو قصد تنصيبه عن الإمام، فلا ينعزل.
بل يمكن القول: بأنّ الجعل لو كان من قبل المجتهد، فإنّه ينعزل بموته، وأمّا لو كان من قبل اﷲ تعالى فعزله ـ حينئذٍ ـ بحاجةٍ إلى دليل.
فلو جعل شخصاً قيّماً أو متولّياً، ثمّ مات الجاعل، يبقى القيّم والمتولّي على حاله، ما لم يقم الحاكم الجديد بعزلهما، وهذا ما عليه ديدن العرف والعقلاء، وحتى ولاة الجور منهم.
ثمّ لو شككنا في كيفيّة الجعل وأنّه هل كان بنحو النصب حتى يُحكم ببقائه، أم بنحو الإذن والوكالة حتى يحكم بزواله، فهل مقتضى الأصل ـ حينئذٍ ـ هو بقاء سلطنته أم لا؟
الحقّ: أنّ المقام ـ حينئذٍ ـ يندرج في القسم الثاني من استصحاب الكلّي، كما لو كان المستصحب موجوداً في ضمن أحد الفردين الطويل والقصير، فإنّ الأصل ولو لم يكن جارياً في فرد الكلّيّ ومصداقه، إلّا أنّه يمكن جريانه في الكلّيّ نفسه، شريطة أن يكون هو موضوعاً للأثر. ولكن مع ذلك، ففيما نحن فيه، لا يجري الاستصحاب في الكلّيّ ـ أيضاً ـ؛ لعدم وجود أمر متعلّق بالجامع لكي يتأتّى جريان الاستصحاب فيه. هذا مضافاً إلى أنّ هذا الأصل إنّما يجري ـ بناءً على صحّة جريانه ـ فيما لو كان الشكّ من قبيل الشكّ في المقتضي. وأمّا لو قلنا بعدم جريانه هناك، فمن الواضح، أنّه لا يجري هنا ـ أيضاً ـ.
فما قد يقال: من أنّ المقام يكون من قبيل الشكّ في الرافع؛ لأنّ السلطنة بطبعها وذاتها قابلة للبقاء، إلّا أن يزيلها الزائل والرافع.
ففي غير محلّه؛ لإمكان أن يكون القصور في المقتضي بالنسبة إلى مجعوليّة السلطنة، فإنّ مورد الشكّ هو عدم ترتّب الأثر فيما أوقفه الحاكم أو الفقيه.

مسألة: من بقي على تقليد الميت من دون إجازة الحيّ، فهو كمن عمل بلا تقليد؛ لأنّ عمله هذا لم يكن مستنداً إلى حجّة معتبرة، ولا يفيده حجّيّة ما كان يستند إليه سابقاً؛ لسقوطها، ولو كان رأي الحيّ هو البقاء؛ لأنّه لم يقّلده بحسب الفرض. نعم، لو كان جاهلاً بالجهل البسيط أو المركّب، ولم يكن ملتفتاً حين العمل، ولكن جاء عمله مطابقاً للواقع، صحّ، وأمّا إذا لم يوافق عمله الواقع، أو رأى من رأيه حجّة بالفعل، فهو يكون باطلاً، كما اتّضح ممّا قد أسلفناه.

