المـقدمة

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

رسالة الرسالة

(إِنّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ)

وله الحمد على ما أنعم وسدّد والصلاة والسلام على خير الأنام الأمجد سيدنا و نبينا محمّد(ص) وآله الذين اصطفى ومن شايعهم وتابعهم إلى الأبد.

أيّها المؤمنون في كلّ مكان وزمان السلام عليكم تحية الايمان و التقوى ورحمة العدل والهدى.

أمّا بعد فقد قال العظيم في محكم كتابه الكريم: (لاَ يَتّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِيْ شَيْ‏ءٍ إِلّا أَنْ تَتّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ).

إنّ الدين الحقيقي هو الذي يستطيع أن يلبّي كلَّ الحاجات المعتدلة لبني آدم أنّا وكيفما كان، بل ولغيره أيضاً، كما هو الذي يقوم بتصحيح المسار لحركة الفرد والمجتمع، وهو الضامن الوحيد لسعادة الدارين. ومن هذه الحيثيات والجهات وغيرها نحن نرى الاسلام العزيز فهو الدين الوحيد الذي استطاع ـ عبر خط التأريخ الطويل ـ ولازال و سيبقى القادر على تنظيم كلّ شؤونات و متطلّبات الفرد والمجتمع على طول الخط وفي كلِّ مسألة، صَغُرت أم كبُرت وجُدت أو ستوجد، وأنَّ من جملة المسائل الهامة التي يحتاجها الانسان وخصوصاً الرسالي صاحب الهدف المقدس في إيصال صوت الدين، والنهوض بالاُمة بالمستوى الذي يرتضيه الله عزّ وجلّ لها، هي مسألة التقية والحذر من المخاطر والمخاوف، سواءً أكانت آفاقية أم أنفسية، وسواء من فرد عن فرد أو عن مجتمع، فبالنسبة للحذر والتحفّظ والوقاية من الاُمور الكونية فإنَّ الله سبحانه و تعالى أوجد في الانسان بل حتى في غيره جانباً من قوّة الابداع العقلي وكذا البدني في التصدي العلمي والعملي الى موجات الأخطار، ولغيره الجانب الغريزي، كما جهّز تبارك و تعالى الكون بمسائل دقيقة للغاية في ردع الأخطار، أجل ربط بعضها بسلوك الانسان، سواء فرداً كان أو مجتمعات، ذلك لأننا عدلية، فلاجبر ولاتفويض بل أمر بين أمرين، كما يقول زعيم مذهبنا الامام الهمام الصادق جعفر بن محمّد(ع)، فإذا ما استقام واعتدل فإنَّ الأخطار المحدقة به ستضمحل بل تزول.

وقد بسطنا الكلام في أطراف هذه النظرية الدقيقة في عدة كتب منها: نظرات في علم السلوك، ومنها: خارطة الزواج الاسلامي، ومنها: رسالتنا الأولى في الربا المطبوعة أخيراً.

ولأجل عدم التعليق أدعوك في رسالتي هذه الى التدبّر في بعض الآيات من كتاب ربنا سبحانه لكي يتضح لك المقصد أو شيئاً منه إن شاء الله تعالى، فمنها قوله جلّت قدرته: (وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى‏ آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

ومنها قوله تعالى: (فَدَعَا رَبّهُ أَنّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السّماءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى‏ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) و(فَلَمّا نَسُوا مَاذُكّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْ‏ءٍ حَتّى‏ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ) و...

وبالنسبة إلى التقية ـ محل البحث في هذه الرسالة ـ فلمّا كانت ممارستها حالة يومية، إذ يحتاجها الانسان في أكثر من قضية من قضاياه الحياتية بل الاُخروية ـ على تفصيل سيأتي بيانه ـ نصَّ الشارع المقدّس عليها، فجوزّها بل جعلها تسعة أعشار الدين بل دين الله عزّوجلّ...، كما سيأتي بيان ذلك في مطاوي الحديث.

