امتيازات الاسم الشريف

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

لا يخفى بأنّ الاسم الشريف قد امتاز عن غيره بأمور :

1 ـ إنّه أشهر الأسماء .
2 ـ إنّه أعلى محلاًّ في القرآن .
3 ـ إنّه جعل أمام سائر أسمائه جلّ وعلا .
4 ـ إنّه خصّت به كلمة الإخلاص .
5 ـ قد وقعت به الشهادة .
6 ـ إنّه علَم للذات المقدسة الجامعة لجميع الصفات العليا والأسماء الحسنى ، وغير مشتق من شيء ولا يجوز إطلاقه على غيره حقيقة ولا مجازاً كما مرَّ .
قال تعالى : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) ([1]) ، قيل بمعنى مثلاً وشبيهاً ، وإنّما قيل للمثل سميّ، لأنّ كل متشابه لآخر يسمى سمياً لصاحبه. والحق أنّه لا نعلم ولا يُعلم مَن يسمى بهذا الاسم غير الله تبارك وتعالى، حتى الكفرة والملحدون لم يسمّوا آلهتهم بهذا الاسم لانصراف أفكارهم عن هذا . نعم يسمونها باسم الإله وهذا الانصراف يكون من قِبله جلّ وعلا .
7 ـ إنّ هذا الاسم المقدس دال على الذات المقدسة الموصوفة بجميع الكمالات ، وباقي الأسماء لا تدلّ آحادها إلاّ على آحاد المعاني، كالقادر الدال على أنّ له القدرة وأمّا إذا وصف الله تعالى به، فباعتبار نفي العجز عنه فيما يشاء وما يريد ، ومحال أن يوصف بالقدرة المطلقة غيره جلّ وعلا . وإن أُطلق القادر على غيره فقدرته منحصرة على بعض الأشياء .
والعالِم على العلم ومعنى أنّه عالِم أي لا يجهل شيئاً، بل هو عالِم بكل معلوم على ما هو عليه يكون واجباً أو ممكناً أو ممتنعاً أو كلياً أو جزئياً بعدما كانت نسبة ذاته إلى جميع الممكنات بالسوية كما مرّ ، أو فعل منسوب إلى الذات مثل قولنا : «الرحمن» فإنّه اسم للذات مع اعتبار الرحمة كالرحيم والعليم (الخالق) اسم للذات باعتبار خلقه للأشياء وكل واحد من هذه هو اسم للذات مع اعتبار وصف وجودي خارجي (القدوس) اسم للذات. مع وصف سلبي (أعني التقديس) الذي هو التطهير من النقائص. والباقي اسم للذات مع نسبته وإضافة ـ أعني البقاء ـ وهو بين نسبة الوجود والأزمنة إذ هو مستمر الوجود في جميع الأزمنة . وبعبارة أخرى هو ما لا ينتهي وجوده في المستقبل بل يبقى أبدياً، والأبدي بمعنى المستمر في جيمع الأزمنة والأزلي هو القديم أي الذي يقارن وجوده جميع الأزمنة المحققة والمقدّرة. ومقابله الديمومي وهو الذي يكون في المستقبل والأزلي يكون في الماضي .
8 ـ إنّه اسم غير صفة بخلاف سائر أسمائه فإنّها تقع صفات ، أمّا أنّه اسم غير صفة لأنّك تصفه ولا يوصف به فنقول : إله واحد ولا نقول شيء إله . وأما وقوع ما عداه من أسمائه الحسنى صفات لأنّك تقول شيء قادرٌ حيٌّ إلى غير ذلك .
9 ـ إنّ جميع أسمائه الحسنى تسمّى بهذا الاسم ولا يتسمى هو بشيء منها فلا يقال الله اسم من أسماء الصبور والرحيم والشكور ولكن يقال إنّ الصبور من أسماء الله .
الفصل الثاني
الإيمان بالله
بعدما ذكرنا فوائد الإيمان، وأنّه ضروري من ضروريات الدين، فلا بأس بذكر بعض الأدلة على نحو الاختصار.