مسألة: الوكيل في الإتيان بعملٍ عن الغير، كما إذا صار وكيلاً عنه في إجراء عقد، أو نائباً عنه للحجّ، فهل يجب عليه العمل بمقتضى تقليد الموكلّ أو تقليد نفسه؟
لا يخفى: أنّ تفريغ ذمّة الغير عمّا اشتغلت به، تارةً: يكون من قبل المتبرّع، وأُخرى: من الوليّ، وثالثةً: من الوصيّ، ورابعةً: من الوكيل. فهذا المفرّغ لذمّة الغير هل يتعيّن عليه أن يأتي بالعمل على حسب ما هو الصحيح عنده، اجتهاداً أو تقليداً، أو على حسب ما هو الصحيح عند من يريد إفراغ ذمّته؟
قد يقال: عليه أن يعمل على ما هو الصحيح عند الموصي والموكلّ والمستأجر؛ فإنّ كلاً من الوصيّ والوكيل والأجير يكون نائباً عن الغير، ووجوداً تنزيليّاً له، والتكليف ـ في حقيقة الأمر ـ متوجّه إلى الغير، فيجب على كلّ واحد من هؤلاء السعي إلى تحقيق العمل الصحيح عند الموصي والموكلّ وأمثالهما، لكي يبرّئ ذمّته ممّا قد انشغلت به من العمل.
نعم، لو كان العمل عباديّاً، وكان الإتيان به على كيفيّةٍ ما باطلاً في نظر الأجير ـ مثلاً ـ، لم تصحّ الإجارة ـ حينئذٍ ـ؛ لعدم تمشّي قصد القربة منه، وعدم قدرته على الإتيان بالعمل العباديّ على هذه الكيفيّة متقرّباً به إلى المولى سبحانه.
وقد يقال ـ في المقابل ـ: بل اللّازم هو رعاية تقليد الوكيل نفسه؛ إذ إنّ إطلاق الوكالة يقتضي جواز عمل الوكيل بنظره، وتطبيق عمل الموكّل عليه، ومجرّد التفات الموكّل إلى الاختلاف غير كافٍ في تقييد إطلاق التوكيل، ففي مقام الإثبات، لا مانع من الأخذ بالإطلاق إذا تمّت مقدّمات الحكمة، ولم يكن هناك قرينة مانعة من الأخذ بالإطلاق، وهكذا الحال بالنسبة إلى الوصيّ والأجير ـ أيضاً ـ.
فما لم تكن هناك قرينة على تقييد العمل بالوصيّة بشخص معيّن، أو على تقييد العمل بالإجارة على طبق نظر مجتهد معيّن، فإنّ مقتضى هذا الإطلاق جواز العمل على حسب تقليد الوصيّ والأجير.
وقد يقال: بلزوم الجمع بين التقليدين؛ لعدم ترجيح أحد الطرفين على الآخر.
ولكنّ الحقّ: هو ما ذكره الاُستاذ الأعظم من التفصيل، بقوله: <فإن كان المتصدّي للتفريغ هو المتبرّع أو الوليّ، كالولد الأكبر، فإذا أراد تفريغ ذمّة والده الميت عن الصلاة والصيام، فلا مناص من أن يفرّغا ذمّة الميت بما هو الصحيح عندهما حتى يسوغ لهما الاجتزاء به في تفريغ ذمّته وجوباً أو استحباباً... إلى أن يقول: وأمّا لو كان المتصدّي للتفريغ هو الوكيل أو الوصيّ، فلا مناص من أن يراعيا الصحيح عند الموصي أو الموكّل>( ).
وبعبارة أُخرى: فإنّ الوكيل أو الوصيّ بما أنّهما يقومان مقام الموكّل والموصي، وليس العمل عملهما، فلابدّ أن يأتيا بالعمل على حسب نظر الموكّل والموصي، إذ هما من يتوجّه التكليف إليهما، وهذا بخلاف الوليّ والمتبرّع؛ فإن التكليف متوجّه إليهما ابتداءً، نعم، لو كان العمل عباديّاً، وكان باطلاً في نظر الأجير، لم تصحّ الإجارة له، ولم يستحقّ الاُجرة.

مسألة: إذا كان البائع مقلّداً لمن يقول بصحّة العقد بالفارسيّة ـ مثلاً ـ، وكان المشتري مقلّداً لمن يقول ببطلانه، فلو أجرى العقد بالفارسيّة وقع باطلاً، فالعقد إمّا أن يقع على النحو الصحيح عند المتعاقدين معاً، وإلّا كان فاسداً.
في المسألة قولان:
أوّلهما: هو البطلان بالنسبة إلى كلٍّ من المتعاملين؛ لأنّ المعاملة هي المعاقدة بين الالتزامين، فتكون ـ لا محالة ـ قائمةً بالطرفين، فلابدّ من صحّتها عند الطرفين معاً.
والثاني: الصحّة؛ لأنّها لمّا كانت قائمةً بالطرفين، فإذا كانت صحيحةً بالإضافة إلى أحد الطرفين، دلّ ذلك بالدلالة الالتزاميّة على صحّتها بالنسبة إلى الطرف الآخر أيضاً.
ولكنّ الحقّ: أنّهما وإن كانا متلازمين بحسب الواقع، ولكنّ ذلك لا يوجب تلازمهما بحسب الظاهر، فالتفكيك بينهما ممكن بناءً على أن الطريقيّة في باب الأمارات، دون السببيّة. فإذا قامت الحجّة على الصحّة عند أحدهما، فيكون العقد المزبور صحيحاً بالنسبة إليه، وفاسداً بالنسبة إلى الآخر.
وأمّا لو قلنا بالسببيّة، فلابدّ من الالتزام بالبطلان بالنسبة إلى كلا الطرفين؛ لانقلاب الواقع إلى مؤدّى الأمارة بناءً على هذا القول، فلو دلّت الأمارة عند أحدهما على الصحّة، وكان الحكم في الواقع فساداً، تبدّل الفساد إلى الصحّة، ولم يمكن ـ حينئذٍ ـ أن يجتمع الحكم بالصحّة في أحد الطرفين مع الحكم بالفساد في الطرف الآخر؛ إذ ليس هناك ـ حينئذٍ ـ حكم ظاهريّ ليمكن التفكيك بين المتعاملين بحسب الصحّة والفساد، والحكم بالصحّة ـ مثلاً ـ في أحد الطرفين واقعاً لا يجتمع مع الحكم بالفساد واقعاً في الطرف الآخر، كما هو أوضح من أن يخفى.

