الفصل الثاني: الرحمة الالهية غير قابلة للادراك

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

هل ان رحمته قابلة للادراك أم لا؟

لايخفى بما ان الاحاطة بها غير ممكنة، والعقل البشري قاصرٌ عن ادراكها بجميع جوانبها، لان رحمته تعالى غير متناهية.
وقد استدلوا بالآية الشريفة: (وَلَوْ أَنّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِذَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) ([1]) أي مظاهر رحمته الواسعة.
ولكن الحق: بان المراد من الآية الشريفة بالكلمات هي الكلمات التي تعبر عن معلوماته ومقدوراته أي: بما أن معلوماته ومقدوراته غير متناهية، فكلماته التي تعبر عنهما أيضاً تكون غير متناهية، ولايمكن كتابتها بتلك الأقلام وتحديدها بعد عدم تناهيها ولذا أشير في ذيل الآية (ان الله عزيز حليم) أي غالب على كل شيء ولايخرج عن علمه شيء.
هل أن الرحمن صفة أو علم؟
1) قد يقال بأنه صفة لا علم ـ لكن الحق أنه علم بدليل الآية: (قُلْ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحمنَ) ففي هذه الآية وقع الرحمن بمثابة العلم حيث ان كليهما مشيران الى معنى واحد وهو ذات الباري جلّ وعلا وقد ورد عن تفسير الآية: بان المشركين (قالوا عندما سمعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلوها ويقول: يا الله يا رحمن: نهانا ان نعبد الهين ويدعو هو إلهين. وقد ردهم الله تعالى بأن: قول النبي ـ يا الله يا رحمن، يكون اللفظان مشيرين الى معنى واحد فأياً ما تدعوا من هذين الاسمين الاقدسين، دعوتم الله! كما أنه لو دعوتموه ببقية الاسماء الحسنى فيكون حسناً لأنها عين ذاته. كما ورد في الآية الشريفة: (أياً مّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) ([2]).
2) أنه وقع في ابتداء الكلام ولو كان وصفاً لم يقع كذلك. كما وقع في الآية الشريفة (الرَّحْمنُ عَلَّمَ القُرْآنَ..) ([3]) اذاً هو من اسمائه المختصة، وعلَم استأثره الله لنفسه لا وصفاً! ففي كل مكان يجتمع مع الرحيم يقدم الرحمن، لانه علم وموصوف، والرحيم صفة! ودائماً يقدم الموصوف على صفته.
قال الطبرسي: وانما قدم الرحمن على الرحيم لان الرحمن بمنزلة أسم العلم من حيث لايوصف به الا الله، فوجب لذلك تقديمه بخلاف الرحيم لانه يطلق عليه وعلى غيره ([4]).
وأما ما قيل: بان الرحمن كما أنه يختص بالدنيا والرحيم بالاخرة وبما أن الدنيا مقدمة على الاخرة يكون المقدم للمتقدم والمؤخر للمتأخر.
أو أن الرحيم يذكر مقروناً بالغفران والتوبة في جملة من الآيات الكريمة. والغفران الذي هو نتيجة التوبة يكون في الآخرة، اذاً الرحيم يكون مختصاً به.
ولكنْ هذان القولان من الأمور الاستحسانية ولايمكن الاستدلال بهما، مع أنه قد ورد في بعض الآيات الشريفة لفظ الرحيم بالنسبة الى الدنيا قال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيْماً) ([5]) أي لاتلقوا بانفسكم الى مواطن الهلاك لان قتل النفس غير جائز الاّ في الموارد المأذونة من الشارع المقدس، كالجهاد فانه تعالى كان بكم رحيماً عطوفاً، ولايريد أن يوقع الضرر بكم، خصوصاً ضرر القتل، وأيضاً قد ورد في الدعاء: (يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما) كما مر، حيث أن الرحيم يشمل الدنيا أيضاً فتأمّل.
الروايات الواردة في الرحمن الرحيم
(1) في الصافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا وفي رواية: العاطف على خلقه بالرزق لايقطع عنهم مواد رزقه وإن أنقطعوا عن طاعته.
أقول: رزق كل مخلوق ما به قوام وجوده وكماله اللائق به، اما الرحمة الرحمانية تعم جميع الموجودات وتشمل كل النعم قال تعالى: (رَبُّنا الذِي أَعْطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثِمَّ هَدَى) ([6]).
وأما الرحمة الرحيمية بمعنى التوفيق في الدنيا والدين، فهي مختصة بالمؤمنين. وماورد من شمولها للكافرين فانما هو من جهة دعوتهم الى الايمان والدين. مثلما في تفسير الامام من قولهم(عليهم السلام): الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعته. كما سيأتي الحديث عنه.
(2) عن سفيان بن يحيى الى أبي عبدالله (عليه السلام): «... الى أن قال: قلت الرحمن. قال بجميع العالم قلت: الرحيم، قال: بالمؤمنين» ([7]).
(3) وقد ورد في الدعاء: يارحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
(4) عن الامام الصادق (عليه السلام): «ان الرحمن اسم خاص لصفة عامة والرحيم اسم عام لصفة خاصة» ([8]).
(5) روى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ان عيسى بن مريم قال: الرحمن رحمن الدنيا والآخر»ة ([9]).
(6) ورد عن أمير المؤمنين: «ان الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا أو العاطف على خلقه بالرزق لايقطع مواد رزقه وان انقطعوا عن طاعته» ([10]).
(7) وفي تفسير الامام: الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعته وبعباده الكافرين في الرزق وفي دعائهم الى موافقته» ([11]).
(8) عن أمير المؤمنين: الرحيم بنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا. خفّف علينا الدين وجعله سهلاً خفيفاً وهو يرحم بتمييزنا عن أعداءه.
([1]) لقمان: 27.
([2]) وقد مرت هذه الآية.
([3]) الرحمن: 1.
([4]) مجمع البيان: 21.
([5]) النساء: 29.
([6]) طه: 50.
([7]) التوحيد/باب معنى بسم الله... ص230 حديث 2.
([8]) تفسير البرهان: ج1 ص2. وقد مر الحديث عنه.
([9]) مجمع البيان: ج1 ص21.
([10]) بيان السعادة: ج1 ص28.
([11]) بيان السعادة: ج1 ص28.