الأوّل : لا يخفى أنّ الإيمان بوجود الله تعالى فطري في النفس الإنسانية . وحيث يتفكر الإنسان في وجود الأشياء، يرى أنّ كل ما وجد في الكون لابدّ له من علة توجده، وصانع يصنعه. وحيثما ينظر الإنسان إلى الكون المنظّم ويستعرض ما فيه من الكائنات المنتظمة، يحصل له العلم الضروري بأنّ هذه الكائنات لم تُخلَق صدفة .
وبعبارة أخرى يمكن الاستدلال بحاجة النظام إلى المنظم، فالكتب المجعولة في رفوف المكتبة منظمة، لاحتوائها على شرطية التنظيم ، وأما الكتب والأوراق المبعثرة في نفس الغرفة لا تصدق بأنّها منظمة ، وبعد أن عرفت بأنّ النظام بمعنى ترتيب الأشياء لفائدة مهمة خاصة ، فالترتيب النظامي لا يجوز فيه الصدفة ، إذاً النظام يحتاج إلى منظِّم ولابدّ أن يكون عاقلاً مدركاً كي يتمكن من وضع كل شيء في محله، وكي يدرك بين ما ينظمه، والمهمة التي تترتب عليه. ومن السفه أن نعتبر المصنوعات الدقيقة أنّها وُجدت صدفة بلا إدراك وعلم للمنظِّم، بل على العكس، لابدّ أن نعترف بأنّ صانعه قد صنعه بدقة، بعد أن نظرنا في الكون وتنظيم ما فيه لابدّ أن ندرك بأنّ له خالقاً مبدعاً خلقه عن علم وإدراك، لا أنّه خُلق صدفة ، بل تكون الفطرة لكل إنسان هو العلم بوجوده. وليس هناك دليل أوضح من نفس وجوده . و إذا تفكّر الإنسان بنفسه وعلِم بأنّه موجود وعلِم بأن أصل وجوده وبقائه ليس باختياره، وهناك تحصل له وهي خارجة عن اختياره فيتوجه حينئذ بأنّ هناك موجوداً آخر يكون وجوده مرتبطاً بوجوده ويرى أنه تحت اختياره . إذاً مع مشاهدة وجوده يرى وجود خالقه. وهذه المشاهدة والمعرفة تكون فطرية له. من عرف نفسه فقد عرف ربه .
وبعدما عرفت حاجة النظام إلى منظِّم إعلم بأنّ هذا الدليل يمتاز على جيمع الأدلة، لأنّه سهل المأخذ ويمكن أن يهتدي إليه العالِم والجاهل، لأنّ كل إنسان له أدنى إدراك فهو يميز بين النظام والفوضى، ويدرك بأنّ النظام يحتاج إلى منظِّم ، فكلّما كان التنظيم أدق، دلّ على ازدياد عقل وعلم منظِّمه ، وقلنا إنّه أسهل لأنّ المستدل بهذا الاستدلال لا يحتاج إلى بيان المصطلحات وتقديم المقدمات كما استدل بها المحققون من الفلاسفة بالإمكان والحدوث وغيرهما . ولذا اختار القرآن الكريم وكذا المعصومون هذا التنوع من الاستدلال لما فيه من الأهمية وسهولة ما لا يعطيه أيّ نوع آخر من الأدلة .
لا بأس بالإشارة إلى بعض الآيات القرآنية الموجبة لإلفات الأنظار إلى أنّ في الكون أنظمة، إذاً لابدّ أن يكون لها منظِّم ، منها قوله تعالى : (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيْلاً مَا تَشْكُرُوْنَ) ([2]) . فإنّا إذا أردنا النظر إلى السمع ووظيفته وتنظيم أجزائه فيحتاج إلى مؤلَّف كبير ، فبعدما كان وضيفة السمع هو إدراك الأصوات ويميّز بين جميلها وقبيحها ، وبعبارة أخرى فإنّ لهذه الحاسة دورها الجسيم بتطويرها الفكري بحيث يتمكن بها درك الكلام، بل يكون من أهم الوسائل حيث يتم بها التفهيم والتفهّم بين المتكلم والمخاطب .
إذاً لابدّ له من تنظيم خاص حتى يؤدي وظيفته بأحسن ما يرام ، وهذا يدل على أنّ هناك منظِّماً ينظّم أجزاءه ، وهكذا بقية الجوارح بعد أن تكون لكل منها وظائف خاصة .