مسألة: في باب المرافعات، هل يكون اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعي أو المدّعى عليه، أم أنّه لابدّ من الرجوع في ذلك إلى الأعلم؟
قد يقال: هو اختيار المدّعي؛ لأنّه هو الذي يطالب بالحقّ، فلو رفع أمره إلى الحاكم، وجبت على المنكر الإجابة، وأمّا لو رفع المنكر أوّلاً أمره إلى الحاكم، فلا يجب على المدّعي الإجابة؛ إذ المدّعي هو المطالب بالحقّ، ولا حقّ لغيره.
ولكنّه غير تامّ؛ لأنّ الحقّ المزعوم أنّه ثابت للمدّعي، إن كان المراد به الحقّ المدّعى به، فهو أوّل الكلام، وإن كان المراد به حقّ الدعوى، فهو لا يوجب تقديم ما اختاره.
وكيف كان، فالصور في المسألة أربع؛ لأنّ الحاكمين إمّا أن يتساويا في العلم، أو أن يكون أحدهما أعلم من الآخر. وعلى كلٍّ من التقديرين: فإمّا أن يكون أحد الخصمين مدّعياً والآخر منكراً، وإمّا أن يكون كلاهما متداعيين.
أمّا إذا كان الحاكمان متساويين في العلم، وكان أحد الخصمين مدّعياً والآخر منكراً، فالحقّ: أنّ اختيار التعيين يكون بيد المدّعي؛ لما ذكرناه من أنّه هو المطالب بالحقّ، وإذا سكت لم يكن هناك نزاع في البين.
وأمّا إذا لم يكن الحاكمان متساويين في الفضيلة، وكان كلّ واحدٍ من الخصمين مدّعياً، لم يكن وجه لتقديم ما اختاره أحدهما دون الآخر.
وأمّا إذا كان أحد الحاكمين أعلم من الآخر، فالمشهور لزوم اختيار الأعلم والرجوع إليه مطلقاً، سواء كانا متداعيين أو كان أحدهما مدّعياً والآخر منكراً، لما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة المتقدّمة من قوله: <فإن كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم، فقال: الحكم ما حَكَم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما>.
هذا، ولكنّ موردها صورة اختلاف الحكمين، والتعدّي إلى مورد البحث يحتاج إلى دليل، ولكنّ مقتضى صدر الرواية هو الإطلاق. نعم، لو كانت الشبهة حكميّةً، وقد تعيّن تقليد الأعلم للمتخاصمين، وجب الترافع عنده بناءً على وجوب تقليد الأعلم.