وعلى هذا الأساس فستبقى هذه المسألة قائمة مع قيام بني آدم في الحياة المكدَّرة، ولكنها ربّما تختلف صورها بحسب الزمان والمكان، ومن حيث القوة والضعف، بل من حيث الشخص أو المجتمع ومكانته، فتارة تكون واجبة كما في مواطن القسر والأجبار، واُخرى تكون مندوبة محبوبة كما في مواطن المجاملة والمداراة، ولكنها في طرف ثالث قد تحرم، بل نقول: إن مفهومها ينعكس في هذه الحالة من كونها خوفاً وحذراً على النفس أو المال أو العرض إلى كونها خوفاً وحذراً على اضمحلال الدين وزوال شوكته إن سكت المؤمن عندما يتعرض الدين الحنيف إلى هجمة ونكبة ربما تؤدي الى زواله، والمحافظة على الغير نفساً وعرضاً إنّما هو حفاظ على المطبقين لتعاليم الدين، فهنا تحرم التقية لأجل حفظ النفس وتابعيّها، بل يجب بذل الجميع في سبيل إعزاز الدين، فالاتقاء يكون حينئذٍ على الدين لبقائه، وهنا لابقاء له إلاّ ببذل كلّ غال ونفيس وما قيمته تجاه المنقذ كما أشرنا في حقيقته، فإنّها أمرنا هنا بالبذل كما أمرنا هناك بالحفظ.

وبهذا نستطيع أن نجمل التفسير لقوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ) فإنَّ من التهلكة تضييع الدين في صورة الخوف عليه وعدم الدفاع عنه، فحينئذ نَهلك ونُهِلك، كما ورد في تفسيرها بالتقية.

وبهذا أيضاً نستطيع أن نجمل القول في النهضة الحسينية المقدّسة، وعليه فلايمكن أن تكون التقية بمعناها الأعم من مخلّفات العصور البائدة كما يحلو ذلك للبعض أن يقول فيها ذلك؛ لأنّ الأمر الذي ينص عليه الكتاب الشريف والسنّة الكريمة والمنهج المبارك لآل محمّد(ص) لا يمكن أن يتخلَّف بعد اعتقادنا بأنَّ الكتاب الكريم إنّما جاء للتطبيق، وكذا سيرة الرسول وآله(ص) باعتبارهم القدوة والاُسوة الحسنة، ولذا لو قرأنا مسألة التقية في التأريخ لوجدنا أنَّ التطبيقات للمفردات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و.... موجودة حتى اليوم، لكن قد تختلف الصور كما ذكرنا مع اتحاد المحور والجوهر، فلغة الحذر والتحفّظ لغة قد يعتبرها بعض المتعصرنين اليوم أنّها لغة المخابرات العالمية والسياسات الدولية، مع أنَّ هذا المنطق والتطبيق إنّما هو منطق الرساليين وأصحاب الحركة الدينية كما سيتجلى لك الأمر في مواقف التقية عبر التأريخ، ولذلك استطاع قادة حركات التحرر الاسلامية عبر المدّ التأريخي أن يتحركوا ضمن هذه المسألة الشرعية وحتى الأنتصار، بل أثّروا حتى في أعدائهم من خلالها، أجل لايمكن استخدام منهج التقية بالمعنى السلبي ـ من الأنبياء والأئمةF بل غيرهم من القادة الصالحين ـ في التخلّي عن أساس العقيدة الحقة كالتوحيد والنبوة والامامة والمعاد، بل هم هنا يستخدمون التقية بمعناها الايجابي عند المذبح والمنحر لأجل الحفاظ على الدين كما أكدنا، ثم يبقى تفسير الممارسات لهذه المسألة من نتاج دراسة تأريخها بدقة ورويّة.