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَة مِنْ طِيْن . ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِيْن . ثُمّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضَغَةَ عِظَامَاً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقَاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِيْنَ) ([3]) .
(خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا وَأ لْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة وَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأ نْبَـتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج كَرِيم هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلال مُبِين) ([4]) .
(خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَل مُسَمّىً ألا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأ نْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأ نْعَامِ ثَمَانِيَةَ أزْوَاج يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ اُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاث ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأ نَّى تُصْرَفُونَ) ([5]) .
(وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إذَا أ نْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ أزْوَاجاً لِتَسْكُـنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَـيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أ لْسِنَتِكُمْ وَأ لْوَانِكُمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُـنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ) ([6]) .
وغيرها من الآيات .
وقد عرفت من تنظيم العالم كما أشارت إليه الآيات وأنّه يخضع لقوانين، فمتى حصلت وجد طبقاً للقوانين والأنظمة المعدّة له وليس بصدفة بحيث لا تخضع لأيّ قانون بل يحتاج في إيجاده وإيجاد شروط وجوده إلى منظِّم عاقل مدرك حيث يرتبط وجوده به ابتداءً واستدامة وهوالعلّة الأولى الغنية عن كل علة وهوالله جلّ وعلا .
وقد أشار أمير المؤمنين صلوت الله وسلامه عليه إلى هذا الدليل بقوله : «لو فكّروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة والبصائر مدخولة ، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه وخلق له السمع والبصر وسوّى له العظم والبشر . انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر كيف دبّت على أرضها، وضنت على رزقها تنقل الحبة إلى جحرها وتدعها في مستقرها تجمع في حرّها لبردها وفي ورودها لصدرها مكفولة برزقها مرزوقة برفقها لا يغفلها المنّان ولا يحرمها الديّان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس .
ولو فكّرت في مجاري أكلها وفي علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجباً ولقيت من وصفها تعباً فتعالى الذي أقامها على قوائمها وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ولم يُعنه في خلقها قادر ، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدلالة إلاّ على أنّ فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كل شيء وغامض اختلاف كل حي وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء كذلك السماء والهواء والرياح والماء ، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا الليل والنهار وتفجر هذه البحار وكثرة هذه الجبال وطول هذه القلال وتفرّق هذه اللغات والألسن المختلفات ، فالويل لمَن جحد المقدِّر وأنكر المدبِّر ، زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع ولا لاختلاف صورهم صانع ولم يلجؤوا إلى حجة فيما ادّعوا ولا تحقيق لما أوعوا وهل يكون بناء من غير بان أو جناية من غير جان» ([7]) .
وقد أملى الإمام الصادق على تلميذه المفضل بن عمر الجعفي الكوفي عديداً من الأنظمة، وما فيها من أسرار وحكم، وعجائب من أجهزة الإنسان والحيوانات والطيور والحشرات والفلك، وما يحصل فيه من تغيّرات، والنباتات وأسرار اختلافها والأمراض وأدويتها ثم الموت والفناء ([8])
ولا يخفى إذا تفكّر الإنسان في هذه الأنظمة ـ بعد أن علم بأنّها تحتاج إلى المنظِّم ـ فسوف لا يتمكّن إحصائها إلاّ موجد الأنظمة .
وهناك أدلة على وجوده تذكر بنحو الاختصار ، منها ما نسب إلى صاحب «صراط الحق» ص104 ـ 111 ، ذكر اثني عشر طريقاً لمعرفته. وهو الموجود في المنظومة والأسفار . ومنها: دليل الإعمار باعتبار أنّ خوارق النواميس على أيدي الأنبياء والأئمة لا يمكن أن يُفسِّر إلاّ بوجود قوة قوية، وبتلك القوة والاستمداد منها يتمكنون على تلك الخوارق. وتلك القوة المطلقة هي الله جلّ شأنه .