مسألة: حكم الحاكم الجامع للشرائط هل يكون نافذاً حتى بالنسبة إلى مجتهدٍ آخر أم لا؟
الظاهر: أنّه كذلك، بعد أن كان القضاء بمعنى فصل الخصومة، وبعد أن كان ردّه موجباً للغويّة القضاء، مع العلم بأنّ أصل الثبوت وعدم جواز الردّ هو من المرتكزات عند العقلاء، فلا نحتاج في عدم جواز الردّ وعدم جواز نقض الحكم إلى الإجماع.
مضافاً إلى ما ورد من الروايات من أمثال مقبولة ابن حنظلة <فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اﷲ، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على اﷲ، وهو على حدّ الشرك باﷲ>.
ومقتضى إطلاق هذه المقبولة وغيرها من الروايات، هو عدم جواز الردّ مطلقاً حتى مع العلم بالخلاف، ولكن سيأتي أنّه في بعض الصور، التي منها: صورة العلم بالخلاف، يجوز ردّه.
وكيف كان، فما هو الفرق بين الفتوى والحكم حتى يجوز نقض الأوّل دون الثاني؟
أمّا الفتوى فيراد بها ـ كما في الجواهر ـ <الإخبار عن اﷲ تعالى بحكم شرعيٍّ متعلّقٍ بكلّيّ، كالقول بنجاسة ملاقي البول أوالخمر>.
وأمّا الحكم <فهو إنشاء إنفاذٍ من الحاكم، لا منه تعالى، لحكم شرعيٍّ أو وضعيّ أو موضوعهما في شيء مخصوص>( ).
وبالجملة: فالذي يظهر من الروايات أنّ اعتبار حكم الحاكم إذا كان صادراً عن الميزان الصحيح، ليس من باب أنّه أمارة على الواقع كالفتوى، بل إنّما هو لأجل أنّ له موضوعيّة في فصل الخصومات وحلّ المرافعات.
فإذا عرفت هذا، فهل يجوز نقض حكم الحاكم أم لا؟
فنقول: إنّ حكم الحاكم:
تارةً: يكون معلوم المطابقة للواقع، فلا إشكال ـ حينئذٍ ـ في وجوب متابعته وحرمة نقض هذا الحكم.
وأُخرى: يكون معلوم المخالفة له، وقد أشرنا إلى خروج هذه الصورة عن الإطلاق، وأنّه يجوز ردّ حكمه والحالة هذه؛ لأنّ هذا الحكم، وإن كان له موضوعيّة في المرافعات، إلّا أنّه لا يغيّر الواقع عمّا هو، بل الواقع باقٍ على حاله، فقد يكون هذا الحكم مطابقاً له، وقد يكون مخالفاً له، كما دلّ على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اﷲ قال: <قال رسول اﷲ: إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً، فإنّما قطعت له به قطعة من النّار>( ). فإنّها صريحة في بقاء الحكم الواقعيّ على حاله، وعدم كون حكم الحاكم مغيّراً للواقع.
وثالثةً: لا يعلم بالمخالفة والموافقة، وحينئذٍ: فمقتضى الإطلاق هو عدم جواز نقض حكمه، والقضاء ـ كما أشرنا ـ إنّما هو بمعنى فصل الخصومات، فلو جاز ردّه؛ لاختلّ النظام وبقيت الخصومة والنزاع.
ورابعةً: يظهر بطلان الاجتهاد الأوّل لقصور وتساهل، كما إذا علم بأنّه عمل بالعامّ قبل أن يفحص عن المخصّص تساهلاً، فمقتضى الأصل هو عدم حرمة الردّ ونقض الحكم؛ لأنّه في الواقع ليس بحكم إلهيّ، ولا يصدق الحكم على إنشاء مثل هذا الشخص بعد أن لم يكن قد عمل بما هو وظيفته في إصدار الحكم.
كما يجوز نقض الحكم، إذا كان الحاكم قد اعتمد على بيّنةٍ غير عادلة مع اعتقاد عدالتها، ثمّ انكشف العدم، فإنّ هذا التهاون يؤدّي إلى بطلان الحكم الصادر منه في هذا المورد، وكذا لو كان قد اعتمد على روايةٍ يعتقد ظهورها في الحكم، وهي غير ظاهرةٍ فيه عند الحاكم الآخر، فهذا الحكم وإن كان صادراً عن الحاكم الجامع للشرائط، وعن مبادئ مشروعة، واجتهاد صحيح، وكان طريقاً إلى الواقع، إلّا أنّه يسقط عن الطريقيّة عند العلم بوقوع خطأ في طريقه ومبادئه، تماماً كما يسقط عن الطريقيّة عند العلم بمخالفته للواقع.
اللّهمّ إلّا أن يقال بأنّ قوله: <فإذا حكم بحكمنا>، يُراد منه أنّ الحكم هو ما يكون بنظر المجتهد والقاضي حكم اﷲ، وليس هو الحكم الواقعيّ. فيكون الإطلاق شاملاً حتى لمورد العلم بالخطأ في مبادئه.

مسألة: إذا عرضت للمكلّف مسألة لا يعلم حكمها، ولم يكن من هو أهل للفتوى حاضراً، فلابدّ من تأخير الواقعة وعدم العمل بها حتى يسأل، إلّا إذا تمكّن من الاحتياط، فإنّه لا يجب عليه التأخير حينئذٍ، بل يعمل بالاحتياط الذي هو في عرض الاجتهاد و التقليد.
كما أنّه مع وجود غير الأعلم، وعدم العلم بالمخالفة، والتمكّن من الرجوع إليه، يعمل بقوله.
وأمّا إذا علم بالمخالفة الإجماليّة في المسائل المبتلى بها يلزمه الرجوع إلى الأعلم أو الاحتياط، وان لم يمكن ذلك رجع إلى مجتهدٍ آخر، الأعلم فالأعلم؛ تمسّكاً بالسيرة العقلائيّة. فإن لم يتمكّن حتى من الرجوع إلى غير الأعلم، ولا إلى رسالته، كان عليه العمل بقول المشهور.
والمدرك في ذلك إنّما هو دليل الانسداد الصغير، والفرق بينه وبين الانسداد الكبير أنّه إنّما يجري في مورد الأحكام الكلّيّة، وأمّا الانسداد الصغير فهو يجري في الموارد الخاصّة، وأمّا مقدّماته الأربع، فهي تجري في كلا الانسدادين، ومعه: فلابدّ له أن يعمل بالظنّ عند تعذّر الاحتياط، وأوّل مراتب الظنّ هو قول المشهور فإنّه أقرب إلى الواقع من القول النادر.
ولكنّ العامّيّ إذا عمل بقول المشهور، ثمّ انكشف بعد ذلك له مخالفته لرأي المجتهد الفعليّ الذي كان عليه أن يقلّده، فلابدّ له من الإعادة والقضاء، بلا فرق بين فقد جزء أو شرط أو ركن من الأركان؛ لأنّه يصدق على ما أتى به أنّه غير مطابق للواقع.
إلّا أنّ وجوب الإعادة إنّما يثبت إذا قلنا بأنّ نتيجة الانسداد هي حجّيّة الظنّ من باب الحكومة، فالعقل ـ حينئذٍ ـ يحكم بعدم الإجزاء، وكذا إذا قلنا بالكشف، وقلنا بأنّ الأحكام الظاهريّة غير مجزية، وأمّا بناءً على أنّ الأحكام الظاهريّة توجب الإجزاء فلا موجب للإعادة.