ثمة شيء بقي لابد هنا من ذكره وهو اننا كباحثين اسلامين وكشيعة موالين لايمكننا أن نتخلّى عن المفردة التي نطق بها الكتاب الشريف والسنّة المباركة، وهي هنا لفظة التقية، فلايمكن في المبحث الديني البحث أن نعبّر عنها بالوسائل أو المقاص أو الغاية تبرر الوسلية. هذه وغيرها اُمور سنأتي عليها مفصّلاً مع الدليل في ثنايا البحث وأطرافه إن شاء الله سبحانه، ونسأل الله العلي القدير القبول والاقبال إنّه سميع مجيب. والسلام عليكم بدءً وختاماً ورحمة الله وبركاته.

قصة التأليف لهذه الرسالة

وأمّا قصتي مع هذا التأليف فهي: انّي لما اقترب شهر الله سبحانه ـ شهر رمضان المبارك ـ وبحكم الوظيفة المقدسة للوعظ والارشاد دعاني سماحة أستاذنا وشيخنا المدقق آية الله شمس الدين الواعظي (دام ظله الوارف) وأخوة الايمان والعقيدة في مجمع الامام الحسين(ع)، لأجل إلقاء المحاضرات الدينية والمجالس الحسينية الشريفة على جمع من المؤمنين، وعلى الاخص الشباب الذين هم أمل المستقبل، وكان الوقت بعد الأفطار بحوالي ساعتين، وحينما أخبرني شيخنا المحقق mدامت إفاضاتهn بأنَّ هناك درساً قبل المجلس الكريم ولّما سألته ـ حفظه الله عن عنوان الدرس وموضوعه أخبرني أنّه ينوي البحث في موضوع دقيق وحساس من مواضيع الفقه والتاريخ الإسلامي، وهو بحث في التقية، ففرحت بذلك ووعدت جنابه بملازمة الحضور، في مجلس درسه، ومع كثرة مشاغلي وعلائقي وفّقت ولله الحمد للحضور، فكنت أستمع إليه بكلّ إصغاء وهو يدلي بالموضوع ودليله، ويشكل عليه ويردٌّ الاشكال بتدقيق رائع وبيان وافٍ، فأعجبني الموضوع جداً لما له من مساس ليس فقط في صميم مجتمعاتنا الاسلامية، بل لما له من ربط دقيق في معاملاتنا مع كلّ البشرية، سواءً في الحالة الاجتماعية أو السياسية الدينية منها والدنيوية، وذلك لأنّ هذا البحث ـ وكذا كلّ البحوث الاسلامية ـ تمتلك الدقة كما المرونة في التعامل الاسلامي من الفرد المسلم للمسلم ولغيره أيضاً.

فالتقية حالة رسالية يستطيع المؤمنون من خلالها أن يوصلوا الدين ويبلغوا رسالته بحركة فاعلة لاتثير الحقد والغلّ في الصدور، وهذا ما كان ـ بما سترى ـ ما يشير إليه الاستاذ من قريب أو بعيد على المسألة، خصوصاً عند جهتها المداراتية، فكان لي الأمل الكبير أن أكتب هذا البحث وأنقح جهد المستطاع ـ الشارد منه والوارد ـ وأعالج القريب منه والبعيد على ضوء فكرة الأستاذ ثم أعرضه عليه.

وهكذا كان حيث استجيبت الدعوة بعد وقوع العمل وحصل ما كان يُؤمل، ومن أكثر قرع الباب وطرقه يوشك أن يفتح له.