بل لابدّ لها من موجِد أوجدها ، وحينما يرى في هذا الكون من نظام متّفق ودقيق وحركة منسقة، وما يتجلى في كل جزء من أجزائه من آثار الحكمة والتدبير فهذه كلها دالة على وجود منظِّم ومبدىء قادر حكيم، قد أعطى كل شيء خلقه وأتقن كل شيء صنعه .
الثاني : حينما ينظر الإنسان إلى الوراء، يرى أنّ اعتقاد الإنسان بخالقه كان اعتقاداً اضطرارياً، وفي ضمنهم الأنبياء. وهم أعقل البشر. فقد اعتقدوا بوجود الله سبحانه وأخبروا بذلك، وقالوا قد كلفنا بتكاليف وأخبروا بوجود حياة أخرى وهناك في تلك الدار نشر وحساب وعقاب وثواب وجنة ونار ، ونحن نرى أنّه لم يكن لهؤلاء وراء ادّعائهم هذا ودعوتهم الناس للاعتقاد بوجود الله كسب أيّ جاه ولا سمعة، أو جلب منفعة. مع أنّهم تحمّلوا في ذلك المصاعب والمتاعب وضحّوا بكل ما لديهم، بل عرّضوا أنفسهم لكل مشكلة وحدث خطير . ونرى أيضاً بأنّ جمهوراً كبيراً من العلماء والفلاسفة ساروا على هذا الدرب ومضوا عليه داعين شعوبهم إلى الإيمان به جلّ وعلا ، بل أصل هذه العقيدة كانت ناشئة قبل حدوث البراهين والأدلة، وحدثت في نفس الإنسان كإحدى المدركات الرئيسية ، نعم قد زادت نمواً في أدوار الحياة ، فالتاريخ يرينا بأنّ الناس حاملون لهذه العقيدة بالفطرة ومعتقدون بالفطرة على وجود قدرة تكون خالقة وحافظة للعالَم ، ولمّا تطوّر الإنسان القديم في مجال الاعتقاد بالله تعالى ، أُثير بعض الشكوك تجاه وجود الخالق، وإرساله له أنبياءه تباعاً مؤيِّدين ما وصل إليه العقل السليم إلى الطريق القويم وأيّدهم بالمعجزات له أي: بما صدر منهم من الأشياء ـ التي كانت فوق مقدور البشر .
الثالث : الكون آية على وجود الله تبارك وتعالى ، لأنّه بعدما مرّ بأنّ الموجودات بأجمعها مظهر من مظاهر الله جلّ وعلا ولذى نرى (جلّ اسمه) يخاطب الإنسان بأن يوجه نظره إلى مَن خلق هذا الكون من سمائه وأرضه ويدعوه إلى التفكّر في أسراره ليقوى إيمانه، ويطرد فلول الشك عن نفسه ، كما وردت آيات كثيرة في القرآن تحث الإنسان على ذلك ، قال تعالى : (قُل انظُرُوا مَاذا فِي السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَن قَوْم لاَ يُؤْمِنُوْنَ) ([9]) ، أي تأمّلوا وتفكّروا لكي تصلوا إلى الحقيقة عن طريق الفكر، وانظروا إلى الدلائل والعجائب من مخلوقات الله كمجاري الأفلاك والبحار حيث لا يختلط حلو مائه بمملوحه، بل إلى جميع ما في الكون من جماد ونبات وإنسان ... الخ . وأيضاً قوله تعالى : (أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوْتِ السَمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيء وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُوْنَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُم فَبِأَيِّ حَدِيْث بَعْدَهُ يُؤْمِنُوْنَ) ([10]) ، أي ألم يتفكروا في مملكة الله الواسعة التي لا يصل تحديدها فكر البشر، ولا يحيط بها نظره، أو لم ينظروا بعين البصيرة إلى أصناف خلقه وعظيم قدرته لكي يتمكنوا من الاستدلال على إثبات وجوده وتوحيده فهذه الأرض التي نعيش فيها ومجموعة كبيرة من الكواكب التي تبهر النظر عند التأمل فيها، يقف الإنسان أمامها حائراً عند التأمل والتفكر فيها، ويسيطر عليه الإعجاب . ولكن بهذا التفكر يصل إلى المقصود، ويزيده إيماناً بعظمة الخالق ، وحيث إنّ الذين يصلون إلى المقصود ويعتقدون بوجود الخالق بهذه الأدلة أو غيرها هم المؤمنون، ولذا يخاطبهم الله وحدهم في بعض الآيات بقوله تعالى : (خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآية لِلْمُؤْمِنِيْنَ) ([11]) ، أي خلقهما لغرض صحيح لا باطل، بل من جهة انتفاع الناس وإفاضة الخير وإنزال الرحمة عليهم على اختلاف أجناسهم، بل عقائدهم، ولكي تكون آية على وجوده جلّ وعلا عند المؤمنين، لأنهم كما قلنا هم الذين يعتبرون بهذه الدلائل وينتفعون بها، بل هم الراسخون في الإيمان .