مسألة: إذا قلّد مجتهداً، ثمّ مات فرجع إلى تقليد غيره، ثمّ مات، فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت، فهل يبقى على تقليد المجتهد الأوّل أو الثاني؟
الظاهر هو الثاني؛ وذلك لانقطاع تقليده الأوّل بعد الرجوع إلى الثاني، مع عدم كون الرجوع إليه بمنزلة البقاء على تقليد الميت، بل هو بمنزلة التقليد الابتدائيّ.
وفي المسألة صور، فإنّه تارةً يكون المجتهد الأوّل أعلم، وأُخرى يكون الأعلم هو المجتهد الثاني، وثالثةً يكون الحيّ هو الأعلم. والكلام تارةً في صورة العلم بالمخالفة، وأُخرى في صورة عدم العلم بها. ثمّ إنّ كلّاً من الثلاثة تارةً يقول بوجوب البقاء، وأُخرى بالجواز، وثالثةً بالحرمة.
أمّا إذا أفتى المجتهد الحيّ بوجوب البقاء، كان عليه البقاء على تقليد المجتهد الأوّل إذا علم بالمخالفة في الفتوى بين المجتهد الأوّل والثاني، وكان المجتهد الأوّل أعلم؛ لأنّ فتوى الحيّ كما تكون حجّة بالنسبة إلى الوقائع اللّاحقة، فهي كذلك حجّة بالنسبة إلى الوقائع السابقة، وإنّما عدل إلى المجتهد الثاني لعدم كونه يرى جواز البقاء، فكان معذوراً في عدوله، ولكن حيث لم تكن هذه الفتوى حجّةً في نظر المجتهد الحيّ حدوثاً، فكيف يعقل أن تكون حجّةً بقاءً، أي: بعد موته؟!
وأمّا مع عدم العلم بالمخالفة بينهما، فيجوز له أن يبقى على تقليد أيّ واحدٍ منهما يشاء.
وهكذا الحال بالنسبة إلى المجتهد الحيّ مع العلم بالمخالفة، فلا إشكال في وجوب البقاء إذا كان المجتهد الأوّل هو الأعلم، وأمّا إذا كان المجتهد الثاني أعلم، وعلم بالمخالفة بينه وبين المجتهد الأوّل، وجب البقاء على تقليد المجتهد الثاني، خصوصاً إذا كان أعلم من الحيّ ـ أيضاً ـ.
وأمّا في صورة عدم العلم بالمخالفة يجوز له البقاء على تقليد الأوّل أو الثاني. وأمّا إذا كان الأعلم هو الحي، فيجب الرجوع إليه مع العلم بالمخالفة، وإلّا، يجوز له البقاء أو العدول إلى الحيّ، كما إذا كان المجتهد الأوّل أو الثاني متساويين في الفضيلة وغير متخالفين في الفتوى، وحكم الحيّ بوجوب البقاء.
وأمّا لو كانا متخالفين في الفتوى فيجب عليه الاحتياط؛ لأنّ الأدلّة لاتشمل المتعارضين.
وهكذا لو كان المجتهد الحيّ مساوياً في الفضيلة للمجتهد الأوّل، وكان الأوّل أعلم من الثاني، ففي هذه الصورة ـ أيضاً ـ لابدّ من الاحتياط.