وبصراحة أقول: إنَّ المسألة تبقى بعد توفيق المنّان سبحانه بحاجة إلى جهد وعناء، وعلى كلّ حال كتبت ما تسنّى لي وعرضته ـ كما هي العادة الجارية ـ على اُستاذ المادة، فلمّا وقع بصره عليه (دام ظله) أعجبه التصنيف وبارك الجهد ودعا بمزيد من التوفيق والتسديد، فله منّي ألف شكر وتقدير، وأسال الله بنور محمّد وآله(ص) أن يحفظه ويرعاه أباً عطوفاً على أولاده، ورسالياً أوقف نفسه في خدمة الدين وأهله، وكما لايفوتني أن أشكر كلَّ الأعلام والأصحاب الذين أطلعوا على هذا النتاج وغيره، فباركوا وشجّعوا جزاهم الله خير الجزاء، وأثلث هذا الشكر أيضاً إلى كلّ من ساهم في طبع الكتاب وتصحيحه، وأسأل الله سبحانه أن يزيد في توفيقنا جميعاً إنّه سميع مجيب.

تنبيهات في الصميم

ثمّ إنَّ ممّا ينبغي واُخرى يلزم التنبيه عليه في مقدمة الرسالة عدة اُمور هامة وهي كما يلي:

الأوّل: حاولنا في هذه الرسالة نقل أغلب الروايات المتعلقة بهذا البحث، وذلك ما تقتضيه خصوصيته ومنهجيته، وثم ينفعنا هذا النقل بالأضافة إلى هذا بعدة أمور منها:

أ ـ إنّنا من خلال المعايشة للروايات محل البحث سوف يحدث عندنا جوّ عام يصوِّر لنا الحركة الاجتماعية التي عولجت من جانب المسألة الشرعية، وليس هذا يعني تحكيم سلطان الحركة الاجتماعية على مفاد الحكم الشرعي، بل لما كانت خصوصية الظرف قائمة في هذه الجنبة جاء الحكم الشرعي عليها بياناً وتخفيفاً وتسهيلاً من الله سبحانه على عباده، ولولا هذا التسهيل الوارد في موارد الاضطرار والعسر والحرج لانصرف الكثير من الناس عن الدين حتى في غير هذه الموارد. وهذه نكتة هامة ودقيقة أتخذت في جانب الحكم الشرعي، ولمّا كان المقام لايسع هنا الى التفصيل تركناه في كتابين لنا هما: آيات الصيام دراسة وتحليل، وآداب التلاوة بحث واستدلال، فالاشارة هنا كما التفصيل هناك بحول الله وقوّته.

ب ـ أنَّ نقل آراء وروايات الطرفين بل الأطراف تلزم الانسان الباحث أن ينحو في الحديث والبحث منحى الاعتدال وعدم التعصّب لرأي من الآراء إلاّ بعد تحقيق القول فيه، وحينئذٍ سيكون ذات النقل مثبتاً للمسألة وردّاً على من كذّبها وشنَّع بها على أصحاب الحق، وعليه فستكون هذه الرسالة بمشيئة الله تبارك وتعالى إحدى حلقات السلسلة للردّ على الاتهامات الباطلة والانتقادات السقيمة التي وجهت إلى الطائفة الحقة المحقة، ويترتّب على هذا الأمر اسقاط التكليف في دفع المنكر، وبعدها فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها.

ج ـ إنّنا بالنقل للحدث والحديث نثبت ما أشرنا إليه من أنَّ التقية ممارسة يومية، فإنَّ نفس كثرة الأخبار وكثرة الحديث بها، وثُمَّ الأحداث التي يحفل بها التأريخ لهي دليل واضح وبرهان ساطع، على أنّها كانت ممارسة واقعية في المجتمع الاسلامي، وعلى هذا فستبقى مع وجود الظروف وعواصف الأحداث، وليست هذه المسألة حتى من الجانب الأثري والتراثي من مختصات الشيعة، بل أنَّ السنّة كما غيرهم من بقية الملل والنحل أيضاً عملوا بها، كما سيتجلى الأمر في ملفّ الرسالة ووثائقها.