الرابع: الشمس والقمر آية على وجوده تعالى، قال تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ والشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) ([12]) ، أي من الآثار التي تدل على وجوده وتوحيده. وهي أظهر الآيات لجميع الخلق الليل الذي يحصل بغيبوبة الشمس وذهابها عن بسيط الأرض ، والنهار الذي يوجد بطلوعها. حيث جعل الأوّل لأجل الاستراحة، والثاني لأجل الكسب، وقدّرهما تقديراً مستقراً وسيّرهماعلى نظام دائم مستمر ، وفيهما آثار وخصائص غير قابلة للعد . ومن آيات قدرته أيضاً خلق الشمس والقمر وبما لهما وما اختصا به من نور ، والشمس هي الآية الكبرى على وجوده جلّ وعلا، وهي التي سخّرها الله تعالى لحياة جميع الكائنات الأرضية . انظر من أين تأتي بوقودها، فلو كانت تنفق مما اختزنت في بطنها ، لانخفضت درجة حرارتها بعد عام أو عامين أو أكثر وعلى هذا عمر الشمس لن يمتد كثيراً، ولكن لو نظر الإنسان إليها من الماضي إلى الآن لرأى أنها أعطت الأرض من الحرارة بمقدار معيّن لا ينقص ولا يزيد، وبهذا المقدار المعيّن يمكن للنبات والحيوان والإنسان أن يعيشوا على سطح الأرض. ولابدّ هناك من منظم يعطي الحرارة للشمس ويبقى الحرارة فيها، ويستمر في إمدادها بمقدار معيّن وترى أنّ صرف هذه الحرارة كما ذكرنا كان بمقدار معيّن لا يزيد فيحرق الموجودات، ولا ينقص فيجمّدها .
الخامس: العلم يدعو للإيمان، قد يقال بأنّ العلم يؤدي بصاحبه إلى الإلحاد، وأنّ الكفر من ضروريات العلم. فإنّ أكثر الناس علماً هو أكثرهم إلحاداً .
قلنا : على العكس إنّ العلم يؤدي بصاحبه إلى الإيمان ولم يكن يؤدي به إلى الإلحاد في زمن من الأزمنة، بل العالِم المنقب حينما ينظر إلى هذا الكون وهو يريد في الواقع، الوصول إلى هذه الحقائق، ويجد نفسه في وسط عالَم لا حدّ له يسوده نظام محكم، لا تشوبه شائبة الفوضى ، فهو بعد التفكر والتأمل التام يخرّ ساجداً ويعتقد بأنّ هناك قدرة إلهية عظيمة أوجدت هذا الكون، ونظمته تنظيماً كاملاً حدوثاً وبقاءً ، ولا شكّ بأنّ العلوم تزيد الإنسان تبصّراً بقدرته تعالى وعظمته . وكل ما اكتشف الإنسان جديداً في دائرة بحثه، ازداد إيمانه بالله تعالى بل بعد تفكر عميق يقرّ بأنّ العلوم سوف تضطرّ الإنسان العالِم إلى الاعتقاد بالله جلّ وعلا ، بل أقوى وأنبل نتائج البحوث العلمية هو الإيصال إلى  الإيمان بالله ، ففي الحقيقة إنّ الإيمان والعلم متكاملان ولا يتنافيان خلاف ما يقوله الماديون في التنافي بينهما ، بل العلم الصحيح يؤدي إلى زيادة الاعتقاد بالله، لا أنّه يوصله إلى نكران وجوده تبارك وتعالى ،
وقد ينادي القرآن الكريم بأعلى صوته منذ أربعة عشر قرناً بأنّ الذين يخشون الله على الوجه الأكمل هم العلماء. وتزداد الخشية عندهم بعد النظر العميق والتحقيق الدقيق ووقوفهم على أسرار هذا الكون وإبداعه ونواحي الإعجاز فيه ما لا يظهر لغيرهم ، قال تعالى : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَماءُ) ([13]) ، لأنّ الخشية دليل على معرفته ، فكل مَن كانت خشيته أكثر كانت معرفته بذاته المقدسة أكثر .