مسألة: في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوىً، فللمقلّد أن يعمل بها، كما له أن يرجع إلى غيره، الأعلم فالأعلم.
أمّا جواز الرجوع إلى غيره، فلأنّ الأعلم جاهل بالحكم في مورد الاحتياط، فيكون الرجوع إلى غيره من باب الرجوع إلى الأعلم، لا من باب الرجوع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم.
وأمّا جواز العمل بالاحتياط، فبناءً على أنّ الامتثال الإجماليّ جائز حتى مع التمكّن من الامتثال التفصيليّ، وإلّا، كان لابدّ له إمّا أن يعمل باحتياطاته، وإمّا أن يرجع إلى الأعلم من بعده.
وأمّا لزوم الرجوع بعده إلى الأعلم فالأعلم، فهو إنّما يثبت في صورة العلم بالمخالفة بين الأعلم فالأعلم، كما مرّ سابقاً، وأمّا إذا كان المجتهد الأعلم الثاني ـ أيضاً ـ قائلاً بالاحتياط، فلابدّ من الرجوع إلى الأعلم بعده.

مسألة: الاحتياط المذكور في الرسالة العمليّة تارةً يكون استحبابيّاً، كما إذا كان مسبوقاً بالفتوى، كما يقال ـ مثلاً ـ: <الأقوى كفاية التسبيحة الواحدة وإن كان الأحوط الإتيان بالثلاث>، أو كان مسبوقاً بالاحتياط، كما يقال: <الأحوط قراءة السورة وإن كان الأقوى عدم وجوبها>. وأُخرى يكون وجوبيّاً، وهو ما لم يكن معه فتوى، ويسمّى ﺑ <الاحتياط المطلق>. وفيه يتخيّر المقلّد بين أن يعمل به وبين أن يرجع إلى مجتهد آخر.
وأمّا في صورة سبق الفتوى، أو سبق الاحتياط، فلا يجب العمل بالاحتياط؛ لأنّه استحبابيّ، ولا يجوز الرجوع إلى الغير، لأنّه مع وجود فتوىً للأعلم، وهي حجّة متعيّنة، لا يجوز له الرجوع إلى غير الأعلم، ولو كان موافقاً للاحتياط؛ لأنّ قوله ـ والحال هذه ـ ليس بحجّة، فيكون من باب الاستناد إلى ما ليس بحجّة شرعاً.
إلّا أن يقال: بأنّ فتواه إذا كانت موافقةً للاحتياط، فيكون عمله في الواقع عملاً بالاحتياط، ولذا يمكن القول بأنّه بناءً على جواز الامتثال الإجماليّ مع التمكّن من الامتثال التفصيليّ فيكون مخيّراً بين العمل بفتوى المجتهد وبين الاحتياط، كما مرّ.

مسألة: لا يخفى: أنّ تشخيص موارد الاحتياط عسر؛ لأنّ الاحتياط إنّما يكون حسناً في نفسه في حقّ من كان عارفاً بموارده، متمكّناً من تشخيصها.
وفي موارد الاحتياط نقول:
الاحتياط قد يكون بالإتيان بالفعل، وقد يكون بالترك، وقد يكون بالجمع بين الفعل والترك، كما إذا تردّد الدم بين الحيض والاستحاضة، فتجمع الحائض بين تروك الحيض وأفعال الاستحاضة، وقد يكون بالجمع بين الأمرين أو الاُمور، كدوران الأمر بين الظهر والجمعة، أو تردّد القبلة إلى جهتين أو أكثر، وقد يكون بترك الأمرين، كما في مورد الخنثى؛ فإنّ الأحوط له ترك اللّباس المختصّ بالرجال أو المختصّ بالنساء، بل قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط، مثلاً: الأحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر من جهة اختلافهم في كونه رافعاً للحدث أم لا، فحينئذٍ: يكون الاحتياط في ترك الوضوء بهذا الماء، فلو فرض أنّ الماء كان منحصراً به فالأحوط الوضوء به. وقد يتعارض الاحتياطان، وفي هذه الحالة، لابدّ من إحراز الأهمّ منهما، والعمل به وترك المهمّ.