الثاني: أنَّ التقية كمبحث فقهي وتأريخي وسياسي واجتماعي واقتصادي و... وإن كتب عنه الكثير إلاّ أننا لاحظنا حاجة المكتبة الاسلامية إلى كتاب مستقل يمارس عملية الاستنباط لأصل المسألة وجذورها وفروعها، وأنَّ الفقهاء وإن بحثوا مسائلها ولكنهم على الأعم الأغلب جعلوها طيّاً في كتبهم الاستدلالية التفصيلية أو التفسيرية الموسعة، فكان البحث فيها موزعاً على أرجاء الأبواب الفقهية غير مضبوط في مفهرسة واحدة، ولذا جاء هذا الكتاب أوّلاً وبالذات كمحاولة متواضعة لجمع وتنقيح وتوضيح شتات المسألة خدمة لطلاب العلم في السلك الحوزوي، ومع ذلك فهو بمجموعه كأحداث ورؤى وأسئلة وإجابات يمكن أن يكون ـ وكما هو طموحنا دائماً فيما نكتب ـ عامّاً لكلّ الطبقات وعلى مختلف المستويات، وسعينا في عملية الدمج هو الخدمة للجميع إن شاء الله تعالى. وكلّنا أمل أن نُحرِّك عنصر الانفتاح أكثر على المجتمع الاسلامي الذي يحب الدين وأهله، بل الانساني الذي يتعشّق الى المعرفة، وأنَّ من العناصر الاساسية لذلك هو مرونة الطرح وتوضيحه قدر الإمكان لكي تتضح نبرة مباحث الاستدلال إلى المطالع الذي يرغب بثقافة الدين بنحو عميق لاسطحي. ولعلّنا نصل من خلال هذا الأمر الى عقد أواصر الارتباط أكثر بين الحركة الدينية والحركة الثقافية لكي ينطلق الجميع الى التغذي الحقيقي من معالم ديننا العزيز وعلى كافة المستويات باذن الله تعالى، ولسنا في مقام التدليل على صحة الفكرة وواقعيتها إلاّ بالوجدان الحاكم بذلك والتفصيل في غير هذا الكتاب.

الثالث: نلفت النظر أنّنا لانعني بالممارسة اليومية للتقية الأنزواء عن مرافقة الأحداث ومتابعة المسائل الدائرة سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، وعدم بحث التطوّرات العلمية والتقنية، بل على العكس تماماً، فإنّ بوسعنا أن نقول: إنَّ لممارسة التقية نكتة دقيقة لغلبة جانب الحق على جانب الباطل، فإنَّ أعدائنا يحاولون بكلِّ جدٍّ للسيطرة على الشعوب الاسلامية، بل لجعلها أسيرة تابعة لهم بما تُقدِّم، فتأتي الممارسة كعملية دقيقة جداً للسيطرة على كلَِّ الأمور بكامل الهدوء والاتزان إلى حين الوصول إلى الهدف المقدّس، وهو نصرة الدين وأهله وإعلاء كلمته، وفي هذا الصدد يقول رسول الله(ص): mاستعينوا على الحوائج بالكتمان لهاn. وهذا يمكن أن يأتي مع الحرب الحارة فضلاً عن الباردة، وقد أكدنا على هذه النقطة في كتابنا mوصايا رسالية الى القادة والقاعدة لحركات التحرر الأسلامي وفي كتاب نظرة من واقع الانتفاضة وبهذا الموضوع وردت روايات كثيرة جداً تؤكد عليه، ونتبرك ببعضها هنا، وعلينا النقل وعليك التأمّل فيها.

فمنها: ما عن الصادق(ع) قوله:   )من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا(.

وقوله(ع): )ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطاءٍ، ولكن قتلنا قتل عمد).

ويقول(ع) أيضاً في قوله تعالى: (ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق...، والله ما قتلوهم بأيديهم ولاضربوهم بأسيافهم، ولكنهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا).

ومن وصاياه(ع) لأبي جعفر محمد بن النعمان الأحول: mيابن النعمان إنَّ العالم لايقدر أن يخبرك بكلّ ما يعلم، لأنّه أعلم به منكم.