وروي أنّ النبي إبراهيم (عليه السلام) إذا قام في محرابه سُمع من صدره صوت كصوت القدر حينما يغلي فيه الماء من خشية الله ، وكان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا حضر وقت الصلاة يتغير لونه الشريف إلى الصفرة والحمرة وكان مثل الذي في حال نزعات الموت من كثرة الخشية ، وكان أثناء صلاته وتسبيحه يُسمع له أزيز كأزيز المِرجل ، وهكذا وصيه بالحق أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) إذا هيّأ نفسه المقدسة للصلاة لا يلتف يميناً وشمالاً بل تنزع حينئذ منه النبال التي كانوا يرمونه بها في الحروب، ولا يتأثر بذلك، لكمال توجهه إلى معبوده، وتوغله في ذاته، وأقصى خوفه منه تعالى . وكان (عليه السلام)يُغشى عليه في مناجاته ويصبح أثناءها كالخشبة اليابسة ، وكان ولده الصادق (عليه السلام) غير قادر على التلبية ويقول أخاف من ربي أن يقول : لا لبيك ولا سعديك .
والمراد من العلماء هم العارفون به والمتفكرون في آياته ، وكل مَن كانت معرفته أكثر زيد في إيمانه وخوفه ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ أخشاكم لله أتقاكم له» ([14]) ، وقوله تعالى : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُوْلُوْا العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ) ([15]) . وشهادته جلّ وعلا هي إعلامه بالوحدانية والألوهية بالدلائل الظاهرة والحجج الواضحة القاطعة ، من ذلك خلق العوالم الإمكانية وتنظيم الكائنات من الأزل والأبد ويكون هذا التنظيم على نسق واحد ، وكذلك الملائكة شهدوا بذلك وهكذا العلماء . وحيث نرى أنّه جلّ وعلا جعل شهادته وشهادة العلماء بوجوده ووحدانيته وكذا شهادة الملائكة في درجة واحدة .
والمراد منهم أولوا العلم والعرفان من البشر الذين نوّر الله تعالى قلوبهم بنور الإيمان الراسخ. ولا يتطرق إليهم أيّ شك بل يزدادهم إيماناً بعد النظر إلى عجائب صنعه وبديع نظامه الدائم المستمر الذي لم يتطرق إليه  أيّ خلل ، بل بهذا النظر تحصل لهم أدلة واضحة قوية يرشدون بها الجهّال، ويبطلون بها أدلة المعاندين، ويجعلونهم يقرّون بوجوده ووحدانيته تبارك وتعالى .
وهناك أدلة أخرى يمكن الاستدلال بها على وجوده جلّ وعلا قد أعرضنا عنها اختصاراً للبحث . نعم سوف نذكر أدلة المتكلمين والحكماء على إثبات وجوده تعالى بما يتلاءم وحاجة البحث .
([1]) مريم / 65 .
([2]) الملك / 23 .
([3]) المؤمنون / 12 ـ 13.
([4]) لقمان / 10 ـ 11 .
([5]) الزمر / 5 ـ 6 .
([6]) الروم / 20 ـ 24 .
([7]) نهج البلاغة ، تحقيق محمد عبدة ، ج30، ص335 ـ 336 .
([8]) توحث المفصل ، ص37 ـ 38 .
([9]) يونس / 101 .
([10]) الأعراف / 185 .
([11]) العنكبوت / 44 .
([12]) فصلت / 37 .
([13]) فاطر / 28 .
([14]) البحار: 70: 344.