مسألة: هل يجوز التقليد في اُصول الدين، بأن يأخذ بقول الغير في الاُصول بلا دليلٍ ـ أيضاً ـ، كما يجوز ذلك في فروع الدين، أم لا؟
أمّا في فروع الدين، فالتقليد لازم على العوامّ باتّفاق العلماء؛ لأنّ استنباط الأحكام الشرعيّة يحتاج إلى مقدّمات كثيرة، وهو عسر على عامّة الناس، والاحتياط ـ أيضاً ـ عسر كما بيّنّا؛ لعدم القدرة على معرفة موارده غالباً، بل حتى لو كان ممكناً، وقلنا بوجوبه لكلّ أحد، يلزم اختلال النظام، ولذلك يحكم العقل على كلّ من له صنعة يستقلّ بها كسب اُمور معاشه، بأنّ عليه أن يرجع إلى المجتهد الجامع للشرائط ليعمل حسب رأيه، كما أشار إلى ذلك سبحانه وتعالى في قوله: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لــّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلــِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾( ).
وأمّا التقليد في اُصول الدين:
فقد يقال: بعدم جوازه، بل قد يُدّعى عليه الإجماع.
ولكن قد ذكرنا مراراً أنّه ليس بحجّة، وعلى تقدير حجّيّته في المسائل الفرعيّة إذا كان كاشفاً عن قول المعصوم، فلا دليل على حجّيّة مثل هذا الإجماع في الاُمور العقليّة والاُصول الاعتقاديّة. هذا. مضافاً إلى أنّ المسألة خلافيّة، وفيها أقوال كثيرة.
وقد يقال: إنّ اﷲ تبارك وتعالى قد ذمّ التقليد في اُصول الدين بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾( ).
ولكن يُجاب عنه: بأنّ اﷲ تعالى إنّما ذمّ في القرآن الكريم قبول قول الغير تعبّداً من دون حصول يقين، والكفّار لم يكن يحصل لهم اليقين، ولا كانوا يعتمدون على الأدلّة والبراهين، بل كانوا يكتفون بالمظنّة والخيالات، كما تشير إليه الآية المباركة: ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾( ).
ومن هنا، فلو حصل للعوامّ الذين يتعلّمون اُصول دينهم من كلام العلماء والمتديّنين الذين لهم كمال الوثوق بقولهم، ولا يحتملون منهم الكذب في اُمور دينهم، لو حصل لهم يقين بقولهم، كان كافياً.
وأمّا ما قد يقال: من أنّ اليقين بالمعارف لا يمكن أن يحصل بالتقليد، فمحلّ تأمّل؛ فإنّ حصول المعارف الحقّة كما قد يأتي من النظر والاستدلال، فكذلك قد يأتي من ناحية التقليد أيضاً.
فإن قلت: المعرفة الحاصلة من التقليد تزول بالشكّ، وأمّا المعرفة الحاصلة من النظر والاستدلال، فلا تزول به.
قلت: ليس ذلك مسلّماً على إطلاقه، بل المعرفة بالنظر والاستدلال ـ أيضاً ـ ممّا يمكن أن تزول بالتشكيك. وعلى فرض التنزّل، فما دام اليقين باقياً، فهو كافٍ. نعم، لو زال اليقين بسبب شبهة أُلقيت من قبل المعاندين وأعداء الدين، كان لابدّ له من الرجوع إلى أهل الخبرة حتى يحصل له اليقين عن طريق البرهان والاستدلال.
وكذلك لا يجري التقليد في مسائل اُصول الفقه؛ لخروجها عن محلّ الابتلاء بالنسبة إلى العامّيّ، وعلى فرض كونها محلّ الابتلاء فلا ثمرة لها، وما قيل أو يقال: من أنّه تظهر ثمرة لذلك بالنذر، فمندفع بأنّ متعلّق النذر لابدّ وأن يكون راجحاً.
فإن قلت: كيف حكمتم بأنّه لا يجوز التقليد في المسائل الاُصوليّة، مع قولهم بجوازه بالنسبة إلى مسألة أصل التقليد، أو مسألة تقليد الأعلم.
قلنا: بل هذه من المسائل الفرعيّة، لا الاُصوليّة؛ لعدم وقوعها في طريق استنباط الأحكام، أي: لعدم وقوعها حدّ أوسط لإثبات الحكم الكلّيّ الإلهيّ.
ثمّ هل يجوز التقليد في مبادئ الاستنباط، كعلوم العربيّة والمنطق وغيرها أم لا؟ بل لا يكفي أن يقلّد في علم النحو نحويّاً خاصّاً، وفي علم المنطق منطقيّاً كذلك، وهكذا، بل لابدّ له من تحصيل العلم بذلك، ولو بمراجعة كتبهم؛ وذلك لأنّ أدلّة التقليد قاصرة عن شمولها لأمثال ذلك.
ولكن يمكن أن يقال: بأنّ عدم جواز التقليد إنّما يكون في كلّيّاتها التي تقع في طريق استنباط الحكم الكلّيّ؛ لخروجها عن محلّ ابتلاء العامّيّ، وأمّا ما يقع في مقام تشخيص الماُمور به وتمييزه عن غيره، كالمسائل التي لها علاقة بتصحيح الأذان والأقامة وصيغ العقود والإيقاعات وأمثال ذلك، من قبيل: مسائل الإدغام والمدّ والوقف وغيرها، وكان غير متمكّن من تحصيلها بنفسه، فيجوز له فيها أن يكون مقلّداً لمن أهل الخبرة في هذا المجال.