ومنها: عن أبي بصير قال: mسألت أبا عبدالله(ع) عن حديث كثير، فقال: هل كتمت عليَّ شيئاً قط؟ فبقيت أتذكّر، فلمّا رأى ما بي قال: أمّا ما حدّثت به أصحابك فلابأس، إنّما الاذاعة أن تحدّث به غير أصحابك و...

الرابع: ينبغي إلفات النظر أنَّ الأشخاص قد يختلفون في الحكم بها كلّ من حيث شخصيته وزمانه ومكانه، لكن تشخيص الموضوع الكلي والعام أمر يحتاج إلى رأي ذوي الخبرة، وأمّا تشخيص الموضوع للحكم فإذا لم يحدد الشارع موضوعاً فمداره العرف، وفي موضوع الضرورة صاحبها أعلم بها.

الخامس: إنّنا نريد بكتابنا هذا بيان الرأي الشرعي والتأريخي ـ كما أشرنا لهذه المسألة ـ وبعد هذا وذاك كلٌّ يأخذ بتصوّره حول كيفية التقية عند أهل البيتE، فنحن هنا نقلنا الروايات لأنّنا نرى أنَّ الحديث في أساليبهمE حديث بعيد الغور لاتستطيع جملة من الأوراق أن تجمع أطرافه أو تحدد النكتة الواحدة في مجمل الاُمور، فالرواية كما عمل المعصوم(ع) هو الحجة في المقام، والذي يمكن قوله بايجاز مختصر جداً هو أنَّ قائد الدين يستطيع أن يُمرّن الحكم المتحرك بحسب طاقات الأشخاص وظروفهم، وهذا ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

السادس: ثم إنّ التفكير والمباحثة للمسألة الشرعية التي نصَّ عليها الكتاب الشريف والروايات توصّلنا عند تحريك الحديث بها على الأقل إلى أجواء معرفة بقية الأحكام و نفس الحكم المبحوث أوّلاً، ففي دراسة التقية نتعرّف على كثير من الروايات التي استخدمت هذا المنهج في منثور الفقه الاسلامي، ثم إنّها ستكون إحدى العلاجات عند تعارض الأخبار حين وجوده، وأنَّ هذه المعالجة تحتاج إلى تثبيت جذورها الشرعية أوّلاً لكي تستند بقية المسائل إليها، وحينئذٍ لامبرر، بل لا إلتزام بما يقوله موسى الموسوي في كتابه _ الشيعة والتصحيح _ لأنّه هو وكتابه ومن على شاكلته يحتاج الى تصحيح عندما يقول في اعوجاجه: (إنّني اعتقد جازماً أنّه لاتوجد اُمة في العالم أذلّت نفسها وأهانتها بقدر ما أذلت الشيعة نفسها في قبولها لفكرة التقية والعمل بها، وهنا أنا أدعوا الله مخلصاً وأتطلّع إلى ذلك اليوم الذي تربأ الشيعة حتى عن التفكير بالتقية ناهيك عن العمل بها)!!

فإنّنا أيّها الدكتور فكّرنا بها بل وعملنا كما سترى في رسالتنا، وما اختيار العنوان إلاّ للتأكيد أكثر على مشروعية الحكم وموضوعه، ومن أخطائك أيّها الدكتور وعدم تدبّرك أنّك لم تعلم أنَّ التقية موجودة عند جميع الأديان مطلقاً، كما أنّها عند العامة والخاصة من المسلمين، وأنّنا إنّما كتبنا هذه الجملة لارداً على زعمك، إذ الردّ سيأتي تفصيلاً، ولكن إنّما كتبنا لكي يستيقظ الشباب المؤمن الصالح الذي نأمل منه أن لاينخدع بهذه المهاترات التي تصدر بين الحين والآخر، مع التفخيمات والتضخيمات، ونرجو من الله الهداية للجميع الى طريق الحق والصواب، وإنّنا لنرى أنَّ التقية حركة فقهية مباركة تؤول نتائجها إلى صالح الفئة المؤمنة، ولنا في شباب أهل الكهف خير دليل، وأنّها لمن الأساليب والممارسات الفنية الرائعة لنجاح العمل الديني، ومساعدة العقل لهذه المسألة إنّما هو من آثار التعبد الشرعي للحكيم سبحانه الذي أمضاها.