مسألة: هل يجوز التقليد في الموضوعات المستنبطة العرفيّة أو اللّغويّة أم لا؟
تنقسم الموضوعات الشرعيّة إلى قسمين:
قسم يُسمّى بالموضوعات المستنبطة، وهي ما يكون مفهومها غير واضح بذاتها وحدودها، بل تحتاج إلى إعمال فكر ونظر، بلا فرقٍ بين أن تكون عرفيّة، كالغناء والآنية، أو لغويّةً كالصعيد، أو من المخترعات الشرعيّة ـ بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعيّة ـ. وهذا القسم يمكن فيه التقليد.
وقسم يُسَمّى بالموضوعات الصرفة، وهي ما يكون مفهومها واضحاً، وحيث إنّها لا تحتاج إلى الاجتهاد وإعمال النظر، فلا تكون بحاجة إلى تقليد.
والسرّ في الحكم بجواز التقليد في القسم الأوّل دون الثاني: أنّ الموضوعات المستنبطة لها جهتان وحيثيّتان، فإنّها من حيث استتباعها للأحكام الشرعيّة يكون مرجعها إلى الشارع، ومن حيث أنفسها يكون بيانها موكولاً إلى العرف إن كانت عرفيّة، أو اللّغة إن كانت لغويّة. وأمّا القسم الثاني، فلما بيّنّاه من كونه واضحاً حتى عند العامّيّ، فيستغني عن التقليد.

مسألة: هل يجوز للمقلّد إجراء أصالة البراءة أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكميّة أم لا؟ وهل يجوز ذلك في الشبهات الموضوعيّة أم لا؟
أمّا الشبهة الحكميّة، وكذا ما يكون ملحقاً بها ـ وهي المسمّاة بالشبهة المصداقية، كما لو كان عندك إناء فيه ماء، فصببت فيه التراب تدريجاً، إلى أن شككت في أنّ ما فيه هل هو ماء أم وحل، فإنّها ليست بحكميّة، لعدم وجود ملاك الحكميّة فيها، وهو فقدان النصّ أو إجماله أو تعارض النصّين، وليست موضوعيّةً أيضاً؛ لعدم توفّر ما هو معيار الشبهة الموضوعيّة فيها، وهو التردّد في الموضوعات الخارجيّة.
ولكن مع ذلك فحكمها حكم الشبهة الحكميّة ـ فلا يمكن للعامّيّ إجراء الاُصول فيها؛ وذلك لأنّ جريانها مشروط بإعمال الفحص، والعامّيّ عاجز عنه، والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه.
وأمّا الشبهة الموضوعيّة، فحيث إنّ إجراء الاُصول فيها ليس مشروطاً بالفحص، فيجوز له إجراء الأصل إذا كان قد قلّد من يجيز إجراءها، ثمّ على فرض أنّها بحاجةٍ إلى الفحص ـ أيضاً ـ، فهو متمكّن من ذلك؛ لأنّ منشأ الشكّ في الشبهة الموضوعيّة كما عرفنا هو التردّد في الاُمور الخارجيّة، فهو ـ مثلاً ـ قادر على حساب ما يملكه عند الشكّ في حصول الاستطاعة له.

مسألة: المجتهد غير العادل، أو مجهول الحال، لا دليل على حجّيّة رأيه، وإن كان موثوقاً به في فتواه، فلا يجوز تقليده بناءً على أنّ العدالة شرط على نحو الموضوعيّة، وأمّا إذا قلنا بأنّها معتبرة على نحو الطريقيّة، كانت فتواه حجّة حينئذٍ؛ لأنّ الفرض هو حصول الوثوق بما يخبره، فجاز الأخذ بقوله وإن لم يكن عادلاً.

مسألة: لابدّ في العمل بفتوى المجتهد من العلم بصحّته، ولا يفيد الظنّ بها، إلّا ما خرج منه بالدليل، كالظنّ الحاصل من البيّنة أو من ظواهر الألفاظ التي هي حجّة بدليل بناء العقلاء، سواء كان من المجتهد نفسه أم من الناقل، وأمّا المكتوب في رسالته العمليّة، فيكون حجّة بناءً على خروجها عن حرمة العمل بالظنّ، بتقريب: أنّ الخطّ نفس اللّفظ بنظر العقلاء، وهم لا يفرّقون بينهما، وإلّا، فالعمل بها مشكل.

والحمد ﷲ أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً...
ونحمده على ما وفّقنا به من إتمام هذه الدورة الاُصوليّة، ونسأله أن يجعل هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم، والصلاة على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.