السابع: مما يلزم إلفات النظر إليه هو ما نبّهنا عنه في رسالة الربا من أنّنا إذا قلنا أستاذنا الأعظم فالمعني به هو آية الله العظمى السيد الخوئيR، وإذا قلنا اُستاذنا المحقق فالمراد به هو آية الله العظمى السيد البجنورديR، وهما من أساتذة اُستاذنا ـ دام ظله ـ.

الثامن: قد تلاحظ نحواً من التكرار في بعض أطراف الحديث فتلك من خصوصيات البحث والاستدلال على المسألة محل الطرح فيجري عليها البحث بما تمتلك من خصوصية دقيقة ولذا فقد يطالها البحث عدة مرات.

التاسع: وهو الأخير ولعلنا أطلنا عليك الحديث ولكنني رأيت الوظيفة فيه ـ: إنَّ الهدف الأساسي في هذا الكتاب وكلّ كتبنا هو خدمة الدين والمذهب الحق ان شاء الله تعالى، كما وعلى الأخص خدمة الحوزة العلمية المباركة كما ذكرنا، ولذا فطلبي من أصحاب السماحة والفضيلة أن يسعفوني بملاحظاتهم البنّاءة القيّمة، ويرشدونني إلى مواطن الضعف والخلل، فجلَّ من لايشتبه، وسبحان من كتب الكمال لنفسه، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّد واله الأطيبين الأطهرين.

وأنا أحقر خدّام آل محمّد(ص)

والراجي شفاعتهم

والمتشرف بنسبهم

مجتبى بن السيد صالح بن السيد مهدي بن السيد محمد المعروف بالسويج

1416هـ

لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول

بجوار كريمة آل الرسول(ص)

فاطمة المعصومةI بقم المصونة

دروس البحث الخارج (الأصول)

دروس البحث الخارج (الفقه)

الإستفاءات

مكارم الاخلاق

س)جاء في بعض الروايات ان صلاة الليل (تبيض الوجه) ، و عند الأخذ بظاهر...


المزید...

صحة بعض الكتب والاحاديث

س)كيفية ثبوت صحة وصول ما ورد إلينا من كتب ومصنفات حيث أنه بعد الأسانيد...


المزید...

عصمة النبي وأهل بيته صلوات الله عليه وعلى آله

س)ما هي البراهين العقلية المحضة غير النقلية على النبوة الخاصة بخاتم المرسلين محمد صلى...


المزید...

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

س)شاب زنى بأخته بعد ان دفع لها مبلغ من المال وقام احد الاشخاص بتصويرهم...


المزید...

السحر ونحوه

س)ما رأي سماحتكم في اللجوء الى المشعوذين ومن يذّعون كشف المستور بالقران الكريم؟ وما...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية,...


المزید...

التدخين

ـ ما رأي سماحة المرجع الكريم(دام ظله)في حكم تدخين السكاير في الأيام العادية, و...


المزید...

العمل في الدوائر الرسمية

نحن مجموعة من المهندسين ومن الموظفين الحكوميين ، تقع على عاتقنا إدارة أوتنفيذ أوالاشراف...


المزید...

شبهات وردود

هل الاستعانة من الامام المعصوم (ع) جائز, مثلا يقال يا علي (ع) انصرني...


المزید...
0123456789
© 2017 www.wadhy.com

Please publish modules in offcanvas position.